2885960616263646566

الإحصائيات

سورة الإسراء
ترتيب المصحف17ترتيب النزول50
التصنيفمكيّةعدد الصفحات11.50
عدد الآيات111عدد الأجزاء0.60
عدد الأحزاب1.12عدد الأرباع4.50
ترتيب الطول12تبدأ في الجزء15
تنتهي في الجزء15عدد السجدات1
فاتحتهافاتحتها
الثناء على الله: 3/14 المُسبِّحات : 1/7

الروابط الموضوعية

المقطع الأول

من الآية رقم (59) الى الآية رقم (60) عدد الآيات (2)

ردٌّ آخرُ على المشركينَ طالبي الآياتِ بأنَّه لو جاءَتْ الآياتُ ثُمَّ كذَّبُوا بها لأُهلِكُوا كما حدثَ مع ثمودَ، ثُمَّ بيانُ أن ليلةَ الإسراءِ كانتْ امتحانًا للنَّاسِ هل يصدِّقُونَ أم لا؟ وأيضًا شجرةَ الزّقومِ.

فيديو المقطع

قريبًا إن شاء الله


المقطع الثاني

من الآية رقم (61) الى الآية رقم (66) عدد الآيات (6)

لمَّا نازعَ المشركونَ النَّبيَ ﷺ في النّبوةِ، وكذّبُوه حينَ أخبرَهم عن الإسراءِ وشجرةِ الزّقّومِ كبرًا وحسدًا، ناسَبَ ذكرَ قصَّةِ آدمَ عليه السلام وإبليسَ، إذ حَمَلَه الكبرُ والحسدُ على عدمِ السجودِ.

فيديو المقطع

قريبًا إن شاء الله


مدارسة السورة

سورة الإسراء

استشعر قيمة القرآن/ انتصار أمة الإسراء والقرآن على أمة إسرائيل والتوراة/ المسؤولية الشخصية/ المواجهة والتثبيت/ الإمامة في الدين

أولاً : التمهيد للسورة :
  • • عن أي شيء تتحدث سورة الإسراء؟:   قد يجيب البعض: «إنها تتحدث عن (رحلة الإسراء والمعراج)، وهذا واضح من اسمها ومن أول آية منها». أولًا: إنها آية واحدة فقط هي التي تحدثت عن رحلة (الإسراء)، وهي أول آية، آية واحدة فقط من 111 آية تتكون منها السورة، فماذا عن الـ 110 الباقية؟! ثانيًا: رحلة (المعراج) فلم تتكلم عنها السورة أبدًا، إنما جاء ذكرها في أول سورة النجم. فيبدو أن هناك موضوع آخر، وربما موضوعات تتحدث عنها سورة الإسراء.
  • • بين رحلة (الإسراء) وسورة (الإسراء)::   كانت (رحلة الإسراء والمعراج) تثبيتًا للنبي ﷺ وتأييدًا له وتكريمًا له، وتسرية عنه في وقت اشتداد المصاعب والمشاق، وما تعرض له من أذى وعداء، وكذلك كانت سورة (الإسراء) كلها تدور حول تثبيت النبي ﷺ في مواجهة المشركين المعاندين والمكذبين وتأييده بالحجج والآيات. وركزت السورة على القرآن الكريم؛ لأنه تثبيت للنبي ﷺ والمؤمنين وهم يواجهون أعاصير المحن ورياح الفتن، وهكذا يثبت الله عبادة المؤمنين في أوقات الشدائد والفتن، ويحدد لهم منابع القوة التي يستمدون منها الصبر وقوة التحمل والثبات على الحق
  • • سورة الإسراء والقرآن::   سورة الإسراء هي أكثر سورة ذكر فيها القرآن 11 مرة، وركزت على قيمة القرآن وعظمته وأهميته كما لم يرد في أي سورة من سور القرآن.
ثانيا : أسماء السورة :
  • • الاسم التوقيفي ::   «الإسراء».
  • • معنى الاسم ::   الإسراء: هو السير ليلًا، والإسراء أُطْلِق على رحلة الرسول ﷺ ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
  • • سبب التسمية ::   لأنها افتتحت بذكر قصة إسراء النبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
  • • أسماء أخرى اجتهادية ::   «سورة بني إسرائيل»؛ لأنه ذكر فيها من أحوال بني إسرائيل وإفسادهم في الأرض ما لم يذكر في غيرها، و«سورة سبحان»؛ لافتتاحها بهذه الكلمة، وذُكر التسبيح فيها في أكثر من آية.
ثالثا : علمتني السورة :
  • • علمتني السورة ::   تثبيت الله لعباده المؤمنين في أوقات الشدائد والفتن.
  • • علمتني السورة ::   استشعار قيمة القرآن، وقيمة المسؤولية عنه من قراءته وتنفيذه والدعوة إليه.
  • • علمتني السورة ::   أن كل إنسان يتحمل عاقبة عمله، ولا يتحمل أحد عاقبة عمل غيره، فالإنسان إن عمل خيرًا فلنفسه، وإن أساء فعليها.
  • • علمتني السورة ::   : احذر عند الغضب من أن تدعو على نفسك، أو أولادك، أو مالك بالشر: ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾
رابعًا : فضل السورة :
  • • عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يَنَامُ عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى يَقْرَأَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالزُّمَرَ».
    • عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْكَهْفُ، وَمَرْيَمُ، وَطه، وَالْأَنْبِيَاءُ: هُنَّ مِنْ الْعِتَاقِ الْأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي».
    • قال ابن حجر: «وَمُرَاد اِبْن مَسْعُود أَنَّهُنَّ مِنْ أَوَّل مَا تُعُلِّمَ مِنْ الْقُرْآن، وَأَنَّ لَهُنَّ فَضْلًا لِمَا فِيهِنَّ مِنْ الْقَصَص وَأَخْبَار الْأَنْبِيَاء وَالْأُمَم».
    • عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَئِينَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ». وسورة الإسراء من المئين التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم مكان الزبور.
خامسًا : خصائص السورة :
  • • سورة الإسراء -بحسب ترتيب المصحف- أول سور المُسَبِّحات؛ وهي سبع سور: الإسراء، والحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، والأعلى.
    • أكثر سورة يذكر فيها لفظ (القرآن)، ذُكِرَ 11 مرة، وهو ما لم يقع في سورة أخرى (تليها سورة النمل 4 مرات).
    • احتوت على السجدة الرابعة -بحسب ترتيب المصحف- من سجدات التلاوة في القرآن الكريم، في الآية (107).
سادسًا : العمل بالسورة :
  • • أن نتمسك بالقرآن الكريم، ونعتصم به؛ فإنه يهدي للتي هي أقوم.
    • أن نقرأ حادثة الإسراء والمعراج من صحيح البخاري، أو غيره من الكتب، ونستخلص منها الدروس والعبر: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (1).
    • أن نتيقن ونستحضر أن أول من يستفيد من إحساننا ويتضرر من إساءتنا هو نحن: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (7).
    4- أن نحذر من الدعاء على النفس والأهل بالشر، ولا نتعجل فقد يوافق ساعة استجابة: ﴿ وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا﴾ (11).
    • أن نتذكر دائمًا أن كل عمل نعمله من خير وشر سنجده مكتوبًا يوم القيامة: ﴿ وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا (13) ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا﴾ (13، 14).
    • ألا نؤثر الحياة الدنيا على الآخرة: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا (18) وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا (19) كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا (20) ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا ﴾ (18-21).
    • 7- أن نحسن إلى الوالدين ونبرهما ونتذلل لهما وندعو لهما: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا (23) وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ﴾ (23، 24).
    8- أن نُحْسن إلى الأقارب والمساكين: ﴿ وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ﴾ (26). • 9- أن نحذر البخل ونبتعد عن التبذير: ﴿وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ﴾ (29).
    • ألا نخشى الفقر على أنفسنا وأهلنا؛ فالله هو الرزاق الكريم: ﴿ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا﴾ (31).
    • أن نَحْذر من الوقوع في مقدمات الزنا؛ حتى لا نقع فيه: ﴿ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا﴾ (32).
    • أن نَحْذر من قتل النفس المعصومة: ﴿ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا﴾ (33).
    • أن نحذر من أكل مال اليتيم، ونلزم الوفاء بالعهود: ﴿ وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ﴾ (34).
    • ألا نتكلم بما لا نعلم؛ ونتيقن أننا سنحاسب علي ما نقول: ﴿ وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا ﴾ (36).
    • ألا نتكبر: ﴿ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ﴾ (37).
    • إذا تكلمنا مع الناس فلا نقول إلا الكلام الحسن؛ حتى لا يدخل الشيطان بيننا وبينهم، وتحصل البغضاء: ﴿ وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ﴾ (53).
    • أن نتنافس على القُرَب: ﴿ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ﴾ (57).
    • أن نكون مع الله في السراء والضراء؛ عند النعمة نشكر الله، وعند الضر ندعو الله وحده: ﴿وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا ﴾ (83).

تمرين حفظ الصفحة : 288

288

مدارسة الآية : [59] :الإسراء     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ ..

التفسير :

[59] وما منعَنا من إنزال المعجزات التي سألها المشركون إلا تكذيب مَن سبقهم من الأمم، فقد أجابهم الله إلى ما طلبوا فكذَّبوا وهلكوا. وأعطينا ثمود -وهم قوم صالح- معجزة واضحة وهي الناقة، فكفروا بها فأهلكناهم. وما إرسالنا الرسلَ بالآيات والعبر والمعجزات التي جع

يذكر تعالى رحمته بعدم إنزاله الآيات التي يقترح بها المكذبون، وأنه ما منعه أن يرسلها إلا خوفا من تكذيبهم لها، فإذا كذبوا بها عاجلهم العقاب وحل بهم من غير تأخير كما فعل بالأولين الذين كذبوا بها.

ومن أعظم الآيات الآية التي أرسلها الله إلى ثمود وهي الناقة العظيمة الباهرة التي كانت تصدر عنها جميع القبيلة بأجمعها ومع ذلك كذبوا بها فأصابهم ما قص الله علينا في كتابه، وهؤلاء كذلك لو جاءتهم الآيات الكبار لم يؤمنوا، فإنه ما منعهم من الإيمان خفاء ما جاء به الرسول واشتباهه هل هو حق أو باطل؟ فإنه قد جاء من البراهين الكثيرة ما دل على صحة ما جاء به الموجب لهداية من طلب الهداية فغيرها مثلها فلا بد أن يسلكوا بها ما سلكوا بغيرها فترك إنزالها والحالة هذه خير لهم وأنفع.

وقوله: { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا } أي: لم يكن القصد بها أن تكون داعية وموجبة للإيمان الذي لا يحصل إلا بها، بل المقصود منها التخويف والترهيب ليرتدعوا عن ما هم عليه.

ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر فضله على الأمة الإسلامية، ورحمته بها، فقال- تعالى-: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ....

وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية آثارا منها ما أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا. فقيل له: إن شئت أن تستأنى بهم، وإن شئت أن يأتيهم الذي سألوا. فإن كفروا، هلكوا كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم.

فقال صلى الله عليه وسلم: «لا.. بل استأنى بهم» ، وأنزل الله قوله: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ... .

قال الآلوسى: والمنع لغة: كف الغير وقسره عن فعل يريد أن يفعله، ولاستحالة ذلك في حقه- تعالى- لاستلزامه العجز المحال المنافى للربوبية قالوا: إنه مستعار هنا للصرف والترك ... » .

وقوله: أَنْ نُرْسِلَ في محل نصب لأنه مفعول ثان لمنعنا، أو في محل جر، على حذف الجار، أى: من أن نرسل، وقوله: إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا في محل رفع لأنه فاعل منعنا، والتقدير: وما منعنا من إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين.

والمراد بالآيات: ما اقترحه المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم من قلب الصفا ذهبا، ومن إزاحة الجبال عن مكة ليزرعوا مكانها ...

والمعنى: وما كان سبب تركنا لإجابة المقترحات التي طلبها المشركون منك- أيها الرسول الكريم- إلا علمنا بأنهم سيكذبون بها إذا جاءتهم، كما كذب بأمثالها أشباههم الأولون، وفي هذه الحالة فإنهم سيستحقون مثلهم عذاب الاستئصال كما جرت بذلك سنتنا.

وقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا- بأمتك أيها الرسول الكريم-، ألا نعذبهم عذاب الاستئصال والمحو، بل نؤخر عذاب الضالين منهم إلى يوم القيامة.

قالوا: ومن الحكم في هذا التأخير: الإظهار لمزيد شرف النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال- تعالى-: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، والرعاية لشأن من سيولد من بعضهم من المؤمنين، ولمن سيؤمن من هؤلاء المقترحين، إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها إلا هو- سبحانه-.

قال صاحب الكشاف: استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة ...

والمراد: الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا، ومن إحياء الموتى، وغير ذلك.

وعادة الله في الأمم، أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها. ثم لم يؤمن، أن يعاجل بعذاب الاستئصال. فالمعنى: وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم، كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك، وقالوا: هذا سحر مبين، كما يقولون في غيرها. واستوجبوا العذاب المستأصل. وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة» .

ثم ساق- سبحانه- مثالا للسابقين الذين أجيبوا إلى ما اقترحوه، ولكنهم لم يؤمنوا، فأخذهم عذاب الاستئصال، فقال- تعالى-: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها.

وثمود: هم قوم صالح- عليه السلام-، وخصهم بالذكر، لأنهم معروفون لأهل مكة أكثر من غيرهم، لمرورهم على ديارهم عند أسفارهم إلى بلاد الشام.

والناقة المراد بها: ناقة صالح- عليه السلام- التي طلبها قومه منه، فأخرجها الله- تعالى- لهم لتكون معجزة له، ولكنهم لم يؤمنوا به، بل عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم، فأهلكهم الله- تعالى- بالصيحة التي جعلتهم في دارهم جاثمين.

وقوله مُبْصِرَةً أى: معجزة واضحة، يراها الناس بأعينهم بدون خفاء أو لبس..

قال الجمل: مُبْصِرَةً بكسر الصاد- باتفاق السبعة، والإسناد مجازى. أى:

يبصرونها خارجة من الصخرة. وقرئ شاذا بفتح الصاد. ثم قال: وفي السمين: مبصرة حال. وهو إسناد مجازى، إذ المراد إبصار أهلها، ولكنها لما كانت سببا في الإبصار نسب إليها، والظاهر أن المراد الإبصار المعنوي، وهو الاهتداء بها، والتوصل بها، إلى تصديق نبيهم، وعلى هذا تظهر السببية، فإن وجودها سبب في هذا المعنى ... » .

وقال الآلوسى: وقوله: مُبْصِرَةً على صيغة اسم الفاعل حال من الناقة، والمراد:

ذات إبصار، أو ذات بصيرة يبصرها الغير ويتبصر بها، فالصيغة للنسب....» .

