1628889909192939495

الإحصائيات

سورة الأعراف
ترتيب المصحف7ترتيب النزول39
التصنيفمكيّةعدد الصفحات26.00
عدد الآيات206عدد الأجزاء1.25
عدد الأحزاب2.50عدد الأرباع10.00
ترتيب الطول4تبدأ في الجزء8
تنتهي في الجزء9عدد السجدات1
فاتحتهافاتحتها
حروف التهجي: 3/29آلمص: 1/1

الروابط الموضوعية

المقطع الأول

من الآية رقم (88) الى الآية رقم (91) عدد الآيات (4)

الأشرافُ المُتكبِّرونُ من قومِ شُعَيبٍ عليه السلام أصرُّوا على كفرِهم، وقالُوا: من اتَّبعَ شعيبًا خاسِرٌ، فأخذَتْهم الزلزلةُ الشديدةُ، فهلكُوا.

فيديو المقطع


المقطع الثاني

من الآية رقم (92) الى الآية رقم (95) عدد الآيات (4)

لَمَّا قالُوا: من اتَّبعَ شعيبًا خاسِرٌ قالَ اللهُ الخاسرونَ هم الذينَ كذَّبُوه، ثُمَّ بيانُ سُنةِ اللهِ إذا أرسلَ إلى أهلِ قريةٍ نبيًّا فكذَّبُوه؛ ابْتَلَاهم بالفقرِ والمرضِ ليتضرعُوا إليه ويتركُوا الكفرَ، فلمَّا لم يُفِدْ ذلك بدَّلَ الشدةَ رخاءً، ثُمَّ

فيديو المقطع


مدارسة السورة

سورة الأعراف

الصراع بين الحق والباطل/ احسم موقفك ولا تكن سلبيًّا

أولاً : التمهيد للسورة :
  • • بدأت السورة ::   بالصراع بين آدم وإبليس، وأتبعته بالحوار بين أهل الجنة وأهل النار. وكأنها تنادينا: هذه هي بداية الصراع، أو أول صراع: (آدم وإبليس)، وهذه هي النتيجة: (فريق في الجنة وفريق في النار).
  • • ثم عرضت السورة ::   الصراع في تاريخ البشرية بين كل نبي وقومه، ويظهر أن نهاية الصراع دائمًا هي هلاك الظالمين بسبب فسادهم، ونجاة المؤمنين بسبب إيمانهم.
ثانيا : أسماء السورة :
  • • الاسم التوقيفي ::   «الأعراف».
  • • معنى الاسم ::   الأعراف: جمع عُرْفٍ، وعُرْف الجبل ونحوه: أعلاه، ويطلق على السور ونحوه، وقيل لعرف الديك: عُرف، لارتفاعه على ما سواه من جسده، والأعراف: هو ‏السور ‏الذي ‏بين ‏الجنة ‏والنار يحول بين أهليهما. وأهل الأعراف: من تساوت حسناتهم وسيئاتهم يوم القيامة، إذ يوقفون على أعالي سور بين الجنة والنار، ثم يدخلهم الله الجنة بفضله ورحمته.
  • • سبب التسمية ::   لورود لفظ "‏الأعراف" ‏فيها، ولم يذكر في غيرها من السور.
  • • أسماء أخرى اجتهادية ::   ‏‏«سورة الميقات»، و«سورة الميثاق»، «أَطْوَلُ الطُّولَيَيْنِ» (الطُّولَيَيْن: الأنعام والأعراف، فهما أطول السور المكية).
ثالثا : علمتني السورة :
  • • علمتني السورة ::   أن الصراع دائم ومستمر بين الحق والباطل، من بداية خلق آدم إلى نهاية الخلق، مرورًا بنوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام، وفي قصص هؤلاء الأنبياء ظهر لنا كيف أن الله ينجي أولياءه ويهلك أعداءه.
  • • علمتني السورة ::   وجوب اتباع الوحي، وحرمة اتباع ما يدعو إليه أصحاب الأهواء والمبتدعة: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾
  • • علمتني السورة ::   أن الوزن يوم القيامة لأعمال العباد يكون بالعدل والقسط: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾
  • • علمتني السورة ::   أن من أشبه آدم بالاعتراف وسؤال المغفرة والندم والإقلاع إذا صدرت منه الذنوب اجتباه ربه وهداه‏، ومن أشبه إبليس إذا صدر منه الذنب، فإنه لن يزداد من اللّه إلا بعدًا‏.
رابعًا : فضل السورة :
  • • عن مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: «مَا لِى أَرَاكَ تَقْرَأُ فِى الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ السُّوَرِ؟ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِيهَا بِأَطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ»، قُلْتُ (القائل ابن أَبِي مُلَيْكَة): «يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، مَا أَطْوَلُ الطُّولَيَيْنِ؟»، قَالَ: «الأَعْرَافُ».
    • عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ سُورَةَ الأَعْرَافِ فِى صَلاَةِ الْمَغْرِبِ، فَرَّقَهَا فِى رَكْعَتَيْنِ».
    • عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَخَذَ السَّبْعَ الأُوَل مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ حَبْرٌ». السبعُ الأُوَل هي: «البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والتوبة»، وأَخَذَ السَّبْعَ: أي من حفظها وعلمها وعمل بها، والحَبْر: العالم المتبحر في العلم؛ وذلك لكثرة ما فيها من أحكام شرعية.
    • عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَئِينَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ». وسورة الأعراف من السبع الطِّوَال التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم مكان التوراة.
خامسًا : خصائص السورة :
  • • أطول سورة مكية (وكما سبق فهي أَطْوَلُ الطُّولَيَيْنِ (الأنعام والأعراف)، فهما أطول السور المكية).
    • أول سورة -بحسب ترتيب المصحف- عرضت بالتفصيل قصص الأنبياء: آدم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى.
    • بها أول سجدة تلاوة -بحسب ترتيب المصحف-، ويبلغ عدد سجدات التلاوة في القرآن الكريم 15 سجدة.
    • اشتملت على 4 نداءات متتالية لبني آدم من أصل 5 نداءات ذُكرت في القرآن الكريم، وهذه النداءات الأربعة ذُكرت في الآيات (26، 27، 31، 35)، وكلها بعد سرد قصة آدم في بداية السورة، والنداء الخامس ذُكِرَ في الآية (60) من سورة يس.
سادسًا : العمل بالسورة :
  • • أن نبذل قصارى جهدنا في دعوة النَّاس إلى الله كما فعل الأنبياء الكرام.
    • أن نحسم موقفنا من الصراع بين الحق والباطل، فأصحاب الأعراف كانوا يعرفون الحق والباطل لكنهم لم يحسموا أمرهم فحبسوا بين الجنة والنار حتى يقضي الله فيهم.
    • ألا يكون طموحنا أدني المنازل في الجنان؛ حتى لا نكن ممن سيقفون على الأعراف ينتظرون وغيرهم سبق وفاز، ولا نرضى في العبادة أدناها.
    • ألا نتحرج في تبليغ هذا الدين وأداء فرائضه فهو الدين الحق: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (2).
    • ألا نتكبر على عباد الله؛ فالكبر سبب معصية إبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (12).
    • أن نلبس الحسن من الثياب إذا ذهبنا إلى المساجد، ولا نسرف في الأكل والشرب: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (31).
    • أن نجتنب هذه الأمور التي حرمها الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّـهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (33).
    • أن نُذَكِّر أنفسنا ومن حولنا بأهمية سلامة القلب، وأنه من صفات أهل الجنة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ (43).
    • ألا نغتر بالحياة الدنيا؛ فهي دار لهو ولعب: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ...﴾ (51).
    • أن نُذَكِّر بعض البائعين -بأسلوب طيب- بأهمية العدل في الميزان: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (85).
    • أن نجمع في الدنيا بين الخوف والرجاء: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّـهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّـهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (99).
    • أن نحافظ على الصلاة مع الجماعة؛ فهي من العهد الذي بينك وبين الله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (102).
    • أن نضمّ أسماء أحبابِنا في الدُّعاء: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ (151).
    • أن نتذكر سنة كنا غافلين عنها من سنن النبي ﷺ، ونطبقها: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (157).
    • ألا نتهاون في الأخذِ بنصيحةِ من يعظنا ويذكِّرنا بالله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (165).
    • أن نطلب دومًا الثبات على الصراط المستقيم، ونتعوذ من نزغات الشياطين والكفر بعد الإيمان: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ...﴾ (175).
    • أن نسأل الله تعالى صلاح قلوبنا، وأن يمتعنا بأسماعنا وأبصارنا في طاعته: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (179).
    • أن نحذر من مكر الله فيما أنعم به علينا: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (182).
    • أن نتيقن ويستقر في قلوبنا أنه لن ينفعنا أو يضرنا أحد إلا بإذن الله: ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّـهُ ...﴾ (188).
    • أن نقابل وسوسة الشيطان بالاستعاذة بالله منه: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّـهِ ...﴾ (200).
    • أن نستمع وننصت أثناء قراءة القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (204).
    • أن نداوم على أذكار الصباح والمساء، ونُذَكِّر بهـا غيرنا: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ ... وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (205).

تمرين حفظ الصفحة : 162

162

مدارسة الآية : [88] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن ..

التفسير :

[88] قال السادة والكبراء من قوم شعيب الذين تكبروا عن الإيمان بالله واتباع رسوله شعيب عليه السلام: لنخرجنك يا شعيب ومَن معك من المؤمنين مِن ديارنا، إلا إذا صرتم إلى ديننا، قال شُعيب -منكراً ومتعجباً من قولهم-: أنتابعكم على دينكم ومِلَّتكم الباطلة، ولو كنا

{ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ْ} وهم الأشراف والكبراء منهم الذين اتبعوا أهواءهم ولهوا بلذاتهم، فلما أتاهم الحق ورأوه غير موافق لأهوائهم الرديئة، ردوه واستكبروا عنه، فقالوا لنبيهم شعيب ومن معه من المؤمنين المستضعفين: { لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ْ} استعملوا قوتهم السبعية، في مقابلة الحق، ولم يراعوا دينا ولا ذمة ولا حقا، وإنما راعوا واتبعوا آهواءهم وعقولهم السفيهة التي دلتهم على هذا القول الفاسد، فقالوا: إما أن ترجع أنت ومن معك إلى ديننا أو لنخرجنكم من قريتنا. فـ { شعيب ْ} عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم طامعا في إيمانهم، والآن لم يسلم من شرهم، حتى توعدوه إن لم يتابعهم - بالجلاء عن وطنه، الذي هو ومن معه أحق به منهم. فـ { قَالَ ْ} لهم شعيب عليه الصلاة والسلام متعجبا من قولهم: { أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ْ} أي: أنتابعكم على دينكم وملتكم الباطلة، ولو كنا كارهين لها لعلمنا ببطلانها، فإنما يدعى إليها من له نوع رغبة فيها، أما من يعلن بالنهي عنها، والتشنيع على من اتبعها فكيف يدعى إليها؟"

أى: قال الأشراف المستكبرون من قوم شعيب له ردا على مواعظه لهم: والله لنخرجنك يا شعيب أنت والذين آمنوا معك من قريتنا بغضا لكم، ودفعا لفتنتكم المترتبة على مساكنتنا ومجاورتنا، أو لتعودن وترجعن إلى ملتنا وما نؤمن به من تقاليد ورثناها عن آبائنا ومن المستحيل علينا تركها. فعليك يا شعيب أنت ومن معك أن تختاروا لأنفسكم أحد أمرين: الإخراج من قريتنا أو العودة إلى ملتنا.

هكذا قال المترفون المغرورون لشعيب وأتباعه باستعلاء وغلظة وغضب.

وجملة قالَ الْمَلَأُ إلخ. مستأنفة استئنافا بيانيا، كأنه قيل: فماذا كان رد قوم شعيب على نصائحه لهم؟ فكان الجواب: قال الملأ ... إلخ.

وقد أكدوا قولهم بالجملة القسمية للمبالغة في إفهامه أنهم مصممون على تنفيذ ما يريدونه منه ومن أتباعه.

ونسبوا الإخراج إليه أولا وإلى أتباعه ثانيا، للتنبيه على أصالته في ذلك، وأن الذين معه إنما هم تبع له، فإذا ما خرج هو كان خروج غيره أسهل.

وجملة: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا معطوفة على جملة لَنُخْرِجَنَّكَ وهي- أى جملة أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا المقصود الأعظم عندهم، فهؤلاء المستكبرون يهمهم في المقام الأول أن يعود من فارق ملتهم وديانتهم إليها ثانية.

والتعبير بقولهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا يقتضى أن شعيبا ومن معه كانوا على ملتهم ثم خرجوا منها، وهذا محال بالنسبة لشعيب- عليه السلام- فإن الأنبياء معصومون- حتى قبل النبوة- عن ارتكاب الكبائر فضلا عن الشرك.

وقد أجيب عن ذلك بأن المستكبرين قد قالوا ما قالوا من باب التغليب، لأنهم لما رأوا أن أتباعه كانوا من قبل ذلك على ملتهم ثم فارقوهم واتبعوا شعيبا، قالوا لهم: إما أن تخرجوا مع نبيكم الذي اتبعتموه وإما أن تعودوا إلى ملتنا التي سبق أن كنتم فيها، فأدرجوا شعيبا معهم في الأمر بالعودة إلى ملتهم من باب تغليبهم عليه هنا، هذا هو الجواب الذي ارتضاه كثير من العلماء وعلى رأسهم صاحب الكشاف، فقد قال: فإن قلت: كيف خاطبوا شعيبا عليه السلام- بالعود في الكفر في قولهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا وكيف أجابهم بقوله: إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها والأنبياء- عليهم السلام- لا يجوز عليهم من الصغائر إلا ما ليس فيه تنفير، فضلا عن الكبائر، فضلا عن الكفر؟ قلت: قالوا:

لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا فعطفوا على ضميره الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم قالوا: لتعودن فغلب الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعا، إجراء للكلام على حكم التغليب. وعلى ذلك أجرى شعيب- عليه السلام- جوابه فقال:

إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وهو يريد عودة قومه، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئا من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب .

