22142143144145

الإحصائيات

سورة البقرة
ترتيب المصحف2ترتيب النزول87
التصنيفمدنيّةعدد الصفحات48.00
عدد الآيات286عدد الأجزاء2.40
عدد الأحزاب4.80عدد الأرباع19.25
ترتيب الطول1تبدأ في الجزء1
تنتهي في الجزء3عدد السجدات0
فاتحتهافاتحتها
حروف التهجي: 1/29آلم: 1/6

الروابط الموضوعية

المقطع الأول

من الآية رقم (142) الى الآية رقم (143) عدد الآيات (2)

بعدَ ذكرِ إبراهيمَ عليه السلام وبناءِ الكعبةِ جاءَ الحديثُ عن تحويلِ القبلةِ من بيتِ المقدسِ إلى البيتِ الحرامِ، فبدأ بالرَّدِ على اعتراضِ اليهودِ والمشركينَ والمنافقينَ على التحويلِ قبل وقوعِه بأنَّ الجهاتِ كلَّها للهِ، ثُمَّ بيانُ فضلِ هذه الأمةِ.

فيديو المقطع


المقطع الثاني

من الآية رقم (144) الى الآية رقم (145) عدد الآيات (2)

تحويلُ القبلةِ إلى البيتِ الحرامِ بمكةَ، ووجوبُ استقبالِه في الصَّلاةِ من أيِّ مكانٍ في الأرضِ، ثُمَّ التحذيرُ من متابعةِ أهلِ الكتابِ.

فيديو المقطع


مدارسة السورة

سورة البقرة

استخلاف الإنسان في الأرض/ العبادة/ الإسلام لله تعالى

أولاً : التمهيد للسورة :
  • • فلماذا سميت السورة بالبقرة؟:   قد يتساءل البعض لماذا سميت هذه السورة بسورة البقرة؟ قد يجيب البعض بأنها سميت كذلك لأنّ قصة البقرة جاءت في هذه السورة. فنقول: إنَّ هذه السورة قد جاء بها قصص كثيرة، فلماذا سميت السورة باسم هذه القصة دون غيرها؟ العناوين دلالة الاهتمام، فهذه إشارة إلى أهمية هذه القصة، أو أن أهم موضوع في السورة هو قصة البقرة.
  • • ليست مجرد قصة::   لم تكن قصة (بقرة بني إسرائيل) مجرد قصة من قصص بني إسرائيل، ولكنها تجسيد لحال بني إسرائيل مع أوامر الله، تلكأ في تنفيذ أوامر الله، تعنت، وتشدد، وتحايل، ومماطلة، وجدال، وجحود، وعناد. وهذا في غاية المناسبة لسورة البقرة التي تضمنت تربية المؤمنين على الاستجابة ﻷوامر الله، فقد تضمنت الكثير من التشريعات والأحكام، فكأن الاسم شعار للمؤمنين ليحذروا من التشبه بأصحاب البقرة، لكي يتذكر المسلم المسؤول عن الأرض هذه الأخطاء ويتجنبها. ولهذا خُتمت السورة بقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (285).
ثانيا : أسماء السورة :
  • • الاسم التوقيفي ::   «سورة البقرة»، وتسمى مع سورة آل عمران بـ«الزَّهراوَين».
  • • معنى الاسم ::   البقرة: حيوان معروف، لحمه يؤكل ولبنه يشرب، والزهراوان: المُنيرتان المُضيئتان، واحدتها زهراء.
  • • سبب التسمية ::   سميت سورة البقرة؛ لأنها انفردت بذكر قصة البقرة التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها، ولم ترد أي إشارة إلى هذه القصة في أي سورة غيرها، وتسمى مع سورة آل عمران بـ«الزَّهراوَين»؛ لنورهما وهدايتهما وعظيم أجرهما.
  • • أسماء أخرى اجتهادية ::   وتسمى أيضًا «سَنام القرآن» وسنام كل شيء أعلاه، فسميت بذلك تعظيمًا لشأنها، و«فُسطاط القرآن» والفسطاط هو المدينة الجامعة، لما جمع فيها من الأحكام التي لم تذكر في غيرها.
ثالثا : علمتني السورة :
  • • علمتني السورة ::   وجوب الاستجابة لأوامر لله، والاستسلام الكامل لأحكامه، والانقياد والإذعان لها.
  • • علمتني السورة ::   أن هذا الكتاب العزيز لا شك فيه بأي وجه من الوجوه، لا شك في نزوله، ولا في أخباره، ولا أحكامه، ولاهدايته: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾
  • • علمتني السورة ::   تكريم الله للإنسان بسجود الملائكة له، وتعليمه أسماء جميع الأشياء، وإسكانه الجنة، واستخلافه في الأرض: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ...﴾
  • • علمتني السورة ::   أن من لا يعرف من القرآن إلا تلاوته دون فهم يشابه طائفة من اليهود لم يعلموا من التوراة إلا التلاوة: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾
رابعًا : فضل السورة :
  • • عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ، الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ».
    • عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا». ففي حرَّ يوم القيامة الشديد، عندما تدنو فيه الشمس من رؤوس الخلائق، تأتي سورة البقرة لتظلل على صاحبها.تأمل كيف أنّ سورتي البقرة وآل عمران تحاجان -أي تدافعان- عن صاحبهما.
    • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، وَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ الْبَقَرَةُ لاَ يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ».
    • عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:« يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ:" اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعَلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ». زَادَ أَحْمَد: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيِدَهِ! إِنَّ لَهَا لِسَانًا وَشَفَتَينِ، تُقَدِّس الْمَلِكَ عَنْدِ سَاقِ الْعَرشِ».
    • عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِي فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَة لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ».
    • عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلاَّ الْيَوْمَ فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ»، فَقَالَ: «هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلاَّ الْيَوْمَ»، فَسَلَّمَ وَقَالَ: «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيْتَهُمَا، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ، فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلاَّ أُعْطِيتَهُ».
    • عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ».
    • عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي ثَلاثِ سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ: الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَطه».
    • عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَخَذَ السَّبْعَ الأُوَل مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ حَبْرٌ». السبعُ الأُوَل هي: «البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والتوبة»، وأَخَذَ السَّبْعَ: أي من حفظها وعلمها وعمل بها، والحَبْر: العالم المتبحر في العلم؛ وذلك لكثرة ما فيها من أحكام شرعية.
    • عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَئِينَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ».وسورة البقرة من السبع الطِّوَال التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم مكان التوراة.
خامسًا : خصائص السورة :
  • • هي أطول سورة في القرآن الكريم على الإطلاق
    • أول سورة نزلت في المدينة.
    • أول سورة مدنية بحسب ترتيب المصحف.
    • أول سورة -بحسب ترتيب المصحف- تفتح بالحروف المقطعة من أصل 29 سورة افتتحت بذلك.
    • أول سورة -بحسب ترتيب المصحف- تفتح بالحروف المقطعة ﴿الم﴾ من أصل 6 سور افتتحت بذلك.
    • هي السورة الوحيدة التي ذكرت قصة البقرة، ولم يذكر لفظ (البقرة) مفردًا بغير هذه السورة.
    • تحتوي على أعظم آية (آية الكرسي)، وأطول آية (آية الدين).
    • تحتوي على آخر آية نزلت -على الراجح- وهي: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (281).
    • كثرة أحكامها، قال ابن العربي: سمعت بعض أشياخي يقول: «فيها ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر».
    • السور الكريمة المسماة بأسماء الحيوانات 7 سور، وهي: «البقرة، والأنعام، والنحل، والنمل، والعنكبوت، والعاديات، والفيل».
سادسًا : العمل بالسورة :
  • • أن نستقبل أوامر الله بـ "سمعنا وأطعنا"، وأن نحذر من: "سمعنا وعصينا".
    • أن نرتبط بكتاب الله علمًا وتدبرًا وعملًا؛ لنصل إلى الهداية ونبتعد عن طريق الغواية: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (2).
    • أن نتحلى بصفات المتقين، ومنها: الإيمان بالغيب، إقامة الصلاة، الإنفاق، الإيمان بما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وبما أنزل على الأنبياء من قبله، الإيمان باليوم الِآخر: ﴿... هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ...﴾ (2-5).
    • أن نحذر من صفات المنافقين، ومنها: لا يعترفون بأخطائهم، يصرون على الذنوب، يمثلون أمام الناس أنهم مصلحون وهم المفسدون، يخادعون أنفسهم (8-20).
    • أن نبتعد عن الكبر؛ فالكبر هو معصية إبليس: ﴿... فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ ...﴾ (34).
    • أن نمتثل أوامر الله تعالى ونحذر من وساوس الشيطان: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ ... فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ...﴾ (35، 36).
    • أن نحذر الذنوب، فبذنبٍ واحد خرج أبونا من الجنة: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (36).
    • أن نسارع بالتوبة كما فعل أبونا آدم عليه السلام (37).
    • أن نتجنب الأخطاء التي وقعت من بني إسرائيل، ولا نفعل مثل ما فعلوا (40-123).
    • أن نذكِّر الناس ونرشدهم إلى الخير؛ ولا ننسى أنفسنا من ذلك: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ (44). • أن نختار كلماتنا بعناية شديدة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (83).
    • أن نسارع بالاستجابة لأوامر الله كما فعل إبراهيم عليه السلام : ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (131)، وأن نحذر عناد بني إسرائيل وجدالهم.
    • أن نكثر من ذكر الله تعالى وشكره حتى نكون من الذاكرين: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (152).
    • أن نقول: «إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» عند المصيبة: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (156).
    • أن نكثر التأمل والتفكر في خلق الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ (164).
    • أن نأتي كل أمر من أمورنا من الطريق السهل القريب: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ (189).
    • أن نبادر في قضاء فريضة الحج، ونحرص على عدم الرفث والفسوق والجدال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ...﴾ (197).
    • أن نحذر من خطوات الشيطان ووساوسه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (208).
    • أن نحسن الظن بالله وبما قدَّره لنا في حياتنا، حتى لو أننا كرهناه فهو بالتأكيد خير لنا، فكل أقداره عز وجل خير: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ...﴾ (216).
    • أن نبتعد عن الخمر والميسر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ ...﴾ (219).
    • أن نحافظ على الصلاة تحت أي ظرف: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾ (238).
    • ألا نَمُن على أحد أنفقنا عليه، ولا نؤذيه، ولا ننتظر الأجر إلا من الله: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ...﴾ (262).
    • أن نحذر الربا، ونبتعد عنه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا ...﴾ (275-279).
    • أن نصبر على المعسر الذي لم يستطع القضاء، أو نسقط عنه الدين كله أو بعضه: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (280).
    • أن نقول لكل ما جاء به الرسول عن ربنا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (285)، ‏بلا جدال، ولا نقاش، ولا تكاسل.

تمرين حفظ الصفحة : 22

22

مدارسة الآية : [142] :البقرة     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا ..

التفسير :

[142] سيقول الجهال وضعاف العقول من اليهود وأمثالهم، في سخرية واعتراض: ما الذي صرف هؤلاء المسلمين عن قبلتهم التي كانوا يُصَلُّون إلى جهتها أول الإسلام؟ (وهي «بيت المقدس») قل لهم -أيها الرسول-: المشرق والمغرب وما بينهما ملك لله، فليست جهة من الجهات خارجة عن

قد اشتملت الآية على معجزة, وتسلية, وتطمين قلوب المؤمنين, واعتراض وجوابه, من ثلاثة أوجه, وصفة المعترض, وصفة المسلم لحكم الله دينه. فأخبر تعالى أنه سيعترض السفهاء من الناس, وهم الذين لا يعرفون مصالح أنفسهم, بل يضيعونها ويبيعونها بأبخس ثمن, وهم اليهود والنصارى, ومن أشبههم من المعترضين على أحكام الله وشرائعه، وذلك أن المسلمين كانوا مأمورين باستقبال بيت المقدس, مدة مقامهم بمكة، ثم بعد الهجرة إلى المدينة, نحو سنة ونصف - لما لله تعالى في ذلك من الحكم التي سيشير إلى بعضها, وكانت حكمته تقتضي أمرهم باستقبال الكعبة، فأخبرهم أنه لا بد أن يقول السفهاء من الناس: { مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } وهي استقبال بيت المقدس، أي: أيُّ شيء صرفهم عنه؟ وفي ذلك الاعتراض على حكم الله وشرعه, وفضله وإحسانه، فسلاهم, وأخبر بوقوعه, وأنه إنما يقع ممن اتصف بالسفه, قليل العقل, والحلم, والديانة، فلا تبالوا بهم, إذ قد علم مصدر هذا الكلام، فالعاقل لا يبالي باعتراض السفيه, ولا يلقي له ذهنه. ودلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله, إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل, فيتلقى أحكام ربه بالقبول, والانقياد, والتسليم كما قال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } الآية، { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } وقد كان في قوله { السفهاء } ما يغني عن رد قولهم, وعدم المبالاة به. ولكنه تعالى مع هذا لم يترك هذه الشبهة, حتى أزالها وكشفها مما سيعرض لبعض القلوب من الاعتراض, فقال تعالى: { قُلْ } لهم مجيبا: { لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أي: فإذا كان المشرق والمغرب ملكا لله, ليس جهة من الجهات خارجة عن ملكه, ومع هذا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم, ومنه هدايتكم إلى هذه القبلة التي هي من ملة أبيكم إبراهيم، فلأي شيء يعترض المعترض بتوليتكم قبلة داخلة تحت ملك الله, لم تستقبلوا جهة ليست ملكا له؟ فهذا يوجب التسليم لأمره, بمجرد ذلك، فكيف وهو من فضل الله عليكم, وهدايته وإحسانه, أن هداكم لذلك فالمعترض عليكم, معترض على فضل الله, حسدا لكم وبغيا. ولما كان قوله: { يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } والمطلق يحمل على المقيد, فإن الهداية والضلال, لهما أسباب أوجبتها حكمة الله وعدله, وقد أخبر في غير موضع من كتابه بأسباب الهداية, التي إذا أتى بها العبد حصل له الهدى كما قال تعالى: { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ }

تضمنت هذه الآيات الكريمة إعلام النبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين أن فريقا من الناس الذين خفت أحلامهم وضعفت عقولهم وعدلوا عما ينفعهم إلى ما يضرهم، سيقولون على سبيل الإنكار عند تحويل القبلة إلى المسجد الحرام، ما صرفهم عن القبلة التي كانوا عليها، وهي بيت المقدس.

قال صاحب الكشاف: «فإن قلت، أى فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: فائدته أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع، لما يتقدمه من توطين النفس، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه».

والمراد بالسفهاء اليهود الذين استنكروا تحويل القبلة، ومن لف لفهم من المنافقين ومشركي العرب.

وإنما سماهم الله- تعالى- سفهاء لأنهم سفهوا الحق، وجحدوه، وأنكروا نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم.

مع علمهم بصدقه في رسالته.

وقد صرح البخاري- رحمه الله- بأن المراد بالسفهاء هم اليهود، فقد روى عن البراء بن عازب قال:كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحب أن يتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله- تعالى- قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس- وهم اليهود- ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.

ثم لقن الله- تعالى- نبيه صلّى الله عليه وسلّم الجواب الذي يخرس به ألسنة المعترضين من اليهود وغيرهم، فقال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.

أى قل لهم- يا محمد- إذا اعترضوا على التحويل: إن الأمكنة كلها لله ملكا وتصرفا وهي بالنسبة إليه متساوية، وله أن يخص بعضها بحكم دون بعض، فإذا أمرنا باستقبال جهة في الصلاة فلحكمة اقتضت الأمر وما على الناس إلا أن يمتثلوا أمره، والمؤمنون ما اتخذوا الكعبة قبلة لهم إلا امتثالا لأمر ربهم، لا ترجيحا لبعض الجهات من تلقاء أنفسهم فالله هو الذي يهدى من يشاء هدايته، إلى السبيل الحق، فيوجه إلى بيت المقدس مدة حيث اقتضت حكمته ذلك، ثم إلى الكعبة، حيث يعلم المصلحة فيما أمر به.

[ قيل المراد بالسفهاء هاهنا : المشركون ; مشركو العرب ، قاله الزجاج . وقيل : أحبار يهود ، قاله مجاهد . وقيل : المنافقون ، قاله السدي . والآية عامة في هؤلاء كلهم ، والله أعلم ] .

قال البخاري : حدثنا أبو نعيم ، سمع زهيرا ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، رضي الله عنه ; أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها ، صلاة العصر ، وصلى معه قوم . فخرج رجل ممن كان صلى معه ، فمر على أهل المسجد وهم راكعون ، فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت . وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجالا قتلوا لم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله عز وجل ( وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم )

انفرد به البخاري من هذا الوجه . ورواه مسلم من وجه آخر .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي نحو بيت المقدس ، ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله ، فأنزل الله : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) فقال رجال من المسلمين : وددنا لو علمنا علم من مات منا قبل أن نصرف إلى القبلة ، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس ؟ فأنزل الله : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) وقال السفهاء من الناس ، وهم أهل الكتاب : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ فأنزل الله : ( سيقول السفهاء من الناس ) إلى آخر الآية .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا الحسن بن عطية ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة ، فأنزل الله : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) قال : فوجه نحو الكعبة . وقال السفهاء من الناس ، وهم اليهود : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) فأنزل الله ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم )

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم ، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء ، فأنزل الله عز وجل : ( فولوا وجوهكم شطره ) أي : نحوه . فارتاب من ذلك اليهود ، وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ فأنزل الله : ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .

وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة ، وحاصل الأمر أنه قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس ، فكان بمكة يصلي بين الركنين ، فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس ، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما ، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس ، قاله ابن عباس والجمهور ، ثم اختلف هؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره ; على قولين ، وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري أن التوجه إلى بيت المقدس كان باجتهاده عليه الصلاة والسلام . والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة ، فاستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرا ، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة ، التي هي قبلة إبراهيم ، عليه السلام ، فأجيب إلى ذلك ، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق ، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، وأعلمهم بذلك . وكان أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر ، كما تقدم في الصحيحين من رواية البراء . ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى : أنها الظهر . وأما أهل قباء ، فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني ، كما جاء في الصحيحين ، عن ابن عمر أنه قال : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح ، إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، فاستقبلوها . وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة .

وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به ، وإن تقدم نزوله وإبلاغه ; لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء ، والله أعلم .

ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك ، وقالوا : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) أي : ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا ، وتارة يستقبلون كذا ؟ فأنزل الله جوابهم في قوله : ( قل لله المشرق والمغرب ) أي : الحكم والتصرف والأمر كله لله ، وحيثما تولوا فثم وجه الله ، و ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ) [ البقرة : 177 ] أي : الشأن كله في امتثال أوامر الله ، فحيثما وجهنا توجهنا ، فالطاعة في امتثال أمره ، ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة ، فنحن عبيده وفي تصريفه وخدامه ، حيثما وجهنا توجهنا ، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه وأمته عناية عظيمة ; إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم ، خليل الرحمن ، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له ، أشرف بيوت الله في الأرض ، إذ هي بناء إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، ولهذا قال : ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .

وقد روى الإمام أحمد ، عن علي بن عاصم ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عمر بن قيس ، عن محمد بن الأشعث ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في أهل الكتاب : " إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة ، التي هدانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام : آمين " .

القول في تأويل قوله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " سيقول السفهاء "، سيقول الجهال " منَ الناس ", وهم اليهود وأهل النفاق.

وإنما سماهم الله عز وجل " سُفهاء "، لأنهم سَفِهوا الحق. (1) فتجاهلت أحبارُ اليهود, وتعاظمت جهالهم وأهل الغباء منهم، عن اتِّباع محمد صلى الله عليه وسلم, إذ كان من العرب ولم يكن من بني إسرائيل, وتحيّر المنافقون فتبلَّدوا.

* * *

وبما قلنا في" السفهاء " -أنهم هم اليهود وأهلُ النفاق- قال أهل التأويل.

ذكر من قال: هم اليهود:

2142- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله عز وجل: " سيقول السفهاء من الناس مَا وَلاهم عن قِبْلتهم " قال، اليهود تقوله، حين تَرَك بيتَ المقدس.

2143- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

2144- حدثت عن أحمد بن يونس, عن زهير, عن أبي إسحاق، عن البَراء: " سيقول السفهاء من الناس " قال، اليهود. (2)

2145- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن البراء: " سيقول السفهاء من الناس " قال، اليهود.

2146- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق, عن البراء في قوله: " سيقول السفهاء من الناس " قال، أهل الكتاب

2147- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: اليهودُ.

* * *

وقال آخرون: " السفهاء "، المنافقون.

* ذكر من قال ذلك.

2148- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: نـزلت " سَيقول السفهاء من الناس "، في المنافقين.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى : مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ما ولاهم ": أيُّ شيء صَرَفهم عن قبلتهم؟ وهو من قول القائل: " ولاني فلان دُبُره "، إذا حوّل وجهه عنه واستدبره، فكذلك قوله: " ما ولاهم "؟ أيّ شيء حَوَّل وُجُوههم؟ (3)

* * *

وأما قوله: " عن قبلتهم "، فإن " قبلة " كل شيء ما قابلَ وجهه. وإنما هي" فِعْلة " بمنـزلة " الجلسة والقِعْدة "، (4) من قول القائل." قابلت فلانًا "، إذا صرتُ قُبالته أقابله, فهو لي" قبلة " وأنا له " قبلة ", إذا قابل كلّ واحد منهما بوجهه وجهَ صاحبه.

* * *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا -إذْ كان ذلك معناه (5) -: سيقول السفهاء من الناس لكم، أيها المؤمنون بالله ورسوله, - إذا حوّلتم وجوهكم عَن قبلة اليهود التي كانتْ لكم قبلةً قَبلَ أمري إياكم بتحويل وجوهكم عنها شَطْر المسجد الحرام -: أيّ شيء حوّل وُجوه هؤلاء, فصرفها عن الموضع الذي كانوا يستقبلونه بوجوههم في صلاتهم؟

فأعلم الله جل ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم، مَا اليهودُ والمنافقون قائلون من القول عند تحويل قبلته وقبلة أصحابه عن الشأم إلى المسجد الحرام, وعلّمه ما ينبغي أن يكون من ردِّه عليهم من الجواب. فقال له: إذا قالوا ذلك لك يا محمد, فقل لهم: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

* * *

وكان سببُ ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلّى نحو بيت المقدس مُدة سنذكر مبلغها فيما بعد إن شاء الله تعالى، ثم أراد الله تعالى صَرْف قبلة نبيّة صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام. فأخبره عما اليهود قائلوه من القول عند صرفه وجهَه ووجهَ أصحابه شطرَه, وما الذي ينبغي أن يكون من ردِّه عليهم من الجواب.

* * *

ذكر المدة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس، وما كان سببُ صلاته نحوه؟ وما الذي دَعا اليهودَ والمنافقين إلى قِيلِ ما قالوا عند تحويل الله قبلةَ المؤمنين عن بيت المقدس إلى الكعبة؟

اختلف أهل العلم في المدة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بعد الهجرة. فقال بعضهم بما:-

2149- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير -وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة- قالا جميعًا : حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد قال، أخبرني سعيد بن جبير، أو عكرمة -شكّ محمد-، عن ابن عباس قال: لما صُرفت القبلةُ عن الشأم إلى الكعبة -وصرفت في رَجَب، على رأس سبعة عشر شهرًا من مَقدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ- أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رفاعةُ بنُ قيس, وقَرْدَم بن عمرو, وكعبُ بن الأشرف, ونافعُ بن أبي نافع - هكذا قال ابن حميد, وقال أبو كريب: ورَافع بن أبي رافع (6) - والحجاج بن عمرو = حليفُ كعب بن الأشرف = والربيعُ بن الربيعُ بن [أبي] الحقيق، وكنانةُ بن أبي الحقيق، (7) فقالوا: يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها، وأنتَ تزعمُ أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعْك ونصدقك! وإنما يريدون فتنته عن دينه. فأنـزل الله فيهم: " سيقول السفهاءُ من الناس مَا ولاهم عنْ قبلتهم التي كانوا عليها " إلى قوله: إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ . (8)

2150- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, قال البراء: صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس سَبعةَ عشر شهرًا, وكان يشتهي أن يُصرف إلى الكعبة. قال: فبينا نحن نُصلي ذاتَ يوم, فمر بنا مارٌّ فقال: ألا هلْ علمتم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد صُرف إلى الكعبة؟ قال: وقد صلينا ركعتين إلى هاهنا, وصلينا ركعتين إلى هاهنا - قال أبو كريب: فقيل له: فيه أبو إسحاق؟ فسكت. (9)

2151- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن أبي بكر بن عياش, عن أبي إسحاق, عن البراء قال: صلينا بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس. (10)

2152- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى, عن سفيان قال، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعةَ عشر شهرًا -شك سفيان- ثم صُرفنا إلى الكعبة. (11)

2153- حدثني المثنى قال، حدثنا الُّنفيلي قال، حدثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق, عن البراء: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوَّلَ ما قَدم المدينة، نـزلَ على أجداده -أو أخواله- من الأنصار, وأنه صَلَّى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرًا, وكان يعجبه أن تكون قبلته قبَلَ البيت, وأنه صلى صلاة العصر ومعه قومٌ. فخرج رجل ممن صلى معه, فمرّ على أهل المسجد وهم رُكوع فقال: أشهدُ لقد صلَّيت مع رسول الله قبلَ مكة. فداروا كما همْ قِبَل البيت. وكانَ يُعجبه أن يحوَّل قبَل البيت. وكان اليهودُ أعجبهم أنّ رسول الله صلى الله علايه وسلم يُصَلّي قبَل بيت المقدس وأهلُ الكتاب, فلما ولَّى وجْهه قبَل البيت أنكروا ذلك. (12)

2154- حدثني عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن ابن المسيب قال: صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بَعْد أن قدِم المدينةَ ستة عشر شهرًا, ثم وُجِّه نحو الكعبة قَبل بَدْرٍ بشهرين. (13)

* * *

وقال آخرون بما:-

2155- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عثمان بن سعد الكاتب قال، حدثنا أنس بن مالك قال: صلى نبي الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر. فبينما هو قائمٌ يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى ركعتين نحو بيت المقدس, انصرف بوَجْهه إلى الكعبة, فقال السفهاء: " ما وَلاهُم عن قبلتهم التي كانوا عَليها ". (14)

* * *

وقال آخرون بما:-

2156- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا المسعودي, عن عمرو بن مرة, عن ابن أبي ليلى, عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ثَلاثة عَشر شهرًا. (15)

2157- حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أبي قال، حدثنا قتادة, عن سعيد بن المسيب: أنّ الأنصار صلَّت القبلةَ الأولى، قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث حجج, وأن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى القبلةَ الأولى بعد قُدومه المدينة ستة عشر شهرًا، أو كما قال. وكلا الحديثين يحدِّث قتادة عن سعيد.

* * *

ذكر السبب الذي كان من أجله يُصلِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس، قبل أن يُفرض عليه التوجُّه شطرَ الكعبة.

* * *

اختلف أهلُ العلم في ذلك.

فقال بعضهم: كان ذلك باختيار من النبي صلى الله عليه وسلم

ذكرُ من قال ذلك:

2158- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح أبو تَميلة قال، حدثنا الحسين بن واقد, عن عكرمة -وعن يزيد النحويّ, عن عكرمة- والحسن البصري قالا أوَّلُ ما نُسخ من القرآن القبلةُ. وذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل صَخرَة بيت المقدس، وهي قبلة اليهودِ, فاستقبلها النبيّ صلى الله عليه وسلم سبعةَ عشر شهرًا, ليؤمنوا به ويتبعوه, ويدعو بذلك الأميين من العرب. فقال الله عز وجل: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة: 115].

2159- حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " سيقولُ السفهاء من الناس مَا وَلاهم عَن قبلتهم التي كانوا عليها "، يعنون بيتَ المقدس. قال الربيع. قال أبو العالية : إنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم خُيّر أن يوجِّه وجهه حيث شاء, فاختار بيت المقدس لكي يتألَّف أهلَ الكتاب, فكانت قبلتهُ ستة عشر شهرًا, وهو في ذلك يقلِّب وَجهه في السماء، ثم وَجَّهه الله إلى البيت الحرام.

* * *

وقال آخرون: بل كان فعلُ ذلك -من النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه- بفرض الله عز ذكره عليهم.

* ذكر من قال ذلك:

2160- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: لما هاجَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, وكان [أكثرَ] أهلها اليهودُ, أمَره الله أن يستقبل بيتَ المقدس. ففرحت اليهود. فاستقبلها رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بضْعة عَشر شَهرًا, فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحبّ قبلةَ إبراهيم عليه السلام, وكان يدعو وينظر إلى السماء. فأنـزل الله عز وجل: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [سورة البقرة: 144] الآية. فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها "؟ فأنـزل الله عز وجل: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ . (16)

2161- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أوَّلَ ما صلى إلى الكعبة, ثم صُرف إلى بَيت المقدس. فصلَّت الأنصارُ نحو بيت المقدس قبلَ قُدومه ثلاث حِجَجٍ: وصلّى بعد قُدومه ستة عشر شهرًا, ثم ولاه الله جل ثناؤه إلى الكعبة.

* * *

ذكر السبب الذي من أجله قال من قال " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها "؟

* * *

اختلف أهل التأويل في ذلك. فرُوي عن ابن عباس فيه قولان. أحدهما ما:-

2162- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: قال ذلك قومٌ من اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم, فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتك التي كنت عليها نتَّبعك ونصدّقك! يريدون فتنتَهُ عن دينه. (17)

والقول الآخر: ما ذكرتُ من حَديث علي بن أبي طلحة عنه الذي مضى قبل. (18)

* * *

2163- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة قوله: " سيقول السفهاءُ من الناس ما وَلاهم عن قبلتهم التي كانوا عَليها "؟ قال: صلَّت الأنصار نحو بيت المقدس حَولين قَبْل قُدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعدَ قدومه المدينة مهاجرًا، نحو بيت المقدس، ستة عشر شَهرًا، ثم وجَّهه اللهُ بعد ذلك إلى الكعبة البيتِ الحرام. فقال في ذلك قائلون من الناس: " ما ولاهمْ عَنْ قبلتهم التي كانوا عليها "؟ لقد اشتاق الرَّجُل إلى مَوْلده! فقال الله عز وجل: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

* * *

وقيل: قائل هذه المقالة المنافقون. وإنما قالوا ذلك استهزاءً بالإسلام.

* ذكر من قال ذلك:

2164- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي, قال: لما وُجِّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبَلَ المسجد الحرام، اختلفَ الناس فيها فكانوا أصنافًا. فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلة زمانًا، ثم تركوها وتوجَّهوا إلى غيرها؟ فأنـزل الله في المنافقين: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ، الآية كلها.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)

قال أبو جعفر: يعني بذلك عز وجل: قُلْ يا محمد -لهؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابك: ما ولاكم عن قبلتكم من بيت المقدس، التي كنتم على التوجُّه إليها, إلى التوجُّه إلى شطر المسجد الحرام؟-: لله مُلك المشرق والمغرب = يعني بذلك: ملكُ ما بين قُطرَيْ مشرق الشمس, وقُطرَيْ مغربها, وما بينهما من العالم (19) = يَهدي من يشاء من خلقه، (20) فيُسدده, ويوفِّقه إلى الطريق القويم، وهو " الصراط المستقيم " (21) -ويعني بذلك: إلى قبلة إبراهيمَ الذي جعله للناس إمامًا- ويخذُل من يشاء منهم، فيضلُّه عن سبيل الحق.

* * *

وإنّما عنى جل ثناؤه بقوله: " يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"، قُلْ يا محمد: إنّ الله هَدانا بالتوجُّه شطرَ المسجد الحرام لقبلة إبراهيم، وأضلَّكم -أيها اليهودُ والمنافقون وجماعةُ الشرك بالله- فخذلكم عما هدانا لهُ من ذلك.

-----------------

الهوامش :

(1) سفه الحق : جهله . وانظر ما سلف في معنى"السفه" 1 : 293-294 / ثم هذا الجزء 3 : 90 .

(2) الأثر : 2144- هذا إسناد ليس بذاك ، فإن الطبري رواه عن شخص مبهم ، عن أحمد بن يونس ، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي . وهو ثقة ، أخرج له الجماعة ، وقد ينسب إلى جده . ولد سنة 133 ، أو 134 ، ومات سنة 227 . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/6 ، والصغير ، ص : 239 ، وابن أبي حاتم 1/1/57 . وابن سعد 6 : 283 . زهير : هو ابن معاوية أبو خيثمة الكوفي . ثقة ثبت معروف . وأبو إسحاق : هو السبيعي ، عمرو بن عبد الله . التابعي الكبير المشهور ، البراء : هو ابن عازب الصحابي .

(3) انظر ما سلف في معنى"ولي" 2 : 162 ، وهذا الجزء 3 : 115 .

(4) انظر ما قال من ذلك في"الحكمة" في هذا الجزء 3 : 87 .

(5) في المطبوعة : "إذ كان معناه" بإسقاط"ذلك" ، ولا يقوم الكلام إلا بها .

(6) انظر ما سلف في هذا الجزء 3 : 111 تعليق : 1 .

(7) الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام . وفيها : "وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق" .

(8) الأثر : 2149- نص ما في سيرة ابن هشام 2 : 198-199 .

(9) الحديث : 2150- أبو بكر بن عياش : ثقة معروف ، إلا أنهم أخذوا عليه بعض الأخطاء ، لأنه لما كبر ساء حفظه وتغير . وهو هنا يروى الحديث -منقطعًا- عن البراء ، لأنه لم يدركه . وقد سأله بعض سامعيه ، كما حكى أبو كريب في آخر الحديث : "فيه : أبو إسحاق"؟ يريد السائل أن يستوثق منه : أسمعه من أبي إسحاق السبيعي عن البراء؟ فسكت ولم يجبه . ولو كان هذا وحده كان الحديث ضعيفًا . ولكنه ثابت من رواية أبي إسحاق السبيعي عن البراء ، في الأسانيد الثلاثة التالية -وأولها من رواية ابن عياش نفسه- ومن مصادر الحديث الأخر ، كما سيأتي .

(10) الحديث : 2151- هذا إسناد ضعيف ، لضعف سفيان بن وكيع - شيخ الطبري . ولكنه يتقوى بالروايات الآتية وغيرها .