والمعنى: لقد تركنا إجابة المطالب التي اقترحها قومك- يا محمد-، رحمة بهم، لأننا لو أعطيناهم إياهم ثم استمروا في تكذيبهم لك لأهلكناهم كما أهلكنا السابقين. فقد أجبنا قوم صالح- عليه السلام- إلى ما طلبوه من نبيهم، بأن أخرجنا لهم الناقة، وجعلناها معجزة واضحة نيرة في الدلالة على صدقه، فقابلوها بالتكذيب والجحود، وظلموا أنفسهم وعرضوها للهلاك بسبب عقرها.

قال- تعالى-: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ .

وقال- سبحانه-: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها. إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها. فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها. فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها. وَلا يَخافُ عُقْباها .

وقوله- سبحانه-: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً تذييل قصد به الزجر عن تكذيب ما يأتى به الأنبياء من هدايات ومعجزات تدل على صدقهم.

والباء في قوله بِالْآياتِ للملابسة، ومفعول، نرسل، محذوف، وتَخْوِيفاً مفعول لأجله.

قال القرطبي قوله: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً فيه خمسة أقوال: الأول: العبر والمعجزات التي جعلها الله على أيدى الرسل، من دلائل الإنذار تخويفا للمكذبين. الثاني:

أنها آيات الانتقام تخويفا من المعاصي. الثالث: أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى مشيب، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك. الرابع: القرآن، الخامس: الموت الذريع» .

والمعنى: وما نرسل رسلنا ملتبسين بالآيات والمعجزات الدالة على صدقهم، إلا تخويفا لأقوامهم من سوء تكذيبهم لها. فإنهم إن كذبوها يصيبهم من العذاب ما يصيبهم.

قال سنيد عن حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير قال قال المشركون يا محمد إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي الموتى فإن سرك أن نؤمن بك ونصدقك فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبا فأوحى الله إليه إني قد سمعت الذي قالوا فإن شئت أن نفعل الذي قالوا فإن لم يؤمنوا نزل العذاب فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة وإن شئت أن نستأني بقومك استأنيت بهم قال يا رب استأن بهم .

وكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما

قال الإمام أحمد حدثنا عثمان بن محمد حدثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا فقيل له إن شئت أن نستأني بهم وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم قال لا بل استأن بهم وأنزل الله : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة ) رواه النسائي من حديث جرير به .

وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران أبي الحكيم ، عن ابن عباس قال قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك قال وتفعلون قالوا نعم . قال فدعا فأتاه جبريل فقال إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة فقال بل باب التوبة والرحمة "

وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري حدثنا خلف بن تميم المصيصي عن عبد الجبار بن عمار الأيلي عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم عن جدته أم عطاء مولاة الزبير بن العوام قالت سمعت الزبير يقول لما نزلت : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) [ الشعراء 214 ] صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قبيس يا آل عبد مناف إني نذير! فجاءته قريش فحذرهم وأنذرهم ، فقالوا تزعم أنك نبي يوحى إليك وأن سليمان سخر له الريح والجبال وأن موسى سخر له البحر وأن عيسى كان يحيي الموتى فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهارا فنتخذها محارث فنزرع ونأكل وإلا فادع الله أن يحيي لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا وإلا فادع الله أن يصير لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهبا فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فإنك تزعم أنك كهيئتهم! قال فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي فلما سري عنه قال والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فلا يؤمن منكم أحد فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنه يعذبكم عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ونزلت : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ) وحتى قرأ ثلاث آيات ونزلت ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ) [ الرعد 31 ] .

ولهذا قال تعالى ( وما منعنا أن نرسل بالآيات ) أي نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك فإنه سهل علينا يسير لدينا إلا أنه قد كذب بها الأولون بعدما سألوها وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إذا كذبوا بها بعد نزولها كما قال الله تعالى في المائدة : ( قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) [ المائدة 115 ] وقال تعالى عن ثمود حين سألوا آية ناقة تخرج من صخرة عينوها فدعا صالح ربه فأخرج له منها ناقة على ما سألوا فظلموا بها أي كفروا بمن خلقها وكذبوا رسوله وعقروا الناقة فقال ( تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ) [ هود 65 ] ؛ ولهذا قال تعالى ( وآتينا ثمود الناقة ) أي دالة على وحدانية من خلقها وصدق الرسول الذي أجيب دعاؤه فيها ( فظلموا بها ) أي كفروا بها ومنعوها شربها وقتلوها فأبادهم الله عن آخرهم وانتقم منهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر

وقوله : ( وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) قال قتادة إن الله خوف الناس بما يشاء من آياته لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه

وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب مرات فقال عمر أحدثتم والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله عز وجل يرسلهما يخوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره " ثم قال : يا أمة محمد والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا "

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ

يقول تعالى ذكره: وما منعنا يا محمد أن نرسل بالآيات التي سألها قومك، إلا أن كان من قبلهم من الأمم المكذّبة، سألوا ذلك مثل سؤالهم؛ فلما آتاهم ما سألوا منه كذّبوا رسلهم، فلم يصدّقوا مع مجيء الآيات، فعوجلوا فلم نرسل إلى قومك بالآيات، لأنَّا لو أرسلنا بها إليها، فكذّبوا بها، سلكنا في تعجيل العذاب لهم مسلك الأمم قبلها.

وبالذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا ثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سأل أهل مكة النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال، فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم لعلنا نجتني منهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم، قال: بل تستأني بهم، فأنـزل الله ( وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً ).

حدثني إسحاق بن وهب، قال: ثنا أبو عامر، قال : ثنا مسعود بن عباد، عن مالك بن دينار، عن الحسن في قول الله تعالى ( وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ) قال: رحمة لكم أيتها الأمة، إنا لو أرسلنا بالآيات فكذّبتم بها، أصابكم ما أصاب من قبلكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال: قال المشركون لمحمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء، فمنهم من سخرت له الريح. ومنهم من كان يحيي الموتى، فإن سرّك أن نؤمن بك ونصدّقك، فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبا. فأوحى الله إليه: إني قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نـزل العذاب، فإنه ليس بعد نـزول الآية مناظرة، وإن شئت أن تستأني قومك استأنيت بها، قال: يا ربّ أستأني.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ) قال: قال أهل مكة لنبيّ الله صلى الله عليه وسلم: إن كان ما تقول حقا. ويسرّك أن نؤمن، فحوّل لنا الصفا ذهبا، فأتاه جبرائيل عليه السلام فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم يناظروا، وإن شئت استأنيت بقومك، قال: بَلِ أسْتَأْنِي بقَوْمي. فأنـزل الله وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وأنـزل الله عزّ وجلّ مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ .

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، أنهم سألوا أن يحوّل الصفا ذهبا، قال الله ( وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ) قال ابن جريج: لم يأت قرية بآية فيكذّبوا بها إلا عذّبوا، فلو جعلت لهم الصفا ذهبا ثم لم يؤمنوا عذّبوا، و " أن " الأولى التي مع مَنَعَنا، في موضع نصب بوقوع منعنا عليها، وأن الثانية رفع، لأن معنى الكلام: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأوّلين من الأمم، فالفعل لأن الثانية.

يقول تعالى ذكره: وقد سأل الآيات يا محمد مِن قَبْل قومك ثمود، فآتيناها ما سألت، وحملنا تلك الآية ناقة مبصرة، جعل الإبصار للناقة. كما تقول للشجة: موضحة، وهذه حجه مبينة. وإنما عنى بالمبصرة: المضيئة البينة التي من يراها كانوا أهل بصر بها، أنها لله حجة، كما قيل: وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا .

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) : أي بيِّنة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ ذكره (النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) قال: آية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وقوله (فَظَلَمُوا بِها) يقول عزّ وجلّ: فكان بها ظلمهم، وذلك أنهم قتلوها وعقروها، فكان ظلمهم بعقرها وقتلها، وقد قيل: معنى ذلك: فكفروا بها، ولا وجه لذلك إلا أن يقول قائله أراد: فكفروا بالله بقتلها، فيكون ذلك وجها.

وأما قوله ( وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا ) فإنه يقول: وما نرسل بالعبر والذكر إلا تخويفا للعباد.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا ) وإن الله يخوّف الناس بما شاء من آية لعلهم يعتبرون، أو يذكَّرون، أو يرجعون، ذُكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود، فقال: يأيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا نوح بن قيس، عن أبي رجاء، عن الحسن ( وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا ) قال: الموت الذريع.

التدبر :

وقفة
[59] فإن قلتَ: كيف قال: ﴿وما منعنا﴾ مع أنه تعالى لا يمنعه عن إرادته مانعٌ؟ قلتُ: المنعُ هنا مجازٌ عن الترك، كأنه قال: وما كان سببُ تركِ الإِرسال بالآيات، إلَّا تكذيب الأولين.
وقفة
[59] ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ أي دالَّة، كما يُقال: الدليل مرشدٌ وهادٍ، فإن قلتَ: ما وجهُ ارتباط هذا بما قبله؟ قلتُ: لمَّا أخبر بأن الأولين كذَّبوا بالآيات المقترحة، عيَّن منها (ناقةَ صالح)؛ لأن آثار ديارهم الهالكة باقيةٌ في بلاد العرب، قريبةٌ من حدودهم، يُبصرها صادرُهم وواردُهم.
وقفة
[59] ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: (بالناقة) الباءُ ليست للتعدية؛ لأن الظلم يتعدَّى بنفسه، فالمعنى: فظلموا أنفسهم بقتلها أي بسببه.
وقفة
[59] ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ وخص بالذكر ثمود وآيتها لشهرة أمرهم بين العرب، ولأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبَة من أهل مكة؛ يبصرها صادرهم وواردهم في رحلاتهم بين مكة والشام.
وقفة
[59] ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ عَنْ قَتَادَة: «وَإِنَّ اللَّه يُخَوِّف النَّاس بِمَا شَاءَ مِنْ آيَة لَعَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ، أَوْ يَذَّكَّرُونَ، أَوْ يَرْجِعُونَ».
وقفة
[59] ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ بعد خبر كسوف الشمس وبعد صلاة الكسوف، هـل أنت كَمَا أنت؟!
وقفة
[59] ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ اهتزَّتِ الأرضُ من ذنبٍ سرى فيها ... فارتجَّ نائِمُها وارتاعَ صاحيها والهزُّ قدر ثوانٍ قضّ مضجعنا ... فكيف بالهزةِ الكُبرى توافيها
وقفة
[59] ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ قاعدة قرآنية تقرع القلوب بوعظها، فهل من مدكر؟!
وقفة
[59] ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ إن قلتَ: هذا يدل على الِإرسال بالآيات، وقوله قبلُ: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات﴾ يدلُّ على عدمه؟! قلتُ: المرادُ بالآياتِ هنا: العِبَرُ، والدَّلالاتُ، وفيما قبلُ: الآياتُ المقترحة.
وقفة
[59] هل أنت كما أنت؟! أما هو ﷺ فقد جر رداءه فزعًا حين رأى آية الشمس، إنه القلب المدرك لحقيقة هذه الآيات: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، فهل اضطربت قلوبكم يا أهل القرآن؟
وقفة
[59] الزلازل والبراكين أحداث كونية يحذر الله بها عباده، وهذا لا يتعارض مع أي تفسير علمي صحيح، كما هو في الخسوف والكسوف، وقصر تفسير حدوثها على الجانب العلمي المجرد صرف لها عن حقيقة أسبابها وثمرة وقوعها، تدبر: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ... الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: 24، 25]، ولكن: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101].
وقفة
[59] يحزنك أن بعض المتحدثين في الإعلام يسعى لتهوين أمر الزلازل بربطه بعوامل جيولوجية وأسباب المادية، في تهميش غريب للسبب الشرعي الذي دل عليه قول مرسل هذه الآيات: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، فأين هؤلاء من هذا الحصر: (إِلَّا تَخْوِيفًا)؟!
وقفة
[59] الزلازل آية: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، فبعض الصحف قد تنشر خبرًا عن بعض الهزات الأرضية التي أصابت منطقة ما، ودعوة المواطنين لأخذ أسباب الحذر، وللأسف ففوق هذا الخبر مباشرة خبر آخر يتضمن صور نساء متبرجات، هل من الدين -بل العقل- أن يخوفنا الله تعالى فلا نخاف؟!
وقفة
[59] الزلازل آية من آيات الله تتضمن رسالة ربانية أشدها التخويف بأن الذي حرك الأرض أقدر على تحريك من عليها قال الله ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.
وقفة
[59، 60] ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ لكن المتكبر لا تزيده آيات الله إلا طغيانًا واستكبارًا! ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.
وقفة
[59، 60] ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ عند الابتلاء والمصائب هل تشعر بالخوف من الله؟! فمن الناس ﴿ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا﴾.

الإعراب :

  • ﴿ وَما مَنَعَنا:
  • لواو: استئنافية. ما: نافية لا عمل لها. منع: فعل ماض مبني على الفتح. نا: ضمير متصل في محل نصب مفعول به مقدم.
  • ﴿ أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ:
  • أن: حرف مصدري ناصب. نرسل: فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره نحن. ومفعول «نرسل» محذوف بتقدير: أن نرسل محمدا. بالآيات: جار ومجرور متعلق بنرسل و «أن» وما بعدها بتأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان. وجملة «نرسل» صلة «أن» المصدرية لا محل لها.
  • ﴿ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ:
  • إلاّ: أداة حصر لا عمل لها. أن: حرف مصدري. كذب: فعل ماض مبني على الفتح الظاهر. بها: جار ومجرور متعلق بكذب. الأولون: فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم والنون عوض من تنوين المفرد وأن وما تلاها بتأويل مصدر في محل رفع فاعل «منع» بتقدير: الاّ تكذيب الأولين. ويجوز أن يكون المصدر الأول أَنْ نُرْسِلَ» في محل رفع فاعلا. والمصدر الثاني أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ» في محل نصب مفعولا به.
  • ﴿ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً:
  • الواو: استئنافية. آتي: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا. و «نا» ضمير متصل في محل رفع فاعل. ثمود: أي بني ثمود: مفعول به أول منصوب بالفتحة أيضا. مبصرة: بمعنى: آية بينة: حال منصوب بالفتحة. أما «النّاقة» فهي مفعول به ثان منصوب بالفتحة.
  • ﴿ فَظَلَمُوا بِها:
  • الفاء عاطفة. ظلموا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. والألف فارقة. ومفعول «ظلموا» مضمر أو محذوف تقديره أنفسهم. بها: جار ومجرور متعلق بظلموا أي بسببها إذ عقروها.
  • ﴿ وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ:
  • الواو: استئنافية. ما: نافية لا عمل لها. نرسل: فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن. بالآيات: جار ومجرور بمعنى: لا نرسلها متعلق بنرسل ويجوز أن يكون مفعول «نرسل» محذوفا. والتقدير: وما نرسل ما نرسل من الآيات إذا أريد غير الآيات المقترحة كآيات القرآن وغيرها.
  • ﴿ إِلاّ تَخْوِيفاً:
  • إلاّ أداة حصر لا عمل لها. تخويفا: مفعول من أجله-لأجله- ويجوز أن تكون حالا منصوبة بالفتحة. والمعنى: إلاّ تخويفا وانذارا بعذاب الآخرة. '

المتشابهات :

لم يذكر المصنف هنا شيء

أسباب النزول :

  • أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا زاهِرُ بْنُ أحْمَدَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إياسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُونَ، فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ لَعَلَّنا نَجْتَبِي مِنهم، وإنْ شِئْتَ أنْ تُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَألُوا فَإنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَما أُهْلِكَ مَن قَبْلَهم. قالَ: ”لا، بَلْ أسْتَأْنِي بِهِمْ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما مَنَعَنا أن نُّرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أن كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ .ورَوَيْنا قَوْلَ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] . '
  • المصدر

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [59] لما قبلها :     ولَمَّا سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبيَّ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُونَ؛ أخبَرَ اللهُ عز وجل هنا أن المصلحةِ في عدمِ المجيءِ بها؛ لأنهم إن كذبوا بها؛ عاجلهم العذاب من غير تأخير كما فعل بالأولين، قال تعالى: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ/ ولَمَّا أخبَرَ اللهُ عز وجل بأنَّ الأوَّلينَ كذَّبوا بالآياتِ المُقترَحةِ؛ عيَّنَ منها ناقةَ صالحٍ؛ لأنَّ آثارَ ديارِهم الهالكةِ باقيةٌ في بلادِ العربِ، قَريبةٌ من حُدودِهم، قال تعالى: /وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59)
﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [60] :الإسراء     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ ..