هذا هو الجواب الذي اختاره الزمخشري وتبعه فيه بعض العلماء، وهناك أجوبة أخرى ذكرها المفسرون ومنها:

1- أن هذا القول جار على ظنهم أنه كان في ملتهم، لسكوته قبل البعثة عن الإنكار عليهم.

2- أنه صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس وإيهاما لهم بأنه كان على دينهم وما صدر عن شعيب- عليه السلام- كان على طريق المشاكلة.

3- أن قولهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا بمعنى: أو لتصيرن، إذ كثيرا ما يرد «عاد» بمعنى «صار» فيعمل عمل كان. ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة، بل عكس ذلك، وهو الانتقال من حال سابقة إلى حال مؤتنفة، وكأنهم قالوا لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن كفارا مثلنا» .

قال الإمام الرازي: تقول العرب: قد عاد إلى فلان مكره، يريدون: قد صار منه المكر ابتداء.

وقال صاحب الانتصاف: إنه يسلم استعمال «العود» بمعنى الرجوع إلى أمر سابق، ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله- تعالى-: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ. والإخراج يستدعى دخولا سابقا فيما وقع الإخراج منه. ونحن نعلم أن المؤمن الناشئ في الإيمان لم يدخل قط في ظلمة الكفر، ولا كان فيها. وكذلك الكافر الأصلى، لم يدخل قط في نور الإيمان ولا كان فيه، ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق الله العبد متيسرا لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده، فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر ثم عدوله إلى الإيمان، إخبارا بالإخراج من الظلمات إلى النور توفيقا من الله له، ولطفا به، وبالعكس في حق الكافر وفائدة اختياره في هذه المواضع، تحقيق التمكن والاختيار لإقامة حجة الله على عباده» .

هذه بعض الأجوبة التي أجاب بها العلماء على قول قوم شعيب أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ولعل أرجحها هو الرأى الذي اختاره صاحب الكشاف «لبعده عن التكلف، واتساقه مع رد شعيب عليهم» . فقد قال لهم: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ. أى: أتجبروننا على العودة إلى ملتكم حتى ولو كنا كارهين لها، لاعتقادنا أنها باطلة وقبيحة ومنافية للعقول السليمة والأخلاق المستقيمة لا. لن نعود إليها بأى حال من الأحوال. فالهمزة لإنكار الوقوع ونفيه، والتعجيب من أحوالهم الغريبة حيث جهلوا أن الدخول في العقائد اختياري محض ولا ينفع فيه الإجبار أو الإكراه.

هذا إخبار من الله تعالى عما واجهت به الكفار نبي الله شعيبا ومن معه من المؤمنين ، في توعدهم إياه ومن معه بالنفي من القرية ، أو الإكراه على الرجوع في ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه . وهذا خطاب مع الرسول والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملة .

وقوله : ( أولو كنا كارهين ) يقول : أو أنتم فاعلون ذلك ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه ؟ فإنا إن رجعنا إلى ملتكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه ، فقد أعظمنا الفرية على الله في جعل الشركاء معه أندادا . وهذا تعبير منه عن أتباعه .

القول في تأويل قوله : قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ( قال الملأ الذين استكبروا ) ، يعني بالملأ الجماعة من الرجال (1) = ويعني بالذين استكبروا ، الذين تكبروا عن الإيمان بالله ، والانتهاء إلى أمره ، واتباع رسوله شعيب ، لما حذرهم شعيبٌ بأسَ الله ، على خلافهم أمرَ ربهم، وكفرهم به (2) =(لنخرجنك يا شعيب ) ، ومن تبعك وصدقك وآمن بك، وبما جئت به معك=(من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ) ، يقول: لترجعن أنت وهم في ديننا وما نحن عليه (3) =قال شعيب مجيبًا لهم: ( أولو كنا كارهين ) .

ومعنى الكلام: أن شعيبًا قال لقومه: أتخرجوننا من قريتكم، وتصدّوننا عن سبيل الله، ولو كنا كارهين لذلك؟= ثم أدخلت " ألف " الاستفهام على " واو " " ولو ".

-----------------

الهوامش :

(1) انظر تفسير"الملأ" فيما سلف ص: 542 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(2) انظر تفسير"استكبر" فيما سلف ص: 542 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(3) انظر تفسير"الملة" فيما سلف ص: 282 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

المعاني :

لم يذكر المصنف هنا شيء

التدبر :

وقفة
[88] ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ وهم الأشراف والكبراء منهم؛ الذين اتبعوا أهواءهم، ولَهوا بلذاتهم، فلما أتاهم الحق ورأوه غير موافق لأهوائهم الرديئة ردوه، واستكبروا عنه.
وقفة
[88] ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ ما أقبح الكبر! أول ذنب، وأسوأ خلق، وأكبر مانعٍ للحق والإيمان.
وقفة
[88] ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ وصف الملأ بالاستكبار دون الكفر مع أنه لم يحكِ هنا عن خطاب المستضعفين حتى يكون ذكر الاستكبار إشارة إلى أنهم استضعفوا المؤمنين كما اقتضت قصة ثمود. واختير وصف الاستكبار هنا لمناسبة مخاطبتهم شعيباً بالإخرج أو الإكراه على اتباع دينهم. وذلك من فعل الجبارين أصحاب القوة.
وقفة
[88] ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ هذه عادة المستكبرين في كل زمان.
وقفة
[88] المتكبر والغافل إذا تعارضت شهوتهما مع الدين فإنهما يقدمان شهوتهما ومعصيتهما عليه ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾.
وقفة
[88] أسلوب المتكبرين واحد؛ وهو: الجدال بالباطل، فإن عجزوا لجئوا إلى التهديد ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾.
وقفة
[88] كل أنبياء الله تعالى هُددوا بالقتل أو الإخراج أو السجن: ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ [القصص: 20]، ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30]، ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ﴾، ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: 167]، ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: 29]، ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: 32]، ﴿لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا﴾ [إبراهيم: 13]، ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ [82]، ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: 49]؛ الحق والباطل لا يجتمعان.
وقفة
[88] ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ في الآية ما يدل على صعوبة مفارقة الأوطان؛ إذ قرنوا ذلك بالعودة إلى الكفر.
وقفة
[88] إذا عجز المُبطْلُ عن مقارعة بالحجة؛ هدد باستعمال القوة مع خصمة، وتلك حيلة العاجز، قالها فرعون لموسى، وقالها قوم شعيب لنبيهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾.
وقفة
[88] هذه أساليب من لا يقدرون على رد الحجة بالحجة: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾، ﴿لئن اتبعتم شعبيًا إنكم إذا لخاسرون﴾ [90]، ضحالة فكر وتهديد بالنفي وبؤس في الخطاب.
لمسة
[88] قوم شعيب جعلوا عودة شعيب إلى ملة القوم بأسلوب القسم؛ فقالوا: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾، ولم يقولوا: «لنخرجنك من قريتنا أو تعودن في ملتنا»، وقد زاد هذا القسم الآية قوة لا تأتى بدونه، أي أنهم فاعلون أحد الأمرين لا محالة، وأنهم مصرون على إعادتهم إلى ملّتهم بتوكيد مؤذن بأنهم إن أبوا الخروج فإنهم سيُكرهون على العودة إلى ملة قومهم.
وقفة
[88] ﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ إن التزام الدين عن إكراه لا يأتي بالغرض المطلوب من التدين؛ وهو تزكية النفس، وتكثير جند الحق، والصلاح المطلوب.
لمسة
[88، 89] ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ فيه تغليبُ الجمعِ على الواحد، إذ منهم شعيبٌ، ولم يكن في ملَّتهم حتى يعود إليها، وكذا قول شعيب: ﴿إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ بعدَ إذْ نجَّانَا اللَّهُ منهَا﴾ على أن (عادَ) تأتي بمعنى صار، كما في قوله تعالى: ﴿حتَّى عَادَ كالعُرْجونِ القَدِيمِ﴾ [يس: 39]، والمعنى: إن صرنا في ملَّتكم.

الإعراب :

  • ﴿ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ:
  • قال: فعل ماض مبني على الفتح. الملأ: فاعل مرفوع بالضمة. الذين اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة للملأ.
  • ﴿ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ:
  • استكبروا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف فارقة وجملة «اسْتَكْبَرُوا» صلة الموصول لا محل لها وبمعنى: استكبروا عن قبول الحق. من قومه: جار ومجرور متعلق بحال محذوفة من «الَّذِينَ» والهاء ضمير متصل في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ:
  • الجملة: في محل نصب مفعول به- مقول القول- اللام: واقعة في جواب قسم محذوف مقدر أي والله لنخرجنّك. نخرجنّك: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن والكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. يا: أداة نداء. شعيب: منادى مبني على الضم في محل نصب. وجملة «لَنُخْرِجَنَّكَ» جواب قسم مقدر لا محل لها من الإعراب
  • ﴿ َالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا:
  • الواو: عاطفة. الذين: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب لأنه معطوف على منصوب بتقدير: نخرجّنك ونخرج الذين. آمنوا: تعرب إعراب «اسْتَكْبَرُوا». مع: ظرف مكان يدل على المصاحبة متعلق بآمنوا في محل نصب. والكاف ضمير متصل في محل جر بالاضافة. من قريتنا: جار ومجرور متعلق بحال محذوفة من الذين. و «نا» ضمير متصل- ضمير المتكلمين- مبني على السكون في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ:
  • أو: عاطفة للتخيير لتعودنّ معطوفة على «لَنُخْرِجَنَّكَ». اللام: سبق إعرابها. تعودنّ: فعل مضارع مبني على حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة وسبب بنائه على حذف النون اتصاله بنون التوكيد الثقيلة و «واو» الجماعة المحذوفة لالتقائها ساكنة مع نون التوكيد الثقيلة في محل رفع فاعل والنون لا محل لها. وجملة «لَتَعُودُنَّ» يجوز أن تعني «لتصيرنّ» من اخوات كان. وفي الجملة تغليب الجماعة على الواحد حيث جعلوهم عائدين جميعا ولذلك أجرى شعيب جوابه فقال ان عدنا في ملتكم وهو يريد عود قومه «لَتَعُودُنَّ» جواب قسم مقدر لا محل لها من الإعراب.
  • ﴿ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَ:
  • جار ومجرور متعلق بتعودن و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل جر بالاضافة. قال: فعل ماض مبني على الفتح والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو. أو: الهمزة: للاستفهام والواو واو الحال وتقدير: أو تعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا ومع كوننا كارهين.
  • ﴿ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ:
  • لو: حرف مصدرية. كنّا: فعل ماض ناقص مبني على السكون لاتصاله بنا و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع اسم «كان» كارهين: خبرها منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم والنون عوض عن تنوين المفرد. وجملة «كُنَّا كارِهِينَ» صلة «لَوْ» لا محل لها. '

المتشابهات :

الأعراف: 75﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ
الأعراف: 88﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [88] لما قبلها :     ولَمَّا دعا شُعَيبٌ عليه السلام الكافرين من قومه إلى الانتظار حتى يحكم اللهُ بين الفريقين؛ توعد الأشرافُ المُتكبِّرونُ شعيبًا والذين آمنوا معه بالإخراج من البلد، أو العودة إلى ملتهم، قال تعالى:
﴿ قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [89] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا ..

التفسير :

[89] وقال شعيب لقومه مستدركاً: قد اختلقنا على الله الكذب إن عُدْنا إلى دينكم بعد أن أنقذنا الله منه، وليس لنا أن نتحول إلى غير دين ربنا إلا أن يشاء الله ربنا، وقد وسع ربنا كل شيء علماً، فيعلم ما يصلح للعباد، على الله وحده اعتمادنا هداية ونصرة، ربنا احكم ب

{ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ْ} أي: اشهدوا علينا أننا إن عدنا إليها بعد ما نجانا اللّه منها وأنقذنا من شرها، أننا كاذبون مفترون على اللّه الكذب، فإننا نعلم أنه لا أعظم افتراء ممن جعل للّه شريكا، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يتخذ ولدا ولا صاحبة، ولا شريكا في الملك. { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا ْ} أي: يمتنع على مثلنا أن نعود فيها، فإن هذا من المحال، فآيسهم عليه الصلاة والسلام من كونه يوافقهم من وجوه متعددة، من جهة أنهم كارهون لها مبغضون لما هم عليه من الشرك. ومن جهة أنه جعل ما هم عليه كذبا، وأشهدهم أنه إن اتبعهم ومن معه فإنهم كاذبون. ومنها: اعترافهم بمنة اللّه عليهم إذ أنقذهم اللّه منها. ومنها: أن عودهم فيها - بعد ما هداهم اللّه - من المحالات، بالنظر إلى حالتهم الراهنة، وما في قلوبهم من تعظيم اللّه تعالى والاعتراف له بالعبودية، وأنه الإله وحده الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، وأن آلهة المشركين أبطل الباطل، وأمحل المحال. وحيث إن اللّه منَّ عليهم بعقول يعرفون بها الحق والباطل، والهدى والضلال. وأما من حيث النظر إلى مشيئة اللّه وإرادته النافذة في خلقه، التي لا خروج لأحد عنها، ولو تواترت الأسباب وتوافقت القوى، فإنهم لا يحكمون على أنفسهم أنهم سيفعلون شيئا أو يتركونه، ولهذا استثنى { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ْ} أي: فلا يمكننا ولا غيرنا، الخروج عن مشيئته التابعة لعلمه وحكمته، وقد { وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ْ} فيعلم ما يصلح للعباد وما يدبرهم عليه. { عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ْ} أي: اعتمدنا أنه سيثبتنا على الصراط المستقيم، وأن يعصمنا من جميع طرق الجحيم، فإن من توكل على اللّه، كفاه، ويسر له أمر دينه ودنياه. { رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ ْ} أي: انصر المظلوم، وصاحب الحق، على الظالم المعاند للحق { وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ْ} وفتحه تعالى لعباده نوعان: فتح العلم، بتبيين الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ومن هو من المستقيمين على الصراط، ممن هو منحرف عنه.