وقد رواه ابن ماجه : 1010 ، عن علقمة بن عمرو الدارمي ، عن أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، مطولا . وذكر فيه أن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت"ثمانية عشر شهرًا" . وعلقمة بن عمرو الدارمي : ثقة . وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه : "حديث البراء صحيح ، ورجاله ثقات" .

(11) الحديث : 2152- هذا إسناد صحيح جدًا . يحيى : هو ابن سعيد القطان . سفيان : هو الثوري . والحديث مختصر . وهكذا رواه البخاري 8 : 132 (فتح الباري) ومسلم 1 : 148 - كلاهما من طريق يحيى ، عن سفيان ، به ، مختصرًا .

(12) الحديث : 2153- وهذه رواية مفصلة . والإسناد صحيح جدًا . رواه الإمام أحمد في المسند 4 : 283 (حلبي) ، عن حسن بن موسى ، عن زهير وهو ابن معاوية . بهذا الإسناد نحوه . بأطول منه . ورواه ابن سعد في الطبقات 1/2/5 ، عن الحسن بن موسى ، بهذا الإسناد . وكذلك رواه البخاري 1 : 89-90 ، عن عمرو بن خالد ، عن زهير ، به . ورواه أيضًا 8 : 130 ، عن أبي نعيم ، عن زهير ، مختصرًا قليلا .

ورواه أيضًا البخاري 1 : 421-422 ، و 13 : 202 . ومسلم 1 : 148 ، من أوجه ، عن البراء بن عازب .

وسيأتي باقيه بهذا الإسناد : 2222 .

(13) الحديث : 2154- عمران بن موسى بن حيان القزاز الليثي ، شيخ الطبري : ثقة . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/305-306 .

عبد الوارث : هو ابن سعيد بن ذكوان ، أحد الأعلام ، يحيى بن سعيد : هو الأنصاري البخاري ثقة حجة ، من شيوخ الزهري ومالك والثوري وغيرهم .

ابن المسيب : هو سعيد بن المسيب الإمام التابعي الكبير ، ووقع في المطبوعة"المسيب" ، بحذف"ابن"! وهو خطأ واضح من الناسخين .

وهذا الحديث مرسل ، كما هو مبين ، وكذلك رواه مالك في الموطأ ، ص 196 ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب مرسلا . وكذلك رواه الشافعي عن مالك ، في الرسالة ، بتحقيقنا ، رقم 366 . وكذلك رواه ابن سعد في الطبقات 1/2/4 ، عن يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد .

وقد وصله العطاردي . من حديث سعد بن أبي وقاص : فرواه البيهقي في السنن الكبرى 2 : 3 ، من طريق أحمد بن عبد الجبار العطاردي : "حدثنا محمد بين الفضيل ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب قال ، سمعت سعدًا يقول . . . " . فذكر الحديث . ثم قال البيهقي : "هكذا رواه العطاردي عن ابن فضيل . ورواه مالك ، والثوري ، وحماد بن زيد - عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب ، مرسلا دون ذكر سعد" .

وهذا إسناد جيد ، يصلح متابعة جيدة للرواية المرسلة . فإن"أحمد بن عبد الجبار العطاردي" : قد مضى في : 66 أن أبا حاتم قال فيه : "ليس بقوي" . ولكن المتأمل في ترجمته في التهذيب 1 : 51-52 ، وتاريخ بغداد 4 : 262-265 - يرى أن توثيقه أرجح ، وأن الكلام فيه لم يكن عن بينة . ولذلك قال الخطيب : "كان أبو كريب من الشيوخ الكبار ، الصادقين الأبرار وأبو عبيدة السري ابن يحيى شيخ جليل أيضًا ثقة ، من طبقة العطاردي . وقد شهد له أحدهما بالسماع ، والآخر بالعدالة . وذلك يفيد حسن حالته ، وجواز روايته . إذ لم يثبت لغيرهما قول يوجب إسقاط حديثه ، واطراح خبره" . وهذا كاف في قبول زيادته في هذا الحديث ، بوصله من رواية سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص .

(14) الحديث : 2155- عمرو بن علي : هو الفلاس ، مضت ترجمته : 1989 .

أبو عاصم : هو النيل ، واسمه"الضحاك بن مخلد" ، وهو فقيه ثقة حافظ ، من شيوخ أحمد وإسحاق وابن المديني وغيرهم من الأئمة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/337 ، والصغير : 231 ، وابن سعد 7/2/49 ، وابن أبي حاتم2/1/463 ، والجمع بين رجال الصحيحين 228-229 . وكان نبيلا حقًا ، صفة ولقبًا . قال البخاري في الكبير : "سمعت أبا عاصم يقول : ما اغتبت أحدًا منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها" . ولد سنة 122 ، ومات سنة 212 وهو ابن 90 سنة و 4 أشهر ولدته أمه وعمرها 12 سنة . رحمهما الله .

عثمان بن سعد التميمي الكاتب المعلم : ثقة ، وثقه أبو نعيم ، والحاكم وغيرهما ، وتكلم فيه بعضهم بغير حجة, ونقل بعضهم عن النسائي أنه قال : "ليس بثقة" ، ونقل الحافظ أنه رأى بخط ابن عبد الهادي : "الصواب في قول النسائي : أنه ليس بالقوي" . وهذا هو الصواب عن النسائي ، وهو الذي في كتاب الضعفاء له ، ص : 22 . وترجمه ابن أبي حاتم 3/1/153 ، وقال : "سمع أنس بن مالك" . وسماعه من أنس ثابت عندنا في حديث آخر في المسند : 13201 .

فهذا الإسناد -عندنا- صحيح . والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 143 ، ونسبه البزار وابن جرير . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 13 ، وقال : "رواه البزار ، وفيه عثمان بن سعد ، ضعفه يحيى القطان وابن معين وأبو زرعة ، ووثقه ابو نعيم الحافظ ، وقال أبو حاتم : شيخ" . وقال الهيثمي أيضًا : "حديث أنس في الصحيح ، إلا أنه جعل ذلك في صلاة الصبح ، وهنا : الظهر" . يشير بذلك إلى أن أصله في الصحيح ، وهو الحديث في صحيح مسلم 1 : 148 ، من رواية حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، بنحوه ، وفيه : "فمر رجل من بني سلمة ، وهم ركوع في صلاة الفجر ، فنادى : ألا إن القبلة قد حولت! فمالوا كما هم نحو القبلة" . وكذلك رواه ابن سعد 1/2/4 ، من طريق حماد بن سلمة . ومن الواضح أن هذه قصة غير التي رواها الطبري هنا . فإن الذي هنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي انصرف بوجهه إلى الكعبة . فهذا أول تحويل القبلة . وأما رواية مسلم فتلك بشأن جماعة آخرين ، في مسجد قباء ، جاءهم مخبر فأخبرهم وهم في الصلاة بتحويل القبلة ، فاستداروا إليها . كما ثبت في الصحيحين وغيرهما ، من حديث عبد الله بن عمر . وهو في المسند : 4642 ، 4794 ، 5934 ، 5827 .

(15) الحديث : 2156- أبو داود : هو الطيالسي الإمام الحافظ ، واسمه : "سليمان بن داود بن الجارود" . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/11 ، وابن سعد 7/2/51 ، وابن أبي حاتم 2/1/111-113 ، مات سنة 203 عن 92 سنة لم يستكملها ، كما قال ابن سعد .

المسعودي : هو عبد الرحمن بن عبد لله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود ، وهو ثقة ، تغير حفظه في آخر عمره . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/250-252 . وترجمنا له في شرح المسند مرارًا ، آخرها في الحديث : 7105 .

ابن أبي ليلى : هو عبد الرحمن ، التابعي المشهور . ولكنه لم يسمع من معاذ بن جبل ، كما جزم بذلك علي بن المديني والترمذي وابن خزيمة ، لأنه ولد سنة وفاة معاذ أو قبلها أو بعدها بقليل .

فهذا الإسناد منقطع .

والحديث بهذا الإسناد ، مختصرًا ، رواه أبو داود الطيالسي في مسنده : 566 ، بلفظ : "أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ، فصلى سبعة عشر شهرًا نحو بيت المقدس ، ثم نزلت عليه هذه الآية : "قد نرى تقلب وجهك في السماء" ، إلى آخر الآية قال ، فوجهه الله إلى الكعبة" .

وهو جزء من حديث طويل ، رواه أبو داود السجستاني في سننه : 507 ، بإسنادين : عن محمد بن المثنى -شيخ الطبري هنا- عن أبي داود ، وهو الطيالسي - ثم رواه عن نصر بن المهاجر ، عن يزيد بن هارون ، كلاهما عن المسعودي . ولكن بين أبو داود أن رواية محمد بن المثنى مختصرة ، كالرواية التي في مسند الطيالسي ، ولكن ذكر أن صلاتهم نحو بيت المقدس كانت"ثلاثة عشر شهرًا" ، كرواية الطبري هنا عن ابن المثنى . وأنا أرجح أن تكون رواية ابن المثنى عن الطيالسي . أرجح من الرواية التي في مسند الطيالسي ، إذ أنه ليس من جمعه ، بل هو من جمع أحد الرواة عنه .

ثم إن حديث معاذ -بطوله- رواه أحمد في المسند 5 : 246-247 ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم ، عن يزيد بن هارون - كلاهما عن المسعودي ، بهذا الإسناد . ولكن فيه"سبعة عشر شهرًا" ، كرواية مسند الطيالسي .

وقد أشار الحافظ في الفتح 1 : 89-90 إلى كثير من الروايات في ذلك ، وحاول الجمع بينهما أو الترجيح . وعندي أن مثل هذا لا يستطاع ضبطه إلا أن يكتبوه في حينه ، أو تتجه همّتهم إلى العناية بحفظه .

وقال الحافظ ابن كثير 1 : 345-346 : "والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس ، بعد مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة . واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرًا ، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة . التي هي قبلة إبراهيم عليه السلام . فأجيب إلى ذلك ، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق" . وانظر أيضًا تاريخ ابن كثير 3 : 252-254 .

(16) الأثر : 2160- مضى برقم : 1833 ويأتي برقم : 2236 ، والزيادة بين القوسين من الموضعين .

(17) الأثر : 2162- هو بعض الأثر السالف رقم : 2149 .

(18) يعني الأثر رقم : 2160 .

(19) انظر تفسير"المشرق والمغرب" فيما سلف 2 : 526-530 .

(20) انظر تفسير"هدى" فيما سلف1 : 166- 169 ، وفي فهرس اللغة في الجزء الأول والثاني .

(21) انظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف 1 : 170-177 .

التدبر :

وقفة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ منذ القدم والناس مراتب: أصحاب عقول راجحة، ومتوسطو التفكير، وسفهاء، وأشدهم أذى السفهاء، ألسن حادة وعقول خالية.
وقفة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ هناك سفهاء يتحينون أي فرصة للمز أهل العلم والدين في علمهم ودينهم.
وقفة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ إذا كان كلام السفهاء يُنقل فكيف بكلام العلماء؟! ذاك لردِّه، وهذا لأخذه.
وقفة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ العاقل لا يبالي باعتراض السفيه، ولا يلقي له ذهنه.
لمسة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ وصفهم بأنهم من الناس ولم يكتف بـ (سيقول السفهاء) مع كون ذلك معلومًا؛ للمبالغة في وسمهم بهذه السمة، وللتنبيه على بلوغهم الحد الأقصى من السفاهة، بحيث لا يوجد في الناس سفهاء غيرهم، وإذا قُسِّم الناس أقسامًا يكون هؤلاء قسم السفهاء، والسفهاء جمع سفيه وهو صفة مشبَّهة تدل على أن السفه غدا سجيَّة من سجايا الموصوف، وهذه الصفة لا تُطلق إلا على الإنسان.
لمسة
[142] السفهاء جمع سفيه، وهو صفة مشبَّهة تدل على أن السفه غدا سجيًّة من سجايا الموصوف، وهذه الصفة لا تُطلق إلا على الإنسان، فلِمَ قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ ولم يكتف بـ (سيقول السفهاء)؟ وما فائدة وصفهم بأنهم من الناس طالما أن ذلك معلوم؟ الجواب: فائدة ذلك هو التنبيه على بلوغهم الحد الأقصى من السفاهة؛ بحيث لا يوجد في الناس سفهاء غير هؤلاء، وإذا قُسِّم الناس أقسامًا يكون هؤلاء قسم السفهاء، وفي هذا إيماء إلى أنه لا سفيه غيرهم، للمبالغة في وسمهم بهذه السمة.
وقفة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ﴾ تقديم الإخبار بالقول على الوقوع لتوطين النفس به؛ فإن مفاجأة المكروه أشد إيلامًا، والعلم به قبل الوقوع أبعد من الاضطراب، ولما أن فيها إعداد الجواب؛ والجواب المعد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم.
وقفة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ﴾ الاعتراض على أوامر الشريعة من السفاهة وقلة العقل والتوفيق.
وقفة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ﴾ المعترض على شرع الله يسمى سفيهًا بنص القرآن.
وقفة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ﴾ الاعتراض على حكم الله سفه؛ لأن المعترض يعترض بعقله على من وهبه العقل.
وقفة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ﴾ ما زال سفهاء الأمة يشككون مجتمعاتنا بمبادئنا القيمة ويحاولون زعزعة ثوابتنا العليا.
وقفة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ﴾ ستجد على طريق الحق مثبطين؛ لا تلتفت إليهم يا صديقي.
وقفة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ﴾ دلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل فيتلقى أحكام ربه بالقبول والانقياد والتسليم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65].
وقفة
[142] لا يعترض على شرع الله إلا سفيه، فإن الله قال عن من اعترض على شرعه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ﴾.
وقفة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فيه الرد على من أنكر النسخ، ودلالة على جواز نسخ السنة بالقرآن؛ لأن استقبال بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة الفعلية لا بالقرآن العظيم.
وقفة
[142] افتعال الأزمات وتضخيم القضايا شأن المنافقين والكفار، حذر المجتمع برسالة فيها ثلاث قضايا استخدم الإعلام فيها هذه الأساليب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
وقفة
[142] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ قد كان في قوله: (السفهاء) ما يغني عن رد قولهم، وعدم المبالاة به، ولكنه تعالى مع هذا لم يترك هذه الشبهة حتى أزالها وكشفها مما سيعرض لبعض القلوب من الاعتراض، فقال تعالى: (قل) لهم مجيبًا: (لله المشرق والمغرب).
وقفة
[142] ﴿لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ في زحام ملكوته، العظمة أن تكون ممن هداهم إلى الصراط المستقيم.
وقفة
[142] ﴿يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ هل استشعرت نعمة الهداية والاصطفاء؟!
عمل
[142] ﴿يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ حدد فتنة التبس فيها الحق على المسلمين، واسأل الله تعالى الهداية والتوفيق فيها.
تفاعل
[142] ﴿يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ادعُ الله الآن أن يهديك إلى الصراط المستقيم.

الإعراب :

  • ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ:
  • السين: حرف استقبال «تسويف» للمستقبل القريب. يقول: فعل مضارع مرفوع بالضمة. السفهاء: فاعل مرفوع بالضمة. من الناس: جار ومجرور متعلق بحال محذوف من «السُّفَهاءُ»، «مِنَ» حرف جر بياني.
  • ﴿ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ:
  • ما: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ولاهم: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر. والفاعل: ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. الهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به. والميم: علامة جمع المذكرين. والجملة الفعلية «وَلَّاهُمْ» في محل رفع خبر المبتدأ «ما» عن قبلتهم: جار ومجرور متعلق بولاهم. و «هم» ضمير الغائبين في محل جر بالاضافة. وجملة «ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ» في محل نصب مفعول به «مقول القول» أي ما الذي صرفهم عنها.
  • ﴿ الَّتِي كانُوا عَلَيْها:
  • التي: اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة للقبلة. كانوا: فعل ماض ناقص مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. الواو: ضمير متصل في محل رفع اسم «كان» وجملة «كانُوا» صلة الموصول لا محل لها. عليها: جار ومجرور متعلق بخبر «كان».
  • ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ:
  • قل: فعل أمر مبني على السكون وحذفت واوه لالتقاء الساكنين. والفاعل: ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنت. لله: اللام: حرف جر. ولفظ الجلالة: اسم مجرور للتعظيم بمن وعلامة الجر الكسرة وشبه الجملة «لِلَّهِ» متعلق بخبر مقدم. المشرق: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة. والمغرب: الواو: عاطفة. المغرب: اسم معطوف على «الْمَشْرِقُ» مرفوع مثله بالضمة. وجملة «لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ» في محل نصب مفعول به «مقول القول».
  • ﴿ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ:
  • يهدي: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء للثقل والفاعل: ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. من: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. يشاء: فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل: ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. وجملة «يَشاءُ» صلة الموصول وجملة «يَهْدِي» في محل نصب حال.
  • ﴿ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:
  • جار ومجرور متعلق بيهدي. مستقيم: صفة لصراط مجرورة مثله بالكسرة. '

المتشابهات :

البقرة: 142﴿قُل لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
البقرة: 213﴿فَهَدَى اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّـهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
يونس: 25﴿وَاللَّـهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
النور: 46﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ ۚ وَاللَّـهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

أسباب النزول :

  • قال ابن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن البراء قال كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي نحو بيت المقدس ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله فأنزل الله {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فقال رجال من المسلمين وددنا لو علمنا علم من مات قبل أن نصرف إلى القبلة فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} وقال السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فأنزل الله {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} إلى آخر الآية ا. هـ منقولا من لباب النقول في أسباب النزول للحافظ السيوطي ومن تفسير الحافظ ابن كثير.'
  • المصدر الصحيح المسند من أسباب النزول

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [142] لما قبلها :     وبعدَ ذكرِ إبراهيمَ عليه السلام وبناءِ الكعبةِ؛ جاءَ هنا الحديثُ عن تحويلِ القبلةِ من بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ، فأخبرَ اللهُ عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم قبل التحويل أن اليهود والمشركين والمنافقين سيقولون على سبيل الإِنكار: ما صرفهم عن القبلة التي كانوا
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

القراءات :

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [143] :البقرة     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ ..