التفسير :

[60] واذكر -أيها الرسول- حين قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس علماً وقدرة. وما جعلنا الرؤيا التي أريناكها عِياناً ليلة الإسراء والمعراج من عجائب المخلوقات، إلا اختباراً للناس؛ ليتميز كافرهم من مؤمنهم، وما جعلنا شجرة الزقوم الملعونةَ التي ذكرت في القرآن إلا ابت

{ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ } علما وقدرة فليس لهم ملجأ يلجأون إليه ولا ملاذ يلوذون به عنه، وهذا كاف لمن له عقل في الانكفاف عما يكرهه الله الذي أحاط بالناس.

{ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً } أكثر المفسرين على أنها ليلة الإسراء.

{ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ } التي ذكرت { فِي الْقُرْآنِ } وهي شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم.

والمعنى إذا كان هذان الأمران قد صارا فتنة للناس حتى استلج الكفار بكفرهم وازداد شرهم وبعض من كان إيمانه ضعيفا رجع عنه بسبب أن ما أخبرهم به من الأمور التي كانت ليلة الإسراء ومن الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان خارقا للعادة.

والإخبار بوجود شجرة تنبت في أصل الجحيم أيضا من الخوارق فهذا الذي أوجب لهم التكذيب. فكيف لو شاهدوا الآيات العظيمة والخوارق الجسيمة؟"

أليس ذلك أولى أن يزداد بسببه شرهم؟! فلذلك رحمهم الله وصرفها عنهم، ومن هنا تعلم أن عدم التصريح في الكتاب والسنة بذكر الأمور العظيمة التي حدثت في الأزمنة المتأخرة أولى وأحسن لأن الأمور التي لم يشاهد الناس لها نظيرا ربما لا تقبلها عقولهم لو أخبروا بها قبل وقوعها، فيكون ذلك ريبا في قلوب بعض المؤمنين ومانعا يمنع من لم يدخل الإسلام ومنفرا عنه.

بل ذكر الله ألفاظا عامة تتناول جميع ما يكون.

{ وَنُخَوِّفُهُمْ } بالآيات { فَمَا يَزِيدُهُمْ } التخويف { إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا } وهذا أبلغ ما يكون في التملي بالشر ومحبته وبغض الخير وعدم الانقياد له.

ثم ذكر- سبحانه- ما يزيد النبي صلى الله عليه وسلم ثباتا على ثباته، ويقينا على يقينه، وما يدل على شمول علمه- تعالى- ونفاذ قدرته، وبليغ حكمته فقال: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ....

أى: واذكر- أيها الرسول الكريم- وقت أن قلنا لك على لسان وحينا. إن ربك- عز وجل- قد أحاط بالناس علما وقدرة. فهم في قبضته، وتحت تصرفه، وقد عصمك منهم، فامض في طريقك. وبلغ رسالة ربك، دون أن تخشى من كفار مكة أو من غيرهم، عدوانا على حياتك، فقد عصمك- سبحانه- منهم.

وفي هذه الجملة ما فيها من التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن التبشير له ولأصحابه، بأن العاقبة ستكون لهم، ومن الحض لهم على المضي في طريقهم دون أن يخشوا أحدا إلا الله.

والمراد بالرؤيا في قوله- تعالى-: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ:

ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم وعاينه بعينيه من عجائب، ليلة الإسراء والمعراج.

أى: وما جعلنا ما رأيته وعاينته ليلة إسرائنا بك من غرائب، إلا فتنة للناس. ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه، وسليم القلب من مريضه.

وأطلق- سبحانه- على ما أراه لنبيه ليلة الإسراء لفظ الرؤيا مع أنه كان يقظة «لأن هذا اللفظ يطلق حقيقة على رؤيا المنام، وعلى رؤية اليقظة ليلا فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا، كما في قول الشاعر يصف صائدا: وكبر للرؤيا وهش فؤاده.. أى: وسر لرؤيته للصيد الذي سيصيده. أو أطلق عليه لفظ الرؤيا على سبيل التشبيه بالرؤيا المنامية، نظرا لما رآه في تلك الليلة من عجائب سماوية وأرضية، أو أطلق عليه ذلك بسبب أن ما رآه قد كان ليلا. وقد كان في سرعته كأنه رؤيا منامية.

وكان ما رآه صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة فتنة للناس، لأنه لما قص عليهم ما رآه، ارتد بعضهم عن الإسلام، وتردد البعض الآخر في قبوله، وضاقت عقولهم عن تصديقه، زاعمة أنه لا يمكن أن يذهب صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم يعرج إلى السموات العلا.. ثم يعود إلى مكة، كل ذلك في ليلة واحدة.

وبعضهم يرى أن المراد بالرؤيا هنا: ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من أنه سيدخل مكة هو وأصحابه..

وبعضهم يرى أن المراد بها هنا: ما أراه الله- تعالى- لنبيه في منامه، من مصارع المشركين قبل غزوة بدر فقد قال صلى الله عليه وسلم قبل بدء المعركة: والله لكأنى أنظر إلى مصارع القوم. ثم أومأ إلى الأرض وقال: هذا مصرع فلان. وهذا مصرع فلان.

والذي نرجحه هو الرأى الأول، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة، ولأنه على الرأيين الثاني والثالث يترجح أن الآية مدنية، لأن غزوة بدر وفتح مكة كانا بعد الهجرة، والتحقيق أن هذه الآية مكية.

قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى-: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ.. لما بين أن إنزال آيات القرآن تتضمن التخويف، ضم إليه ذكر آية الإسراء، وهي المذكورة في صدر السورة. وفي البخاري والترمذي عن ابن عباس في قوله- تعالى-:

وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به إلى بيت المقدس ...

وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسرى به.

وقيل: كانت رؤيا نوم. وهذه الآية تقضى بفساده، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد لينكرها.

وعن ابن عباس قال: الرؤيا التي في هذه الآية، رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة في سنة الحديبية- فرده المشركون عن دخولها في تلك السنة-، فافتتن بعض المسلمين لذلك، فنزلت هذه الآية.. وفي هذا التأويل ضعف. لأن السورة مكية، وتلك الرؤيا كانت بالمدينة ... »

وقوله- سبحانه-: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ معطوف على الرؤيا.

أى: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس.

والمراد بالشجرة الملعونة هنا: شجرة الزقوم، المذكورة في قوله- تعالى-: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ. إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ .

والمراد بلعنها: لعن الآكلين منها وهم المشركون، أو هي ملعونة لأنها تخرج في أصل الجحيم. أو هي ملعونة لأن طعامها مؤذ وضار، والعرب تقول لكل طعام ضار: إنه ملعون.

قال الآلوسى: وروى في جعلها فتنة لهم: أنه لما نزل في شأنها في سورة الصافات وغيرها ما نزل، قال أبو جهل وغيره: هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يقول ينبت فيها الشجر. وما نعرف الزقوم إلا بالتمر والزبد، ثم أمر جارية له فأحضرت تمرا وزبدا، وقال لأصحابه: تزقموا.

وافتتن بهذه الآية أيضا بعض الضعفاء، ولقد ضلوا في ذلك ضلالا بعيدا ... .

وقوله- تعالى-: وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً تذييل قصد به بيان ما جبل عليه هؤلاء المشركون من جحود، وقسوة قلب ...

أى: ونخوف هؤلاء المشركين بعذاب الدنيا، وبعذاب الآخرة وبشجرة الزقوم التي طلعها كأنه رءوس الشياطين ... فما يزيدهم هذا التخويف والتهديد إلا طغيانا متجاوزا في ضخامته وكبره كل حد، وكل عقل سليم.

وعبر- سبحانه- بصيغة المضارع الدالة على الاستقبال، مع أن تخويفهم وازدياد طغيانهم قد وقعا، للإشعار بالتجدد والاستمرار.

وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت من سنن الله- تعالى- في خلقه، ومن فضله على هذه الأمة، ومن تبشيره وإنذاره، ووعده ووعيده، ما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، وما يصرف الطاغين عن طغيانهم لو كانوا يعقلون.

ثم ساق- سبحانه- جانبا من قصة آدم وإبليس، لزيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وللإشعار بأن الحسد والغرور، كما منعا إبليس من السجود لآدم، فقد منعا مشركي مكة من الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال- تعالى-:

يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم محرضا له على إبلاغ رسالته ومخبرا له بأنه قد عصمه من الناس فإنه القادر عليهم وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته

قال مجاهد وعروة بن الزبير والحسن وقتادة وغيرهم في قوله : ( وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ) أي عصمك منهم

وقوله : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) قال هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ( والشجرة الملعونة في القرآن ) شجرة الزقوم .

وكذا رواه أحمد وعبد الرزاق وغيرهما ، عن سفيان بن عيينة به ، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس وهكذا فسر ذلك بليلة الإسراء مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ومسروق وإبراهيم وقتادة وعبد الرحمن بن زيد وغير واحد وقد تقدمت أحاديث الإسراء في أول السورة مستقصاة ولله الحمد والمنة وتقدم أن ناسا رجعوا عن دينهم بعدما كانوا على الحق لأنه لم تحمل قلوبهم وعقولهم ذلك فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وجعل الله ذلك ثباتا ويقينا لآخرين ولهذا قال : ( إلا فتنة ) أي اختبارا وامتحانا وأما الشجرة الملعونة فهي شجرة الزقوم كما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل لعنه الله [ بقوله هاتوا لنا تمرا وزبدا وجعل يأكل هذا بهذا ويقول تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا

حكى ذلك ابن عباس ومسروق وأبو مالك والحسن البصري وغير واحد وكل من قال إنها ليلة الإسراء فسره كذلك بشجرة الزقوم

وقد قيل المراد بالشجرة الملعونة بنو أمية وهو غريب ضعيف

قال ابن جرير حدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد حدثني أبي عن جدي قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القرود فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات قال وأنزل الله في ذلك ) وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) الآية .

وهذا السند ضعيف جدا فإن محمد بن الحسن بن زبالة متروك وشيخه أيضا ضعيف بالكلية ولهذا اختار ابن جرير أن المراد بذلك ليلة الإسراء وأن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم ، قال لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك أي في الرؤيا والشجرة

وقوله : ( ونخوفهم ) أي الكفار بالوعيد والعذاب والنكال ( فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) أي تماديا فيما هم فيه من الكفر والضلال وذلك من خذلان الله لهم

وهذا حضّ من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، على تبليغ رسالته، وإعلام منه أنه قد تقدّم منه إليه القول بأنه سيمنعه، من كلّ من بغاه سوءا وهلاكا، يقول جلّ ثناؤه: واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس قدرة، فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته، ونحن مانعوك منهم، فلا تتهيَّب منهم أحدا، وامض لما أمرناك به من تبليغ رسالتنا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن يقول: أحاط بالناس، عصمك من الناس.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو بكر الهذلي، عن الحسن ( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ) قال: يقول : أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك، فعرف أنه لا يُقتل.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (أحاطَ بالنَّاسِ) قال: فهم في قبضته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير قوله (أحاطَ بالنَّاسِ) قال: منعك من الناس. قال معمر، قال قتادة ، مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله ( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ) قال : منعك من الناس.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ) أي منعك من الناس حتى تبلِّغ رسالة ربك.

وقوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم:

هو رؤيا عين، وهي ما رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أُسري به من مكة إلى بيت المقدس.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو ، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به، وليست برؤيا منام.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، سُئِل عن قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: هي رؤيا عين رآها النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، بنحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن فرات القزاز، عن سعيد بن جبير ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال : كان ذلك ليلة أُسري به إلى بيت المقدس، فرأى ما رأى فكذّبه المشركون حين أخبرهم.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: أُسري به عشاء إلى بيت المقدس، فصلى فيه، وأراه الله ما أراه من الآيات، ثم أصبح بمكة، فأخبرهم أنه أُسري به إلى بيت المقدس، فقالوا له: يا محمد ما شأنك، أمسيت فيه ، ثم أصبحت فينا تخبرنا أنك أتيت بيت المقدس، فعجبوا من ذلك حتى ارتدّ بعضهم عن الإسلام.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: قال كفار أهل مكة: أليس من كذب ابن أبي كبشة أنه يزعم أنه سار مسيرة شهرين في ليلة.

حدثني أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك في هذه الآية ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال : مسيره إلى بيت المقدس.