ثم صارحهم برفضه التام لما يتوهمونه من العودة إلى ملتهم فقال: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها.

أى: قد اختلقنا على الله- تعالى- أشنع أنواع الكذب إن عدنا في ملتكم الباطلة بعد إذ نجانا الله بهدايتنا إلى الدين الحق وتنزيهنا عن الإشراك به- سبحانه-.

قال صاحب المنار: وهذا كلام مستأنف لبيان أهم الأمرين بالرفض والكراهية، وهو إنشاء في صورة الخبر. فإما أن يكون تأكيدا قسميا لرفض دعوة الملأ إياهم إلى العودة في ملتهم، كما يقول القائل: برئت من الذمة إن فعلت كذا، فيكون مقابلة لقسمهم بقسم أعرق منه في التوكيد وإما أن يكون تعجبا خرج لا على مقتضى الظاهر، وأكد بقد والفعل الماضي، والمعنى ما أعظم افتراءنا على الله- تعالى- إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وهدانا إلى صراطه المستقيم» .

ثم كرر هذا الرفض بأبلغ وجه فقال: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أى ما يصح لنا ولا يتأتى منا أن نعود في ملتكم الباطلة في حال من الأحوال أو في وقت من الأقوات إلا في حال أو في وقت مشيئة الله- المتصرف في جميع الشئون- عودتنا إليها، فهو وحده القادر على ذلك ولا يقدر عليه غيره لا أنتم ولا نحن، لأننا موقنون بأن ملتكم باطلة وملتنا هي الحق والموقن لا يستطيع إزالة يقينه ولا تغييره وإنما ذلك بيد مقلب القلوب، الذي وسع علمه كل شيء.

وهذا اللون من الأدب العالي، حكاه القرآن عن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- في مخاطبتهم، فأنت ترى أن شعيبا- عليه السلام- مع ثقته المطلقة في أنه لن يعود هو وأتباعه إلى ملة الكفر أبدا، مع ذلك هو يفوض الأمر إلى الله تأدبا معه، فلا يجزم بمشيئته هو، بل يترك الأمر لله، فقد يكون في علمه سبحانه ما يخفى على البشر، مما تقتضيه حكمته وإرادته.

قال صاحب الانتصاف: «وموقع قوله: وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة، والاطلاع على الأمور الغائبة، فإن العود إلى الكفر جائز في قدرة الله أن يقع من العبد: ولو وقع فبقدرة الله ومشيئته المغيبة عن خلقه. فالحذر قائم، والخوف لازم، ونظيره قول إبراهيم- عليه السلام- «ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون» ، لما رد الأمر إلى المشيئة وهي مغيبة، مجد الله- تعالى- بالانفراد بعلم الغائبات» .

ثم يترك شعيب- عليه السلام- قومه وتهديدهم ووعيدهم، ويتوجه إلى الله بالاعتماد والدعاء فيقول: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ.

أى: على الله وحده وكلنا أمرنا، فهو الذي يكفينا أمر تهديدكم ووعيدكم، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ربنا احكم بيننا وبين قومنا الذين ظلمونا بالحق وأنت خير الحاكمين، لخلو حكمك عن الجور والحيف.

فقوله: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا إظهار للعجز من جانب شعيب، وأنه في مواجهته لأولئك المستكبرين لا يعتمد إلا على الله وحده، ولا يأوى إلا إلى ركنه المكين، وحصنه الحصين.

والجملة الكريمة تفيد الحصر لتقديم المعمول فيها.

وقوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا إعراض عن مجادلتهم ومفاوضتهم بعد أن تبين له عنادهم وسفههم، وإقبال على الله- تعالى- بالتضرع والدعاء.

والفتح: أصله إزالة الأغلاق عن الشيء، واستعمل في الحكم، لما فيه من إزالة الأشكال في الأمر. ومنه قيل للحاكم: فاتح وفتاح لفتحه أغلاق الحق، وقيل للحكومة: الفتاحة- بضم الفاء وكسرها.

أخرج البيهقي عن ابن عباس قال: ما كنت أدرى قوله- تعالى-: رَبَّنَا افْتَحْ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها وقد جرى بينها وبينه كلام: تعال أفاتحك، تريد أقاضيك وأحاكمك.

وقوله: بِالْحَقِّ بهذا القيد إظهارا للنصفة والعدالة.

والخلاصة أنك إذا تأملت في رد شعيب- عليه السلام- على ما قاله المستكبرون من قومه، تراه يمثل أسمى ألوان الحكمة وحسن البيان، فهو يرد على وعيدهم وتهديدهم بالرفض التام لما يبغون، والبغض السافر لما يريدونه منه، ثم يكل الأمور كلها إلى الله، مظهرا الاعتماد عليه وحده، ثم يتجه إليه- سبحانه- بالدعاء متلمسا منه أن يفصل بينه وبين قومه بالحق الذي مضت به سنته في التنازع بين المرسلين والكافرين، وبين سائر المحقين والمبطلين.

( وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ) وهذا رد إلى المشيئة ، فإنه يعلم كل شيء ، وقد أحاط بكل شيء علما ، ( على الله توكلنا ) أي : في أمورنا ما نأتي منها وما نذر ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) أي : افصل بيننا وبين قومنا ، وانصرنا عليهم ، ( وأنت خير الفاتحين ) أي : خير الحاكمين ، فإنك العادل الذي لا يجور أبدا .

القول في تأويل قوله : قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)

قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه: قال شعيب لقومه إذ دعوه إلى العود إلى ملتهم ، والدخول فيها، وتوعَّدوه بطرده ومَنْ تبعه من قريتهم إن لم يفعل ذلك هو وهم: ( قد افترينا على الله كذبًا ) ، يقول: قد اختلقنا على الله كذبًا، (4) وتخرّصنا عليه من القول باطلا= إن نحن عدنا في ملتكم، فرجعنا فيها بعد إذ أنقذنا الله منها، بأن بصَّرنا خطأها وصوابَ الهدى الذي نحن عليه= وما يكون لنا أن نرجع فيها فندين بها ، ونترك الحق الذي نحن عليه=( إلا أن يشاء الله ربنا ) إلا أن يكون سبق لنا في علم الله أنّا نعود فيها ، فيمضي فينا حينئذ قضاء الله، فينفذ مشيئته علينا=(وسع ربنا كل شيء علما ) ، يقول: فإن علم ربنا وسع كل شيء فأحاط به، فلا يخفى عليه شيء كان، ولا شيء هو كائن. (5) فإن يكن سبق لنا في علمه أنّا نعود في ملتكم ، ولا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن، (6) فلا بد من أن يكون ما قد سبق في علمه، وإلا فإنا غير عائدين في ملّتكم.

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

14853-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، يقول: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجانا الله منها ، إلا أن يشاء الله ربنا، فالله لا يشاء الشرك، ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئًا، فإنه وسع كل شيء علمًا.

* * *

وقوله: ( على الله توكلنا ) ، يقول: على الله نعتمد في أمورنا وإليه نستند فيما تعِدوننا به من شرِّكم ، أيها القوم، فإنه الكافي من توكَّل عليه. (7)

* * *

ثم فزع صلوات الله عليه إلى ربه بالدعاء على قومه= إذ أيس من فلاحهم، وانقطع رجاؤه من إذعانهم لله بالطاعة ، والإقرار له بالرسالة، وخاف على نفسه وعلى من اتبعه من مؤمني قومه من فَسَقتهم العطبَ والهلكة= (8) بتعجيل النقمة، فقال: ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، يقول: احكم بيننا وبينهم بحكمك الحقّ الذي لا جور فيه ولا حَيْف ولا ظلم، ولكنه عدل وحق=( وأنت خير الفاتحين ) ، يعني: خير الحاكمين. (9)

* * *

ذكر الفرَّاء أنّ أهلَ عُمان يسمون القاضي" الفاتح " و " الفتّاح ". (10)

وذكر غيره من أهل العلم بكلام العرب: أنه من لغة مراد، (11) وأنشد لبعضهم بيتًا وهو: (12)

أَلا أَبْلِــغْ بَنــي عُصْــمٍ رَسُـولا

بِـــأَنِّي عَــنْ فُتَــاحَتِكُمْ غَنِــيُّ (13)

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

14854-حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مسعر، عن قتادة، عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما قوله: ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول: " تعالَ أفاتحك " ، تعني: أقاضيك.

14855-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، يقول: اقض بيننا وبين قومنا.

14856-حدثني المثنى قال، حدثنا ابن دكين قال، حدثنا مسعر قال، سمعت قتادة يقول: قال ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله: ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، حتى سمعت ابنةَ ذي يزن تقول: " تعالَ أفاتحك ".

14857-حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، أي: اقض بيننا وبين قومنا بالحق.

14858-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة: ( افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، : اقض بيننا وبين قومنا بالحق.

14859-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، أما قوله: ( افتح بيننا ) ، فيقول: احكم بيننا.

14860-حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال الحسن البصري: افتح احكم بيننا وبين قومنا، و إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ، [الفتح: 1] حكمنا لك حكمًا مبينًا.

14861-حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " افتح "، اقض.

14862-حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير قال، حدثنا مسعر ، عن قتادة، عن ابن عباس قال: لم أكن أدري ما( افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: " انطلق أُفاتحك ".

------------------

الهوامش :

(4) انظر تفسير"الافتراء" فيما سلف ص: 481 ، تعليق: 6 ، والمراجع هناك.

(5) انظر تفسير"وسع" فيما سلف ص: 207 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(6) في المطبوعة: "فلا يخفى" بالفاء ، ومثلها في المخطوطة غير منقوطة ، والصواب بالواو.

(7) انظر تفسير"التوكل" فيما سلف 7: 346/ 8: 566/ 10: 108 ، 184.

(8) السياق: "... بالدعاء على قومه... بتعجيل النقمة".

(9) انظر تفسير"الفتح" فيما سلف 2: 254/ 10: 405.

(10) انظر معاني القرآن للفراء 1: 385.

(11) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1: 220 ، 221.

(12) هو الأسعر الجعفي ، أو محمد بن حمران بن أبي حمران.

(13) سلف البيت وتخريجه 2: 254 ، ولم أنسبه هناك إلى هذا الموضع من تفسير الطبري ، فقيده ، ويزاد أنه في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 220 ، 221 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"فإني عن فتاحتكم" ، والصواب ما سلف ، وما في المخطوطة هناك.

التدبر :

وقفة
[89] ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ ذقنا السعادة ووجدت قلوبنا الراحة؛ فكيف نطالب بالعودة إلى الظلام؟!
عمل
[89] ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ رَبُّنَا﴾ لا تغْترّ، فالأنبياءُ علموا أنَّ ثباتَهم على الدِّين إنَّما هو بمشيئةِ اللهِ، لا مِن عند أنفسِهم.
تفاعل
[89] ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ رَبُّنَا﴾ قل: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
وقفة
[89] ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّـهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ من مظاهر إكرام الله لعباده الصالحين أنه فتح لهم أبواب العلم ببيان الحق من الباطل، وبنجاة المؤمنين، وعقاب الكافرين.
وقفة
[89] حين تجد من الناس مضايقة أو أذى فتذكر دعاء شعيب ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّـهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾.
لمسة
[89] دلالة تقديم اللفظ على عامله في قوله: ﴿عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا﴾، قدم الجار والمجرور للدلالة على الاختصاص، وذلك لأن التوكّل لا يكون إلا على الله وحده.
وقفة
[89] ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (الفتاح) من أسماء الله, وله صور: أن يفتح الله علي قلب عبده بالعلم, ويفتح لعبده ما أغلق علي غيره, ويفتح له باب رزق, ويفتح له باب تدبر القرآن, ويفتح قلبه بالصبر في الأقدار, ويفتح عليه بالحكمة في القول والفعل والرأي, ويفتح عليه كشف الشبهات, ويفتح له باب الصواب ويجعله مفتاحًا للخير, ويفتح له الفراسة, ويفتح له باب الصالحات, ويفتح علي عبده خير الخيرين, ويفتح عليه ما حاصره من هم وغم, ويفتح لعبده بين مسالك الظلم, ويفتح عليه بأعمال القلوب.
عمل
[89] ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ ألح على الله بالدعاء بالفتح؛ حين يكون بينك وبين أحد بعض الاختلاف، اللهم افتح لنا فتحًا مبينًا من عندك في جميع أمورنا.
وقفة
[89] كان من دعاء الأنبياء: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾، وقال نوح: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ (الشعراء 118)، فاللهم فتحك وهدايتك.
وقفة
[89] ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (المفتاح) كله بيد الله.
وقفة
[89] ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ كل المفاتيح بيد الله، قليل من الناس من يدرك هذا.
وقفة
[89] ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ أي: على من سُدَّت عليه الأبواب.