التفسير :

[143] وكما هديناكم -أيها المسلمون- إلى الطريق الصحيح في الدين، جعلناكم أمة خياراً عدولاً؛ لتشهدوا على الأمم في الآخرة أن رسلهم بلَّغتهم رسالات ربهم، ويكون الرسول في الآخرة -كذلك- شهيداً عليكم أنَّه بَلَّغكم رسالة ربه. وما جعلنا -أيها الرسول- قبلة «بيت الم

ذكر في هذه الآية السبب الموجب لهداية هذه الأمة مطلقا بجميع أنواع الهداية, ومنة الله عليها فقال: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } أي: عدلا خيارا، وما عدا الوسط, فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة, وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء, بين من غلا فيهم, كالنصارى, وبين من جفاهم, كاليهود, بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة, لا تشديدات اليهود وآصارهم, ولا تهاون النصارى. وفي باب الطهارة والمطاعم, لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم, ولا يطهرهم الماء من النجاسات, وقد حرمت عليهم الطيبات, عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا, ولا يحرمون شيئا, بل أباحوا ما دب ودرج. بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح, وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله, ومن الأخلاق أجلها, ومن الأعمال أفضلها. ووهبهم الله من العلم والحلم, والعدل والإحسان, ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا { أُمَّةً وَسَطًا } [كاملين] ليكونوا { شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط, يحكمون على الناس من سائر أهل الأديان, ولا يحكم عليهم غيرهم، فما شهدت له هذه الأمة بالقبول, فهو مقبول, وما شهدت له بالرد, فهو مردود. فإن قيل: كيف يقبل حكمهم على غيرهم, والحال أن كل مختصمين غير مقبول قول بعضهم على بعض؟ قيل: إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين, لوجود التهمة فأما إذا انتفت التهمة, وحصلت العدالة التامة, كما في هذه الأمة, فإنما المقصود, الحكم بالعدل والحق، وشرط ذلك, العلم والعدل, وهما موجودان في هذه الأمة, فقبل قولها. فإن شك شاك في فضلها, وطلب مزكيا لها, فهو أكمل الخلق, نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال تعالى: { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم, أنه إذا كان يوم القيامة, وسأل الله المرسلين عن تبليغهم, والأمم المكذبة عن ذلك, وأنكروا أن الأنبياء بلغتهم، استشهدت الأنبياء بهذه الأمة, وزكاها نبيها. وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة, حجة قاطعة, وأنهم معصومون عن الخطأ, لإطلاق قوله: { وَسَطًا } فلو قدر اتفاقهم على الخطأ, لم يكونوا وسطا, إلا في بعض الأمور, ولقوله: { ولتكونوا شهداء على الناس } يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه، فإنها معصومة في ذلك. وفيها اشتراط العدالة في الحكم, والشهادة, والفتيا, ونحو ذلك. يقول تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا } وهي استقبال بيت المقدس أولا { إِلَّا لِنَعْلَمَ } أي: علما يتعلق به الثواب والعقاب, وإلا فهو تعالى عالم بكل الأمور قبل وجودها. ولكن هذا العلم, لا يعلق عليه ثوابا ولا عقابا, لتمام عدله, وإقامة الحجة على عباده، بل إذا وجدت أعمالهم, ترتب عليها الثواب والعقاب، أي: شرعنا تلك القبلة لنعلم ونمتحن { مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ } ويؤمن به, فيتبعه على كل حال, لأنه عبد مأمور مدبر، ولأنه قد أخبرت الكتب المتقدمة, أنه يستقبل الكعبة، فالمنصف الذي مقصوده الحق, مما يزيده ذلك إيمانا, وطاعة للرسول. وأما من انقلب على عقبيه, وأعرض عن الحق, واتبع هواه, فإنه يزداد كفرا إلى كفره, وحيرة إلى حيرته, ويدلي بالحجة الباطلة, المبنية على شبهة لا حقيقة لها. { وَإِنْ كَانَتْ } أي: صرفك عنها { لَكَبِيرَةٌ } أي: شاقة { إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ } فعرفوا بذلك نعمة الله عليهم, وشكروا, وأقروا له بالإحسان, حيث وجههم إلى هذا البيت العظيم, الذي فضله على سائر بقاع الأرض، وجعل قصده, ركنا من أركان الإسلام, وهادما للذنوب والآثام, فلهذا خف عليهم ذلك, وشق على من سواهم. ثم قال تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } أي: ما ينبغي له ولا يليق به تعالى, بل هي من الممتنعات عليه، فأخبر أنه ممتنع عليه, ومستحيل, أن يضيع إيمانكم، وفي هذا بشارة عظيمة لمن مَنَّ الله عليهم بالإسلام والإيمان, بأن الله سيحفظ عليهم إيمانهم, فلا يضيعه, وحفظه نوعان: حفظ عن الضياع والبطلان, بعصمته لهم عن كل مفسد ومزيل له ومنقص من المحن المقلقة, والأهواء الصادة، وحفظ له بتنميته لهم, وتوفيقهم لما يزداد به إيمانهم, ويتم به إيقانهم، فكما ابتدأكم, بأن هداكم للإيمان, فسيحفظه لكم, ويتم نعمته بتنميته وتنمية أجره, وثوابه, وحفظه من كل مكدر، بل إذا وجدت المحن المقصود منها, تبيين المؤمن الصادق من الكاذب، فإنها تمحص المؤمنين, وتظهر صدقهم، وكأن في هذا احترازا عما قد يقال إن قوله: { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } قد يكون سببا لترك بعض المؤمنين إيمانهم, فدفع هذا الوهم بقوله: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } بتقديره لهذه المحنة أو غيرها. ودخل في ذلك من مات من المؤمنين قبل تحويل الكعبة, فإن الله لا يضيع إيمانهم, لكونهم امتثلوا أمر الله وطاعة رسوله في وقتها، وطاعة الله, امتثال أمره في كل وقت, بحسب ذلك، وفي هذه الآية, دليل لمذهب أهل السنة والجماعة, أن الإيمان تدخل فيه أعمال الجوارح. وقوله: { إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } أي: شديد الرحمة بهم عظيمها، فمن رأفته ورحمته بهم, أن يتم عليهم نعمته التي ابتدأهم بها، وأن ميَّزَ عنهم من دخل في الإيمان بلسانه دون قلبه، وأن امتحنهم امتحانا, زاد به إيمانهم, وارتفعت به درجتهم، وأن وجههم إلى أشرف البيوت, وأجلها.

- ثم وصف الله- تعالى- الأمة الإسلامية، بأنها أمة خيرة عادلة مزكاة بالعلم والعمل فقال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.

والمعنى: ومثل ما جعلنا قبلتكم- أيها المسلمون- وسطا لأنها البيت الحرام الذي هو المثابة للناس، والأمن لهم، جعلناكم- أيضا- أُمَّةً وَسَطاً أى: خيارا عدولا بين الأمم ليتحقق التناسب بينكم وبين القبلة التي تتوجهون إليها في صلواتكم، تشهدون على الأمم السابقة بأن أنبياءهم قد بلغوهم الرسالة، ونصحوهم بما ينفعهم، ولكي يشهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم عليكم بأنكم صدقتموه وآمنتم به.

أخرج البخاري عن أبى سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقال له: هل بلغت ما أرسلت به؟ فيقول نعم، فيقال لأمته هل بلغكم. فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقال له: من يشهد لك. فيقول:

محمد وأمته. فيشهدون أنه قد بلغ، فذلك قوله- جل ذكره- وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.

ثم بين الله- تعالى- الحكمة في تحويل القبلة إلى الكعبة فقال تعالى:

وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ.

أى وما شرعنا التوجه إلى القبلة التي كنت عليها قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس، إلا لنعامل الناس معاملة الممتحن المختبر، فنعلم من يتبع الرسول ويأتمر بأوامره في كل حال ممن لم يدخل الدين في قرارة نفسه، وإنما دخل فيه على حرف، بحيث يرتد عنه لأقل شبهة، وأدنى ملابسة كما حصل ذلك من ضعاف الإيمان عند تحويل القبلة إلى الكعبة والله- تعالى- عالم بكل شيء، ولكنه شاء أن يكون معلومه الغيبى مشاهدا في العيان، إذ تعلق الشيء واقعا في العيان، هو الذي تقوم عليه الحجة، ويترتب عليه الثواب والعقاب.

ولذا قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قال لنعلم ولم يزل عالما بذلك؟ قلت معناه لنعلمه علما يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمه موجودا حاصلا، ونحوه وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وقيل ليعلم رسول الله والمؤمنون، وإنما أسند علمهم إلى ذاته، لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده، وقيل معناه. ليميز التابع من الناكص كما قال- تعالى-: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ فوضع العلم موضع التمييز لأن العلم يقع التمييز به» .

ثم بين الله- تعالى- آثار تحويل القبلة في نفوس المؤمنين وغيرهم فقال تعالى: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ.

أى: إنما شرعنا لك- يا محمد- القبلة أولا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكمية ليظهر حال من يتبعك ويطيعك في كل حالة ممن لا يطيعك، وإن كانت هذه الفعلة- وهي تحويلنا لك من بيت المقدس إلى الكعبة- لكبيرة وشاقة، إلا على الذين خلق الله الهداية في قلوبهم فتلقوا أوامرنا بالخضوع والإذعان، وقالوا سمعنا وأطعنا كل من عند ربنا.

وقوله- تعالى-: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ....

بشارة عظيمة للمؤمنين، وجواب لما جاشت به الصدور، وتكذيب لما ادعاه اليهود من أن عبادة المؤمنين في الفترة التي سبقت تحويل القبلة إلى الكعبة ضائعة وباطلة.

فقد أخرج البخاري من حديث البراء بن عازب- رضي الله عنه- أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما تقول فيهم، فأنزل الله- تعالى- وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ.

وقال ابن عباس: كان رجال من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد ماتوا على القبلة الأولى، منهم: أسعد بن زرارة، وأبو أمامة ... وأناس آخرون فجاءت عشائرهم فقالوا: يا رسول الله: مات إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى وقد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا، فأنزل الله- تعالى- وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ.

وروى أن حيي بن أخطب وجماعة من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس إن كانت على هدى لقد تحولتم عنه، وإن كانت على ضلالة فقد عبدتم الله بها مسافة، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة فقال المسلمون إنما الهدى فيما أمر الله- تعالى- والضلالة فيما نهى الله عنه فقالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟ - وكان قد مات من المسلمين جماعة قبل تحويل القبلة- فانطلق عشائرهم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا رسول الله: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.

والمعنى- وما كان الله- تعالى- ليذهب صلاتكم وأعمالكم الصالحة التي قمتم بها خلال توجهكم إلى بيت المقدس، لأنه- سبحانه- بعباده رءوف رحيم ولا يضيع أجر من أحسن عملا.

وقوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) يقول تعالى : إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم ، عليه السلام ، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم ، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم ; لأن الجميع معترفون لكم بالفضل . والوسط هاهنا : الخيار والأجود ، كما يقال : قريش أوسط العرب نسبا ودارا ، أي : خيرها . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه ، أي : أشرفهم نسبا ، ومنه الصلاة الوسطى ، التي هي أفضل الصلوات ، وهي العصر ، كما ثبت في الصحاح وغيرها ، ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب ، كما قال تعالى : ( هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) [ الحج : 78 ]

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يدعى نوح يوم القيامة فيقال له : هل بلغت ؟ فيقول : نعم . فيدعى قومه فيقال لهم : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد ، فيقال لنوح : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته " قال : فذلك قوله : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) .

قال : الوسط : العدل ، فتدعون ، فتشهدون له بالبلاغ ، ثم أشهد عليكم .

رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش ، [ به ] .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يجيء النبي يوم القيامة [ ومعه الرجل والنبي ] ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه ، فيقال [ لهم ] هل بلغكم هذا ؟ فيقولون : لا . فيقال له : هل بلغت قومك ؟ فيقول : نعم . فيقال [ له ] من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته . فيدعى بمحمد وأمته ، فيقال لهم : هل بلغ هذا قومه ؟ فيقولون : نعم . فيقال : وما علمكم ؟ فيقولون : جاءنا نبينا صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا " فذلك قوله عز وجل : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال : " عدلا ( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) " .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال : " عدلا " .

وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه وابن أبي حاتم من حديث عبد الواحد بن زياد ، عن أبي مالك الأشجعي ، عن المغيرة بن عتيبة بن نهاس : حدثني مكتب لنا عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق . ما من الناس أحد إلا ود أنه منا . وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه ، عز وجل " .

وروى الحاكم ، في مستدركه وابن مردويه أيضا ، واللفظ له ، من حديث مصعب بن ثابت ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن جابر بن عبد الله ، قال : شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة ، في بني سلمة ، وكنت إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : والله يا رسول الله لنعم المرء كان ، لقد كان عفيفا مسلما وكان . . . وأثنوا عليه خيرا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنت بما تقول " . فقال الرجل : الله أعلم بالسرائر ، فأما الذي بدا لنا منه فذاك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " وجبت " . ثم شهد جنازة في بني حارثة ، وكنت إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : يا رسول الله ، بئس المرء كان ، إن كان لفظا غليظا ، فأثنوا عليه شرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعضهم : " أنت بالذي تقول " . فقال الرجل : الله أعلم بالسرائر ، فأما الذي بدا لنا منه فذاك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وجبت " .

قال مصعب بن ثابت : فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قرأ : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا )

ثم قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا داود بن أبي الفرات ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبي الأسود أنه قال : أتيت المدينة فوافقتها ، وقد وقع بها مرض ، فهم يموتون موتا ذريعا . فجلست إلى عمر بن الخطاب ، فمرت به جنازة ، فأثني على صاحبها خير . فقال : وجبت وجبت . ثم مر بأخرى فأثني عليها شر ، فقال عمر : وجبت [ وجبت ] . فقال أبو الأسود : ما وجبت يا أمير المؤمنين ؟ قال : قلت : كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة " . قال : فقلنا . وثلاثة ؟ قال : " وثلاثة " . قال ، فقلنا : واثنان ؟ قال : " واثنان " ثم لم نسأله عن الواحد .

وكذا رواه البخاري ، والترمذي ، والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات ، به .

قال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى ، حدثنا أبو قلابة الرقاشي ، حدثني أبو الوليد ، حدثنا نافع بن عمر ، حدثني أمية بن صفوان ، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنباوة يقول : " يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم " قالوا : بم يا رسول الله ؟ قال : " بالثناء الحسن والثناء السيئ ، أنتم شهداء الله في الأرض " . ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يزيد بن هارون . ورواه الإمام أحمد ، عن يزيد بن هارون ، وعبد الملك بن عمر وشريح ، عن نافع عن ابن عمر ، به .

وقوله تعالى : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) يقول تعالى : إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولا إلى بيت المقدس ، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه ، أي : مرتدا عن دينه ( وإن كانت لكبيرة ) أي : هذه الفعلة ، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة ، أي : وإن كان هذا الأمر عظيما في النفوس ، إلا على الذين هدى الله قلوبهم ، وأيقنوا بتصديق الرسول ، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه ، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فله أن يكلف عباده بما شاء ، وينسخ ما يشاء ، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك ، بخلاف الذين في قلوبهم مرض ، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا ، كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق ، كما قال الله تعالى : ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) [ التوبة : 124 ، 125 ] وقال تعالى : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ) [ فصلت : 44 ] وقال تعالى : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) [ الإسراء : 82 ] . ولهذا كان من ثبت على تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه في ذلك ، وتوجه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب ، من سادات الصحابة . وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا القبلتين .

وقال البخاري في تفسير هذه الآية :

حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء إذ جاء رجل فقال : قد أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها . فتوجهوا إلى الكعبة .

وقد رواه مسلم من وجه آخر ، عن ابن عمر . ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري وعنده : أنهم كانوا ركوعا ، فاستداروا كما هم إلى الكعبة ، وهم ركوع . وكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، مثله ، وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ورسوله ، وانقيادهم لأوامر الله عز وجل ، رضي الله عنهم أجمعين .

وقوله : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) أي : صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك لا يضيع ثوابها عند الله ، وفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السبيعي ، عن البراء ، قال : مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس فقال الناس : ما حالهم في ذلك ؟ فأنزل الله تعالى : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) .

[ ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه ] .