حدثني أبو السائب ويعقوب، قالا ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبد الله، عن أبي الضحى، عن مسروق في قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: حين أُسري به.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: ليلة أُسري به.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: الرؤيا التي أريناك في بيت المقدس حين أُسري به، فكانت تلك فتنة الكافر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) يقول: الله أراه من الآيات والعبر في مسيره إلى بيت المقدس. ذُكر لنا أن ناسا ارتدّوا بعد إسلامهم حين حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيره، أنكروا ذلك وكذّبوا له، وعجبوا منه، وقالوا: تحدّثنا أنك سرت مسيرة شهرين في ليلة واحدة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: هو ما أُري في بيت المقدس ليلة أُسري به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ ) قال: أراه الله من الآيات في طريق بيت المقدس حين أُسري به، نـزلت فريضة الصلاة ليلة أُسري به قبل أن يهاجر بسنة وتسع سنين (1) من العشر التي مكثها بمكة، ثم رجع من ليلته، فقالت قريش: تعشى فينا وأصبح فينا، ثم زعم أنه جاء الشام في ليلة ثم رجع، وايم الله إن الحدأة لتجيئها شهرين: شهرا مقبلة، وشهرا مُدبرة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: هذا حين أُسري به إلى بيت المقدس، افتتن فيها ناس، فقالوا: يذهب إلى بيت المقدس ويرجع في ليلة: وقال: " لَمَّا أتانِي جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بالبُرَاقِ لِيَحْمِلَنِي عَلَيْها صَرَّتْ بأذُنَيْها، وَانْقَبَض بَعْضُها إلى بَعْضٍ، فَنَظَرَ إِلَيْها جَبْرَائِيلُ، فقالَ: وَالَّذِي بَعَثَنِي بالحَقّ مِنْ عِنْدِهِ ما رَكبَكَ أحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ خَيْرٌ مِنْهُ، قالَ: فَصرَّتْ بأُذُنَيْها وَارْفَضَّتْ عَرَقا حتى سالَ ما تَحْتَها، وكانَ مُنْتَهَى خَطْوُها عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفها " فلما أتاهم بذلك، قالوا: ما كان محمد لينتهي حتى يأتي بكذبة تخرج من أقطارها ، فأتوا أبا بكر رضي الله عنه فقالوا: هذا صاحبك يقول كذا وكذا، فقال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، فقال: إن كان قد قال ذلك فقد صدق، فقالوا: تصدّقه إن قال ذهب إلى بيت المقدس ورجع في ليلة؟ فقال أبو بكر: إي، نـزع الله عقولكم، أصدّقه بخبر السماء، والسماء أبعد من بيت المقدس، ولا أصدّقه بخبر بيت المقدس؟ قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنا قد جئنا بيت المقدس فصفه لنا، فلما قالوا ذلك، رفعه الله تبارك وتعالى ومثله بين عينيه، فجعل يقول: هو كذا، وفيه كذا، فقال بعضهم: وأبيكم إن أخطأ منه حرفا، فقالوا: هذا رجل ساحر.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) يعني ليلة أُسري به إلى بيت المقدس، ثم رجع من ليلته، فكانت فتنة لهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال. ثنا عيسى؛ وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله (الرُّؤْيَا التي أرَيْنَاكَ) قال: حين أُسري بمحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.

وقال آخرون: هي رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُري أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذ بالمدينة، فعجَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة قبل الأجل، فردّه المشركون، فقالت أناس: قد ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فكانت رجعته فتنتهم.

وقال آخرون ممن قال: هي رؤيا منام: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه قوما يعلون منبره.

* ذكر من قال ذلك: حدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة، قال: ثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، قال: ثني أبي، عن جدّي، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينـزون على منبره نـزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكا (2) حتى مات، قال: وأنـزل الله عزّ وجلّ في ذلك ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ).... الآية.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى به رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى بيت المقدس، وبيت المقدس ليلة أُسري به، وقد ذكرنا بعض ذلك في أوّل هذه السورة.

وإنما قُلنا ذلك أولى بالصواب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نـزلت في ذلك، وإياه عنى الله عّز وجلّ بها، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: وما جعلنا رؤياك التي أريناك ليلة أسرينا بك من مكة إلى بيت المقدس، إلا فتنة للناس: يقول: إلا بلاء للناس الذين ارتدّوا عن الإسلام، لمَّا أُخبروا بالرؤيا التي رآها، عليه الصلاة والسلام وللمشركين من أهل مكة الذين ازدادوا بسماعهم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تماديا في غيهم، وكفرا إلى كفرهم.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (إِلا فِتْنَةً للنَّاسِ) (3) .

وأما قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) فإن أهل التأويل اختلفوا فيها، فقال بعضهم: هي شجرة الزَّقُّوم.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا أبو عبيدة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: شجرة الزَّقُّوم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: هي شجرة الزقوم، قال أبو جهل: أيخوّفني ابن أبي كبشة بشجرة الزَّقوم، ثم دعا بتمر وزُبد، فجعل يقول: زقمني، فأنـزل الله تعالى طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ وأنـزل ( وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا ).

حدثني أبو السائب ويعقوب، قالا ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن مسروق ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: شجرة الزقوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن مسروق، مثله.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) فإن قريشا كانوا يأكلون التمر والزبد، ويقولون: تزقموا هذا الزقوم. قال أبو رجاء: فحدثني عبد القدّوس، عن الحسن، قال: فوصفها الله لهم في الصافات.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، قال: قال أبو جهل وكفار أهل مكة: أليس من كذب ابن أبي كَبشة أنه يوعدكم بنار تحترق فيها الحجارة، ويزعم أنه ينبت فيها شجرة ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: هي شجرة الزَّقوم.

حدثني عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك في هذه الآية ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: شجرة الزقوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، قال في قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: هي شجرة الزقوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن رجل يقال له بدر، عن عكرمة، قال: شجرة الزقوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن فرات القزّار، قال: سُئل سعيد بن جبير عن الشجرة الملعونة، قال: شجرة الزقوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك العَزْرميّ، عن سعيد بن جبير (وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ) قال: شجرة الزقوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، بمثله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثني الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: الزقوم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن أبي المَحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم، أنه كان يحلف ما يستثني، أن الشجرة الملعونة: شجرة الزقوم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن فُرات القزاز، قال: سألت سعيد بن جبير، عن الشجرة الملعونة في القرآن، قال: شجرة الزَّقوم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: هي الزقوم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا ) وهي شجرة الزقوم، خوّف الله بها عباده، فافتتنوا بذلك، حتى قال قائلهم أبو جهل بن هشام: زعم صاحبكم هذا أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، وإنا والله ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد، فتزقموا، فأنـزل الله تبارك وتعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجرة إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ، إني خلقتها من النار، وعذّبت بها من شئت من عبادي.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: الزقوم؛ وذلك أن المشركين قالوا: يخبرنا هذا أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر حتى لا تدع منه شيئا، وذلك فتنة.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: شجرة الزقوم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) الزقوم التي سألوا الله أن يملأ بيوتهم منها، وقال: هي الصَّرفَان بالزبد تتزقمه، والصرفان: صنف من التمر، قال: وقال أبو جهل: هي الصرفان بالزبد، وافتتنوا بها.

وقال آخرون: هي الكشوث (4) .

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن مولى بني هاشم حدثه، أن عبد الله بن الحارث بن نوفل، أرسله إلى ابن عباس، يسأله عن الشجرة الملعونة في القرآن؟ قال: هي هذه الشجرة التي تلوي على الشجرة، وتجعل في الماء، يعني الكشوثي.

وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا قول من قال: عنى بها شجرة الزقوم، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، ونصبت الشجرة الملعونة عطفا بها على الرؤيا. فتأويل الكلام إذن: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك، والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس، فكانت فتنتهم في الرؤيا ما ذكرت من ارتداد من ارتدّ، وتمادِي أهل الشرك في شركهم، حين أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أراه الله في مسيره إلى بيت المقدس ليلة أُسري به، وكانت فتنهم في الشجرة الملعونة ما ذكرنا من قول أبي جهل والمشركين معه: يخبرنا محمد أن في النار شجرة نابتة، والنار تأكل الشجر فكيف تنبت فيها؟

وقوله ( وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا ) يقول: ونخوّف هؤلاء المشركين بما نتوعدهم من العقوبات والنكال، فما يزيدهم تخويفنا إلا طغيانا كبيرا، يقول: إلا تماديا وغيا كبيرا في كفرهم وذلك أنهم لما خُوّفوا بالنار التي طعامهم فيها الزقوم دعوا بالتمر والزبد، وقالوا: تزقموا من هذا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك؛ وقد تقدّم ذكر بعض من قال ذلك ، ونذكر بعض من بقي.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج، قال قال ابن جريج (وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ) قال: طلعها كأنه رءوس الشياطين، والشياطين ملعونون. قال ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) لما ذكرها زادهم افتتانا وطغيانا، قال الله تبارك وتعالى، ( وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا ).

--------------------

الهوامش :

(1) لعله: ولتسع سنين: أي ولمضي تسع...إلخ.

(2) معناه: لم يره الناس بعدها ضاحكا ضحكا تاما حتى مات.

(3) ‌اختصر المتن اكتفاء بما سبق قريبا.

(4) الكشوث، والكشوثا: نبت يتعلق بالأغصان، ولا عرق له في الأرض. وهي لفظة سوادية (انظر اللسان والتاج).

التدبر :

وقفة
[60] ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ ما أحلم الله على عباده! يعصونه وهو محيط بهم.
وقفة
[60] ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ قال ابن عباس: «هي رؤيا عين أريها النبي ﷺ ليلة أسري به إلى بيت المقدس».
وقفة
[60] لما أخبرهم بالإسراء وشجرة الزقوم أنكر ذلك طائفة منهم، وزعموا أن العقل ينفي ذلك، وأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ أي: محنة وابتلاء للناس؛ ليتميَّز المؤمن عن الكافر، وكان فيما أخبرهم به أنَّه رأى الجنَّة والنَّار، وهذا ممَّا يُخوِّفهم به؛ قال تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.
وقفة
[60] ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ الملعونة قيل في معناها قولين: الأول أي المذمومة، والآخر ملعونة لأنها توجد في مكان اللعنة والعذاب (النار).
وقفة
[60] ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ والشجرة عطف على الرؤيا، فكلاهما كان فتنة للناس، والشجرة هي شجرة الزقوم، فروي أن أبا جهل قال: «زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر، ثم يقول بأن في النار شجرة لا تحرقها النار»، وروي أن بعضهم قال: إن الزقوم هو التمر بالزبد بلغة أهل اليمن، وأن أبا جهل أمر جارية فأحضرت تمرًا وزبدًا وقال لأصحابه: تزقموا، فكانت شجرة الزقوم سبب فتنتهم وانصرافهم عن الإيمان.
وقفة
[60] ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ ما الشجرة الملعونة في القرآن؟ هي شجرة الزقوم، ملعونة ومذمومة، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: 43-45].
وقفة
[60] ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ وقد اختير الفعل المضارع في: (نخوفهم) و(يزيدهم)؛ لاقتضائه تكرر التخويف وتجدده، وأنه كلما تجدد التخويف تجدد طغيانهم وعظم.
وقفة
[60] ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ آيات الله الزاجرة إن لم تزد في إيمانك كانت وبالًا عليك، وأدت إلى قسوة قلبك، وقادت لاجترائك على محارم الله.
وقفة
[60] ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ كل بلاء لا يزيدك إيمانًا؛ يزيدك طغيانًا.
وقفة
[60] آيات الله الكونية للتخويف، ولإشعار الإنسان بقدرة الله وقوته، الموفق يتذكر والمحروم يتكبر: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.

الإعراب :

  • ﴿ وَإِذْ قُلْنا لَكَ:
  • الواو: استئنافية. إذ: اسم مبني على السكون في محل نصب مفعول به بفعل مضمر أو محذوف تقديره اذكر. قلنا: فعل ماض بمعنى «أوحينا» مبني على السكون لاتصاله بنا و «نا» ضمير متصل في محل رفع فاعل. لك: جار ومجرور متعلق بقال وجملة «قلنا» في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ إِنَّ رَبَّكَ:
  • إنّ: حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل. ربك: اسم «إنّ» منصوب للتعظيم بالفتحة والكاف ضمير متصل في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ أَحاطَ‍ بِالنّاسِ:
  • الجملة: في محل رفع خبر إنّ. أحاط‍: فعل ماض مبني على الفتح والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو. بالناس: جار ومجرور متعلق بأحاط‍.
  • ﴿ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا:
  • الواو: عاطفة. ما: نافية لا عمل لها. جعلنا: تعرب اعراب «قلنا» الرؤيا: مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة على الألف للتعذر.
  • ﴿ الَّتِي أَرَيْناكَ:
  • التي: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة- نعت-للرؤيا. أرينا: تعرب إعراب «قلنا» والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. وجملة «أريناك» صلة الموصول لا محل لها والعائد ضمير منصوب محلا لأنه مفعول به ثان. والتقدير: أريناكها.
  • ﴿ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ:
  • إلاّ: أداة حصر لا عمل لها. فتنة: مفعول به ثالث منصوب بالفتحة. للناس: جار ومجرور متعلق بصفة محذوفة من «فتنة» بمعنى إلا اختبارا لايمان الناس فحذف المضاف واقيم المضاف إليه مقامه.
  • ﴿ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ:
  • معطوفة بالواو على المفعول «الرؤيا» منصوبة بالفتحة. الملعونة: صفة-نعت-للشجرة منصوبة مثلها بالفتحة. في القرآن: جار ومجرور متعلق باسم المفعول «الملعونة» أو بفعله.
  • ﴿ وَنُخَوِّفُهُمْ:
  • الواو: استئنافية. نخوف: فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن. و «هم» ضمير الغائبين في محل نصب مفعول به. بمعنى: ونخوفهم بمخاوف الدنيا والآخرة.
  • ﴿ فَما يَزِيدُهُمْ:
  • الفاء: استئنافية. ما: نافية لا عمل لها. يزيد: فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو. أي التخويف. و «هم» ضمير الغائبين في محل نصب مفعول به أول.
  • ﴿ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً:
  • إلاّ: أداة حصر لا عمل لها. طغيانا: مفعول به ثان منصوب بالفتحة. كبيرا: صفة-نعت-لطغيانا منصوبة مثلها. '

المتشابهات :

النور: 38﴿لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَ يَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ
فاطر: 30﴿لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَ يَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ
النساء: 173﴿فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَ يَزِيدُهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا
الإسراء: 41﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورٗا
الإسراء: 60﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا
الإسراء: 109﴿وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعٗا
الشورى: 26﴿وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَ يَزِيدُهُمْ مِّن فَضۡلِهِۦۚ وَٱلۡكَٰفِرُونَ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞ

أسباب النزول :

  • أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أحْمَدَ الواعِظُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ القَطّانُ، قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ عَبّادِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الزَّقُّومَ في القُرْآنِ خَوَّفَ بِهِ هَذا الحَيَّ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ تَدْرُونَ ما هَذا الزَّقُّومُ الَّذِي يُخَوِّفُكم بِهِ مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: لا. قالَ: الثَّرِيدُ بِالزُّبْدِ، أما واللَّهِ لَئِنْ أمْكَنَنا مِنها لَنَتَزَقَّمَنَّها تَزَقُّمًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ . يَقُولُ: المَذْمُومَةَ. ﴿ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ . '
  • المصدر

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [60] لما قبلها :     ولَمَّا طالبَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بالآياتِ المقترحةِ، وأخبَر اللهُ بالمصلحةِ في عدمِ المجيءِ بها؛ طعَنَ الكفارُ فيه صلى الله عليه وسلم، وقالوا: «لو كان رسولًا حقًّا لأتَى بالآياتِ المقترحةِ»؛ ذَكَرَ اللهُ هنا ما يزيد النبي صلى الله عليه وسلم ثباتًا على ثباته، ويقينًا على يقينه، وما يدل على شمول علمه تعالى ونفاذ قدرته، قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

والشجرة:
1- بالنصب، عطفا على «الرؤيا» ، وهى قراءة الجمهور.
وقرئ:
2- بالرفع، على الابتداء، والخبر محذوف، تقديره: كذلك، أي فتنة، وهى قراءة زيد بن على.
ونخوفهم:
1- بالنون، وهى قراءة الجمهور.
وقرئ:
2- ويخوفهم، بياء الغيبة، وهى قراءة الأعمش.