الإعراب :

  • ﴿ قَدِ افْتَرَيْنا:
  • الكلام: فيه معنى التعجب كأنهم قالوا: ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الاسلام أي ان عدنا الى ملتكم. قد: حرف تحقيق. افترينا: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. ويجوز أن يكون الكلام قسما على تقدير حذف اللام بمعنى: والله لقد افترينا وأسلوب القول هو اخبار مقيد بالشرط. وافترينا: بمعنى: اختلقنا.
  • ﴿ عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ:
  • جار ومجرور للتعظيم متعلق بافترينا. كذبا: مفعول به منصوب بالفتحة. إن: حرف شرط جازم.
  • ﴿ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ: عد:
  • فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا فعل الشرط في محل جزم بإن و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. في ملة: جار ومجرور متعلق بعدنا والكاف ضمير متصل مبني على الضم في محل جر بالاضافة والميم علامة جمع الذكور وجواب الشرط محذوف لتقدم معناه والتقدير: إن عدنا في ملتكم فقد افترينا على الله كذبا.
  • ﴿ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها: بعد:
  • بعد: ظرف زمان منصوب متعلق بعدنا وهو مضاف. إذ: اسم مبني على السكون في محل جر مضاف اليه وهو مضاف أيضا. نجّى: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. الله: فاعل مرفوع للتعظيم بالضمة. منها: جار ومجرور متعلق بنجى والجملة في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها:
  • الواو: استئنافية. ما: نافية لا عمل لها. يكون: فعل ماض تام بمعنى «يصح» مرفوع بالضمة. لنا: جار ومجرور متعلق بيكون. أن: حرف مصدري ناصب. نعود: فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة. والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن. فيها: جار ومجرور متعلق بنعود. و «إِنْ» وما تلاها بتأويل مصدر في محل رفع فاعل «يَكُونُ» او اسمها اذا كانت ناقصة. والجار والمجرور «لَنا» في محل نصب خبرها المقدم.
  • ﴿ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا:
  • إلا: أداة استثناء من الظرف على تقدير: ما يصحّ لنا العودة إلا وقت أن يشاء الله خذلاننا. أن يشاء: تعرب إعراب «أَنْ نَعُودَ». الله: فاعل «يَشاءَ» مرفوع للتعظيم بالضمة. ربنا: صفة لله تعالى أو بدل منه سبحانه مرفوع مثله للتعظيم بالضمة و «نا» ضمير متصل في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ وَسِعَ رَبُّنا:
  • وسع: فعل ماض مبني على الفتح. ربّ: فاعل مرفوع للتعظيم بالضمة و «نا» ضمير متصل في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً:
  • كل: مفعول به منصوب بالفتحة. شيء: مضاف اليه مجرور بالكسرة. علما: تمييز منصوب بالفتحة بمعنى أحاط بكل شيء علما ويجوز أن تكون حالا بمعنى: أحاط علمه بكل شيء بتقدير أحاط كل شيء وهو عالم.
  • ﴿ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا:
  • جار ومجرور للتعظيم مقدم للأهمية متعلق بتوكلنا. توكلنا: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا. و «نا» ضمير متصل في محل رفع فاعل.
  • ﴿ رَبُّنا:
  • منادى بأداة نداء تقديرها: يا. وهو مضاف منصوب للتعظيم بالفتحة و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ افْتَحْ بَيْنَنا:
  • فعل دعاء بصيغة طلب مبني على السكون والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره أنت. بين: ظرف مكان منصوب بالفتحة متعلق بالفعل افْتَحْ» وهو مضاف. و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ:
  • وبين: معطوفة على «بين» الأولى. قوم: مضاف إليه مجرور بالكسرة و «نا» مضاف إليه ثان ضمير متصل مبني على السكون في محل جر. بالحق: جار ومجرور متعلق بصفة مصدر محذوف أي افتح بيننا وبين قومنا فتحا متلبسا بالحق بمعنى احكم بيننا وبين قومنا حكما متلبسا بالحق.
  • ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ:
  • الواو: استئنافية. أنت: ضمير رفع متحرك مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. خير: خبر «أَنْتَ» مرفوع بالضمة وهو مضاف. الفاتحين: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم والنون عوض عن تنوين المفرد وحركته. '

المتشابهات :

الأنعام: 80﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡ‍ٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ
الأعراف: 89﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّـهِ تَوَكَّلْنَا
طه: 98﴿إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ اللَّـهُ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [89] لما قبلها :     وبعد التلميح بعدم العودة إلى ملتهم بقوله: (أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ)؛ جاء هنا التصريح باستحالة العودة إلى ملة الكفر، قال تعالى:
﴿ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [90] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن ..

التفسير :

[90] وقال السادة والكبراء المكذبون الرافضون لدعوة التوحيد إمعاناً في العتوِّ والتمرد، محذرين من اتباع شعيب: لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لهالكون.

{ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ْ} محذرين عن اتباع شعيب، { لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ْ} هذا ما سولت لهم أنفسهم أن الخسارة والشقاء في اتباع الرشد والهدى، ولم يدروا أن الخسارة كل الخسارة في لزوم ما هم عليه من الضلال والإضلال، وقد علموا ذلك حين وقع بهم النكال.

وهنا نلمح أن الملأ من قوم شعيب قد يئسوا من استمالة شعيب وأتباعه إلى ملتهم، فأخذوا يحذرون الناس من السير في طريقه، ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول: وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ، لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ.

أى: قال الأشراف الكافرون من قوم شعيب لغيرهم: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ لشرفكم ومجدكم، بإيثار ملته على ملة آبائكم وأجدادكم، وخاسرون لثروتكم وربحكم المادي. لأن اتباعكم له سيحول بينكم وبين التطفيف في الكيل والميزان وهو مدار غناكم واتساع أموالكم.

وقولهم هذا يقصدون به تنفير الناس من دعوة شعيب، وتثبيطهم عن الإيمان به، وإغرائهم بالبقاء على عقائدهم الباطلة، وتقاليدهم البالية التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، فهم لم يكتفوا بضلالهم في أنفسهم، بل عملوا على إضلال غيرهم. وقولهم هذا معطوف على قوله- تعالى- فيما سبق: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ. وليس ردا على شعيب، لأنه لو كان كذلك لجاء مفصولا بدون عطف، وقد أكدوا قولهم بعدة مؤكدات منها اللام الموطئة للقسم، والجملة الاسمية المصدرة بإن. وذلك لكي يخدعوا السامعين بأنهم ما يريدون إلا خيرهم وعدم خسرانهم.

وحذف متعلق الخسران ليعم كل أنواعه الدينية والدنيوية.

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أين جواب القسم الذي وطأته اللام في قوله: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ وجواب الشرط؟ قلت: قوله: إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ساد مسد الجوابين» .

خبر تعالى عن شدة كفر قوم شعيب وتمردهم وعتوهم ، وما هم فيه من الضلال ، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق ، ولهذا أقسموا وقالوا ( لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ) فلهذا عقب ذلك بقوله :

القول في تأويل قوله : وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90)

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وقالت الجماعة من كفرة رجال قوم شعيب= وهم " الملأ " (14) = الذين جحدوا آيات الله ، وكذبوا رسوله ، وتمادوا في غيِّهم، لآخرين منهم: لئن أنتم اتبعتم شُعَيبًا على ما يقول ، وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه من توحيد الله ، والانتهاء إلى أمره ونهيه ، وأقررتم بنبوَّته=( إنكم إذًا لخاسرون ) ، يقول: لمغبونون في فعلكم، وترككم ملتكم التي أنتم عليها مقيمون ، إلى دينه الذي يدعوكم إليه= وهالِكُون بذلك من فعلكم. (15)

------------------

الهوامش :

(14) انظر تفسير"الملأ" فيما سلف ص561 ، تعليق: 22 والمراجع هناك.

(15) انظر تفسير"الخسارة" فيما سلف ص: 481 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

المعاني :

لم يذكر المصنف هنا شيء

التدبر :

وقفة
[90] ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ أحيانًا تكون نصيحة البعض ذبحًا لدينك، فاختر أصحابك وناصحيك.
وقفة
[90] ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ لم يكتفوا بضلالهم في أنفسهم، بل عملوا على إضلال غيرهم وتنفير الناس من دعوة شعيب، وتثبيطهم عن الإيمان به، وإغرائهم بالبقاء على عقائدهم الباطلة؛ وهكذا هم الكفار في كل زمان.
وقفة
[90] ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ما أقبح الإضلال بعد الضلال! إفساد بعد فساد.
وقفة
[90] ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ أصحاب الإعلام الفاسد هدفهم تشويه القدوات وتزييف الحقائق.
وقفة
[90، 91] ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ بعض کلمات لسانك سبب تعجيل عذابك!

الإعراب :

  • ﴿ وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ:
  • الواو: استئنافية. قال: فعل ماض مبني على الفتح الملأ: فاعل مرفوع بالضمة. الذين: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة للملأ.
  • ﴿ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ:
  • فعل ماض مبني على الضم والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف فارقة. من قومه: جار ومجرور متعلق بحال محذوفة من الموصول «الَّذِينَ» والهاء ضمير متصل في محل جر بالاضافة وجملة «كَفَرُوا» صلة الموصول لا محل لها.
  • ﴿ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً:
  • اللام: موطئة للقسم. إن: حرف شرط جازم كسرت نونه لالتقاء الساكنين. اتبع: فعل ماض فعل الشرط مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك. في محل جزم بإن والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل والميم علامة جمع الذكور. شعيبا: مفعول به منصوب بالفتحة. وجملة «إن اتبعتم» اعتراضية بين القسم المحذوف وجواب الشرط لا محل لها.
  • ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ:
  • إنّ: حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل. الكاف: ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب اسم «إن» والميم علامة جمع الذكور. اذا: حرف جواب لا عمل له. لخاسرون: اللام: مزحلقة. خاسرون: خبر «إن» مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم والنون عوض عن تنوين المفرد. و «إن» مع اسمها وخبرها» سدّت مسدّ جوابي القسم والشرط. '

المتشابهات :

الأعراف: 66﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ
الأعراف: 90﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ
هود: 27﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا
المؤمنون: 24﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَـٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [90] لما قبلها :     لَمَّا يَئِسَ الملأُ مِن عَوْدة شعيب عليه السلام في مِلَّتِهم، خافوا أنْ يَكْثُرَ المُهتَدونَ به من قومِهم، فحذَّروهم، قال تعالى:
﴿ وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [91] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ ..

التفسير :

[91] فأخذَتْ قومَ شعيب الزلزلةُ الشديدة، فأصبحوا في دارهم صرعى ميِّتين.

{ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ْ} أي: الزلزلة الشديدة { فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ْ} أي: صرعى ميتين هامدين.

وبعد هذه المحاورات والمجادلات التي دارت بين شعيب وقومه، جاءت الخاتمة التي حكاها القرآن في قوله: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ. أى: فأخذتهم الزلزلة الشديدة فأصبحوا في دارهم هامدين صرعى لا حراك بهم.

قال ابن كثير ما ملخصه: أخبر- سبحانه- هنا بأنهم أخذتهم الرجفة، كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء، كما أخبر عنهم في سورة هود بأنهم أخذتهم الصيحة، والمناسبة هناك- والله أعلم- أنهم لما تهكموا به في قولهم: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ فجاءت الصيحة فأسكتتهم. وقال في سورة الشعراء: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ فأخبر- سبحانه- أنهم أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله، أصابهم عذاب يوم الظلة. وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام» .

فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ) أخبر تعالى هاهنا أنهم أخذتهم الرجفة كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء ، كما أخبر عنهم في سورة " هود " فقال : ( ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ) [ هود : 94 ] والمناسبة في ذلك - والله أعلم - أنهم لما تهكموا بنبي الله شعيب في قولهم : ( أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ) [ هود : 87 ] فجاءت الصيحة فأسكتتهم .

وقال تعالى إخبارا عنهم في سورة الشعراء : ( فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم ) [ الشعراء : 189 ] وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة : ( فأسقط علينا كسفا من السماء [ إن كنت من الصادقين ] ) [ الشعراء : 187 ] فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة ، وقد اجتمع عليهم ذلك كله : أصابهم عذاب يوم الظلة ، " وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم ، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم ، فزهقت الأرواح ، وفاضت النفوس وخمدت الأجساد ، ( فأصبحوا في دارهم جاثمين )

القول في تأويل قوله : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)

قال أبو جعفر : يقول: فأخذت الذين كفروا من قوم شعيب ، الرجفة. وقد بيّنت معنى " الرجفة " قبل ، وأنها الزلزلة المحركة لعذاب الله. (16)

* * *

( فأصبحوا في دارهم جاثمين ) ، على ركبهم ، موتَى هلكى. (17)

* * *

وكانت صفة العذاب الذي أهلكهم الله به ، كما:-

14863-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ، قال: إن الله بعث شعيبًا إلى مدين، وإلى أصحاب الأيكة = و " الأيكة " ، هي الغيضة من الشجر = وكانوا مع كفرهم يبخَسون الكيل والميزان، فدعاهم فكذبوه، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن، وما ردُّوا عليه. فلما عتوا وكذبوه، سألوه العذابَ، ففتح الله عليهم بابًا من أبواب جهنم، فأهلكهم الحرّ منه، فلم ينفعهم ظلٌ ولا ماء. ثم إنه بعثَ سحابةً فيها ريحٌ طيبة، فوجدوا بَرْدَ الرّيح وطيبِها، فتنادوا: " الظُّلّةَ، عليكم بها " ! فلما اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، انطبقت عليهم فأهلكتهم، فهو قوله: فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ، [سورة الشعراء: 189].

14864-حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، كان من خبر قصة شعيب وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن. كانوا أهلَ بخسٍ للناس في مكاييلهم وموازينهم، مع كفرهم بالله ، وتكذيبهم نبيَّهم . وكان يدعوهم إلى الله وعبادته ، وترك ظلم الناس وبخسهم في مكاييلهم وموازينهم ، فقال نُصْحًا لهم ، وكان صادقا: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ، [هود: 88]. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم= فيما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة= إذا ذكر شعيبًا قال: " ذاك خطيب الأنبياء "! لحسن مراجعته قومه فيما يرادُ بهم. فلما كذَّبوه وتوعَّدوه بالرَّجْم والنفي من بلادهم ، وعتوا على الله، أخذهُم عذاب يوم الظُّلة ، إنه كان عذاب يوم عظيم. فبلغني أن رجلا من أهل مدين يقال له : عمرو بن جلهاء، لما رآها قال : يَـا قَـوْم إنَّ شُـعَيْبًا مُرْسَـلٌ فَـذَرُوا

عنكـم سُـمَيْرًا وَعِمْـرَانَ بْـنَ شَـدَّادِ

إنِّـي أَرَى غَبْيَـةً يَـا قَـوْم قَدْ طَلَعَتْ

تَدْعُـو بِصَـوْتٍ عَـلَى صَمَّانَةِ الْوَادِي (18)

وَإِنَّكـمْ لَـنْ تَـرَوْا فِيهَـا ضَحَـاءَ غَدٍ

إلا الــرَّقِيمَ يُمَشِّــي بَيْــنَ أنْجَـادِ (19)

و " سمير " و " عمران " ، كاهناهم= و " الرقيم " ، كلبهم. (20)

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق (21) قال: فبلغني ، والله أعلم ، أنَّ الله سلط عليهم الحرّ حتى أنضجهم، ثم أنشأ لهم الظُّلةَ كالسحابة السوداء، فلما رأوها ابتدرُوها يستغيثون ببَرْدها مما هم فيه من الحر، حتى إذا دَخلوا تحتها ، أطبقت عليهم، فهلكوا جميعًا، ونجى الله شعيبًا والذين آمنوا معه برحمته.