وقال ابن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) أي : بالقبلة الأولى ، وتصديقكم نبيكم ، واتباعه إلى القبلة الأخرى . أي : ليعطيكم أجرهما جميعا . ( إن الله بالناس لرءوف رحيم )

وقال الحسن البصري : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) أي : ما كان الله ليضيع محمدا صلى الله عليه وسلم وانصرافكم معه حيث انصرف ( إن الله بالناس لرءوف رحيم )

وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها ، فجعلت كلما وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته بصدرها ، وهي تدور على ولدها ، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أترون هذه طارحة ولدها في النار ، وهي تقدر على ألا تطرحه ؟ " قالوا : لا يا رسول الله . قال : " فوالله ، لله أرحم بعباده من هذه بولدها " .

وكذلك جعلناكم أمة وسطا

يعني جل ثناؤه بقوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام , وبما جاءكم به من عند الله , فخصصناكم التوفيق لقبلة إبراهيم وملته , وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل ; كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطا . وقد بينا أن الأمة هي القرن من الناس والصنف منهم وغيرهم . وأما الوسط فإنه في كلام العرب : الخيار , يقال منه : فلان وسط الحسب في قومه : أي متوسط الحسب , إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه , وهو وسط في قومه وواسط , كما يقال شاة يابسة اللبن , ويبسة اللبن , وكما قال جل ثناؤه : { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا } 20 77 وقال زهير بن أبي سلمى في الوسط : هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم قال : وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين , مثل " وسط الدار " , محرك الوسط مثقله , غير جائز في سينه التخفيف . وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه , ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به ; ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه , فوصفهم الله بذلك , إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها . وأما التأويل فإنه جاء بأن الوسط العدل , وذلك معنى الديار لأن الخيار من الناس عدولهم . ذكر من قال : الوسط العدل . 1789 - حدثنا سالم بن جنادة ويعقوب بن إبراهيم , قالا : ثنا حفص بن غياث , عن الأعمش , عن أبي صالح عن أبي سعيد , عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : " عدولا " * - حدثنا مجاهد بن موسى ومحمد بن بشار , قالا : ثنا جعفر بن عون , عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد , عن النبي صلى الله عليه وسلم , مثله . 1790 - حدثنا محمد بن بشار قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان عن الأعمش عن أبي صالح , عن أبي سعيد الخدري : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : " عدولا " . 1791 - حدثني علي بن عيسى , قال : ثنا سعيد بن سليمان , عن حفص بن غياث , عن أبي صالح , عن أبي هريرة , عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { جعلناكم أمة وسطا } قال : " عدولا " . 1792 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن أشعث , عن جعفر , عن سعيد : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : عدولا . 1793 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عز وجل : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : عدولا . * - حدثني المثنى , قال : ثنا حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله . 1794 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { أمة وسطا } قال : عدولا . 1795 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { أمة وسطا } قال : عدولا . 1796 - حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { أمة وسطا } قال : عدولا . 1797 - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } يقول : جعلكم أمة عدولا . 1798 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن راشد بن سعد , قال : أخبرنا ابن العم المعافري عن حبان بن أبي جبلة بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : " الوسط : العدل " . 1799 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن عطاء مجاهد وعبد الله بن كثير : { أمة وسطا } قالوا : عدولا , قال مجاهد : عدولا . 1800 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : هم وسط بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الأمم .لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا

القول في تأويل قوله تعالى : { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } والشهداء جمع شهيد . فمعنى ذلك : وكذلك جعلناكم أمة وسطا عدولا [ لتكونوا ] شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها , ويكون رسولي محمد صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم بإيمانكم به , وبما جاءكم به من عندي . كما : 1801 - حدثني أبو السائب , قال : ثنا حفض , عن الأعمش , عن أبي صالح , عن أبي سعيد , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يدعى بنوح عليه السلام يوم القيامة , فيقال له : هل بلغت ما أرسلت به ؟ فيقول : نعم فيقال لقومه : هل بلغكم ؟ فيقول : ما جاءنا من نذير , فيقال له : من يعلم ذلك ؟ فيقول محمد وأمته فهو قوله { وكذلك جعلناك أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } 1802 - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا جعفر بن عون , قال , ثنا الأعمش , عن أبي صالح , عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه , إلا أنه زاد فيه . " فيدعون ويشهدون أنه قد بلغ " . 1803 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان , عن الأعمش , عن أبي صالح , عن أبي سعيد : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } بأن الرسل قد بلغوا { ويكون الرسول عليكم شهيدا } : بما عملتم أو فعلتم . 1804 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن فضيل , عن أبي مالك الأشجعي , عن المغيرة بن عيينة بن النهاس , أن مكاتبا لهم حدثهم عن جابر بن عبد الله . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وإني وأمتي لعلى كوم يوم القيامة مشرفين على الخلائق ما أحد من الأمم إلا ود أنه منها أيتها الأمة وما من نبي كذبه قومه إلا نحن شهداؤه يوم القيامة أنه قد بلغ رسالات ربه ونصح لهم " قال : " ويكون الرسول عليكم شهيدا " . 1805 - حدثني عصام بن رواد بن الجراح العسقلاني , قال : ثنا أبي قال : ثنا الأوزاعي , عن يحيى بن أبي كثير , عن عبد الله بن الفضل , عن أبي هريرة قال : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة , فلما صلى على الميت قال الناس : نعم الرجل ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم . " وجبت " . ثم خرجت معه في جنازة أخرى , فلما صلوا على الميت قال الناس : بئس الرجل ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " وجبت " . فقام إليه أبي بن كعب فقال , يا رسول الله ما قولك وجبت ؟ قال : " قول الله عر وجل : { لتكونوا شهداء على الناس } . * - حدثني علي بن سهل الرملي , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : حدثني أبو عمرو عن يحيى , قال : حدثني عبد الله بن أبي الفضل المديني , قال : حدثني أبو هريرة قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة , فقال الناس : نعم الرجل , ثم ذكر نحو حديث عصام عن أبيه . 1806 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا زيد بن حباب , قال : ثنا عكرمة بن عمار , قال : حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع , عن أبيه , قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم , فمر عليه بجنازة فأثني عليها بثناء حسن , فقال : " وجبت " , ومر عليه بجنازة أخرى , فأثني عليها دون ذلك , فقال : " وجبت " , قالوا : يا رسول الله ما وجبت ؟ قال : " الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض فما شهدتم عليه وجب " . ثم قرأ : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } 9 105 الآية . 1807 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { لتكونوا شهداء على الناس } تكونوا شهداء لمحمد عليه الصلاة والسلام على الأمم اليهود والنصارى والمجوس . * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله . 1808 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا عاصم , عن عيسى عن ابن أبي نجيح , قال : يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بإذنه ليس معه أحد فتشهد له أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغهم . * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير , مثله . * - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , قال : حدثني ابن أبي نجيح , عن أبيه قال : يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة , فذكر مثله , ولم يذكر عبيد بن عمير مثله . 1809 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { لتكونوا شهداء على الناس } أي أن رسلهم قد بلغت قومها عن ربها , { ويكون الرسول عليكم شهيدا } على أنه قد بلغ رسالات ربه إلى أمته . 1810 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن زيد بن أسلم : أن قوم نوح يقولون يوم القيامة : لم يبلغنا نوح . فيدعى نوح عليه السلام فيسأل : هل بلغتهم ؟ فيقول : نعم , فيقال : من شهودك ؟ فيقول : أحمد صلى الله عليه وسلم وأمته . فتدعون فتسألون , فتقولون : نعم قد بلغهم . فتقول قوم نوح عليه السلام : كيف تشهدون علينا ولم تدركونا ؟ قالوا : قد جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أنه قد بلغكم , وأنزل عليه أنه قد بلغكم , فصدقناه . قال : فيصدق نوح عليه السلام ويكذبونهم . قال : { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة : { لتكونوا شهداء على الناس } لتكون هذه الأمة شهداء على الناس أن الرسل قد بلغتهم , ويكون الرسول على هذه الأمة شهيدا , أن قد بلغ ما أرسل به . 1811 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن زيد بن أسلم : أن الأمم يقولون يوم القيامة : والله لقد كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلهم ! لما يرون الله أعطاهم . 1812 - حدثنا المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : ثنا ابن المبارك عن راشد بن سعد , قال : أخبرني ابن أنعم المعافري , عن حبان بن أبي جبلة بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا جمع الله عباده يوم القيامة , كان أول من يدعى إسرافيل , فيقول له ربه : ما فعلت في عهدي هل بلغت عهدي ؟ فيقول : نعم رب قد بلغته جبريل عليهما السلام , فيدعى جبريل فيقال له هل بلغت إسرافيل عهدي ؟ فيقول : نعم رب قد بلغني . فيخلى عن إسرافيل , ويقال لجبريل : هل بلغت عهدي ؟ فيقول : نعم قد بلغت الرسل فتدعى الرسل فيقال لهم : هل بلغكم جبريل عهدي " فيقول نعم ربنا فيخلى عن جبريل , ثم يقال للرسل : ما فعلتم بعهدي ؟ فيقول : بلغنا أممنا . فتدعى الأمم فيقال : هل بلغكم الرسل عهدي ؟ فمنهم المكذب ومنهم المصدق , فتقول الرسل إن لنا عليهم شهودا يشهدون أن قد بلغنا مع شهادتك . فيقول : من يشهد لكم ؟ فيقول أمة محمد . فتدعى أمة محمد صلى الله عليه وسلم , فيقول : أتشهدون أن رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسلوا إليه ؟ فيقولون : نعم ربنا شهدنا أن قد بلغوا فتقول تلك الأمم . كيف يشهد علينا من لم يدركنا ؟ فيقول لهم الرب تبارك وتعالى : كيف يشهدون على من لم يدركوا ؟ فيقولون : ربنا بعثت إلينا رسولا , وأنزلت إلينا عهدك وكتابك , وقصصت علينا أنهم قد بلغوا , فشهدنا بما عهدت إلينا . فيقول الرب : صدقوا فذلك قوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } . والوسط : العدل . " { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } قال ابن أنعم : فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من كان في قلبه حنة على أخيه . 1813 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { لتكونوا شهداء على الناس } يعني بذلك الذين استقاموا على الهدى , فهم الذين يكونون شهداء على الناس يوم القيامة لتكذيبهم رسل الله , وكفرهم بآيات الله . 1814 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : { لتكونوا شهداء على الناس } يقول : لتكونوا شهداء على الأمم الذين خلوا من قبلكم بما جاءتهم رسلهم , وبما كذبوهم , فقالوا يوم القيامة وعجبوا : أن أمة لم يكونوا في زماننا , فآمنوا بما جاءت به رسلنا , وكذبنا نحن بما جاءوا به . فعجبوا كل العجب . قوله : { ويكون الرسول عليكم شهيدا } يعني بإيمانهم به , وبما أنزل عليه . 1815 - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي عن أبيه , عن ابن عباس : { لتكونوا شهداء على الناس } يعني أنهم شهدوا على القرون بما سمى الله عز وجل لهم . 1816 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : حدثني حجاج , قال : قال ابن جريج : قلت لعطاء : ما قوله : { لتكونوا شهداء على الناس } ؟ قال : أمة محمد شهدوا على من ترك الحق حين جاءه الإيمان والهدى ممن كان قبلنا قالها عبد الله بن كثير . قال : وقال عطاء : شهداء على من ترك الحق ممن تركه من الناس أجمعين , جاء ذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم : { ويكون الرسول عليكم شهيدا } على أنهم قد آمنوا بالحق حين جاءهم وصدقوا به . 1817 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد على أمته , وهم شهداء على الأمم , وهم أحد الأشهاد الذي قال الله عز وجل : { ويوم يقوم الأشهاد } 40 51 الأربعة الملائكة الذين يحصون أعمالنا لنا وعلينا . وقرأ قوله : { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } 50 21 وقال : هذا يوم القيامة قال : والنبيون شهداء على أممهم . قال : وأمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على الأمم , [ قال : والأطوار : الأجساد والجلود ] .وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه

القول في تأويل قوله تعالى { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } يعني جل ثناؤه بقوله : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } ولم نجعل صرفك عن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفناك عنها إلا لنعلم من يتبعك ممن لا يتبعك ممن ينقلب على عقبيه . والقبلة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها التي عناها الله بقوله : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } هي القبلة التي كنت تتوجه إليها قبل أن يصرفك إلى الكعبة . كما : 1818 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } يعني بيت المقدس . 1819 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } قال : القبلة : بيت المقدس . وإنما ترك ذكر الصرف عنها اكتفاء بدلالة ما قد ذكر من الكلام على معناه كسائر ما قد ذكرنا فيما مضى من نظائره . وإنما قلنا ذلك معناه لأن محنة الله أصحاب رسوله في القبلة إنما كانت فيما تظاهرت به الأخبار عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة , حتى ارتد فيما ذكر رجال ممن كان قد أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم , وقالوا : ما بال محمد يحولنا مرة إلى ها هنا , ومرة إلى ها هنا ؟ وقال المسلمون فيما مضى من إخوانهم المسلمين , وهم يصلون نحو بيت المقدس : بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت . وقال المشركون : تحير محمد صلى الله عليه وسلم في دينه . فكان ذلك فتنة للناس وتمحيصا للمؤمنين , فلذلك قال جل ثناؤه : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } أي : وما جعلنا صرفك عن القبلة التي كنت عليها , وتحويلك إلى غيرها , كما قال جل ثناؤه : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } 17 60 بمعنى : وما جعلنا خبرك عن الرؤيا التي أريناك وذلك أنه لو لم يكن أخبر القوم بما كان أري لم يكن فيه على أحد فتنة , وكذلك القبلة الأولى التي كانت نحو بيت المقدس لو لم يكن صرف عنها إلى الكعبة لم يكن فيها على أحد فتنة ولا محنة . ذكر الأخبار التي رويت في ذلك بمعنى ما قلنا : 1820 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , عن سعيد , عن قتادة , قال : كانت القبلة فيها بلاء وتمحيص صلت الأنصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم نبي الله صلى الله عليه وسلم وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة مهاجرا نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا , ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام , فقال في ذلك قائلون من الناس : { ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } لقد اشتاق الرجل إلى مولده ! قال الله عز وجل : { قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } فقال أناس لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى ؟ فأنزل الله عز وجل : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } وقد يبتلي الله العباد بما شاء من أمره الأمر بعد الأمر , ليعلم من يطيعه ممن يعصيه . وكل ذلك مقبول إذا كان في إيمان بالله , وإخلاص له , وتسليم لقضائه . 1821 - حدثني موسى قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل بيت المقدس , فنسختها الكعبة . فلما وجه قبل المسجد الحرام , اختلف الناس فيها , فكانوا أصنافا ; فقال المنافقون : ما بالهم كانوا على قبلة زمانا ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها ؟ وقال المسلمون : ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس , هل تقبل الله منا ومنهم أو لا ؟ وقالت اليهود : إن محمدا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده , ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر . وقال المشركون من أهل مكة : تحير على محمد دينه , فتوجه بقبلته إليكم , وعلم أنكم كنتم أهدى منه , ويوشك أن يدخل في دينكم . فأنزل الله جل ثناؤه في المنافقين : { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } إلى قوله { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } وأنزل في الآخرين الآيات بعدها . 1822 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : { إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } ؟ فقال عطاء : يبتليهم ليعلم من يسلم لأمره . قال ابن جريج : بلغني أن ناسا ممن أسلم رجعوا فقالوا : مرة ههنا ومرة ههنا . فإن قال لنا قائل : أو ما كان الله عالما بمن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه إلا بعد اتباع المتبع , وانقلاب المنقلب على عقبيه , حتى قال : ما فعلنا الذي فعلنا من تحويل القبلة إلا لنعلم المتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنقلب على عقبيه ؟ قيل : إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قبل كونها وليس قوله : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } يخبر أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجوده . فإن قال : فما معنى ذلك ؟ قيل له : أما معناه عندنا فإنه : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه . فقال جل ثناؤه : { إلا لنعلم } ومعناه : ليعلم رسولي وأوليائي , إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولياؤه من حزبه , وكان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلى الرئيس , وما فعل بهم إليه ; نحو قولهم : فتح عمر بن الخطاب سواد العراق , وجبى خراجها , وإنما فعل ذلك أصحابه عن سبب كان منه في ذلك . وكالذي روي في نظيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يقول الله جل ثناؤه : مرضت فلم يعدني عبدي , واستقرضته فلم يقرضني , وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني " . 1823 - حدثنا أبو كريب قال : ثنا خالد عن محمد بن جعفر , عن العلاء بن عبد الرحمن , عن أبيه , عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله : استقرضت عبدي فلم يقرضني , وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني يقول : وادهراه وأنا الدهر أنا الدهر " . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن العلاء بن عبد الرحمن , عن أبيه , عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . فأضاف تعالى ذكره الاستقراض والعيادة إلى نفسه , وقد كان ذلك بغيره إذ كان ذلك عن سببه . وقد حكي عن العرب سماعا : أجوع في غير بطني , وأعرى في غير ظهري , بمعنى جوع أهله وعياله وعري ظهورهم , فكذلك قوله : { إلا لنعلم } بمعنى يعلم أوليائي وحزبي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 1824 - حدثني المثنى , قال : حدثنا أبو صالح , قال : حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } قال ابن عباس : لنميز أهل اليقين من أهل الشرك والريبة . وقال بعضهم : إنما قيل ذلك من أجل أن العرب تضع العلم مكان الرؤية , والرؤية مكان العلم , كما قال جل ذكره : { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } 105 1 فزعم أن معنى : { ألم تر } : ألم تعلم , وزعم أن معنى قوله : { إلا لنعلم } بمعنى : إلا لنرى من يتبع الرسول . وزعم أن قول القائل : رأيت وعلمت وشهدت حروف تتعاقب فيوضع بعضها موضع بعض , كما قال جرير بن عطية : كأنك لم تشهد لقيطا وحاجبا وعمرو بن عمرو إذا دعا يال دارم بمعنى : كأنك لم تعلم لقيطا ; لأن بين هلك لقيط وحاجب وزمان جرير ما لا يخفى بعده من المدة . وذلك أن الذين ذكرهم هلكوا في الجاهلية , وجرير كان بعد برهة مضت من مجيء الإسلام وهذا تأويل بعيد , من أجل أن الرؤية وإن استعملت في موضع العلم من أجل أنه مستحيل أن يرى أحد شيئا , فلا توجب رؤيته إياه علما بأنه قد رآه إذا كان صحيح الفطرة فجاز من الوجه الذي أثبته رؤية أن يضاف إليه إثباته إياه علما , وصح أن يدل بذكر الرؤية على معنى العلم من أجل ذلك . فليس ذلك وإن كان في الرؤية لما وصفنا بجائز في العلم , فيدل بذكر الخبر عن العلم على الرؤية لأن المرء قد يعلم أشياء كثيرة لم يرها ولا يراها ويستحيل أن يرى شيئا إلا علمه , كما قد قدمنا البيان , مع أنه غير موجود في شيء من كلام العرب أن يقال : علمت كذا بمعنى رأيته , وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم من الكلام إلى ما كان موجودا مثله في كلام العرب دون ما لم يكن موجودا في كلامها , فموجود في كلامها " رأيت " بمعنى " علمت " , وغير موجود في كلامها " علمت " بمعنى " رأيت " , فيجوز توجيه { إلا لنعلم } إلى معنى : إلا لنرى . وقال آخرون : إنما قيل : { إلا لنعلم } من أجل أن المنافقين واليهود وأهل الكفر بالله أنكروا أن يكون الله تعالى ذكره يعلم الشيء قبل كونه , وقالوا إذ قيل لهم : إن قوما من أهل القبلة سيرتدون على أعقابهم , إذا حولت قبلة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة : ذلك غير كائن , أو قالوا : ذلك باطل . فلما فعل الله ذلك , وحول القبلة , وكفر من أجل ذلك من كفر , قال الله جل ثناؤه : ما فعلت إلا لنعلم ما عندكم أيها المشركون المنكرون علمي بما هو كائن من الأشياء قبل كونه , أني عالم بما هو كائن مما لم يكن بعد . فكأن معنى قائل هذا القول في تأويل قوله : { إلا لنعلم } إلا لنبين لكم أنا نعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه . وهذا وإن كان وجها له مخرج , فبعيد من المفهوم . وقال آخرون : إنما قيل : { إلا لنعلم } وهو بذلك عالم قبل كونه وفي كل حال , على وجه الترفق بعباده , واستمالتهم إلى طاعته , كما قال جل ثناؤه : { قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } 34 24 وقد علم أنه على هدى وأنهم على ضلال مبين , ولكنه رفق بهم في الخطاب , فلم يقل : أنا على هدى , وأنتم على ضلال . فكذلك قوله : { إلا لنعلم } معناه عندهم : إلا لتعلموا أنتم إذ كنتم جهالا به قبل أن يكون ; فأضاف العلم إلى نفسه رفقا بخطابهم . وقد بينا القول الذي هو أولى في ذلك بالحق . وأما قوله : { من يتبع الرسول } فإنه يعني : الذي يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فيما يأمره الله به , فيوجه نحو الوجه الذي يتوجه نحوه محمد صلى الله عليه وسلم . وأما قوله : { ممن ينقلب على عقبيه } فإنه يعني : من الذي يرتد عن دينه , فينافق , أو يكفر , أو مخالف محمدا صلى الله عليه وسلم في ذلك ممن يظهر اتباعه . كما : 1825 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } قال : من إذا دخلته شبهة رجع عن الله , وانقلب كافرا على عقبيه . وأصل المرتد على عقبيه : هو المنقلب على عقبيه الراجع مستدبرا في الطريق الذي قد كان قطعه منصرفا عنه , فقيل ذلك لكل راجع عن أمر كان فيه من دين أو خير , ومن ذلك قوله : { فارتدا على آثارهما قصصا } 18 64 بمعنى رجعا في الطريق الذي كانا سلكاه . وإنما قيل للمرتد مرتد , لرجوعه عن دينه وملته التي كان عليها . وإنما قيل رجع على عقبيه لرجوعه دبرا على عقبه إلى الوجه الذي كان فيه بدء سيره قبل رجعه عنه , فيجعل ذلك مثلا لكل تارك أمرا وأخذ آخر غيره إذا انصرف عما كان فيه إلى الذي كان له تاركا فأخذه , فقيل ارتد فلان على عقبه , وانقلب على عقبيه .وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله

القول في تأويل قوله تعالى : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } . اختلف أهل التأويل في التي وصفها الله جل وعز بأنها كانت كبيرة إلا على الذين هدى الله . فقال بعضهم : عنى جل ثناؤه بالكبيرة : التولية من بيت المقدس شطر المسجد الحرام والتحويل , وإنما أنث الكبيرة لتأنيث التولية . ذكر من قال ذلك : 1826 - حدثني المثنى قال : ثنا عبد الله بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : قال الله : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } يعني تحويلها . 1827 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى بن ميمون , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله عز وجل : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال : ما أمروا به من التحويل إلى الكعبة من بيت المقدس . * - حدثني المثنى قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله . 1828 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال : كبيرة حين حولت القبلة إلى المسجد الحرام , فكانت كبيرة إلا على الذين هدى الله . وقال آخرون : بل الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها من بيت المقدس قبل التحويل . ذكر من قال ذلك . 1829 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , عن أبي العالية : { وإن كانت لكبيرة } أي قبلة بيت المقدس , { إلا على الذين هدى الله } وقال بعضهم : بل الكبيرة : هي الصلاة التي كانوا يصلونها إلى القبلة الأولى . ذكر من قال ذلك . 1830 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال : صلاتكم حتى يهديكم صلى الله عليه وسلم الله عز وجل القبلة . 1831 - وقد حدثني به يونس مرة أخرى قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : { وإن كانت لكبيرة } قال : صلاتك ها هنا - يعني إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا - وانحرافك ها هنا وقال بعض نحويي البصرة : أنثت الكبيرة لتأنيث القبلة , وإياها عنى جل ثناؤه بقوله : { وإن كانت لكبيرة } . وقال بعض نحويي الكوفة : بل أنثت الكبيرة لتأنيث التولية والتحويلة فتأويل الكلام على ما تأوله قائلو هذه المقالة : وما جعلنا تحويلتنا إياك عن القبلة التي كنت عليها وتوليناك عنها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه , وإن كانت تحويلتنا إياك عنها وتوليناك لكبيرة إلا على الذين هدى الله . وهذا التأويل أولى التأويلات عندي بالصواب , لأن القوم إنما كبر عليهم تحويل النبي صلى الله عليه وسلم وجهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى لا عين القبلة ولا الصلاة ; لأن القبلة الأولى والصلاة قد كانت وهى غير كبيرة عليهم إلا أن يوجه موجه تأنيث الكبيرة إلى القبلة , ويقول : اجتزئ بذكر القبلة من ذكر التولية والتحويلة لدلالة الكلام على معنى ذلك , كما قد وصفنا لك في نظائره , فيكون ذلك وجها صحيحا ومذهبا مفهوما . ومعنى قوله : { كبيرة } عظيمة . كما : 1832 - حدثنا يونس . قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال : كبيرة في صدور الناس فيما يدخل الشيطان به ابن آدم . قاله : ما لهم صلوا إلى ها هنا ستة عشر شهرا ثم انحرفوا ! فكبر ذلك في صدور من لا يعرف ولا يعقل والمنافقين . فقالوا : أي شيء هذا الدين ؟ وأما الذين آمنوا فثبت الله جل ثناؤه ذلك قي قلوبهم . وقرأ قول الله { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال صلاتكم حتى يهديكم إلى القبلة . قال أبو جعفر : وأما قوله : { إلا على الذين هدى الله } فإنه يعني به : وإن كان تقليبتناك عن القبلة التي كنت عليها لعظيمة إلا على من وفقه الله جل ثناؤه فهداه لتصديقك , والإيمان بك وبذلك , واتباعك فيه وفيما أنزل الله تعالى ذكره عليك . كما : 1833 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : حدثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } يقول : إلا على الخاشعين , يعني المصدقين بما أنزل الله تبارك وتعالى .وما كان الله ليضيع إيمانكم

القول في تأويل قوله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قيل : عنى بالإيمان في هذا الموضع الصلاة . ذكر الأخبار التي رويت بذلك وذكر قول من قاله : 1834 - حدثنا أبو كريب . قال ثنا وكيع وعبيد الله , وحدثنا سفيان بن وكيع , قال ثنا عبيد الله بن موسى جميعا عن إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : لما وجه رسوله الله إلى الكعبة قالوا : كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون نحو بيت المقدس ؟ فأنزل الله جل ثناؤه : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } . 1835 - حدثني إسماعيل بن موسى , قال : أخبرنا شريك , عن أبي إسحاق , عن البراء في قول الله عز وجل : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قال : صلاتكم نحو بيت المقدس . * - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال : ثنا أبو أحمد الزبيري , قال : ثنا شريك , عن أبي إسحاق , عن البراء نحوه . 1836 - وحدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن محمد بن نفيل عن الحراني , قال : ثنا زهير , قال : ثنا أبو إسحاق , عن البراء قال : مات على القبلة قبل أن تحول إلى البيت رجال وقتلوا , فلم ندر ما نقول فيهم , فأنزل الله تعالى ذكره : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } 1837 - حدثنا بشر بن معاذ العقدي , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : قال أناس من الناس لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا ؟ فأنزل الله جل ثناؤه : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } . 1838 - حدثني موسى بن هارون , قال : حدثني عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المسجد الحرام , قال المسلمون : ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس , هل تقبل الله منا ومنهم أم لا ؟ فأنزل الله جل ثناؤه فيهم : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قال : صلاتكم قبل بيت المقدس , يقول : إن تلك طاعة وهذه طاعة . 1839 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قال : قال ناس لما صرفت القبلة إلى البيت الحرام : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } الآية 1840 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : حدثني حجاج , قال : قال ابن جريج : أخبرني داود بن أبي عاصم , قال : لما صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة , قال المسلمون : هلك أصحابنا الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس فنزلت : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } . 1841 - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي عن أبيه , عن ابن عباس في قوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } يقول : صلاتكم التي صليتموها من قبل أن تكون القبلة فكان المؤمنون قد أشفقوا على من صلى منهم أن لا تقبل صلاتهم . 1842 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } صلاتكم . 1843 - حدثنا محمد بن إسماعيل الفزاري , قال : أخبرنا المؤمل قال : ثنا سفيان , ثنا يحيى بن سعيد , عن سعيد بن المسيب في هذه الآية : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قال : صلاتكم نحو بيت المقدس . قد دللنا فيما مضى على أن الإيمان التصديق , وأن التصديق قد يكون بالقول وحده وبالفعل وحده وبهما جميعا ; فمعنى قوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة : وما كان الله ليضيع تصديق رسوله عليه الصلاة والسلام بصلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره لأن ذلك كان منكم تصديقا لرسولي , واتباعا لأمري , وطاعة منكم لي . قال : وإضاعته إياه جل ثناؤه لو أضاعه ترك إثابة أصحابه وعامليه عليه , فيذهب ضياعا ويصير باطلا , كهيئة إضاعة الرجل ماله , وذلك إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضا في عاجل ولا آجل فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يبطل عمل عامل عمل له عملا وهو له طاعة فلا يثيبه عليه , وإن نسخ ذلك الفرض بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله . فإن قال قائل : وكيف قال الله جل ثناؤه : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين , والقوم المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس , وفي ذلك من أمرهم أنزلت هذه الآية ؟ قيل : إن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك , فإنهم أيضا قد كانوا مشفقين من حبوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة , وظنوا أن عملهم ذلك قد بطل وذهب ضياعا , فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذ , فوجه الخطاب بها إلى الأحياء , ودخل فيهم الموتى منهم لأن من شأن العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب أن يغلبوا المخاطب , فيدخل الغائب في الخطاب , فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه وعن آخر غائب غير حاضر : فعلنا بكما وصنعنا بكما , كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران , ولا يستجيزون أن يقولوا فعلنا بهما وهم يخاطبون أحدهما فيردوا المخاطب إلى عداد الغيب .إن الله بالناس لرءوف رحيم

القول في تأويل قوله تعالى : { إن الله بالناس لرءوف رحيم } ويعني بقوله جل ثناؤه : { إن الله بالناس لرءوف رحيم } إن الله بجميع عباده ذو رأفة . والرأفة أعلى معاني الرحمة , وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة . وأما الرحيم , فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة على ما قد بينا فيما مضى قبل . وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أن الله عز وجل أرحم بعباده من أن يضيع لهم طاعة أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها , وأرأف بهم من أن يؤاخذهم بترك ما لم يفرضه عليهم . أي ولا تأسوا على موتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس , فإني لهم على طاعتهم إياي بصلاتهم التي صلوها كذلك مثيب , لأني أرحم بهم من أن أضيع لهم عملا عملوه لي . ولا تحزنوا عليهم , فإني غير مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة , لأني لم أكن فرضت ذلك عليهم , وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله . وفي الرءوف لغات : إحداها " رءوف " على مثال " فعل " كما قال الوليد بن عقبة : وشر الطالبين ولا تكنه بقاتل عمه الرءوف الرحيم وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة . والأخرى رءوف " على مثال " فعول " , وهي قراءة عامة قراء المدينة . و " رئف " , وهي لغة غطفان , على مثال " فعل " مثل " حذر " . و " رأف " على مثال " فعل " بجزم العين , وهي لغة لبني أسد , والقراءة على أحد الوجهين الأولين .

التدبر :