مدارسة الآية : [61] :الإسراء     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ ..

التفسير :

[61] واذكر قولنا للملائكة: اسجدوا لآدم تحية وتكريماً، فسجدوا جميعاً إلا إبليس، استكبر وامتنع عن السجود قائلاً على سبيل الإنكار والاستكبار: أأسجد لهذا الضعيف، المخلوق من الطين؟

ينبه تبارك وتعالى عباده على شدة عداوة الشيطان وحرصه على إضلالهم وأنه لما خلق الله آدم استكبر عن السجود له و { قَالَ } متكبرا: { أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } أي: من طين وبزعمه أنه خير منه لأنه خلق من نار. وقد تقدم فساد هذا القياس الباطل من عدة أوجه.

وقوله- سبحانه-: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ... تذكير لبنى آدم بما جرى بين أبيهم وبين إبليس، ليعتبروا ويتعظوا، ويستمروا على عداوتهم لإبليس وجنده.

أى: واذكروا- يا بنى آدم- وقت أن قلنا للملائكة اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود تحية وتكريم، فسجدوا امتثالا لأمر الله- تعالى-، بدون تردد أو تلعثم، إِلَّا إِبْلِيسَ فإنه أبى السجود لآدم- عليه السلام- وقالَ بتكبر وعصيان لأمر ربه- عز وجل-:

أَأَسْجُدُ وأنا المخلوق من نار لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً أى: أأسجد لمن خلقته من طين، مع أننى أفضل منه.

والتعبير بقوله فَسَجَدُوا بفاء التعقيب، يفيد أن سجودهم- عليهم السلام- كان في أعقاب أمر الله- تعالى- لهم مباشرة، بدون تأخير أو تسويف.

وقوله- تعالى-: قالَ أَأَسْجُدُ ... استئناف بيانى، فكأنه قيل: فماذا كان موقف إبليس من هذا الأمر؟ فكان الجواب أن إبليس فسق عن أمر ربه وقال ما قال.

والاستفهام في أَأَسْجُدُ للإنكار والتعجب، لأن يرى- لعنه الله- أنه أفضل من آدم.

وقوله: طِيناً منصوب بنزع الخافض أى: من طين.

وقد جاء التصريح بإباء إبليس عن السجود لآدم، بأساليب متنوعة، وفي آيات متعددة، منها قوله- تعالى-: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ .

وقوله- تعالى-: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ .

يذكر تعالى عداوةإبليس لعنه الله لآدم عليه السلام ، وذريته وأنها عداوة قديمة منذ خلق آدم فإنه تعالى أمر الملائكة بالسجود فسجدوا كلهم إلا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له افتخارا عليه واحتقارا له ( قال أأسجد لمن خلقت طينا ) كما قال في الآية الأخرى ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) [ الأعراف 12 .

وقال أيضا ( أرأيتك ) ، يقول للرب جراءة وكفرا والرب يحلم وينظر

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد تمادي هؤلاء المشركين في غيهم وارتدادهم عتوّا على ربهم بتخويفه إياهم تحقيقهم قول عدوّهم وعدوّ والدهم، حين أمره ربه بالسجود له فعصاه وأبى السجود له، حسدا واستكبارا( لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا ) وكيف صدّقوا ظنه فيهم، وخالفوا أمر ربهم وطاعته، واتبعوا أمر عدوّهم وعدوّ والدهم.

ويعني بقوله (وَإِذْ قُلْنَا للْمَلائِكَةِ):

واذكر إذ قلنا للملائكة ( اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ ) فإنه استكبر وقال ( أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ) يقول: لمن خلقته من طين؛ فلما حذفت " من " تعلَّق به قوله (خَلَقْتَ) فنصب، يفتخر عليه الجاهل بأنه خُلِقَ من نار، وخلق آدم من طين.

كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بعث ربّ العزّة تبارك وتعالى إبليس، فأخذ من أديم الأرض، من عذبها وملحها، فخلق منه آدم، فكل شيء خُلق من عذبها فهو صائر إلى السعادة وإن كان ابن كافرين، وكلّ شيء خَلقه من مِلحها فهو صائر إلى الشقاوة وإن كان ابن نبيين؛ ومن ثم قال إبليس ( أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ): أي هذه الطينة أنا جئت بها، ومن ثم سُمّي آدم. لأنه خُلق من أديم الأرض.

المعاني :

لم يذكر المصنف هنا شيء

التدبر :

وقفة
[61] ﴿وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس﴾ ما علاقة إبليس بالملائكة؟ لماذا أتى هنا كمستثنى؟ الجواب: استثناء إبليس من الملائكة لا يعني أنه منهم؛ لأن هذا الاستثناء يسميه العلماء استثناءً منقطعًا، والاستثناء المنقطع يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، ولا يخفى أن إبليس من الجن كما قال تعالى في سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبليس﴾ [الكهف: 50].
وقفة
[61] ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ كل تساؤل قبل تنفيذك لأمر الله؛ يجعلك أشبه بالشيطان.
وقفة
[61] ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]: بيَّنت رفضه بشدة. - ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 31]، ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ﴾ [طه: 116]: بيَّنتا رفضه وهما داخلتان في آية البقرة التي هي أعم وأسع. - ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: 11] بيَّنت تخلفه. - ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ بيَّنت تصريحه. - ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] بيَّنت أصله. - ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: 74] بيّنت طريقه.
وقفة
[61] ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ القرآن يأمرك أن تقتحم قلبك، وتدخل إلى دهاليزه الطينية، وتحرق ما فيها من معايير أرضية.
وقفة
[61] ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ بشؤم الاعتراض على الله في فعله لعن إبليس، وقد اتفقت كلمة أهل الحق أن الاعتراض على الله الملك الحق في فعله وما يحدثه في خلقه كفر، فلا يجترئ عليه إلا كافر وجاهل ضال، وكذا الاعتراض على النبي ﷺ، فالاعتراض عليه اعتراض على الحق، وفيه الهلاك.

الإعراب :

  • ﴿ وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ:
  • أعربت في الآية الكريمة الرابعة والثلاثين من سورة البقرة.
  • ﴿ قالَ:
  • فعل ماض مبني على الفتح والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو. والجملة بعده في محل نصب مفعول به-مقول القول-.
  • ﴿ أَأَسْجُدُ:
  • الهمزة همزة إنكار بلفظ‍ استفهام. أسجد: فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا.
  • ﴿ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً:
  • جار ومجرور متعلق بأسجد. من: اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام. خلقت: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك. والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل وجملة «خلقت» صلة الموصول لا محل لها والعائد ضمير منصوب محلا لأنه مفعول به. التقدير: خلقته. طينا: حال منصوب بالفتحة بمعنى: أأسجد لمن كان في وقت خلقه طينا. '

المتشابهات :

البقرة: 34﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ
الأعراف: 11﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
الإسراء: 61﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا
الكهف: 50﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
طه: 116﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [61] لما قبلها :     ولمَّا نازعَ المشركونَ النَّبيَ r في النّبوةِ، وكذّبُوه حينَ أخبرَهم عن الإسراءِ وشجرةِ الزّقّومِ كبرًا وحسدًا؛ ناسَبَ ذكرَ قصَّةِ آدمَ عليه السلام وإبليسَ، إذ حَمَلَه الكبرُ والحسدُ على عدمِ السجودِ، قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [62] :الإسراء     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ ..

التفسير :

[62] وقال إبليس جراءة على الله وكفراً به: أرأيت هذا المخلوق الذي ميزته عليَّ؟ لئن أبقيتني حيّاً إلى يوم القيامة لأستولينَّ على ذريته بالإغواء والإفساد، إلا المخلصين منهم في الإيمان، وهم قليل.

فلما تبين لإبليس تفضيل الله لآدم { قَالَ } مخاطبا لله: { أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ } أي: لأستأصلنهم بالإضلال ولأغوينهم { إِلَّا قَلِيلًا } عرف الخبيث أنه لا بد أن يكون منهم من يعاديه ويعصيه.

ثم فصل- سبحانه- ما قاله إبليس في اعتراضه على السجود لآدم فقال: قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا.

ورأى هنا علمية فتتعدى إلى مفعولين، أولهما هذَا والثاني محذوف لدلالة الصلة عليه، والكاف حرف خطاب مؤكد لمعنى التاء قبله، والاسم الموصول الَّذِي بدل من هذَا أو صفة له، والمراد من التكريم في قوله كَرَّمْتَ عَلَيَّ: التفضيل.

والمعنى: قال إبليس في الرد على خالقه- عز وجل-: أخبرنى عن هذا الإنسان المخلوق من الطين، والذي فضلته على، لماذا فضلته على وأمرتنى بالسجود له مع أننى أفضل منه، لأنه مخلوق من طين، وأنا مخلوق من نار!! وجملة هذا الذي كرمت على، واقعة موقع المفعول الثاني.

ومقصود إبليس من هذا الاستفهام، التهوين من شأن آدم- عليه السلام- والتقليل من منزلته. ولم يجبه- سبحانه- على سؤاله، تحقيرا له. وإهمالا لشخصه، بسبب اعتراضه على أمر خالقه- عز وجل-.

ثم أكد إبليس كلامه فقال: لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا.

إذ أن اللام في قوله لَئِنْ ... موطئة للقسم، وجوابه لأحتنكن.

وأصل الاحتناك: الاستيلاء على الشيء أو الاستئصال له. يقال: حنك فلان الدابة يحتنكها- بكسر النون ورفعها- إذا وضع في حنكها- أى في ذقنها- الرسن ليقودها به.

ويقال: احتنك الجراد الأرض، إذا أكل نباتها وأتى عليه.

والمعنى: قال إبليس- متوعدا ومهددا-: لئن أخرتن- يا إلهى- إلى يوم القيامة، لأستولين على ذرية آدم، ولأقودنهم إلى ما أشاء من المعاصي والشهوات، إلا عددا قليلا منهم فإنى لا أستطيع ذلك بالنسبة لهم، لقوة إيمانهم، وشدة إخلاصهم.

وهذا الذي ذكره- سبحانه- عن إبليس في هذه الآية من قوله: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا شبيه به قوله- تعالى-: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، وَعَنْ أَيْمانِهِمْ، وَعَنْ شَمائِلِهِمْ، وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ .

وقوله- تعالى- قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ .

قال بعض العلماء: وقول إبليس في هذه الآية: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ... قاله ظنا منه أنه سيقع. وقد تحقق له هذا الظن- في كثير من بنى آدم- كما قال- تعالى- وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .

( قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا )

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول لأستولين على ذريته إلا قليلا

وقال مجاهد لأحتوين وقال ابن زيد لأضلنهم

وكلها متقاربة والمعنى أنه يقول أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته علي لئن أنظرتني لأضلن ذريته إلا قليلا منهم

وقوله ( أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ) يقول تعالى ذكره: أرأيت هذا الذي كرّمته عليّ، فأمرتني بالسجود له، ويعني بذلك آدم ( لَئِنْ أَخَّرْتَنِي ) أقسم عدوّ الله، فقال لربه: لئن أخرت إهلاكي إلى يوم القيامة ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا ) يقول: لأستولين عليهم، ولأستأصلنهم، ولأستميلنهم يقال منه: احتنك فلان ما عند فلان من مال أو علم أو غير ذلك؛ ومنه قول الشاعر:

نَشْــكُو إِلَيْــكَ سَـنَةً قَـدْ أجْحَـفَتْ

جَــهْدًا إلـى جَـهْدٍ بنـا فـأضْعَفَتْ

واحْتَنَكـَتْ أمْــوَالَنا وجَـلَّفَتْ (5)

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال : ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، في قول الله تبارك وتعالى ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا ) قال: لأحتوينهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا ) يقول: لأستولينّ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا ) قال: لأضلنهم، وهذه الألفاظ وإن اختلفت فإنها متقاربات المعنى، لأن الاستيلاء والاحتواء بمعنى واحد، وإذا استولى عليهم فقد أضلهم.

-------------------------

الهوامش :

(5) هذه أبيات ثلاثة من مشطور الرجز، من الأرجوزة السادسة في بقية ديوان الزفيان السعدي (عطاء بن أسيد الراجز) وهي ملحقة بديوان العجاج المطبوع في ليبزج سنة 1903 ص 65، مع اختلاف في رواية بعضها. والبيتان الأولان هما:

نشــكو إليــك سـنة قـد جـلفت

أموالنــا مــن أصلهــا وجـرفت

أما البيت الثالث فليس في الأرجوزة. ومعنى أجحفت: أضرت بنا، وذهبت أموالنا، فلقينا من شهدتها جهدا إلى جهد. واحتنكت: قال أبو عبيدة في مجاز القرآن (:384) يقال: احتنك فلان ما عند فلان أجمع من مال أو علم أو حديث أو غيره: أخذه كله واستقصاه. قال: نشكو إليك...إلخ الأبيات. ومعنى جلفت: قشرت أو قشر الجلد مع شيء من اللحم. والأبيات شاهد على أن الاحتناك معناه الاستئصال.

التدبر :

وقفة
[62] ﴿قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي﴾ بغض وحقد وعداوة تفجرت في قلب إبليس بسبب إكرام الله لآدم، ولما يتعرف إلى آدم بعد، وكم من الناس لا يريدون الخير إلا لأنفسهم، فيبغضون من أعطاهم الله مواهب وطاقات، دون مبرر يذكر.
وقفة
[62] ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ معناه: لأستولين عليهم، ولأقودنهم؛ وهو مأخوذ من تحنيك الدابة؛ وهو أن يشدَّ على حنكها بحبل؛ فتنقاد.
تفاعل
[62] ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قل: «اللهم اجعلنا من القليل الذي لا يسوقه شيطان محنك، فيبعثر عمله ويجعلها كذرات هباء هائمة».
تفاعل
[62] ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ استعذ بالله الآن من الشيطان الرجيم.
وقفة
[62] أمنية الشيطان: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، اﻻحتناك: احتواء واستيلاء؛ فالشيطان ﻻ يكفيه من اﻹنسان (اﻹغواء)، وإنما يسعى (للاستيلاء).