14865-حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني أبو عبد الله البجلي قال: " أبو جاد " و " هوّز " و " حُطّي" و " كلمون " و " سعفص " و " قرشت " ، أسماء ملوك مدين، وكان ملكهم يوم الظلة في زمان شعيب " كلمون "، فقالت أخت كلمون تبكيه:

كَلَمُــونٌ (22) هَــــــدَّ رُكْنِـــي

هُلْكُــــهُ وَسْــــطَ المَحَلَّـــهْ

سَــــيِّدُ الْقَـــوْمِ أَتَـــاهُ الْـ

حَـــتْفُ نَــارًا وَسْــطَ ظُلَّـــةْ

جُــــعِلَتْ نَـــارًا عَلَيْهِـــمْ ,

دَارُهُــــــمْ كَالْمُضْمَحِلَّـــــةْ (23)

---------------------

الهوامش :

(16) انظر تفسير"الرجفة" فيما سلف ص: 544 ، 545.

(17) انظر تفسير"الجثوم" فيما سلف: ص: 545 ، 546.

(18) في المطبوعة: "إني أرى غيمة" ، وهي كذلك في قصص الأنبياء ، وفي المخطوطة ما أثبت ، وهي في الدر المنثور"عينة" خطأ ، صوابه ما أثبت.

و"الغبية" (بفتح فسكون): الدفعة الشديدة من المطر ، وقيل: هي المطرة ليست بالكثيرة. وأراد بها هنا سحابة ذات غبية. و"الصمانة". و"الصمان" ، أرض صلبة ذات حجارة إلى جنب رمل.

(19) في المطبوعة والمخطوطة: "وإنكم إن تروا" ، والصواب ما أثبت ، وفي قصص الأنبياء: "فإنه لن يرى فيها" ، وفي الدر المنثور: "فإنه لا يرى". وكان في المطبوعة: "ما فيها إلا الرقيم..." زيادة مفسدة للوزن ، ليست في المخطوطة ، ولعلها من الطباعة. و"الأنجاد" جمع"نجد" ، وهي الأرض المرتفعة. و"الضحاء" بفتح الضاد ، ممدودًا ، مثل"الضحى" (بضم الضاد) ، وهو إذا امتد النهار وقارب أن ينتصف. وكان في المطبوعة: "ضحاة غد".

(20) الأثر: 14869- الدر المنثور 3: 103 ، وقصص الأنبياء للثعلبي: 144.

(21) في المطبوعة و المخطوطة: "أبو سحق" ، وهو خطأ ظاهر.

(22) في المطبوعة والمخطوطة: "كلمون"، هكذا، وفي التاريخ 1: 99، وسائر الكتب"كلمن"، فتركتها على حالها هنا.

(23) الأثر: 14871-"أبو عبد الله البجلي" ، لم أجد من يكنى بها ، ولكن روى أبو جعفر في تاريخه مثل هذا الخبر ، في ذكر هلاء الملوك (1: 99) ، وإسناد يفسر هذا الإسناد قال:

"حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن يحيى بن العلاء ، عن القاسم بن سلمان ، عن الشعبي قال: أبجد ، وهوز ، وحطي ، وكلمن ، وسعفص ، وقرشت ، كانوا ملوكًا جبابرة..."

و"يحيى بن العلاء البجلي" ، كنيته"أبو سلمة" ، ويقال"أبو عمرو". ولم أجد كنيته"أبو عبد الله" ، ولكن ظاهر هذا الإسناد يرجح أن"أبا عبد الله البجلي" ، هو نفسه"يحيى بن العلاء البجلي" ، والله أعلم.

و"يحيى بن العلاء البجلي" ، قال أحمد: "كذاب يضع الحديث. مترجم في التهذيب ، والكبير 4/ 2 / 297 ، وابن أبي حاتم 4 2/ 179.

وهذا الخبر رواه البغوي (هامش تفسير ابن كثير 3: 520) ، وقصص الأنبياء للثعلبي: 144 ، عن أبي عبد الله البجلي ، وفيها جميعًا"كلمن" ، وزدت منها ما بين القوسين ، ولكني كتبته كأخواته في المخطوطة.

وروي في البغوي: "كلمن قد هد ركني" ، وفي قصص الأنبياء: "كلمن أهدد ركني" ، ولا أدري ما هذا!!

التدبر :

وقفة
[91] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أخبر تعالى أنهم أخذتهم الرجفة؛ وذلك كما أرجفوا شعيبًا وأصحابه، وتوعدوهم بالجلاء.
وقفة
[91] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾، ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ﴾ [هود: 94]، تعبير موحد في القرآن مع (الرجفة) يوحد الدار، ومع (الصَّيْحَةُ) يجمع الدار؛ الرجفة حركة والصيحة صوت، والصوت يبلغ ما لا تبلغه الحركة.
وقفة
[91] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ الجزاء من جنس العمل! كما أرجفوا شعيبًا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء، أخذتهم رجفة الله.
تفاعل
[91] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ استعذ بالله من عذابه الآن.

الإعراب :

  • ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:
  • الفاء: استئنافية. أخذت: فعل ماض مبني على الفتح والتاء تاء التأنيث الساكنة لا محل لها و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم وحركت الميم بالضم للاشباع. الرجفة: فاعل مرفوع بالضمة.
  • ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ:
  • الفاء: سببية. اصبحوا: فعل ماض ناقص مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. الواو ضمير متصل في محل رفع اسم «أصبح» في دار: جار ومجرور متعلق بجاثمين. و «هم» ضمير الغائبين في محل جر بالاضافة. جاثمين: خبر «أصبح» منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم والنون عوض عن تنوين المفرد. والألف في «أصبحوا» فارقة. '

المتشابهات :

الأعراف: 78﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ
الأعراف: 91﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ
العنكبوت: 37﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [91] لما قبلها :     وبعد هذه المحاورات والمجادلات التي دارت بين شعيب عليه السلام وقومه؛ ذكرَ اللهُ عز وجل عاقبةَ أمرهم أن أخذَتْهم الزلزلةُ الشديدةُ، فهلكُوا، قال تعالى:
﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [92] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ ..

التفسير :

[92] الذين كذَّبوا شعيباً كأنهم لم يقيموا في ديارهم، ولم يتمتعوا فيها، حيث استؤصلوا، فلم يبق لهم أثر، وأصابهم الخسران والهلاك في الدنيا والآخرة.

قال تعالى ناعيا حالهم { الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ْ} أي: كأنهم ما أقاموا في ديارهم، وكأنهم ما تمتعوا في عرصاتها، ولا تفيئوا في ظلالها، ولا غنوا في مسارح أنهارها، ولا أكلوا من ثمار أشجارها، حين فاجأهم العذاب، فنقلهم من مورد اللهو واللعب واللذات، إلى مستقر الحزن والشقاء والعقاب والدركات ولهذا قال: { الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ْ} أي: الخسار محصور فيهم، لأنهم خسروا دينهم وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين، لا من قالوا لهم: { لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ْ}

ثم يعقب القرآن على مصرعهم بالرد على قولتهم: إن من يتبع شعيبا خاسر، فيقرر على سبيل التهكم أن الخسران لم يكن من نصيب من اتبع شعيبا، وإنما الخسران كان من نصيب الذين خالفوه وكذبوه، فيقول: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا، الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ.

أى: الذين كذبوا شعيبا وتطاولوا عليه وهددوه وأتباعه بالإخراج من قريتهم، كأنهم عند ما حاقت بهم العقوبة لم يقيموا في ديارهم ناعمى البال، يظلهم العيش الرغيد، والغنى الظاهر.

يقال: غنى بالمكان يغنى، أقام به وعاش فيه في نعمة ورغد.

والجملة الكريمة استئناف لبيان ابتلائهم بشؤم قولهم: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا فكأن سائلا، قال: فكيف كان مصيرهم؟ فكان الجواب: الذين هددوا شعيبا ومن معه وأنذروهم بالإخراج كانت عاقبتهم أن هلكوا وحرموا من قريتهم حتى لكأنهم لم يقيموا بها، ولم يعيشوا فيها مطلقا، لأنه متى انقضى الشيء صار كأنه لم يكن.

والاسم الموصول الَّذِينَ مبتدأ، وخبره جملة كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا.

ثم أعاد القرآن الموصول وصلته لزيادة التقرير، وللإيذان بأن ما ذكر في حيز الصلة هو الذي استوجب العقوبتين فقال: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ.

أى: الذين كذبوا شعيبا وكفروا بدعوته كانوا هم الخاسرين دينيا ودنيويا، وليس الذين اتبعوه كما زعم أولئك المهلكون.

وبهذا القدر اكتفى القرآن عن التصريح بإنجائه هنا، وقد صرح بإنجائه في سورة هود فقال: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ.

قال صاحب الكشاف: وفي هذا الاستئناف والابتداء، وهذا التكرير، مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم، وتسفيه لرأيهم، واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم» .

ثم قال تعالى : ( كأن لم يغنوا فيها ) أي : كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها .

ثم قال مقابلا لقيلهم : ( الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين )

القول في تأويل قوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: فأهلك الذين كذبوا شعيبًا فلم يؤمنوا به، فأبادَهم، فصارت قريتهم منهم خاوية خلاءً=( كأن لم يغنوا فيها ) ، يقول: كأن لم ينـزلوا قطّ ولم يعيشوا بها حين هلكوا .

* * *

يقال: " غَنِيَ فلان بمكان كذا ، فهو يَغْنَى به غِنًى وغُنِيًّا " ، (24) إذا نـزل به وكان به، كما قال الشاعر. (25)

وَلَقَــدْ يَغْنَــى بِهَــا جِـيرَانُكِ الْ

مُمْسِــكُو مِنْــكِ بِعَهْــدٍ وَوِصَـالِ (26)

وقال رؤبة:

وَعَهْدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ بِضَلْفَعَا (27)

إنما هو " مفعل " من " غني".

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

14866-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة.( كأن لم يغنوا فيها ) ، : كأن لم يعيشوا، كأن لم ينعموا.

14867-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ( كأن لم يغنوا فيها ) ، يقول : كأن لم يعيشوا فيها.

14868-حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( كأن لم يغنوا فيها ) ، كأن لم يكونوا فيها قطُّ.

* * *

وقوله: ( الذين كذبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين ) ، يقول تعالى ذكره: لم يكن الذين اتَّبعوا شعيبًا الخاسرين ، بل الذين كذّبوه كانوا هم الخاسرين الهالكين. (28) لأنه أخبر عنهم جل ثناؤه: أن الذين كذبوا شعيبًا قالوا للذين أرادُوا اتباعه: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ، فكذبهم الله بما أحلَّ بهم من عاجلِ نَكاله، ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ما خسر تُبَّاع شعيب، بل كانَ الذين كذبوا شعيبًا لما جاءت عقوبة الله ، هم الخاسرين ، دون الذين صدّقوا وآمنوا به.

------------------

الهوامش :

(24) هذا المصدر الثاني"غنيا" ليس في شيء من مراجع اللغة ، وضبطته بضم الغين وكسر النون وتشديد الياء ، على زنة"فعول" وهكذا استظهرت. ولا أدري أيصح ذلك أم لا يصح.

(25) هو عبيد بن الأبرص.

(26) ديوانه: 58 ، مختارات ابن الشجري 2: 37 ، والخصائص لابن جني 2: 2455 والمنصف لابن جني 1: 66 ، والخزانة 3: 237 ، وهي القصيدة الفاخرة التي لم يتجشم فيها إلا ما في نهضته ووسعه ، عن غير اغتصاب واستكراه أجاءه إليه ، فقاد القصيدة كلها على أن آخر مصراع كل بيت منها منته إلى (ال) التعريف ، كما قال ابن جني في الخصائص ، أولها:

يَــا خَـلِيلَيَّ اُرْبَعَـا وَاُسْـتَخْبِرَا الْـ

مَـنْزِلَ الـدَّارِسَ مِـنْ أهْـلِ الحِـلالِ

مِثْـلَ سَـحْقِ الـبُرْدِ عَفَّـى بَعْدَكِ الـْ

قَطْــرُ مَغْنَــاهُ، وَتَـأَوِيبُ الشَّـمَالِ

وَلَقَــدْ يَغْنَــى بِــه جِـيرَانُكِ الْـ

مُمْسِــكُو مِنْـكِ بِأَسْـبَابِ الوِصَـالِ

واستمر بها على ذلك النهج. وكان في المطبوعة: "المستمسكو" ، وهو تغيير لما في المخطوطة ، وللرواية معًا. وقوله: "الممسكو" يعني"الممسكون" ، فحذف النون لطول الاسم ، لا للإضافة. وهكذا تفعل العرب أحيانا ، كما قال الأنصاري:

الْحَـــافِظُو عَــوْرةَ العَشِــيرَةِ لا

يَــأْتِيهِمُ مِــنْ وَرَائِنَــا نَطَــفُ

وقول الأخطل:

أَبَنــيِ كُــلَيْبٍ، إِنْ عَمَّــيَّ اللَّـذَا

قَتَــلا المُلُــوكَ وَفَكَّكَـا الأَغْـلالا

انظر سيبويه 1: 95 ، والمنصف 1: 67.