وقفة
[143] ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ من معاني الوسط الفضل والحُسن، ليس هناك من هو الأفضل لحسبه ونسبه ومنصبه وماله، بل لأن الله جعله كذلك.
وقفة
[143] ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ في أكثر الصراعات الفكرية لا يمكن أن يستقل فريق بكل الحق.
وقفة
[143] ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ التوسط لو لم يكن مطلبًا دينيًّا لكان مطلبًا عقليًّا، التوسط بكل شيء مطلوب حتى (بطيبتك)! لأن قلة من يقدر كرمك النفسي!
وقفة
[143] ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال الحسن البصري: «ضاع هذا الدين بين الغالي فيه والجافي عنه»، الغالي صاحب إفراط, والجافي صاحب تفريط.
وقفة
[143] ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الوسط هنا: الخيار والأجود، ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب.
وقفة
[143] الوسطية لا ترسمها الأذهان، وإنما قضى أمرها الرحمن ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، من وجد فكره بعيدًا عن الوحي عليه أن يذهب إليه، لا أن يجر الوحي إليه.
وقفة
[143] تأمل سر ورود قوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ في سياق آيات القبلة، للإشعار بأن الله تعالى اختار هذه الأمة لتكون خير أمة، واختار لها خير قبلة.
وقفة
[143] ﻻ يلزم أن تكون الوسطية بين طرفين؛ فربما كانت واحدًا من اثنين، أو كانت واحدًا ﻻ ثاني له؛ ﻷن العبرة بالخيرة والعدل ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ يعني عدﻻً خيارًا.
لمسة
[143] كلمة وسطًا في: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ لم تتبع الموصوف من حيث التذكير والتأنيث؛ لأن كلمة وسط في الأصل هي اسم جامد يعني ليس مشتقًّا، وصِف به فيبقى على حاله ولا يطابق، كما لو وصفنا بالمصدر نقول: رجل صوم وامرأة صوم، فلا يقال أمة وسطة.
وقفة
[143] بعض الناس يرسم وسطية لنفسه بحسب هواه وما يحيط به من عقائد، والوسطية خط مستقيم خطه النبي لا يقبل المحو ولا التحريك ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
وقفة
[143] أتت آية: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ في وسط سورة البقرة، فآيات البقرة (286) ورقم هذه الآية (143)، صدق الله (كتاب أحكمت آياته).
وقفة
[143] ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ دليل على شرف هذه الأمة من وجوه، منها: وصف الأمة بالعدل والخيرية، ومنها: أن المزكِّي يجب أن يكون أفضل وأعدل من الُمزَكّى، ومنها: أن المزكي لا يحتاج للتزكية.
وقفة
[143] ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ إذا أردت أن تعرف أهلية شخص وخيريته فانظر شهادة أهل الخير والصلاح فيه.
وقفة
[143] ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ لا يحقق مقام الوسطية وثمرتها الشهادة إلا ذو علم وعمل وعقل ورسالة، وتخلف واحد منها نقص فيها.
وقفة
[143] اعتدالك هو الوسط، لكنه عند الجافي إفراط، وعند الغالي تفريط، فلا يخجلنك الغالي، وﻻ يغرنك الجافي ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
وقفة
[143] ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ فضلُ هذه الأمة وشرفها، حيث أثنى عليها الله ووصفها بالوسطية بين سائر الأمم.
وقفة
[143] الأمة الوسط هو شعار هذه الأمة ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾.
وقفة
[143] ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ حكم خيار الناس على شخص مدحًا أو ذمًّا ناتج عن تاريخ له في الخير أو الشر، وهو حكم معتبر شرعًا (أنتم شهود الله في أرضه).
وقفة
[143] ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ عَنْ أَنَسٍ t قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ r: وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ t: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. [البخاري 1367].
وقفة
[143] ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ حياتك مزروعة بالاختبارات الإلهية، ونحاحك فيها مرهون باتباع تعليمات الرسول r, فاعتمد على خارطة الشرع لتصل.
عمل
[143] اختبار إيمانك: هو أن تعمل بما أمرك الله تسليمًا له راضيًا بحكمه عرفت الحكمة أو لم تعرف؟! ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾.
وقفة
[143] التقدُّم حقيقةً بالإسلام، والرجعية حقيقةً بمخالفة الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾، فإنَّ هذا حقيقة الرجوع على غير هدى؛ لأنَّ الذي ينقلب على عقبيه لا يبصر ما وراءه؛ فمن قال للمتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله: رجعيون، قلنا له: بل أنت الرجعي حقيقة.
عمل
[143] ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ﴾ تفقَّد هدايتك في قدْر استجابتك لأوامر الله.
وقفة
[143] ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ﴾ الهداية تجعل نظرتك للأمور أكبر.
وقفة
[143] ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ﴾ الهداية تحيط قلبك بمادة نورانية تريك الأمور بحجمها الطبيعي.
وقفة
[143] ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ﴾ لا بد أن تمر بنا مواقف شديدة وفتن صعبة؛ ولا مخرج منها إلا البصيرة والثبات على الهدى.
عمل
[143] ﴿وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ لا تأسف أبدًا على عمل عملته ظننته خيرًا وفضلًا إن تبين لك غير ذلك.
وقفة
[143] ﴿وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم، وعبَّر عن الصلاة بالإيمان، فمن ترك الصلاة فماذا تبقى لديه من إيمان؟!
وقفة
[143] ﴿وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ما ضاع عند الناس لا يضيع عند الله.
عمل
[143] انصح أحد المقصرين في صلاتهم، وبَيِّن له أن الله سمى الصلاة إيمانًا، وأنه قد كتب واقع كل مسلم مع الصلاة ليحاسبه عليها ﴿وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
وقفة
[143] قال الله عمن صلى للقبلة الأولى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، والمراد بالإيمان: الصلاة؛ وعليه: فالإيمان مرتبط بالصلاة زيادةً ونقصانًا.
وقفة
[143] عن البراء بن عازب قال: «مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقالوا: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.
وقفة
[143] ﴿وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ في الآية بشارة عظيمة لمن منّ الله عليه بالإسلام والإيمان؛ بأن الله سيحفظ عليهم إيمانهم فلا يضيعه.
وقفة
[143] ﴿إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ كل الناس! وأنت منهم.
وقفة
[143] ﴿إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أنت محفوف برحمة الله ورأفته.
اسقاط
[143] ﴿إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ رأفة ورحمة تحوطك، قُل لي بربك ما الذي تخشاه بعدها؟!
اسقاط
[143] ﴿إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أيها الإنسان الواثق بربه ممَّ تخاف؟ أنت في كنف الرؤوف الرحيم، فنَمْ قرير العين هانئ البال.
وقفة
[143] ﴿إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ رحيمٌ بالناس جميعًا، بالمؤمن والكافر، والبر والفاجر، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فالرحمة لا تكون إلا للمؤمن ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: 43، 44].
وقفة
[143] ﴿إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ قال سعيد بن أبي عروبة: «يعني: رؤوف رفيق».

الإعراب :

  • ﴿ وَكَذلِكَ:
  • الواو : استئنافية. الكاف: كاف التشبيه بمعنى «مثل» اسم مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ وخبره الجملة الفعلية «جَعَلْناكُمْ» أو في محل نصب نائب أو صفة لمفعول مطلق مقدر. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالاضافة. اللام للبعد. والكاف للخطاب
  • ﴿ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً:
  • فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل الكاف: ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به والميم: علامة جمع الذكور. أمة: مفعول به ثان منصوب بالفتحة.
  • ﴿ وَسَطاً لِتَكُونُوا:
  • بمعنى: عدلا. أي معتدلين: صفة أمة منصوبة مثلها بالفتحة. لتكونوا: اللام: لام التعليل وهي حرف جر. تكونوا فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه: حذف النون لانه من الافعال الخمسة. الواو: ضمير متصل في محل رفع اسم «كان» والألف: فارقة. و «أن» المضمرة وما بعدها بتأويل مصدر في محل جر بلام التعليل والجار والمجرور متعلق بجعلناكم. وجملة «تكونوا» صلة «أن» المصدرية لا محل لها.
  • ﴿ شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ:
  • خبر «تكونوا» منصوب بالفتحة وهو ممنوع من الصرف لأنه على وزن- فعلاء- على الناس: جار ومجرور متعلق بشهداء
  • ﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ:
  • الواو: عاطفة يكون: معطوف على «تكونوا» منصوب مثله وعلامة نصبه الفتحة. الرسول: اسم «يَكُونَ» مرفوع بالضمة.
  • ﴿ عَلَيْكُمْ شَهِيداً:
  • جار ومجرور متعلق بيكون أو بحال مقدمة من شهيدا والميم علامة جمع الذكور. شهيدا: خبر «يَكُونَ» منصوب بالفتحة.
  • ﴿ وَما جَعَلْنَا:
  • : الواو: استئنافية. ما: نافيه لا عمل لها. جعلنا: فعل ماض مبني على السكون. و «نا» ضمير متصل في محل رفع فاعل.
  • ﴿ الْقِبْلَةَ الَّتِي:
  • القبلة: مفعول به أول منصوب بالفتحة. التي: إسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان أو صفة نائبة عن مفعول به ثان للفعل «جَعَلْنَا» يريد القول: وما جعلنا القبلة الجهة. التي كنت عليها وهي الكعبة.
  • ﴿ كُنْتَ عَلَيْها:
  • كنت: فعل ماض ناقص مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك. والتاء: ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع اسم «كان». عليها: جار ومجرور متعلق بخبر «كُنْتَ» وجملة «كُنْتَ عَلَيْها» صلة الموصول لا محل لها.
  • ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ:
  • إلّا: أداة حصر لا عمل لها. لنعلم: اللام: لام التعليل وهي حرف جر. نعلم: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل. وعلامة نصبه: الفتحة. والفاعل: ضمير مستتر وجوبا تقديره: نحن و «أن» المضمرة وما بعدها: بتأويل مصدر في محل جرّ باللام والجار والمجرور متعلق بجعلنا. وجملة «نعلم» صلة «أن» المضمرة لا محل لها.
  • ﴿ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ:
  • من: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به للفعل «نعلم». يتبع: فعل مضارع مرفوع بالضمة. والفاعل: ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. وجملة «يَتَّبِعُ» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. الرسول: مفعول به منصوب بالفتحة. ويجوز إعراب «مَنْ» اسم استفهام في محل رفع مبتدأ. و «يَتَّبِعُ» جملة فعلية في محل رفع خبر «مَنْ» والجملة الاسمية «مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ» في محل نصب مفعول به للفعل «نعلم».
  • ﴿ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ:
  • مكونة من «من» البيانية حرف جرّ و «من» اسم موصول مبني على السكون في محل جرّ بمن. والجار والمجرور متعلق بحال محذوفة من الموصول «مَنْ» في «مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ». ينقلب: فعل مضارع بحال محذوفة من والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو. بمعنى «يرتد ويرجع». وجملة ينقلب صلة الموصول لا محل لها.
  • ﴿ عَلى عَقِبَيْهِ:
  • جار ومجرور متعلق بينقلب وعلامة جر الاسم: الياء لأنه مثنى. وحذفت نونه للاضافة. والهاء: ضمير متصل في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا:
  • الواو: اعتراضية. إن: هي «إِنْ» الثقيلة مخففة عنها لا عمل لها لانها دخلت على جملة فعلية. كانت: فعل ماض ناقص مبني على الفتح. والتاء: تاء التأنيث الساكنه واسمها: ضمير مستتر جوازا تقديره: هي يعود الى ما دلّ عليه قوله: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها من الردة ويجوز أن يعود إلى «الْقِبْلَةَ». لكبيرة: اللام: فارقة لازمة لأن المخففة. كبيرة: خبر «كان» منصوب بالفتحة. إلّا: أداة حصر لا عمل لها.
  • ﴿ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ:
  • جار ومجرور متعلق بكبيرة. الذين: إسم موصول مبني على الفتح في محل جر بحرف الجر. هدى: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر. الله لفظ الجلالة: فاعل مرفوع بالضمة. جملة «هَدَى اللَّهُ» صلة الموصول لا محل لها. والعائد إلى الموصول ضمير محذوف منصوب المحل لأنه مفعول به. التقدير: على الذين هداهم الله واختارهم.
  • ﴿ َما كانَ اللَّهُ:
  • الواو: استئنافية. ما: نافية لا عمل لها. كان: فعل ماض ناقص مبني على الفتح. الله: اسم «كانَ» مرفوع للتعظيم بالضمة.
  • ﴿ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ:
  • : اللام: لام الجحود «النفي» وهي حرف جر. يضيع: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود. والفاعل: ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. «ان» المضمرة بعد لام الجحود وما بعدها: يتأويل مصدر في محل جر بلام الجحود. والجار والمجرور متعلق بخبر «كانَ» المحذوف. التقدير: مريدا. إيمانكم: مفعول به منصوب بالفتحة. الكاف: ضمير متصل في محل جر بالاضافة والميم: علامة الجمع.
  • ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ:
  • حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل. الله: اسم «إِنْ» منصوب للتعظيم بالفتحة. بالناس: جار ومجرور متعلق برؤوف.
  • ﴿ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ:
  • اللام لام التوكيد- المزحلقة- رءوف: خبر «إِنْ» مرفوع بالضمة. رحيم: صفة لرءوف مرفوعة مثله بالضمة. '

المتشابهات :

البقرة: 143﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ
الحج: 78﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِير

أسباب النزول :

  • * سَبَبُ النُّزُولِ: 1 - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والنَّسَائِي عن البراء بن عازب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قال: إن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت وأنه صلى، أو صلاها، صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوّل قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فأنزل اللهوَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ). ورواه ابن ماجه من حديث البراء بسياق مختلف. 2 - وأخرج أحمد والدارمي وأبو داود والترمذي من حديث ابن عبَّاسٍ نحوه. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر هذا الحديث جمهور المفسرين كالطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير. قال ابن العربياتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس). قال القرطبياتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلى إلى بيت المقدس) اهـ. وقال السعديودخل في ذلك من مات من المؤمنين قبل تحويل القبلة، فإن الله لا يضيع إيمانهم، لكونهم امتثلوا أمر الله وطاعة رسوله في وقتها) اهـ. وقال ابن بطاللا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت فى صلاتهم إلى بيت المقدس) اهـ. وإذا كان قد تبين ضعف وشذوذ رواية ابن ماجه فإن الثابت فى سبب نزول الآية أن الصحابة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - هم الذين استشكلوا الأمر وليس رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو الذي سأل جبريل - عليه السلام - فأنزل الله الآية. كما دلت على هذا رواية ابن ماجه. وهنا إشكالان يحسن إيرادهما والجواب عنهما: الأول: كيف قال البراء - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - رجال قتلوا ولم يقع قبل تحويل القبلة قتال؟ فالجواب: قال ابن حجرذكر القتل لم أره إلا في رواية زهير، وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدًا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك) اهـ. الثاني: كيف قال اللهوَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين، والقوم المخاطبون إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس؟. فالجواب: قال الطبريإن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك فإنهم أيضًا قد كانوا مشفقين من حبوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة وظنوا أن عملهم قد بطل فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذٍ فوجَّه الخطاب بها إلى الأحياء ودخل فيهم الموتى منهم لأن من شأن العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب أن يُغَلِّبُوا المخاطب فيدخل الغائب في الخطاب فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه، وعن آخر غائب غير حاضر فعلنا بكما. وصنعنا بكما كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران ولا يستجيزون أن يقولوا فعلنا بهما وهم يخاطبون أحدهما فيردوا المخاطب إلى عداد الغُيَّب) اهـ. * النتيجة: أن سبب نزول الآية ما ثبت في الصحيح من حديث البراء - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لِلفظ الآية، واحتجاج المفسرين به والله أعلم. '
  • المصدر لباب النقول

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [143] لما قبلها :     وبعد أن امتن اللهُ عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم بأن هداه إلى خير قبلة؛ امتن عليه هنا بأن جعل أمته خيارًا عدولًا ليشهدوا على الأمم، قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ

القراءات :

عقبيه:
وقرئ:
عقبيه، بسكون القاف، وهى قراءة ابن أبى إسحاق.
لكبيرة:
قرئ:
1- بالنصب، وهى قراءة الجمهور، على أن تكون خبر «كانت» .
2- بالرفع، وهى قراءة اليزيدي.
لرؤوف:
قرئ:
1- لرؤوف، مهموزا، على وزن مفعول، وهى قراءة الحرميين، وابن عامر، وحفص.
2- لرؤف مهموزا، على وزن «ندس» ، وهى قراءة باقى السبعة.
3- لروف، بغير همز، وهى قراءة أبى جعفر بن القعقاع.

مدارسة الآية : [144] :البقرة     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ..

التفسير :

[144] قد نرى تحوُّل وجهك -أيها الرسول- في جهة السماء، مرة بعد مرة؛ انتظاراً لنزول الوحي إليك في شأن القبلة، فلنصرفنك عن «بيت المقدس» إلى قبلة تحبها وترضاها، وهي وجهة المسجد الحرام ﺑ«مكة»، فولِّ وجهك إليها. وفي أي مكان كنتم -أيها المسلمون- وأردتم الصلاة ف

يقول الله لنبيه: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ } أي: كثرة تردده في جميع جهاته, شوقا وانتظارا لنزول الوحي باستقبال الكعبة، وقال: { وَجْهِكَ } ولم يقل: " بصرك " لزيادة اهتمامه, ولأن تقليب الوجه مستلزم لتقليب البصر. { فَلَنُوَلِّيَنَّكَ } أي: نوجهك لولايتنا إياك، { قِبْلَةً تَرْضَاهَا } أي: تحبها, وهي الكعبة، وفي هذا بيان لفضله وشرفه صلى الله عليه وسلم, حيث إن الله تعالى يسارع في رضاه, ثم صرح له باستقبالها فقال: { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } والوجه: ما أقبل من بدن الإنسان، { وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ } أي: من بر وبحر, وشرق وغرب, جنوب وشمال. { فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } أي: جهته. ففيها اشتراط استقبال الكعبة, للصلوات كلها, فرضها, ونفلها, وأنه إن أمكن استقبال عينها, وإلا فيكفي شطرها وجهتها، وأن الالتفات بالبدن, مبطل للصلاة, لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولما ذكر تعالى فيما تقدم, المعترضين على ذلك من أهل الكتاب وغيرهم، وذكر جوابهم, ذكر هنا, أن أهل الكتاب والعلم منهم, يعلمون أنك في ذلك على حق وأمر، لما يجدونه في كتبهم, فيعترضون عنادا وبغيا، فإذا كانوا يعلمون بخطئهم فلا تبالوا بذلك، فإن الإنسان إنما يغمه اعتراض من اعترض عليه, إذا كان الأمر مشتبها, وكان ممكنا أن يكون معه صواب. فأما إذا تيقن أن الصواب والحق مع المعترض عليه, وأن المعترض معاند, عارف ببطلان قوله, فإنه لا محل للمبالاة, بل ينتظر بالمعترض العقوبة الدنيوية والأخروية, فلهذا قال تعالى: { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } بل يحفظ عليهم أعمالهم, ويجازيهم عليها، وفيها وعيد للمعترضين, وتسلية للمؤمنين.

ثم خاطب الله- تعالى- نبيه صلّى الله عليه وسلّم ووعده بأن القبلة التي سيؤمر بالتوجه إليها هي التي يحرص عليها ويرغب فيها.

قال الإمام ابن كثير: قال على بن أبى طلحة قال ابن عباس: كان أول ما نسخ في القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود فأمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بضعة عشر شهرا، وكان يحب قبلة أبيه إبراهيم، فكان يدعو الله، وينظر إلى السماء، فأنزل الله- تعالى- قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ .

والمعنى: قد شاهدنا- يا محمد- وعلمنا تردد وجهك، وتسريح نظرك إلى السماء تطلعا إلى نزول الوحى عليك، وتوقعا لما ألقى في روعك من تحويل القبلة إلى الكعبة سعيا منك وراء استمالة العرب إلى الدخول في أحضان الإسلام، ومخالفة اليهود الذين كانوا يقولون: إنه يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا، وها نحن قد أجبناك إلى ما طلبت وأعطيناك ما سألت، ووجهناك إلى قبلة تحبها وتميل إليها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ.