الإعراب :

  • ﴿ قالَ أَرَأَيْتَكَ:
  • قال: فعل ماض مبني على الفتح والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو. أرأيتك بمعنى: أخبرني: الهمزة همزة تعجب بلفظ‍ استفهام. رأيت: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل. والكاف ضمير المخاطب لا محل له ولو جعل له محل لكان المعنى أرأيت نفسك. وهو خلق من القول.
  • ﴿ هذَا الَّذِي:
  • اسم اشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به. الذي: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لهذا.
  • ﴿ كَرَّمْتَ عَلَيَّ:
  • فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك. والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل. علي: جار ومجرور متعلق بكرمت. وجملة كَرَّمْتَ عَلَيَّ» صلة الموصول لا محل لها والعائد ضمير منصوب محلا لأنه مفعول به والتقدير: كرمته علي: أي فضلته علي. وفي الكلام حذف بمعنى: لم كرمته علي وأنا خير منه فجاء الحذف اختصارا للكلام.
  • ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ:
  • اللام: موطئة للقسم. ان: حرف شرط‍ جازم. أخرت: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك في محل جزم بإن. التاء ضمير متصل في محل رفع فاعل. النون: نون الوقاية والياء المحذوفة خطا واختصارا ضمير متصل في محل نصب مفعول به والكسرة دالة عليها. والمعنى: أمهلتني. والجار والمجرور إِلى يَوْمِ» متعلق بأخرت. القيامة: مضاف إليه مجرور بالاضافة وعلامة جره: الكسرة.
  • ﴿ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ:
  • اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. أحتنكنّ: أي أستأصلنّ: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا. ذريته: مفعول به منصوب بالفتحة والهاء ضمير متصل في محل جر بالاضافة. وجملة «لأحتنكنّ» جواب القسم لا محل لها من الاعراب وجواب الشرط‍ محذوف دلّ عليه جواب القسم. وجملة «ان أخرتني» اعتراضية بين القسم المحذوف وجوابه لا محل لها من الإعراب.
  • ﴿ إِلاّ قَلِيلاً:
  • إلاّ: أداة استثناء. قليلا: مستثنى بإلاّ وهو استثناء متصل منصوب بالفتحة. أي إلاّ قليلا منهم. '

المتشابهات :

لم يذكر المصنف هنا شيء

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [62] لما قبلها :     ولمَّا رفضَ إبليسُ السجودَ لآدم عليه السلام ؛ ردَّ هنا على خالقه: «أخبرنى عن هذا الإِنسان المخلوق من الطين، والذى فضلته على، لماذا فضلته على وأمرتنى بالسجود له مع أننى أفضل منه؟! هو مخلوق من طين، وأنا مخلوق من نار»، ثم توعد ذرية آدم عليه السلام ، قال تعالى:
﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [63] :الإسراء     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ..

التفسير :

[63] قال الله تعالى مهدداً إبليس وأتباعَه: اذهب فمَن تبعك مِن ذرية آدم فأطاعك، فإن عقابك وعقابهم وافر في نار جهنم.

فقال الله له: { اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ } واختارك على ربه ووليه الحق، { فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا } أي: مدخرا لكم موفرا جزاء أعمالكم.

وقوله- تعالى- قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً بيان لما توعد الله- سبحانه- به إبليس وأتباعه.

والأمر في قوله اذْهَبْ للإهانة والتحقير. أى: قال الله- تعالى- لإبليس اذْهَبْ مطرودا ملعونا، وقد أخرناك إلى يوم القيامة، فافعل ما بدا لك مع بنى آدم، فمن أطاعك منهم، فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم، جزاء مكملا متمما لا نقص فيه.

وقال- سبحانه- فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ مع أنه قد تقدم غائب ومخاطب في قوله فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ، تغليبا لجانب المخاطب- وهو إبليس- على جانب الغائب وهم أتباعه. لأنه هو السبب في إغواء هؤلاء الأتباع.

وقوله: جَزاءً مفعول مطلق، منصوب بالمصدر قبله.

وقوله مَوْفُوراً اسم مفعول، من قولهم وفر الشيء فهو وافر وموفور أى: مكمل متمم. وهو صفة لقوله: جَزاءً.

وهذا الوعيد الذي توعد الله- تعالى- به إبليس وأتباعه، جاء ما يشبههه في آيات كثيرة، منها قوله- سبحانه-: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ. لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ.

لما سأل إبليس عليه اللعنة النظرة قال الله له ( اذهب ) فقد أنظرتك كما قال في الآية الأخرى ( قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ) [ الحجر 37 ، 38 ] ثم أوعده ومن تبعه من ذرية آدم جهنم فقال : ( فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم ) أي على أعمالكم ( جزاء موفورا )

قال مجاهد وافرا وقال قتادة موفرا عليكم لا ينقص لكم منه

يقول تعالى ذكره قال الله لإبليس إذ قال له لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا اذهب فقد أخرتك، فمن تبعك منهم، يعني من ذرّية آدم عليه السلام فأطاعك، فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم، يقول: ثوابك على دعائك إياهم على معصيتي، وثوابهم على اتباعهم إياك وخلافهم أمري (جزاءً موْفُورًا) : يقول: ثوابا مكثورا مكملا.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا ) عذاب جهنم جزاؤهم، ونقمة من الله من أعدائه فلا يعدل عنهم من عذابها شيء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ( فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا ) قال: وافرا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (مَوْفُورا)، قال: وافرا.

التدبر :

وقفة
[63] ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا﴾ ابتلى الله العباد بالشيطان الداعي لهم إلى معصية الله بأقواله وأفعاله.
وقفة
[63] ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا﴾ (قال اذهب) فذهب، وها هو الآن واقف عند باب رغباتك، فإن شئت أن تدخله، وإن شئت أن تطرده.
تفاعل
[63] ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا﴾ استعذ بالله من جهنم.

الإعراب :

  • ﴿ قالَ:
  • فعل ماض مبني على الفتح والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو. أي قال الله له. والجملة بعده في محل نصب مفعول به لقال.
  • ﴿ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ:
  • اذهب: فعل أمر مبني على السكون والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت. فمن: الفاء: استئنافية. من: اسم شرط‍ جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. تبع: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم بمن والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. وجملة «تبعك» صلة الموصول لأن «من» هي الموصولة نفسها. منهم: جار ومجرور متعلق بحال محذوفة من الموصول «من» و «هم» ضمير الغائبين في محل جر بمن وجملتا فعل الشرط‍ وجوابه في محل رفع خبر للمبتدإ «من».
  • ﴿ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ:
  • الجملة: جواب شرط‍ جازم مسبوقة بإنّ مقترنة بالفاء في محل جزم. الفاء: واقعة في جواب الشرط‍.إنّ: حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل. جهنم: اسم «إنّ» منصوب بالفتحة ولم تنون لأنها ممنوعة من الصرف-التنوين-لأنها كلمة مؤنثة معرفة وهي كلمة معربة. جزاء: خبر «ان» مرفوع بالضمة والكاف ضمير متصل في محل جر بالاضافة والميم علامة جمع الذكور بمعنى فهي جزاؤهم وجزاؤك فغلب المخاطب على الغائب.
  • ﴿ جَزاءً مَوْفُوراً:
  • حال منصوب بالفتحة لأن الجزاء موصوف أو مفعول مطلق بتقدير: تجازون. جزاء موفورا: صفة-نعت-لجزاء منصوب مثله بالفتحة. '

المتشابهات :

لم يذكر المصنف هنا شيء

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [63] لما قبلها :     ولمَّا طلبَ إبليسُ النَّظرةَ -يعنى الإمهال والتأخير فلا يموت- إلى يوم القيامة؛ أجابَ اللَّهُ عز وجل طلبَه، ثم توعده ومن يطيعه بجهنم، قال تعالى:
﴿ قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [64] :الإسراء     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ..

التفسير :

[64] واستَخْفِف كل مَن تستطيع استخفافه منهم بدعوتك إياه إلى معصيتي، واجمع عليهم كل ما تقدر عليه مِن جنودك من كل راكب وراجل، واجعل لنفسك شِرْكة في أموالهم بأن يكسِبوها من الحرام وينفقوها فيه، وشِرْكة في الأولاد بتزيين الزنى والمعاصي، ومخالفة أوامر الله حتى

ثم أمره الله أن يفعل كل ما يقدر عليه من إضلالهم فقال: { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } ويدخل في هذا كل داع إلى المعصية.

{ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله فهو من خيل الشيطان ورجله.

والمقصود أن الله ابتلى العباد بهذا العدو المبين الداعي لهم إلى معصية الله بأقواله وأفعاله.

{ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ } وذلك شامل لكل معصية تعلقت بأموالهم وأولادهم من منع الزكاة والكفارات والحقوق الواجبة، وعدم تأديب الأولاد وتربيتهم على الخير وترك الشر وأخذ الأموال بغير حقها أو وضعها بغير حقها أو استعمال المكاسب الردية.

بل ذكر كثير من المفسرين أنه يدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع، وأنه إذا لم يسم الله في ذلك شارك فيه الشيطان كما ورد فيه الحديث.{ وَعِدْهُمْ } الوعود المزخرفة التي لا حقيقة لها ولهذا قال: { وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا } أي: باطلا مضمحلا كأن يزين لهم المعاصي والعقائد الفاسدة ويعدهم عليها الأجر لأنهم يظنون أنهم على الحق، وقال تعالى: { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا

ثم أضاف- سبحانه- إلى إهانته وتحقيره لإبليس أوامر أخرى، فقال- تعالى-:

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ، وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ، وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ، وَعِدْهُمْ، وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً.

قال الجمل: أمر الله- تعالى- إبليس بأوامر خمسة، القصد بها: التهديد والاستدراج، لا التكليف، لأنها كلها معاص، والله لا يأمر بها .

وهذه الأوامر الخمسة هي: اذهب، واستفزز ... وأجلب ... وشاركهم ... وعدهم.

وقوله: واستفزز، من الاستفزاز، بمعنى الاستخفاف والإزعاج، يقال: استفز فلان فلانا إذا استخف به، وخدعه، وأوقعه فيما أراده منه. ويقال: فلان استفزه الخوف، إذا أزعجه.

وقوله: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ أصل الإجلاب: الصياح بصوت مسموع.

يقال: أجلب فلان على فرسه وجلب عليه، إذا صاح به ليستحثه على السرعة في المشي.

قال الآلوسى: قوله وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ أى: صح عليهم من الجلبة وهي الصياح. قاله الفراء وأبو عبيدة. وقال الزجاج: أجلب على العدو: جمع عليه الخيل. وقال ابن السكيت:

جلب عليه: أعان عليه. وقال ابن الأعرابى: أجلب على الرجل، إذا توعده الشر، وجمع عليه الجمع.

والخيل: يطلق على الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه، وعلى الفرسان مجازا، وهو المراد هنا.

ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته لأصحابه: «يا خيل الله اركبي» .

والرجل- بكسر الجيم- بمعنى راجل- كحذر بمعنى حاذر- هو الذي يمشى رجلا، أى غير راكب ... »

والمعنى. قال الله- تعالى- لإبليس: اذهب أيها اللعين مذءوما مدحورا. فإن جهنم هي الجزاء المعد لك ولأتباعك من ذرية آدم، وافعل ما شئت معهم من الاستفزاز والخداع والإزعاج ولهو الحديث وأجلب عليهم ما تستطيع جلبه من مكايد، وما تقدر عليه من وسائل، كأن تناديهم بصوتك ووسوستك إلى المعاصي، وكأن تحشد جنودك على اختلاف أنواعهم لحربهم وإغوائهم وصدهم عن الطريق المستقيم.

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى استفزاز إبليس بصوته، وإجلابه بخيله ورجله؟

قلت: هو كلام وارد مورد التمثيل شبهت حاله في تسلطه على من يغويه، بمغوار أوقع على قوم، فصوت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم، ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده، من خيالة ورجالة حتى استأصلهم، وقيل: بصوته، أى: بدعائه إلى الشر، وبخيله، ورجله: أى كل راكب وماش من أهل العبث. وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال» .

وعلى أية حال، فالجملة الكريمة تصوير بديع، لعداوة إبليس لآدم وذريته، وأنه معهم في معركة دائمة، يستعمل فيها كل وسائل شروره، ليشغلهم عن طاعة ربهم، وليصرفهم عن الصراط المستقيم، ولكنه لن يستطيع أن يصل إلى شيء من أغراضه الفاسدة، ماداموا معتصمين بدين ربهم- عز وجل-.

وقوله- سبحانه-: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ، معطوف على ما قبله.

أى: وشاركهم في الأموال، بأن تحضهم على جمعها من الطرق الحرام، وعلى إنفاقها في غير الوجوه التي شرعها الله، كأن يستعملوها في الربا والرشوة وغير ذلك من المعاملات المحرمة.

وشاركهم في الأولاد: بأن تحثهم على أن ينشئوهم تنشئة تخالف تعاليم دينهم الحنيف وبأن تيسر لهم الوقوع في الزنا الذي يترتب عليه ضياع الأنساب، وبأن تظاهرهم على أن يسموا أولادهم بأسماء يبغضها الله- عز وجل-، إلى غير ذلك من وساوسك التي تغرى الآباء بأن يربوا أبناءهم تربية يألفون معها الشرور والآثام، والفسوق والعصيان.

قال الإمام ابن جرير بعد أن ساق عددا من الأقوال في ذلك: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: كل مولود ولدته أنثى، عصى الله فيه، بتسميته بما يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو بقتله أو وأده، أو غير ذلك من الأمور التي يعصى الله بفعله به أو فيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه، من ولد ذلك الولد له أو منه، لأن الله لم يخصص بقوله: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ معنى الشركة فيه، بمعنى دون معنى، فكل ما عصى الله فيه أو به، أو أطيع الشيطان فيه أو به فهو مشاركة ... » .

وقد علق الإمام ابن كثير على كلام ابن جرير بقوله: وهذا الذي قاله- ابن جرير- متجه، فقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله- عز وجل- إنى خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم» .

وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتى أهله قال:

باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا» .

وقوله: وَعِدْهُمْ أى: وعدهم بما شئت من المواعيد الباطلة الكاذبة. كأن تعدهم بأن الدنيا هي منتهى آمالهم. فعليهم أن يتمتعوا بها كيف شاءوا، بدون تقيد بشرع أو دين أو خلق. وكأن تعدهم بأنه ليس بعد الموت حساب أو ثواب أو عقاب، أو جنة أو نار ...

وقوله سبحانه وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً تحذير من الله تعالى لعباده من اتباع الشيطان، ومن السير وراء خطواته.

وأصل الغرور تزين الباطل بما يوهم أنه حق. يقال: غر فلان فلانا فهو يغره غرورا إذا خدعه، وأصله من الغرّ، وهو الأثر الظاهر من الشيء، ومنه غرة الفرس لأنها أبرز ما فيه.

ولفظ غُرُوراً صفة لموصوف محذوف.

والتقدير: وعدهم- أيها الشيطان- بما شئت من الوعود الكاذبة، وما يعد الشيطان بنى آدم إلا وعدا غرورا.

ويجوز أن يكون مفعولا لأجله فيكون المعنى: وما يعدهم الشيطان إلا من أجل الغرور والمخادعة.

وفي الجملة الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة، إهمالا لشأن الشيطان، وبيانا لحاله مع بنى آدم حتى يحترسوا منه ويحذروه.