(27) ديوانه: 87 ، ومضى منها بيت فيما سلف 2: 540 في مديح قومه بني تميم ، يقول:

هَــاجَتْ، وَمِثْــلي نَوْلُـهُ أَنْ يَرْبَعَـا

حَمَامَــةٌ هَــاجَتْ حَمَامًـا سُـجَّعَا

أَبْكَــتْ أَبَــا الشَّـعْثَاءِ وَالسَّـمَيْدَعَا

وعَهْــدُ مَغْنَــى دِمْنَــةٍ بضَلْفَعَـا

بَــادَتْ وَأَمْسَــى خَيْمُهـا تَذَعْذَعَـا

و"أبو الشعثاء" يعني نفسه. و"ضلفع" ، اسم موضع.

(28) انظر تفسير"الخسران" فيما سلف ص: 565 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

التدبر :

وقفة
[92] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها.
وقفة
[92] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ هكذا أفادهم الغرق في نعيم الدنيا لمائة عام، وقد تبعه الخلود في النيران!
وقفة
[92] ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره!
وقفة
[92] قال ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ ليس معناها: (يغتنوا وتكثر أموالهم)؛ بل معناه أي لم يقيموا فيها -أي في ديارهم-.
تفاعل
[92] ﴿كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ استعذ بالله أن تكون من الخاسرين.

الإعراب :

  • ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً:
  • الذين: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. كذبوا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. الواو ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف فارقة. شعيبا: مفعول به منصوب بالفتحة والجملة «كَذَّبُوا شُعَيْباً» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
  • ﴿ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا:
  • كأن: حرف مشبّه بالفعل واسمه ضمير الشأن محذوف وتقديره: هو أي الشأن. لم: حرف نفي وجزم وقلب وهو حرف فاصل بين اسم «كَأَنْ» وخبرها لأن خبرها جملة فعلية فعلها متصرف. يغنوا: فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه: حذف النون. الواو ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف فارقة. فيها: جار ومجرور متعلق بيغنوا. وجملة «لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا» في محل رفع خبر «كَأَنْ» المخففة. والجملة من «كَأَنْ» ومعموليها في محل رفع خبر المبتدأ «الَّذِينَ».
  • ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا:
  • تعرب إعراب الأولى. كانوا: فعل ماض ناقص مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة والواو ضمير متصل في محل رفع اسم «كان» والألف فارقة. وجملة «كانُوا» مع خبرها في محل رفع خبر المبتدأ الذين.
  • ﴿ هُمُ الْخاسِرِينَ:
  • هم: ضمير فصل لا محل له حركت ميمه بالضم للاشباع الخاسرين: خبر «كان» منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم والنون عوض عن التنوين والحركة في الاسم المفرد. '

المتشابهات :

الأعراف: 92﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۚ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ
هود: 68﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ
هود: 95﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [92] لما قبلها :     ولَمَّا قالُوا: «من اتَّبعَ شعيبًا خاسِرٌ»؛ ردَ اللهُ عز وجل عليهم هنا بأن الخاسرين هم الذينَ كذَّبُوه، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [93] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ ..

التفسير :

[93] فأعرض شعيب عنهم حينما أيقن بحلول العذاب بهم، وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم بالدخول في دين الله والإقلاع عما أنتم عليه، فلم تسمعوا ولم تطيعوا، فكيف أحزن على قوم جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسله؟

فحين هلكوا تولى عنهم نبيهم شعيب عليه الصلاة والسلام { وَقَالَ ْ} معاتبا وموبخا ومخاطبا بعد موتهم: { يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي ْ} أي: أوصلتها إليكم، وبينتها حتى بلغت منكم أقصى ما يمكن أن تصل إليه، وخالطت أفئدتكم { وَنَصَحْتُ لَكُمْ ْ} فلم تقبلوا نصحي، ولا انقدتم لإرشادي، بل فسقتم وطغيتم. { فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ْ} أي: فكيف أحزن على قوم لا خير فيهم، أتاهم الخير فردوه ولم يقبلوه ولا يليق بهم إلا الشر، فهؤلاء غير حقيقين أن يحزن عليهم، بل يفرح بإهلاكهم ومحقهم. فعياذا بك اللهم من الخزي والفضيحة، وأي: شقاء وعقوبة أبلغ من أن يصلوا إلى حالة يتبرأ منهم أنصح الخلق لهم؟".

وأخيرا تطوى السورة الكريمة صفحتهم مشيعة إياهم بالتبكيت والإهمال من رسولهم وأخيهم في النسب فتقول: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ: يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ.

الأسى: الحزن. وحقيقته اتباع الفائت بالغم. يقال: أسيت عليه- أسا، أى: حزنت عليه.

والمعنى فأعرض عنهم شعيب بعد أن أصابهم ما أصابهم من النقمة والعذاب وقال مقرعا إياهم يا قوم: لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي التي أرسلنى بها إليكم من العقائد والأحكام والمواعظ وَنَصَحْتُ لَكُمْ بما فيه إصلاحكم وهدايتكم «فكيف أحزن على قوم كافرين» بذلت جهدي في سبيل هدايتهم ونجاتهم، ولكنهم كرهوا النصح، واستحبوا العمى على الهدى.

لا، لن آسى عليهم. ولن أحزن من أجل هلاكهم، لأنهم لا يستحقون ذلك.

وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن جانب من قصص نوح وهود، وصالح، ولوط، وشعيب مع أقوامهم. بعد أن بدأت بقصة آدم وإبليس وسنراها بعد قليل تحدثنا حديثا مستفيضا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل.

ويلاحظ أن سورة الأعراف قد اتبعت في حديثها عن هؤلاء الرسل الكرام التسلسل التاريخى، وذلك لأهداف من أهمها:

1- إبراز وحدة العقيدة في دعوة الأنبياء جميعا، فأنت رأيت أن كل رسول أتى قومه ليقول لهم: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، يقولها ثم يسوق لهم بأسلوبه الخاص أنصع الدلائل، وأقوى الحجج، وخير البراهين ومختلف وجوه الإرشاد، لكي يقنعهم بأنه صادق فيما يبلغه عن ربه.

2- تصوير وحدة طبيعة الإيمان ووحدة طبيعة الكفر في نفوس الناس على مدار التاريخ، فالمؤمنون يلتفون حول رسولهم يصدقون قوله، ويتأسون به في كل أحواله ويدافعون عن عقيدتهم بقوة وشجاعة، والكافرون يستكبرون أن يرسل الله رسولا من البشر، ويأبون بدافع الحقد والعناد والتطاول الاستجابة لرجل منهم، ويلقون التهم جزافا لكي يصرفوا الناس عنه.

وهكذا نرى أن نفوس المؤمنين تتشابه في إخلاصها ونقائها وصفائها وحسن تقبلها للخير.

بينما نفوس الكافرين تتشابه- أيضا- في ظلامها وقسوتها وفجورها وسوء تقبلها للهداية.

3- بيان العاقبة الطيبة التي انتهى إليها المؤمنون بسبب إيمانهم وصبرهم وعملهم الطيب، والعاقبة السيئة التي حاقت بالكافرين المستكبرين، بسبب إعراضهم عن الحق، واستهزائهم بأصحابه، فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا، وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.

وبعد هذا الحديث الزاخر بالعظات والعبر عن بعض الأنبياء مع أقوامهم تمضى السورة الكريمة في سرد هداياتها، فتسوق للناس ألوانا من سنن الله التي لا تتغير ولا تتبدل، لعل قلوبهم ترق، ونفوسهم تتذكر، وعقولهم تعى.

وكأن السورة الكريمة تقول للناس: لقد سقت لكم الكثير من أخبار الماضين. وقصصت عليكم ما فيه الذكر لكل قلب سليم من أخبار بعض الأنبياء مع أقوامهم، وأريتكم كيف كانت عاقبة الأخيار، وكيف كانت عاقبة الأشرار، فاجتهدوا في طاعة الله، وسيروا في طريق الأخيار لتسعدوا كما سعدوا. واجتنبوا سبيل الأشرار حتى لا يصيبكم ما أصابهم، فقد جرت سنته- سبحانه- أنه يمهل ولا يهمل، وأن يبتلى الناس بالسراء والضراء لعلهم يضرعون، وأن يفتح أبواب خيراته وبركاته لمن آمن به واتقاه، وأبواب عقوباته لمن كفر به وعصاه.

واستمع إلى السورة الكريمة وهي تصور هذه المعاني وغيرها بأسلوبها الحكيم فتقول:

أي : فتولى عنهم " شعيب " عليه السلام بعد ما أصابهم ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال ، وقال مقرعا لهم وموبخا : ( يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ) أي : قد أديت إليكم ما أرسلت به ، فلا أسفة عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به ، ولهذا قال : ( فكيف آسى على قوم كافرين ) ؟ .

القول في تأويل قوله : فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: فأدبر شعيب عنهم ، شاخصًا من بين أظهرهم حين أتاهم عذاب الله، (29) وقال لما أيقن بنـزول نقمة الله بقومه الذين كذّبوه ، حزنًا عليهم: ( يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ) ، وأدّيت إليكم ما بعثني به إليكم، (30) من تحذيركم غضبَه على إقامتكم على الكفر به ، وظلم الناس أشياءهم=(ونصحت لكم ) ، بأمري إياكم بطاعة الله ، ونهيكم عن معصيته-(فكيف آسى ) ، يقول: فكيف أحزن على قوم جَحَدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله ، وأتوجَّع لهلاكهم؟ (31)

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك.

14869-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ( فكيف آسى ) ، يعني: فكيف أحزن؟

14870-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( فكيف آسى ) ، يقول: فكيف أحزن؟

14871-حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: أصاب شعيبًا على قومه حُزْن لما يرى بهم من نقمةِ الله، ثم قال يعزي نفسه ، فيما ذكر الله عنه: ( يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين).

-------------------

الهوامش :

(29) انظر تفسير"تولى" فيما سلف ص: 546 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(30) انظر تفسير"البلاغ" فيما سلف ص: 547 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(31) انظر تفسير"الأسى" فيما سلف 10: 200 ، 475.

التدبر :

عمل
[93] ﴿فتولى عنهم﴾ همسة في أذن كل داعية ومحتسب: أدِّ واجب البلاغ، وانصح برفق كما أمرك الله، وأعرض عن الجاهلين.
لمسة
[93] قال: ﴿أبلغكم﴾ [62، 68] في قصة نوح وهود بلفظ المستقبل، وفي قصة صالح وشعيب: ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾ بلفظ الماضي؛ لأن في قصة نوح وهود وقع في ابتداء الرسالة، وفي قصة صالح وشعيب وقع في آخر الرسالة ودنو العذاب، ألا تسمع قوله: ﴿فتولى عنهم﴾ في القصتين.
وقفة
[93] لم يكلف الله نبيًا من أنبيائه بأكثر من البلاغ؛ ولذا لم يلجأ الأنبياء لمواجهة تمرد أقوامهم بأكثر من قولهم: ﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي﴾.
وقفة
[93] جاء لصالح في الأعراف أمر واحد؛ وهو عدم عقر الناقة فناسب في ختام قصته: ﴿أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ [79]، أما شعيب فتعددت نصائحه فناسب في ختام قصته: ﴿رِسَالَاتِ رَبِّي﴾.
وقفة
[93] ﴿فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ صلة الأنساب والأقوام لا وزن لها عند الله إن تعارضت مع الدين، فالوشيجة الباقية هي وشيجة الدين، والارتباط الوثيق بين الناس إنما يكون عبر حبل الله المتين.
وقفة
[93] ﴿فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ هكذا نفوس العظماء -وليس أعظم من الأنبياء- تأسف وتحزن لإعراض الناس عن الخير، مع أن هذا هو اختيارهم لأنفسهم، لكنها شفقة المصلح على قومه.
وقفة
[93] ﴿فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ وجد الأسف والحزن عليهم فحدث نفسه يسليها لله، أين أنت أيتها النفوس الكبيرة الرحيمة؟!
لمسة
[93] ما الفرق بين الحزن والأسى؟ الحزن على شيء محبوب فاتك، تحزن عليه حزنًا مؤقتًا، وسوف ينتهي هذا الحزن قريبًا، والأسى على شيءٍ دائم، أكثر ألمًا من الحزن على شيء قد فات، شعيب عليه السلام بعد ما جاءهم عذاب يوم الظُلّة قال: ﴿فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 26] أربعين سنة يتيهون في صحراء سيناء.

الإعراب :

  • ﴿ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ:
  • الفاء: استئنافية. تولى: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره: هو. عنهم: جار ومجرور متعلق بتولى «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل جر بعن وقال معطوفة بالواو على «تولى» وتعرب إعرابها والفعل مبني على الفتحة الظاهرة.
  • ﴿ يا قَوْمِ:
  • يا: أداة نداء. قوم: منادى منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالكسرة وهي الحركة الدالة على ياء المتكلم المحذوفة والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل جر بالإضافة وحذفت اختصارا.
  • ﴿ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ:
  • اللام: للابتداء والتوكيد. قد: حرف تحقيق. أبلغت: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك. والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل. والكاف ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به والميم علامة الجمع.
  • ﴿ رِسالاتِ رَبِّي:
  • مفعول به منصوب بالكسرة بدلا من الفتحة لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ربّ: مضاف إليه مجرور للتعظيم بالكسرة وهو مضاف. والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل جر مضاف إليه ثان.
  • ﴿ وَنَصَحْتُ لَكُمْ:
  • معطوفة بالواو على «أبلغت» وتعرب إعرابها. لكم: جار ومجرور والميم علامة جمع الذكور متعلق بنصحت.
  • ﴿ فَكَيْفَ آسى:
  • الفاء: استئنافية. كيف: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال. آسى: أصلها: أأسى فأدغمت الهمزة الأولى بالثانية فحصل المدّ: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: أنا.
  • ﴿ عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ:
  • جار ومجرور متعلق بآسى. كافرين: صفة لقوم مجرورة مثلها وعلامة جرها الياء لأنها جمع مذكر سالم. والنون عوض عن تنوين المفرد. '

المتشابهات :

يوسف: 84﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
الأعراف: 79﴿ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ
الأعراف: 93﴿ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [93] لما قبلها :     ولَمَّا صارت تلك الدار محل الغضب؛ هاجر عنها شعيب عليه السلام ، وودَّعهم كما ودَّع صالح عليه السلام قومه، قال تعالى:
﴿ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

آسى:
وقرئ:
إيسى، بكسر الهمزة، لغة، وهى قراءة ابن وثاب، وابن مصرف، والأعمش.

مدارسة الآية : [94] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن ..

التفسير :

[94] وما أرسلنا في قرية مِن نبي يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عمَّا هم فيه من الشرك، فكذَّبه قومه، إلا ابتليناهم بالبأساء والضراء، فأصبناهم في أبدانهم بالأمراض والأسقام، وفي أموالهم بالفقر والحاجة؛ رجاء أن يستكينوا، وينيبوا إلى الله، ويرجعوا إلى الحق.

يقول تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ ْ} يدعوهم إلى عبادة اللّه، وينهاهم عن ما هم فيه من الشر، فلم ينقادوا له: إلا ابتلاهم الله { بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ْ} أي: بالفقر والمرض وأنواع البلايا { لَعَلَّهُمْ ْ} إذا أصابتهم، أخضعت نفوسهم فتضرعوا إلى الله واستكانوا للحق.

هذه هي الآيات التي جاءت في السورة الكريمة بعد حديثها المتنوع عن بعض الأنبياء مع أقوامهم، وقبل حديثها المستفيض- الذي سنراه بعد قليل عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل.

وقد بدئت بقوله- تعالى-: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ البأساء: الشدة والمشقة كالحرب والجدب وشدة الفقر. والضراء: ما يضر الإنسان في بدنه أو معيشته كالمرض والمصائب.

والمعنى: ذلك الذي قصصناه عليك يا محمد شأن الرسل السابقين مع أقوامهم الهالكين وقد جرت سنتنا أننا ما أرسلنا في قرية من نبي كذبه أهلها إلا أخذناهم وأنزلنا بهم قبل إهلاكنا لهم ألوانا من الشدائد والمصائب لعلهم ينقادون لأمر الله، ويثوبون إلى رشدهم، ويكثرون من التضرع إليه والاستجابة لهديه.

فالآية الكريمة إشارة إجمالية إلى بيان أحوال سائر الأمم، إثر بيان أحوال الأمم التي سبق الحديث عنها وهي أمة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب- عليهم السلام-.

والمقصود منها التحذير والتخويف لكفار قريش وغيرهم، لينزجروا عن الضلال والعناد، ويستجيبوا لله ولرسوله.

وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين بعث إليهم، ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة لأنها مجتمع الأقوام.

وقوله: مِنْ نَبِيٍّ فيه حذف وإضمار والتقدير: من نبي كذبه قومه أو أهل القرية لأن قوله: إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها لا يترتب على الإرسال، وإنما يترتب على التكذيب والعصيان.

ومِنْ لتأكيد النفي.

والاستثناء في قوله: إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها مفرغ من أعم الأحوال، وأَخَذْنا في موضع نصب على الحال من فاعل أَرْسَلْنا أى: وما أرسلنا- في قرية من القرى المهلكة بسبب ذنوبها- نبيا من الأنبياء في حال من الأحوال إلا حال كوننا آخذين أهلها بالبأساء والضراء. قبل إنزال العقوبة المستأصلة لهم.

وجملة لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ تعليلية. أى: فعلنا ما فعلنا لكي يتضرعوا ويتذللوا ويتوبوا من ذنوبهم.

فما يأخذ الله به الغافلين من الشدائد والمحن ليس من أجل التسلية والتشفي- تعالى الله عن ذلك- وإنما من أجل أن ترق القلوب الجامدة، وتتعظ المشاعر الخامدة، ويتجه البشر الضعاف إلى خالقهم، يتضرعون إليه ويستغفرونه، عما فرط منهم من خطايا.

قول تعالى مخبرا عما اختبر به الأمم الماضية ، الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء ، يعني ) بالبأساء ) ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام . ) والضراء ) ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك ، ( لعلهم يضرعون ) أي : يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم .

وتقدير الكلام : أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا ، فما فعلوا شيئا من الذي أراد الله منهم ، فقلب الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه ; ولهذا قال :

القول في تأويل قوله : وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، معرِّفَه سنّته في الأمم التي قد خَلَت من قبل أمته، ومذكّرَ من كفر به من قريش ، لينـزجروا عما كانوا عليه مقيمين من الشرك بالله ، والتكذيب لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( وما أرسلنا في قرية من نبي ) ، قبلك=( إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ) ، وهو البؤس وشَظَف المعيشة وضِيقها= و " الضراء " ، وهي الضُّرُ وسوء الحال في أسباب دُنياهم=(لعلهم يضرعون ) ، يقول: فعلنا ذلك ليتضرّعوا إلى ربهم، ويستكينوا إليه، وينيبوا ، (32) بالإقلاع عن كفرهم، والتوبة من تكذيب أنبيائِهم.

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك.

14872-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ) ، يقول: بالفقر والجوع.

* * *

وقد ذكرنا فيما مضى الشواهدَ على صحّة القول بما قلنا في معنى: " البأساء " ، و " الضراء " ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (33)

* * *

وقيل: " يضرّعون "، والمعنى: يتضرعون، ولكن أدغمت " التاء " في" الضاد "، لتقارب مخرجهما.

---------------

الهوامش :

(32) انظر تفسير"التضرع" فيما سلف 11: 345 ، 414/ 12: 485.

(33) انظر تفسير"البأساء" فيما سلف 3: 349- 353/ 4: 288/11: 354

= وتفسير"الضراء" فيما سلف 3: 349- 353/ 4: 288/ 7: 214/ 11: 355.

التدبر :

وقفة
[94] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾ وتخصيص القرى بإرسال الرسل فيها دون البوادي -كما أشارت إليه هذه الآية وغيرها من آي القرآن، وشهد به تاريخ الأديان- يُنبئ أن مراد الله تعالى من إرسال الرسل هو بث الصلاح لأصحاب الحضارة التي يتطرق إليها الخلل بسبب اجتماع الأصناف المختلفة، وأن أهل البوادي لا يخلون عن الانحياز إلى القرى والإيواء في حاجاتهم المدنية إلى القرى القريبة.
عمل
[94] أرسل رسالة، أو ذكِّر من حولك ببعض المصائب التي حلت بالمجتمع، وأنها لن ترفع إلا بالتوبة والتضرع إلى الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾.
وقفة
[94] ﴿أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ الابتلاء بالشدة قد يصبر عليه الكثيرون، ويحتمل مشقاته الكثيرون، فأما الابتلاء بالرخاء فالذين يصبرون عليه قليلون.
وقفة
[94] ﴿أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ من فوائد الشدة والبلاء: أن يراك الله متضرعًا بين يديه!
وقفة
[94] ﴿أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ يبتلينا الرحيم بالشدة وأنواع البلايا لا ليعذبنا حاشاه، ولكن لنرجع إليه وندعوه بتضرع وانكسار.
وقفة
[94] ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ العبرةُ من الشـِّدة والبـلاءِ: أن يراكَ اللهُ متضرعًا إليه بالدُّعاءِ.
وقفة
[94، 95] ﴿وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء لعلهم يضّرّعون﴾ العلة في الابتلاء: لعلهم يضّرّعون، ﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا﴾ استدراج بالنعَم فإذا لم يتعظوا بالابتلاء ولا بالنعم استحقوا الإهلاك ﴿فأخذناهم بغتة﴾.

الإعراب :

  • ﴿ وَما أَرْسَلْنا:
  • الواو: استئنافية. ما: نافية لا عمل لها أرسلنا: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا. و «نا» ضمير متصل في محل رفع فاعل
  • ﴿ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ:
  • جار ومجرور متعلق بأرسلنا. من: حرف جر زائد. نبي: اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به أي نبيا أو رسولا.
  • ﴿ إِلَّا أَخَذْنا:
  • إلا: أداة حصر لا عمل لها. أخذنا: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا و «نا» ضمير متصل في محل رفع فاعل.
  • ﴿ أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ:
  • أهل: مفعول به منصوب بالفتحة و «ها» ضمير متصل مبني على السكون في محل جر بالاضافة. بالبأساء: جار ومجرور متعلق بأخذنا. والضراء: معطوفة بالواو على البأساء مجرورة مثلها.
  • ﴿ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ:
  • لعل: حرف مشبه بالفعل و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل نصب اسم «لعل». يضرعون: أصله «يتضرعون» وقد أدغمت التاء في الضاد تخفيفا، فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. والجملة الفعلية «يَضَّرَّعُونَ» في محل رفع خبر «لعل» '

المتشابهات :

الأعراف: 94﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ
سبإ: 34﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا
الزخرف: 23﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [94] لما قبلها :     وبعد أن ذكرَ اللهُ عز وجل ما جَرى لهذه الأمم المكذبة من العذاب؛ بَيَّنَ اللهُ هنا أنَّ هذا العذاب ليس خاص بهؤلاءِ فقط، بل وقع بغَيْرِهم، ثم بَيَّنَ سنته إذا أرسلَ إلى أهلِ قريةٍ نبيًّا فكذَّبُوه؛ ابْتَلَاهم بالفقرِ والمرضِ ليتضرعُوا إليه ويتركُوا الكفرَ، وفي هذا تحذير لقريش ولكل من كفر وكذب بذكر سُنَّة الله في الأمم المكذبة، قال تعالى:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [95] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ..

التفسير :

[95] ثم بدَّلنا الحالة الطيبة الأولى مكان الحالة السيئة، فأصبحوا في عافية في أبدانهم، وسَعَة ورخاء في أموالهم؛ إمهالاً لهم، ولعلهم يشكرون، فلم يُفِد معهم كل ذلك، ولم يعتبروا ولم ينتهوا عمَّا هم فيه، وقالوا: هذه عادة الدهر في أهله، يوم خير ويوم شر، وهو ما

{ ثُمَّ ْ} إذا لم يفد فيهم، واستمر استكبارهم، وازداد طغيانهم. { بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ْ} فَأدَرَّ عليهم الأرزاق، وعافى أبدانهم، ورفع عنهم البلاء { حَتَّى عَفَوْا ْ} أي: كثروا، وكثرت أرزاقهم وانبسطوا في نعمة اللّه وفضله، ونسوا ما مر عليهم من البلاء. { وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ْ} أي: هذه عادة جارية لم تزل موجودة في الأولين واللاحقين، تارة يكونون في سراء وتارة في ضراء، وتارة في فرح، ومرة في ترح، على حسب تقلبات الزمان وتداول الأيام، وحسبوا أنها ليست للموعظة والتذكير، ولا للاستدراج والنكير حتى إذا اغتبطوا، وفرحوا بما أوتوا، وكانت الدنيا، أسر ما كانت إليهم، أخذناهم بالعذاب { بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ْ} أي: لا يخطر لهم الهلاك على بال، وظنوا أنهم قادرون على ما آتاهم اللّه، وأنهم غير زائلين ولا منتقلين عنه.

ثم بين- سبحانه- لونا آخر من ألوان ابتلائه للناس فقال: ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ المراد بالسيئة ما يسوء ويحزن كالشدائد والأمراض. وبالحسنة السعة والصحة وأنواع الخيرات.

أى: ثم بعد أن ابتلينا هؤلاء الغافلين بالبأساء والضراء رفعنا ذلك عنهم، وابتليناهم بضده، بأن أعطيناهم بدل المصائب نعما، فإذا الرخاء ينزل بهم مكان الشدة، واليسر مكان الحرج، والعافية بدل الضر، والذرية بدل العقم. والكثرة بدل القلة، والأمن محل الخوف.

قال الآلوسى: وقوله: ثُمَّ بَدَّلْنا معطوف على أَخَذْنا داخل في حكمه، وهو- أى بدلنا- متضمن معنى أعطى الناصب لمفعولين وهما هنا الضمير المحذوف والحسنة أى:

أعطيناهم الحسنة في مكان السيئة ومعنى كونها في مكانها أنها بدل منها.

ويرى بعض العلماء أن لفظ مَكانَ مفعول به لبدلنا وليس ظرفا، والمعنى بدلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة، فالحسنة هي المأخوذة الحاصلة في مكان السيئة المتروكة .

وقوله: حَتَّى عَفَوْا أى: كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم. يقال: عفا النبات، وعفا الشحم إذا كثر وتكاثف. وأعفيته. أى: تركته يعفو ويكثر، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «واعفوا اللحى» أى: وفروها وكثروها.

فماذا كان موقفهم من ابتلاء الله إياهم بالشدائد تارة وبالنعم أخرى؟ لقد كان موقفهم يدل على فساد فطرتهم، وانحطاط نفوسهم، وعدم اتعاظهم بما تجرى به الأقدار، وبما بين أيديهم من سراء وضراء تحمل كل عاقل على التفكير والاعتبار.

استمع إلى القرآن وهو يصور موقفهم فيقول: وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ.

أى: أنهم حينما رأوا ألوان الخيرات بين أيديهم بعد أن كانوا في بأساء وضراء، لم يعتبروا ولم يشكروا الله على نعمه، بل قالوا بغباء وجهل. قد مس آباءنا من قبلنا ما يسوء وما يسر، وتناوبهم ما ينفع وما يضر، ونحن مثلهم يصيبنا ما أصابهم، وقد أخذنا دورنا من الضراء كما أخذوا، وجاء دورنا في السراء فلنغنمها في إرواء شهواتنا. وإشباع متعنا، فتلك عادة الزمان في أبنائه ولا داعي لأن ننظر إلى السراء والضراء على أنهما نوع من الابتلاء والاختبار.

وهذا شأن الغافلين الجاهلين في كل زمان ومكان، إنهم لا يعتبرون بأى لون من ألوان العبر، ولا يستشعرون في أنفسهم تحرجا من شيء يعملونه.