ثم ختم- سبحانه- الآيات بغرس الطمأنينة في قلوب المؤمنين الصادقين، فقال- تعالى-: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا.

أى: إن عبادي الصالحين الذين أخلصوا دينهم لي، ليس لك- يا إبليس- تسلط واقتدار على إغوائهم وإضلالهم، وصرفهم عن السبيل الحق إلى السبيل الباطل.

قال- تعالى-: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ .

وقوله : ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك ) قيل هو الغناء قال مجاهد باللهو والغناء أي استخفهم بذلك

وقال ابن عباس في قوله : ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك ) قال كل داع دعا إلى معصية الله عز وجل وقال قتادة واختاره ابن جرير

وقوله ( وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ) يقول واحمل عليهم بجنودك خيالتهم ورجلتهم ؛ فإن الرجل جمع " راجل ، كما أن الركب جمع راكب " و صحب جمع " صاحب

ومعناه تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه وهذا أمر قدري كما قال تعالى : ( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ) [ مريم 83 ] أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا وتسوقهم إليها سوقا وقال ابن عباس ومجاهد في قوله ( وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ) قال كل راكب وماش في معصية الله

وقال قتادة إن له خيلا ورجالا من الجن والإنس وهم الذين يطيعونه

وتقول العرب أجلب فلان على فلان إذا صاح عليه . ومنه نهى في المسابقة عن الجلب والجنب ومنه اشتقاق " الجلبة ، وهي ارتفاع الأصوات

وقوله : ( وشاركهم في الأموال والأولاد ) قال ابن عباس ومجاهد هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله

وقال عطاء هو الربا وقال الحسن هو جمعها من خبيث وإنفاقها في حرام وكذا قال قتادة

وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما أما مشاركته إياهم في أموالهم فهو ما حرموه من أنعامهم يعني من البحائر والسوائب ونحوها وكذا قال الضحاك وقتادة

ثم ] قال ابن جرير والأولى أن يقال إن الآية تعم ذلك كله

وقوله : ( والأولاد ) قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك يعني أولاد الزنا

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفها بغير علم

وقال قتادة عن الحسن البصري قد والله شاركهم في الأموال والأولاد ، مجسوا وهودوا ونصروا وصبغوا غير صبغة الإسلام وجزءوا من أموالهم جزءا للشيطان وكذا قال قتادة سواء

وقال أبو صالح عن ابن عباس هو تسميتهم أولادهم : عبد الحارث " و عبد شمس " و عبد فلان

قال ابن جرير وأولى الأقوال بالصواب أن يقال كل مولود ولدته أنثى عصى الله فيه بتسميته ما يكرهه الله أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله أو بالزنا بأمه أو بقتله ووأده وغير ذلك من الأمور التي يعصي الله بفعله به أو فيه فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك الولد له أو منه لأن الله لم يخصص بقوله ( وشاركهم في الأموال والأولاد ) معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى فكل ما عصي الله فيه أو به وأطيع فيه الشيطان أو به فهو مشاركة

وهذا الذي قاله متجه وكل من السلف رحمهم الله فسر بعض المشاركة فقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حمار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول الله عز وجل إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم "

وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا "

وقوله : ( وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) كما أخبر تعالى عن إبليس أنه يقول إذا حصحص الحق يوم يقضى بالحق ( إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي ) الآية إبراهيم 22 ] .

يعني تعالى ذكره بقوله (وَاسْتَفْزِزْ) واستخفف واستجهل، من قولهم: استفزّ فلانا كذا وكذا فهو يستفزّه ( مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ).

اختلف أهل التأويل في الصوت الذي عناه جلّ ثناؤه بقوله ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) فقال بعضهم: عنى به: صوت الغناء واللعب.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، في قوله ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) قال: باللهو والغناء.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر، عن مجاهد، في قوله: ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) قال: اللعب واللهو.

وقال آخرون: عنى به ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ ) بدعائك إياه إلى طاعتك ومعصية الله.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) قال: صوته كلّ داع دعا إلى معصية الله.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) قال: بدعائك.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله تبارك وتعالى قال لإبليس: واستفزز من ذرّية آدم من استطعت أن تستفزّه بصوتك، ولم يخصص من ذلك صوتا دون صوت، فكل صوت كان دعاء إليه وإلى عمله وطاعته، وخلافا للدعاء إلى طاعة الله، فهو داخل في معنى صوته الذي قال الله تبارك وتعالى اسمه له ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ).

وقوله ( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) يقول: وأجمع عليهم من ركبان جندك ومشاتهم من يجلب عليها بالدعاء إلى طاعتك، والصرف عن طاعتي، يقال منه: أجلب فلان على فلان إجلابا: إذا صاح عليه. والجَلَبة: الصوت، وربما قيل: ما هذا الجَلَب، كما يقال: الغَلَب، والشَّفَقَة والشَّفَق.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني سلم بن جنادة، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر عن مجاهد، في قوله ( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) قال: كلّ راكب وماش في معاصي الله تعالى.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) قال: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس، وهم الذين يطيعونه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) قال الرجال: المشاة.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) قال: خيله: كل راكب في معصية الله؛ ورجله: كل راجل في معصية الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله ( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) قال: ما كان من راكب يقاتل في معصية الله فهو من خيل إبليس، وما كان من راجل في معصية الله فهو من رجال إبليس، والرجْل: جمع راجل، كما التجْر: جمع تاجر، والصَّحْب: جمع صاحب.

وأما قوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ ) في الأموال والأولاد فإن أهل التأويل اختلفوا في المشاركة التي عنيت بقوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ ) فقال بعضهم: هو أمره إياهم بإنفاق أموالهم في غير طاعة الله واكتسابهموها من غير حلها.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر عن مجاهد ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ ) التي أصابوها من غير حلها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ ) قال: ما أكل من مال بغير طاعة الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء بن أبي رَباح، قال: الشرك في أموال الربا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ ) قال: قد والله شاركهم في أموالهم، وأعطاهم الله أموالا فأنفقوها في طاعة الشيطان في غير حقّ الله تبارك اسمه، وهو قول قتادة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد، عن معمر، قال: قال الحسن ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ ) مرهم أن يكسبوها من خبيث، وينفقوها في حرام.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ ) قال: كل مال في معصيه الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: مشاركته إياهم في الأموال والأولاد، ما زَيَّن لهم فيها من معاصي الله حتى ركبوها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ ) كلّ ما أنفقوا في غير حقه.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك كلّ ما كان من تحريم المشركين ما كانوا يحرّمون من الأنعام كالبحائر والسوائب ونحو ذلك.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: الأموال: ما كانوا يحرِّمون من أنعامهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى، عن عمران بن سليمان. عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: مشاركته في الأموال أن جعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة لغير الله.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ ) فإنه قد فعل ذلك، أما في الأموال، فأمرهم أن يجعلوا بحيرة وسائبة ووصيلة وحاما.

قال أبو جعفر: الصواب: حاميا.

وقال آخرون: بل عُنِي به ما كان المشركون يذبحونه لآلهتهم.

* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) يعني ما كانوا يذبحون لآلهتهم.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك كلّ مال عصى الله فيه بإنفاق في حرام أو اكتساب من حرام، أو ذبح للآلهة، أو تسييب، أو بحر للشيطان، وغير ذلك مما كان معصيا به أو فيه، وذلك أن الله قال ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ ) فكلّ ما أطيع الشيطان فيه من مال وعصى الله فيه، فقد شارك فاعل ذلك فيه إبليس، فلا وجه لخصوص بعض ذلك دون بعض.

وقوله (والأوْلاد) اختلف أهل التأويل في صفة شركته بني آدم في أولادهم، فقال بعضهم: شركته إياهم فيهم بزناهم بأمهاتهم.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: أولاد الزنا.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر عن مجاهد ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: أولاد الزنا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: أولاد الزنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: أولاد الزنا.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: أولاد الزنا، يعني بذلك أهل الشرك.

حدثنا ابن حميد، قال : ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: الأولاد: أولاد الزنا.

وقال آخرون: عنى بذلك: وأْدُهم أولادَهم وقتلهموهم.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: ما قتلوا من أولادهم، وأتوا فيهم الحرام.

وقال آخرون: بل عنى بذلك: صبغهم إياهم في الكفر.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: قد والله شاركهم في أموالهم وأولادهم، فمجسوا وهوّدوا ونصروا وصبغوا غير صبغة الإسلام وجزءوا من أموالهم جزءا للشيطان.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: قد فعل ذلك، أما في الأولاد فانهم هوّدوهم ونصَّروهم ومجّسوهم.

وقال آخرون: بل عنى بذلك تسميتهم أولادهم عبد الحرث وعبد شمس.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني عيسى بن يونس، عن عمران بن سليمان، عن أبي صالح عن ابن عباس ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: مشاركته إياهم في الأولاد، سموا عبد الحرث وعبد شمس وعبد فلان.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: كل ولد ولدته أنثى عصى الله بتسميته ما يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو قتله ووأده، أو غير ذلك من الأمور التي يخصص بقوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى، فكلّ ما عصى الله فيه أو به، وأطيع به الشيطان أو فيه، فهو مشاركة من عصى الله فيه أو به إبليس فيه.

وقوله ( وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا ) يقول تعالى ذكره لإبليس: وعد أتباعك من ذرّية آدم، النصرة على من أرادهم بسوء، يقول الله ( وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا ) لأنه لا يغني عنهم من عقاب الله إذا نـزل بهم شيئا، فهم من عداته في باطل وخديعة، كما قال لهم عدو الله حين حصحص الحق إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ .

التدبر :

وقفة
[64] ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم﴾ يتحدى بها الله إبليس، فمن عباد الله من لا يستطيع الشيطان غلبته، ترى ما صفاتهم وما حالهم الذي بلغ بهم ذلك؟!
وقفة
[64] من وسائل الشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم﴾ والاستفزاز: يجمع بين الاستخفاف والفزع، فمن أطاع الشيطان ابتلي بالخفة والهلع.
لمسة
[64] ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ (الفز) هو: ولد البقرة الوحشية لما فيه من عدم السكون والفرار، وتستنهض ولدك الذي تكاسل، وتقول له: فز يعني انهض، والمعنی: استنهض أيها الشيطان من استطعت (بصوتك) أي بوسوستك، سواء أكان هذا الصوت من جندك من الأبالسة مثلك، أم جندك من شياطين الإنس الذين يعاونونك؟!
وقفة
[64] ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ كأن الله يقول لعدوه إبليس: افعل ما بدا لك، كد وامکر، دبر وخطط، فكل مكرك عليك، وكل خططك ضدك، وسيفك قاتلك، وسهمك راميك، ولن توقف دعوة الله مهما فعلت وحاولت، وهذه طمأنة لكل مؤمن انه لن يضره كيد إبليس مادام بالله معتصمًا.
وقفة
[64] ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ وصوته: كل داع يدعو إلى معصية الله تعالى؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد: الغناء والمزامير واللهو.
وقفة
[64] ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ تأمل في تفسير ابن عباس لها: «صوته كل داعٍ دعا إلى معصية الله»، ثم فسر: (بخيلك ورجِلك) يقوله: «كل راكب وماشٍ في معصية الله»؛ فليحذر الإنسان أن يكون من دعاة إبليس وجنوده وهو لا يشعر بنشر الحرام أو التسويق له أو المشي إليه.
وقفة
[64] ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ عباءة الوقار لا يسقطها الجري خلف كل ناعق، هناك من مخلصون ثابتون رغم الضجيج المنهك.
وقفة
[64] ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ ومن صور الاستفزاز الشيطانية ما نراه أحيانًا من جمهور المصفقين المصفرين المتقافزين الموالين لبعض المذاهب، لكن عباءة وقار المؤمن ثابتة على كتفيه، لا يسقطها الإلتفات نحو الضجيج المنهك.
وقفة
[64] ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ كل متكلم بغير طاعة الله، ومصوت بيراعٍ أو مزمار أو دُفٍّ حرام أو طبل؛ فذلك صوت الشيطان، وكل ساعٍ في معصية الله على قدميه فهو من رَجلِه، وكل راكب في معصية الله فهو من خيَّالته.
وقفة
[64] انتبه يا مؤمن، وتأمل قول ربك لعدونا إبليس: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾، ويدخل في هذا كل داع إلى المعصية: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله، فهو من خيل الشيطان ورجله.
تفاعل
[64] ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ﴾ استعذ بالله الآن من الشيطان الرجيم.
وقفة
[64] ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ من صور مشاركة الشيطان للإنسان في الأموال والأولاد: ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع، وعدم تأديب الأولاد.
وقفة
[64] ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ هذه معركة حقيقية، فأجمع يا إبليس لبني آدم كل ما استطعت من وسائل الفتنة والإغواء لإضلالهم، وهو تمثيل لحال الشيطان الذي يحاربنا بمختلف قواته وكافة فصائل جيشه من فرسان ومشاة!
وقفة
[64] ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ مشاركة الشيطان للإنسان في المال بثلاثة أشياء: الطلب المحرم: بأن يطلب زيادة المال عن طريق ربا، أو قمار، أو سرقة، أو غصب، أو غش، أو رشوة، أو بيع حرام كالخمر ونحوه. الإنفاق المحرم: مثل ما يُعطى الكاهن أو العراف أو الساحر، أو مهر البغي، أو شراء خمر، أو يسافر لمواطن ينفق فيها ما يلبي شهواته ونزواته المحرمة، أو يقع في الإسراف والتبذير الذي يلحقه بزمرة الشياطين. المنع المحرم: مثل منع الزكاة المفروضة، وعدم أداء حج الفريضة، وعدم الوفاء بالنذر، والتقصير في النفقة على النفس والأهل.
وقفة
[64] ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ مشاركة الأموال معناها أن يزين لهم المال الحرام، ومشاركة الأولاد أن يزين لهم الزنا، أو يزين لهم قتل أولادهم.
وقفة
[64] ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ مشاركته في الأموال بكسبها من الربا، وإنفاقها في المعاصي، وغير ذلك، ومشاركته في الأولاد هي بالاستيلاد بالزنا، وتسمية الولد عبد شمس وعبد الحارث، وشبه ذلك.
وقفة
[64] ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ من لم يحرص على مراعاة أحكام الشرع في أمواله، وأولاده، وطعامه، فقد شاركه الشيطان فيها.