وإن قولهم هذا ليوحى بحالة نفسية خاصة «حالة عدم المبالاة والاستهتار» وهي حالة أكثر ما تكون مشاهدة في أهل الرخاء والجاه. فهم يسرفون ويبذرون بدون تحرج، ويرتكبون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان بدون اكتراث، وتغشاهم العبر من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ومع كل ذلك لا يعتبرون ولا يتعظون.

هذا شأنهم، أما المؤمنون فإنهم ليسوا كذلك، وإنما هم كما وصفهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قوله:

«عجبا لأمر المؤمن: إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» .

ولم يترك القدر أولئك الغافلين بدون قصاص، وإنما فاجأهم بالعقوبة التي تناسبهم، قال- تعالى-: فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أى: فكان عاقبة بطرهم وأشرهم وغفلتهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة، من غير شعور منهم بذلك، ولا خطور شيء من المكاره ببالهم، لأنهم كانوا- لغبائهم- يظنون أنهم سيعيشون حياتهم في نعم الحياة ورغدها بدون محاسبة لهم على أعمالهم القبيحة، وأقوالهم الذميمة.

فالجملة الكريمة تشير إلى أن أخذهم بالعقوبة كان أليما شديدا، لأنهم فوجئوا بها مفاجأة بدون مقدمات. وجملة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ حال من المفعول به في فَأَخَذْناهُمْ مؤكدة لمعنى البغتة.

( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ) أي : حولنا الحال من شدة إلى رخاء ، ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية ، ومن فقر إلى غنى ، ليشكروا على ذلك ، فما فعلوا .

وقوله : ( حتى عفوا ) أي : كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم ، يقال : عفا الشيء إذا كثر ، ( وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) يقول تعالى : ابتلاهم بهذا وهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله ، فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا ، ولا انتهوا بهذا ولا بهذا بل قالوا : قد مسنا من البأساء والضراء ، ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الدهر ، وإنما هو الدهر تارات وتارات ، ولم يتفطنوا لأمر الله فيهم ، ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين . وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء ، ويصبرون على الضراء ، كما ثبت في الصحيحين : " عجبا للمؤمن ، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له ، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " فالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من السراء والضراء ; ولهذا جاء في الحديث : " لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه ، والمنافق مثله كمثل الحمار ، لا يدري فيم ربطه أهله ، ولا فيم أرسلوه " ، أو كما قال . ولهذا عقب هذه الصفة بقوله : ( فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) أي : أخذناهم بالعقوبة بغتة ، أي : على بغتة منهم ، وعدم شعور منهم ، أي : أخذناهم فجأة كما جاء في الحديث : " موت الفجأة رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر " .

القول في تأويل قوله : ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95)

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: (ثم بدلنا) أهلَ القرية التي أخذنا أهلها بالبأساء والضراء=(مكان السيئة)، وهي البأساء والضراء. وإنما جعل ذلك " سيئة " ، لأنه ممّا يسوء الناس= ولا تسوءهم " الحَسَنة "، وهي الرخاء والنعمة والسعة في المعيشة (34) =( حتى عفوا ) ، يقول: حتى كَثرُوا.

* * *

وكذلك كل شيء كثر، فإنه يقال فيه: " قد عفا "، (35) كما قال الشاعر: (36)

ولَكِنَّــا نُعِــضُّ السَّــيْفَ مِنْهَــا

بِأَسْــوُقِ عَافِيَــاتِ الشَّــحْمِ كُـومِ (37)

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك.

14873-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( مكان السيئة الحسنة ) ، قال: مكان الشدة رخاء=( حتى عفوا) .

14874-حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( مكان السيئة الحسنة ) ، قال: " السيئة " ، الشر، و " الحسنة " ، الرخاء والمالُ والولد.

14875-حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد: ( مكان السيئة الحسنة ) ، قال: " السيئة " ، الشر، و " الحسنة " ، الخير.

14876-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ) ، يقول: مكان الشدة الرَّخاء.

14877-حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ) ، قال: بدلنا مكان ما كرهوا ما أحبُّوا في الدنيا=(حتى عفوا) ، من ذلك العذاب=( وقالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء) .

* * *

واختلفوا في تأويل قوله: ( حتى عفوا ) .

فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.

* ذكر من قال ذلك:

14878-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( حتى عفوا ) ، يقول: حتى كثروا وكثرت أموالهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ( حتى عفوا ) ، قال: جَمُّوا. (38)

14879-حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( حتى عفوا ) ، قال: كثرت أموالهم وأولادهم.

14880-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

14881-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( حتى عفوا ) ، حتى كثروا.

14882-حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: ( حتى عفوا ) ، قال: حتى جَمُّوا وكثروا.

14883-... قال، حدثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ( حتى عفوا ) ، قال: حتى جَمُّوا.

14884-... قال ، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ( حتى عفوا ) ، يعني: جَمُّوا وكثروا.

14885-... قال ، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن مجاهد: ( حتى عفوا ) ، قال: حتى كثرت أموالهم وأولادهم.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( حتى عفوا ) ، كثروا كما يكثر النّبات والرّيش، (39) ثم أخذهم عند ذلك (بغتة وهم لا يَشْعُرون).

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك: حتى سُرُّوا.

* ذكر من قال ذلك.

14886-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( حتى عفوا ) ، يقول: حتى سُرُّوا بذلك.

* * *

قال أبو جعفر : وهذا الذي قاله قتادة في معنى : " عفوا " ، تأويلٌ لا وجه له في كلام العرب. لأنه لا يعرف " العفو " بمعنى السرور ،في شيء من كلامها ، إلا أن يكون أراد: حتى سُرُّوا بكثرتهم وكثرةِ أموالهم، فيكون ذلك وجهًا، وإن بَعُد.

* * *

وأما قوله: ( وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ، فإنه خبرٌ من الله عن هؤلاء القوم الذين أبدلهم مكان الحسنة السيئة التي كانوا فيها ، استدراجًا وابتلاء ، أنهم قالوا إذ فعل ذلك بهم: هذه أحوال قد أصابتْ مَنْ قبلنا من آبائنا ، ونالت أسلافَنا، ونحن لا نعدُو أن نكون أمثالَهم يصيبنا ما أصابهم من الشدة في المعايش والرخاء فيها= وهي" السراء "، لأنها تَسرُّ أهلها. (40)

وجهل المساكين شكرَ نعمة الله، وأغفلوا من جهلهم استدامةَ فضلهِ بالإنابة إلى طاعته، والمسارعة إلى الإقلاع عما يكرهه بالتوبة، حتى أتاهم أمره وهم لا يشعرون.

يقول جل جلاله: ( فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) ، يقول: فأخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة ، أتاهم على غِرّة منهم بمجيئه، (41) وهم لا يدرون ولا يعلمون أنّه يجيئهم، بل هُم بأنه آتيهم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوه. (42)

* * *

------------------------

الهوامش:

(34) انظر تفسير"الضراء" فيما سلف قبل في التعليق السابق.

= وتفسير"السراء" فيما سلف 7: 213.

= وتفسير"السيئة" و"الحسنة" ، فيما سلف من فهارس اللغة (سوأ) (حسن).

= وتفسير"مس" فيما سلف ص: 540 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(35) انظر تفسير"عفا" فيما سلف 3: 370/ 4: 343.

(36) هو لبيد.

(37) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 4: 343.

(38) "جم الشيء" ، و"استجم" ، كثر. و"مال جم" ، كثيرة.

(39) "الريش" (بكسر الراء): المتاع والأموال.

(40) انظر تفسير"السراء" ومراجعه فيما سلف قريبًا ص: 573 ، تعليق: 1.

(41) انظر تفسير"البغتة" فيما سلف 11: 325 ، 360 ، 368.

(42) انظر تفسير"شعر" فيما سلف ص: 93 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

التدبر :

وقفة
[95] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ خاطبهم الله بما يفهمون، وبِلُغَتهم التي بها يتكلمون، فالسيئة حسب ما يظن أكثر الناس هي الشدة، والحسنة هي النعمة، وليس هذا صحيحا عند أصحاب الآخرة.
وقفة
[95] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ يؤدبُ اللهُ عبده المؤمن الذي يحبه بأدنى زلة أو هفوة، فلا يزال مستيقظًا حذرًا، وأما من سقطَ من عينه وهانَ عليه؛ فإنه يُخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبًا أحدث له نعمة، والمغرور يظن أن ذلك من كرامته عليه، ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة، وأنه يريد به العذاب الشديد والعقوبة.
عمل
[95] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ صحح مفاهیمك! النعمة المطلقة هي التي لا عقوبة معها، والبلاء المطلق هو الذي لا ثواب عليه.
وقفة
[95] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ عقوبة الاستدراج! أراد الله تنبيههم بالشدة إعلامًا بأن سلب النعمة علامة غضب الله عليهم، فلما ازدادوا بالشدة كفرًا ردهم إلى حالتهم الأولى من النعمة إمهالًا واستدراجًا، فازدادوا إعراضًا.
وقفة
[95] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ أي: أبدلنا البأساء والضراء بالنعيم؛ اختبارًا لهم في الحالتين، ﴿حَتَّىٰ عَفَوا﴾ أي: كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، ﴿وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ أي: قد جرى ذلك لآبائنا، ولم يضرهم، فهو بالاتفاق لا بقصد الاختبار.
وقفة
[95] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أسلوب المتكبرين واحد؛ وهو: الجدال بالباطل، فإن عجزوا لجئوا إلى التهديد.
وقفة
[95] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أبدلناهم بالشدة رخاء حتى عفوا، أي كثرت أموالهم وأولادهم، والمقصود أن الله نوَّع عليهم صنوف البلاء، فأخذهم بالشدة فلم يزدجروا، ثم بالرخاء فلم يشكروا، فأخذهم الله بالعذاب.
وقفة
[95] أسلوب المتكبرين واحد؛ وهو: الجدال بالباطل، فإن عجزوا لجؤوا إلى التهديد ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقفة
[95] قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25]، ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا﴾ العفو في الأولى تجاوز السيئات، أما في الآية الثانية فلها معنى مختلف، ما هو؟ الجواب: العفو في الآية الثانية بمعنى الكثرة، أي: كثروا وكثرت أرزاقهم وتوسعت عليهم الدنيا، ونسوا الضر الذي كان.
وقفة
[95] ﴿وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ تدل الآية على أن قوم شعيب أهلكوا بعذاب الاستئصال لما لم يقبلوا نصح نبيهم، فدل على وجوب قبول النصح في الدين.
وقفة
[95] ﴿وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ هذه لغة من يكفر النعمة وينسى الفضل، بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء ويصبرون على الضراء.
وقفة
[95] ﴿وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ أي: هذه عادة جارية لم تزل موجودة في الأولين واللاحقين، تارة يكونون في سراء وتارة في ضراء، وتارة في فرح ومرة في ترح، على حسب تقلبات الزمان وتداول الأيام، وحسبوا أنها ليست للموعظة والتذكير، ولا للاستدراج والنكير، حتى إذا اغتبطوا وفرحوا بما أوتوا، وكانت الدنيا أسرَّ ما كانت إليهم؛ أخذناهم بالعذاب: ﴿بغتة وهم لا يشعرون﴾ أي: لا يخطر لهم الهلاك على بال، وظنوا أنهم قادرون على ما آتاهم اللّه، وأنهم غير زائلين ولا منتقلين عنه.
وقفة
[95] نسبة الأحداث إلى الطبيعة والعادة الجارية دون النظر إلى سنن الله في الجزاء والعقاب من طريقة الجاهلين ﴿وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾.
وقفة
[95] ﴿قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ أهل الغفلة يتعاملون مع الشدة على أنها حدث عارض، ليس له سبب، وأما أهل اليقظة فيرونها رسائل ربانية، إما تنبيهًا أو تهذيبًا أو تطهيرًا.
تفاعل
[95] ﴿فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾ استعذ بالله الآن من عقابه.
عمل
[95] إلى من يتقلب في النعم وهو يعصي الله: «ألا تخشى: ﴿فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون﴾».

الإعراب :

  • ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ:
  • ثم: حرف عطف. بدّلنا: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. مكان: مفعول به منصوب بالفتحة. السيئة: مضاف إليه مجرور بالكسرة أي مكان الفعلة السيئة وهي من الصفات التي تجري مجرى الأسماء. الحسنة: مفعول به ثان منصوب بالفتحة أي جعلنا أو صيرنا الحسنة مكان السيئة وبمعنى: أبدلناهم الحسنة بالسيئة.
  • ﴿ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا:
  • حتى: حرف غاية وابتداء. عفوا: فعل ماض مبني على الفتح المقدر للتعذر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين ولاتصاله بواو الجماعة. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف فارقة. وقالوا: معطوفة بالواو على «عَفَوْا» وتعرب إعرابها والفعل مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة.
  • ﴿ قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ:
  • الجملة: في محل نصب مفعول به - مقول القول- قد: حرف تحقيق. مسّ: فعل ماض مبني على الفتح. آباء: مفعول به مقدم منصوب بالفتحة و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل جر بالاضافة. الضراء: فاعل مرفوع بالضمة والسراء: معطوفة بالواو على «الضَّرَّاءُ» مرفوعة مثلها بالضمة.
  • ﴿ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً:
  • معطوفة بالفاء على «بَدَّلْنا» وتعرب إعرابها و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل نصب مفعول به. بغتة: حال منصوب بالفتحة.
  • ﴿ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ:
  • الواو: حالية. هم: ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. لا: نافية لا عمل لها. يشعرون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. والجملة الفعلية «لا يَشْعُرُونَ» في محل رفع خبر المبتدأ «هُمْ» والجملة الاسمية «وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» في محل نصب حال. '

المتشابهات :

آل عمران: 134﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ
الأعراف: 95﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [95] لما قبلها :     ولَمَّا لم يُفِدْ ذلك؛ بدَّلَ الشدةَ رخاءً، ثُمَّ أخَذَهم فجأَةً، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

فهرس المصحف

البحث بالسورة

البحث بالصفحة

البحث في المصحف