الإعراب :

  • ﴿ وَاسْتَفْزِزْ:
  • الواو: عاطفة. استفزز: أي هيج: فعل أمر مبني على السكون والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت.
  • ﴿ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ:
  • من: اسم موصول مبني على السكون حرك بالكسر لالتقاء الساكنين في محل نصب مفعول به. استطعت: بمعنى «شئت» فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير المخاطب. والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل وجملة «استطعت» صلة الموصول لا محل لها. من: حرف جر بياني و «هم» ضمير الغائبين في محل جر بمن والجار والمجرور متعلق بحال محذوفة من «من».
  • ﴿ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ:
  • جار ومجرور متعلق باستفزز والكاف ضمير متصل في محل جر بالاضافة. وأجلب: معطوفة بالواو على «استفزز» وتعرب اعرابها بمعنى «وصح» وهي من الجلبة أي الصياح. عليهم: جار ومجرور متعلق بأجلب.
  • ﴿ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ:
  • جار ومجرور متعلق بأجلب. والكاف ضمير متصل في محل جر بالاضافة. ورجلك: معطوفة بالواو على «بخيلك» وتعرب اعرابها بمعنى: بأعوانك من راكب وراجل أي بفرسانك ورجالتك.
  • ﴿ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ:
  • معطوفة بالواو على «استفزز» وتعرب إعرابها و «هم» في محل نصب مفعول به. في الاموال: جار ومجرور متعلق بشارك.
  • ﴿ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ:
  • معطوفة بالواو على فِي الْأَمْاالِ» وتعرب اعرابها. وعدهم: تعرب إعراب وَشارِكْهُمْ».
  • ﴿ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ:
  • الواو: استئنافية. ما: نافية لا عمل لها. يعد: فعل مضارع مرفوع بالضمة و «هم» ضمير الغائبين في محل نصب مفعول به مقدم. الشيطان: فاعل مرفوع بالضمة.
  • ﴿ إِلاّ غُرُوراً:
  • إلاّ: أداة حصر لا عمل لها. غرورا: صفة نائبة عن المصدر أي إلاّ وعدا غرورا أي باطلا. '

المتشابهات :

الإسراء: 64﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ
الحديد: 20﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [64] لما قبلها :     وبعد أن توعدَ اللهُ عز وجل إبليسَ ومن يطيعه بجهنم؛ أمرَ هنا بأوامر خمسة، القصد بها: التهديد والاستدراج، لا التكليف؛ لأنها كلها معاص، والله لا يأمر بها، قال تعالى:
﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

ورجلك:
1- بفتح الراء وسكون الجيم، اسم جمع، واحده: راجل، مثل ركب وراكب، وهى قراءة الجمهور.
وقرئ:
2- بفتح الراء وكسر الجيم، بمعنى: رجال، وقيل: صفة، أي: غير الراكب، وهى قراءة الحسن، وأبى عمرو- فى رواية- وحفص.
3- ورجالك، وهى قراءة قتادة، وعكرمة.

مدارسة الآية : [65] :الإسراء     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ ..

التفسير :

[65] إن عبادي المؤمنين المخلصين الذين أطاعوني ليس لك قدرة على إغوائهم، وكفى بربك -أيها النبي- عاصماً وحافظاً للمؤمنين مِن كيد الشيطان وغروره.

ولما أخبر عما يريد الشيطان أن يفعل بالعباد وذكر ما يعتصم به من فتنته وهو عبودية الله والقيام بالإيمان والتوكل فقال: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } أي: تسلط وإغواء بل الله يدفع عنهم -بقيامهم بعبوديته- كل شر ويحفظهم من الشيطان الرجيم ويقوم بكفايتهم. { وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا } لمن توكل عليه وأدى ما أمر به.

وقال- سبحانه- إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ .

والإضافة في قوله إِنَّ عِبادِي ... للتشريف والتكريم حيث خصهم- سبحانه- بهذا اللون من الرعاية والحماية.

وقوله وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا أى: وكفى بربك وكيلا يتوكلون عليه، ويفوضون إليه أمورهم، ويعتصمون به لكي يقيهم وساوس الشيطان ونزغاته.

قال الإمام ابن كثير: قوله: وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا أى: حافظا ومؤيدا ونصيرا.

روى الإمام أحمد عن أبى هريرة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن المؤمن لينضى شيطانه- أى ليقهره- كما ينضى أحدكم بعيره في السفر» .

وقال الجمل في حاشيته: وهذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله. وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال، لأنه لو كان الإقدام على الحق، والإحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه، لوجب أن يقال: وكفى بالإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان. فلما لم يقل ذلك، بل قال: وكفى بربك وكيلا. علمنا أن الكل من الله. ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعته إلا بقوته. .

وبعد أن بين- سبحانه- لبنى آدم ما يبيته إبليس من عداوة وبغضاء، أتبع ذلك ببيان جانب من نعمه- تعالى- عليهم في البر والبحر وفي السراء والضراء فقال- عز وجل-:

وقوله ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) : إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين وحفظه إياهم وحراسته لهم من الشيطان الرجيم ولهذا قال : ( وكفى بربك وكيلا ) أي حافظا ومؤيدا وناصرا

وقال الإمام أحمد حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر "

ينضي ، أي يأخذ بناصيته ويقهره

يقول تعالى ذكره لإبليس: إن عبادي الذين أطاعوني، فاتبعوا أمري وعصوك يا إبليس، ليس لك عليهم حجة.

وقوله ( وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا ) يقول جلّ ثناؤه لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: وكفاك يا محمد ربك حفيظا، وقيما بأمرك، فانقد لأمره، وبلغ رسالاته هؤلاء المشركين، ولا تخف أحدا، فإنه قد توكل بحفظك ونصرتك.

كما حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا ) وعباده المؤمنون، وقال الله في آية أخرى إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ .

التدبر :

وقفة
[65] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ من استمسك بحبل الله المتين نجا بإذن الله من حبائل الشيطان ودسائسه، وقد يتربص الشيطان بالإنسان في لحظات ضعف ليحقق بعضا من غاياته.
وقفة
[65] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ بقدر ما فيك من المحبة والذل لربك؛ يضعف خلوص الشيطان إليك.
وقفة
[65] في التعقيب على قصة إبليس بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾؛ بشرى لكل من جاهد نفسه على تحقيق العبودية لله، فإن سلطان الشيطان عليه ممتنع أو ضعيف، فبقدر العبودية تضعف الواردات الشيطانية.
عمل
[65] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ ابحث عن صفات الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، واحرص أن تكون منهم.
عمل
[65] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ احرص اليوم على أذكار الصباح والمساء، وأذكار الطعام، والدخول والخروج من المنزل.
عمل
[65] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ ادع الله تعالى أن يجعلك من عباده الذين ليس للشيطان عليهم سبيلٌ.
عمل
[65] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ إذا أردت أن يبتعد عنك الشيطان ويحميك الله منه؛ كن من عباده الصالحين المصلحين.
وقفة
[65] إذا رأينا للشيطان علينا غلبة وسلطانًا، فلنتحقق من عبوديتنا لله تعالى، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾.
وقفة
[65] قال الله مبينًا سهولة الأمر على من وفقه الله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ العبودية والاستعانة.
وقفة
[65] ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [53] ذلك أنَّ مِن مواطنِ حضورِ الشيطان وتأثيره: مواطنَ الخلاف والشجار، فيجد فرصته عند ذلك، والعاصم من تأثيره بإذن الله: أن تقول القول الأحسن والأرفق؛ وبهذا تحقق عبوديتك لله، فيقيك شره تحقيقًا لوعده: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾.

الإعراب :

  • ﴿ إِنَّ عِبادِي:
  • حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل. عبادي اسم انّ منصوب بالفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة. المأتي بها من أجل الياء. والياء ضمير متصل في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ:
  • الجملة الفعلية: في محل رفع خبر «ان». ليس: فعل ماض ناقص من أخوات كان مبني على الفتح. لك: جار ومجرور متعلق بخبر «ليس» المقدم. على: حرف جر و «هم» ضمير الغائبين في محل جر بعلى والجار والمجرور متعلق بسلطان. سلطان: اسم «ليس» مؤخر مرفوع بالضمة.
  • ﴿ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً:
  • الواو: استئنافية. كفى: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر. بربك: الباء حرف جر زائد. رب: اسم مجرور للتعظيم لفظا مرفوع محلا لأنه فاعل «كفى» والكاف ضمير متصل في محل جر بالاضافة. وكيلا: تمييز منصوب بالفتحة ويجوز أن يعرب حالا. '

المتشابهات :

الحجر: 42﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ
الإسراء: 65﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [65] لما قبلها :     ولَمَّا قال اللهُ عز وجل لإبليس افعل ما تقدر عليه؛ أرادَ تحقيرَ أمره، فاستثنى هنا عباده المخلَصين، لا يستطيع أن يغويهم، ولا يقدر على إضلالهم، قال تعالى:
﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [66] :الإسراء     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ ..

التفسير :

[66] ربكم -أيها الناس- هو الذي يُسَيِّر لكم السفن في البحر؛ لتطلبوا رزق الله في أسفاركم وتجاراتكم. إن الله سبحانه كان رحيماً بعباده.

يذكر تعالى نعمته على العباد بما سخر لهم من الفلك والسفن والمراكب وألهمهم كيفية صنعتها، وسخر لها البحر الملتطم يحملها على ظهره لينتفع العباد بها في الركوب والحمل للأمتعة والتجارة. وهذا من رحمته بعباده فإنه لم يزل بهم رحيما رؤوفا يؤتيهم من كل ما تعلقت به إرادتهم ومنافعهم.

وقوله- تعالى-: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ...

بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله- تعالى- بعباده، وفضله عليهم.

ويُزْجِي من الإزجاء، وهو السوق شيئا فشيئا. يقال أزجى فلان الإبل، إذا ساقها برفق، وأزجت الريح السحاب، أى: ساقته سوقا رفيقا، ومنه قوله- تعالى-:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً....

والْفُلْكَ ما عظم من السفن. قال الجمل ما ملخصه: ويستعمل لفظ الفلك للواحد والجمع، ويذكر ويؤنث. قال- تعالى-: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فأفرد وذكر. وقال- سبحانه-: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ، فأنث، ويحتمل الإفراد والجمع. قال- تعالى-: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ ... فجمع ... .

والْبَحْرِ يطلق على الماء الكثير عذبا كان أو ملحا. وأكثر ما يكون إطلاقا على الماء الملح.

أى: اذكروا- أيها الناس- لتعتبروا وتشكروا ربكم الذي من مظاهر نعمته عليكم، أنه يسوق لكم- بلطفه وقدرته- السفن التي تركبونها في البحر لكي تطلبوا من وراء ركوبها الرزق الذي يصلح معاشكم، والذي هو لون من ألوان فضل الله عليكم.

وقوله: لتبتغوا من فضله، تعليل لإزجاء الفلك، وتصريح بوجوه النفع التي تفضل الله- تعالى- بها عليهم.

وقوله: إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً تعليل ثان لهذا الإزجاء.

أى: يزجى لكم الفلك في البحر، لتطلبوا من وراء ذلك ما ينفعكم، ولأنه- سبحانه- كان أزلا وأبدا، بكم دائم الرحمة والرأفة.

يخبر تعالى عن لطفه بخلقه في تسخيره لعباده الفلك في البحر وتسهيلها لمصالح عباده لابتغائهم من فضله في التجارة من إقليم إلى إقليم ولهذا قال : ( إنه كان بكم رحيما ) أي إنما فعل هذا بكم من فضله عليكم ورحمته بكم

يقول تعالى ذكره للمشركين به: ربكم أيها القوم هو الذي يسير لكم السفن في البحر، فيحملكم فيها( لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) لتوصلوا بالركوب فيها إلى أماكن تجاراتكم ومطالبكم ومعايشكم، وتلتمسون من رزقه ( إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) يقول: إن الله كان بكم رحيما حين أجرى لكم الفلك في البحر، تسهيلا منه بذلك عليكم التصرّف في طلب فضله في البلاد النائية التي لولا تسهيله ذلك لكم لصعب عليكم الوصول إليها.

وبنحو ما قلنا في قوله ( يُزْجِي لَكُمْ ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني علي بن داود ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ ) يقول: يجري الفلك.

حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ ) قال: يسيرها في البحر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس ( رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ ) قال: يجري.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ ) قال: يجريها.

التدبر :

وقفة
[66] ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ يسخر لك الكثير مما تعرف وما لا تعرف، يرزقك دومًا من فضله، ويجنبك أذي كثيرًا لم تفطن له حتي تلك الضائقات التي تمر بها فيها رحمات لا تعلمها.
عمل
[66] ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ إذا رأيت سفينة تتهادى؛ فحدق في الرحمة من حولها.
عمل
[66] ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ مهما بلغت من حالة البؤس؛ فثق بالرحيم.
وقفة
[66] ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ الشرائع التي فرضها علينا كلها رحمات، حتى المصائب مليئة بالرحمات.
وقفة
[66] ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ من فقد حنانًا من موت أم أو فقد أب أو أي مصاب؛ فَثِق أن الذي قدر موتها كان بك رحيمًا.

الإعراب :

  • ﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي:
  • مبتدأ مرفوع للتعظيم بالضمة. الكاف ضمير متصل في محل جر بالاضافة والميم علامة جمع الذكور. الذي: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو والجملة الاسمية «هو الذي» في محل رفع خبر المبتدأ والجملة الفعلية بعد «الذي» صلة الموصول لا محل لها من الاعراب.
  • ﴿ يُزْجِي لَكُمُ:
  • أي يجري: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء للثقل والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو. لكم: جار ومجرور متعلق بيزجي والميم علامة جمع الذكور وحركت الميم بالضم لالتقاء الساكنين.
  • ﴿ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ:
  • مفعول به منصوب بالفتحة أي السفن وهذه الكلمة تكون مفردة وجمعا. في البحر: جار ومجرور متعلق بيزجي.
  • ﴿ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ:
  • أي لتطلبوا: اللام: لام التعليل حرف جر. تبتغوا: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وعلامة نصبه حذف النون. الواو ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف فارقة. من فضله: جار ومجرور متعلق بتبتغوا والهاء ضمير متصل في محل جر بالاضافة و «ان» وما تلاها بتأويل مصدر في محل جر باللام والجار والمجرور متعلق بيزجي وجملة «تبتغوا» صلة «أن» المصدرية لا محل لها بمعنى لتطلبوا الربح بالتجارة.
  • ﴿ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً:
  • إنّ حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل والهاء ضمير متصل في محل نصب اسم «ان» كان: فعل ماض ناقص مبني على الفتح واسمها ضمير مستتر جوازا تقديره هو. بكم: جار ومجرور متعلق برحيما والميم علامة جمع الذكور. رحيما: خبر «كان» منصوب بالفتحة. والجملة الفعلية كانَ بِكُمْ رَحِيماً» في محل رفع خبر «إنّ». '

المتشابهات :

النحل: 14﴿وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ
الإسراء: 66﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا
القصص: 73﴿وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ
فاطر: 12﴿وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُون
الجاثية: 12﴿۞ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُون

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [66] لما قبلها :     ولَمَّا أنكرَ اللهُ عز وجل على المشركين أنهم يعبدون ما لا يملكُ لهم نفعًا ولا ضرًّا؛ ذكَر هنا أنَّه هو النَّافِعُ الضَّارُّ المتصَرِّفُ في خَلقِه بما يشاءُ، فذكَرَ نعمة تسخير السفن، قال تعالى:
﴿ رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

فهرس المصحف

البحث بالسورة

البحث بالصفحة

البحث في المصحف