أى: فاصرف وجهك وحوله نحو المسجد الحرام وجهته.

ثم عمم القرآن الكريم هذا التشريع على الأمة الإسلامية جميعها. فقال تعالى:

وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.

أى: وحيثما كنتم وأينما وجدتم في بر أو بحر فولوا وجوهكم تلقاء المسجد الحرام ونحوه.

وقد جاءت هذه الجملة موجهة إلى الأمة قاطبة لدفع توهم أن يكون الخطاب في الأول خاصا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم ولأنه لما كان تحويل القبلة أمرا له خطره، خصهم بخطاب مفرد ليكون ذلك آكد وأبلغ.

فالآية الكريمة فيها أمر لكل مسلّم أن يجعل الكعبة قبلة له، فيتوجه بصدره إلى ناحيتها وجهتها حال تأديته الصلاة لربه، سواء أكان المصلّى بالمدينة أم بمكة أو بغيرهما.

وفي ذكر المسجد الحرام دون الكعبة، ما يؤذن بكفالة مراعاة جهتها ولذلك لم يقع خلاف بين العلماء في أن الكعبة قبلة كل أفق. وأن من عاينها فرض عليه استقبالها ومن غاب عنها فعليه أن يستقبل جهتها. فإن خفيت عليه تحرى جهتها ما استطاع.

وقد سقنا في مطلع هذا البحث بعض الأحاديث الصحيحة التي صرحت بأن الصحابة عند ما بلغهم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد أمر بالتحويل إلى الكعبة استداروا إليها وهم في صلاتهم فجعلوها قبلتهم.

ومما يشهد بقوة إيمانهم وعظيم امتثالهم لشرع الله ما جاء عن نويلة بنت مسلّم أنها قالت.

«صلينا الظهر- أو العصر- في مسجد بنى حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء- أى بيت المقدس- فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد استقبل البيت الحرام فتحول النساء مكان الرجال. والرجال مكان النساء. فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام. فحدثني رجل من بنى حارثة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أولئك رجال يؤمنون بالغيب» .

ثم بينت الآية الكريمة أن أهل الكتاب يعلمون أن التحويل إلى الكعبة هو الحق الذي لا ريب فيه فقال تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.

أى: وإن اليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة، وانصرافكم عن بيت المقدس، ليعلمون أن استقبالكم الكعبة حق لأن الذي أخبر به قد قامت الآيات البينات عندهم على أنه رسول من عند الله، أو أنه يصلّى إلى القبلتين، وما وقفوا من تحويل القبلة هذا الموقف إلا لعنادهم،

وما الله بغافل عن أعمالهم بل هو محيط بها وسيحاسبهم عليها يوم القيامة حسابا عسيرا» .

- ثم أخبر الله- تعالى- عن كفر اليهود وعنادهم، وأنهم لن يتبعوا الحق ولو جاءهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم بكل آية. فقال تعالى:

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ، وكان أكثر أهلها اليهود ، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، وكان يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء ، فأنزل الله : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) إلى قوله : ( فولوا وجوهكم شطره ) فارتاب من ذلك اليهود ، وقالوا : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب [ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ] ) وقال : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) [ البقرة : 115 ] وقال الله تعالى : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه )

وروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري ، عن عمه عبيد الله بن عمر ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء فأنزل الله : ( فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) إلى الكعبة إلى الميزاب ، يؤم به جبرائيل عليه السلام .

وروى الحاكم ، في مستدركه ، من حديث شعبة عن يعلى بن عطاء ، عن يحيى بن قمطة قال : رأيت عبد الله بن عمرو جالسا في المسجد الحرام ، بإزاء الميزاب ، فتلا هذه الآية : ( فلنولينك قبلة ترضاها ) قال : نحو ميزاب الكعبة .

ثم قال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .

ورواه ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن عرفة ، عن هشيم ، عن يعلى بن عطاء ، به .

وهكذا قال غيره ، وهو أحد قولي الشافعي ، رحمه الله : إن الغرض إصابة عين القبلة . والقول الآخر وعليه الأكثرون : أن المراد المواجهة كما رواه الحاكم من حديث محمد بن إسحاق ، عن عمير بن زياد الكندي ، عن علي ، رضي الله عنه ، ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) قال : شطره : قبله . ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

وهذا قول أبي العالية ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، وغيرهم . وكما تقدم في الحديث الآخر : ما بين المشرق والمغرب قبلة .

[ وقال القرطبي : روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المسجد ، والمسجد قبلة لأهل الحرم ، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي " ] .

وقال أبو نعيم الفضل بن دكين :

حدثنا زهير ، عن أبي إسحاق ، عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه قبلته قبل البيت وأنه صلى صلاة العصر ، وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن كان يصلي معه ، فمر على أهل المسجد وهم راكعون ، فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء [ قال ] لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يحول نحو الكعبة ، فنزلت : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء [ فلنولينك قبلة ترضاها ] ) فصرف إلى الكعبة .

وروى النسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنمر على المسجد فنصلي فيه ، فمررنا يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر فقلت : لقد حدث أمر ، فجلست ، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ) حتى فرغ من الآية . فقلت لصاحبي : تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى ، فتوارينا فصليناهما . ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فصلى للناس الظهر يومئذ .

وكذا روى ابن مردويه ، عن ابن عمر : أن أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة صلاة الظهر ، وأنها الصلاة الوسطى . والمشهور أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر ، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر .

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ، حدثنا رجاء بن محمد السقطي ، حدثنا إسحاق بن إدريس ، حدثنا إبراهيم بن جعفر ، حدثني أبي ، عن جدته أم أبيه نويلة بنت مسلم ، قالت : صلينا الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة ، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا ركعتين ، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام ، فتحول النساء مكان الرجال ، والرجال مكان النساء ، فصلينا السجدتين الباقيتين ، ونحن مستقبلون البيت الحرام . فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أولئك رجال يؤمنون بالغيب " .

وقال ابن مردويه أيضا : حدثنا محمد بن علي بن دحيم ، حدثنا أحمد بن حازم ، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي ، حدثنا قيس ، عن زياد بن علاقة ، عن عمارة بن أوس قال : بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس ، ونحن ركوع ، إذ أتى مناد بالباب : أن القبلة قد حولت إلى الكعبة . قال : فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحول هو والرجال والصبيان ، وهم ركوع ، نحو الكعبة .

وقوله : ( وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض ، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ، ولا يستثنى من هذا شيء ، سوى النافلة في حال السفر ، فإنه يصليها حيثما توجه قالبه ، وقلبه نحو الكعبة . وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال ، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده ، وإن كان مخطئا في نفس الأمر ، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها .

مسألة : وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ، قال المالكية لقوله : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء وهو ينافي كمال القيام . وقال بعضهم : ينظر المصلي في قيامه إلى صدره . وقال شريك القاضي : ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة ، لأنه أبلغ في الخضوع وآكد في الخشوع وقد ورد به الحديث ، وأما في حال ركوعه فإلى موضع قدميه ، وفي حال سجوده إلى موضع أنفه وفي حال قعوده إلى حجره .

وقوله : ( وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ) أي : واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها ، بما في كتبهم عن أنبيائهم ، من النعت والصفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته ، وما خصه الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة ، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا ; ولهذا يهددهم تعالى بقوله : ( وما الله بغافل عما يعملون ) .

القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قد نرى يا محمد نحنُ تقلُّبَ وجهك في السماء.

* * *

ويعني: ب " التقلب "، التحوُّل والتصرُّف.

ويعني بقوله: " في السماء "، نحو السماء وقِبَلها.

* * *

وإنما قيل له ذلك صلى الله عليه وسلم -فيما بلغنا- لأنه كان =قَبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة= يرفع بصره إلى السماءِ ينتظر من الله جل ثناؤه أمرَه بالتحويل نحو الكعبة، كما:-

2230- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " قدْ نَرى تَقلُّبَ وجهك في السماء " قال، كان صلى الله عليه وسلم يقلّب وجهه في السماء، يحبّ أن يصرفه الله عز وجل إلى الكعبة، حتى صرَفه الله إليها.

2231- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " قد نَرَى تَقلُّب وجهك في السماء "، فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يُصلّي نحو بيتَ المقدس, يَهوى وَيشتهي القبلةَ نحو البيت الحرام, فوجَّهه الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها وَيشتهيها.

2232- حدثنا المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثني ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " قد نرى تقلُّب وَجهك في السماء "، يقول: نَظرَك في السماء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقلِّب وجهه في الصلاة وهو يصلي نحو بيت المقدس, وكان يهوى قبلةَ البيت الحرام, فولاه الله قبلةً كان يهواها.

2233- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: كان الناس يصلون قبَلَ بيت المقدس, فلما قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهاجَره, كان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء يَنظُر ما يُؤمر, وكان يصلّي قبَل بيت المقدس، فنسختها الكعبةُ. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُحب أن يصلي قبَل الكعبة، فأنـزل الله جل ثناؤه: " قد نَرَى تقلب وَجهك في السماء " الآية.

* * *

ثم اختلف في السبب الذي من أجله كان صلى الله عليه وسلم يهوى قبلة الكعبة.

قال بعضهم: كره قبلةَ بيت المقدس, من أجل أن اليهودَ قالوا: يتَّبع قبلتنا ويُخالفنا في ديننا!

* ذكر من قال ذلك:

2234- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال: قالت اليهود: يخالفنا محمد ويتّبع قبلتنا! فكان يدعو الله جل ثناؤه, ويَستفرض للقبلة، (70) فنـزلت: " قد نَرَى تقلُّب وَجهك في السماء فلنولينك قبلة تَرْضَاها فول وجهك شَطرَ المسجد الحَرَام "، -وانقطع قول يهود: يخالفنا ويتبع قبلتنا!- في صلاة الظهر، (71) . فجعل الرجالَ مكانَ النساء, والنساءَ مكانَ الرجال.

2235- حدثني يونس قال, أخبرنا ابن وهب قال، سمعته -يعني ابن زيد- يقول: قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء قَومُ يهودَ يستقبلون بيتًا من بيوت الله -لبيت المقدس- ولو أنَّا استقبلناه! فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرًا, فبلغه أن يهودَ تَقول: والله ما دَرَى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم! (72) فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم, ورفع وجهه إلى السماء, فقال الله جل ثناؤه: " قد نَرَى تقلُّب وجهك في السماء فلنوَلينَّك قبلةً ترضَاها فوَلّ وجهك شَطرَ المسجد الحرام " الآية. (73)

* * *

وقال آخرون: بل كان يهوى ذلك، من أجل أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيم عليه السلام.

* ذكر من قال ذلك:

2236- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثرَ أهلها اليهودُ، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيتَ المقدس. ففرحت اليهودُ. فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرًا، فكان رسول الله صَلى الله عليه وسلم يُحب قبلةَ إبراهيم, فكان يدعو وينظر إلى السماء, فأنـزل الله عز وجل: " قد نرى تقلُّبَ وجهك في السماء " الآية. (74)

* * *

فأما قوله: " فلنوَلينَّك قبلة تَرْضَاها "، فإنه يعني: فلنصرفنَّك عن بيت المقدس، إلى قبلة " ترضاها ": تَهواها وتُحبها. (75)

* * *

وأما قوله: " فوَلِّ وجهك "، يعني: اصرف وجهك وَحوِّله.

* * *

وقوله: " شَطرَ المسجد الحَرَام "، يعني: ب " الشطر "، النحوَ والقصدَ والتّلقاء, كما قال الهذلي: (76)

إنَّ العَسِــيرَ بهَــا دَاء مُخَامِرُهَــا

فَشَــطْرَهَا نَظَـــرُ العَيْنَيْـنِ مَحْسُـورُ (77)

يعني بقوله: " شَطْرَها "، نحوها. وكما قال ابن أحمر:

تَعْـدُو بِنَـا شَـطْر جَـمْعٍ وهْيَ عَاقِدةٌ,

قَـدْ كَارَبَ العَقْــدُ مِـنْ إيفَادِهَـا الحَقَبَـا (78)

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

2237- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن داود بن أبي هند, عن أبي العالية: " شَطْرَ المسجد الحَرَام "، يعني: تلقاءه.

2238- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " شطر المسجد الحرام "، نحوَه.

2239- حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: " فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام "، نَحوَه.

2240- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

2241- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة: " فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام "، أي تلقاءَ المسجد الحرام.

2242- حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فولّ وجهك شطرَ المسجد الحرام " قال، نحو المسجد الحرام.

2243- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام "، أي تلقاءَه.

2244- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال: " شطرَه "، نحوَه.

2245- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق, عن البراء: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ قال، قِبَله.

2246- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " شَطْره "، ناحيته، جانبه. قال: وجوانبه: " شُطوره ". (79)

* * *

ثم اختلفوا في المكان الذي أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يولَّيَ وجهه إليه من المسجد الحرام.

فقال بعضهم: القبلةُ التي حُوِّل إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وعناها الله تعالى ذكره بقوله: " فلنولينَّك قبلة تَرْضاها "، حيالَ ميزاب الكعبة.

* ذكر من قال ذلك:

2247- حدثني عبد الله بن أبي زياد قال، حدثنا عثمان قال، أخبرنا شعبة, عن يعلى بن عطاء, عن يحيى بن قمطة, عن عبد الله بن عمرو: " فلنولينَّك قبلة ترضاها "، حيالَ ميزاب الكعبة. (80)

2248- وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا هشيم, عن يعلى بن عطاء, عن يحيى بن قمطة قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسًا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب, وتلا هذه الآية: " فلنولينك قِبلة ترضاها " قال، هذه القبلة، هي هذه القبلة.

2249- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم -بإسناده عن عبد الله بن عمرو، نحوه- إلا أنه قال: استقبل الميزاب فقال: هذه القبلة التي قال الله لنبيه: " فلنولينك قبلة تَرضاها ". (81)

* * *

وقال آخرون: بل ذلك البيت كله قبلةٌ, وقبلةُ البيت الباب.

* ذكر من قال ذلك:

2250- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: البيت كله قبلةٌ, وهذه قبلةُ البيت - يعني التي فيها الباب. (82)

* * *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي ما قال الله جل ثناؤه: " فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام "، فالمولِّي وجهه شطرَ المسجد الحرام، هو المصيبُ القبلةَ. وإنما عَلى من توجه إليه النيةُ بقلبه أنه إليه متوجِّه, كما أن على من ائتمِّ بإمام فإنما عليه الائتمام به، وإن لم يكن مُحاذيًا بدنُه بدنَه, وإن كان في طَرَف الصّفّ والإمام في طرف آخر، عن يمينه أو عن يساره, بعد أن يكون من خلفه مُؤتمًّا به، مصليًا إلى الوجه الذي يصلِّي إليه الإمام. فكذلك حكمُ القبلة, وإنْ لم يكن يحاذيها كل مصلّ ومتوَجِّه إليها ببدنه، غير أنه متوجِّه إليها. فإن كان عن يمينها أو عن يسارها مقابلَها، فهو مستقبلها، بعُد ما بينه وَبينها, أو قَرُب، من عن يمينها أو عن يسارها، بعد أن يكون غيرَ مستدبرها ولا منحرف عنها ببدنه ووَجهه، كما:

2251- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عميرة بن زياد الكندي, عن علي: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " قال، شطُره، قبله. (83)

* * *

قال أبو جعفر: وقبلةُ البيت: بابه، كما:-

2252- حدثني يعقوب بن إبراهيم والفضل بن الصَّبَّاح قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك, عن عطاء قال، قال أسامة بن زيد: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجَ من البيت أقبلَ بوجهه إلى الباب، فقال: هذه القبلةُ, هذه القبلة. (84)

2253- حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير, عن عبد الملك بن أبي سليمان, عن عطاء, قال، حدثني أسامة بن زيد قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من البيت, فصلى ركعتين مستقبلا بوجهه الكعبة, فقال: هذه القبلةُ مرتين. (85)

2254- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان, عن عبد الملك, عن عطاء, عن أسامة بن زيد, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه. (86)

2255- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا ابن جريج قال، قلت لعطاء: سمعت ابن عباس يقول: إنما أمرتم بالطَّوَاف ولم تؤمروا بدخوله. قال: قال: لم يكن ينهَى عن دخوله, ولكني سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دَعا في نواحيه كلها, ولم يصلِّ حتى خرج, فلما خرج ركع في قِبَل القبلة ركعتين، وقال: هذه القبلة. (87)

* * *

قال أبو جعفر: فأخبر صلى الله عليه وسلم أنّ البيت هو القبلة, وأن قبلة البيت بابه.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى : وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحوِّلوا وجُوهكم في صلاتكم نَحو المسجد الحرام وتلقاءَه.

و " الهاء " التي في" شطرَه "، عائدة إلى المسجد الحرام.

فأوجب جل ثناؤه بهذه الآية على المؤمنين، فرضَ التوجُّه نحو المسجد الحرام في صلاتهم حيث كانوا من أرض الله تبارك وتعالى.

وأدخلت " الفاء " في قوله: " فولوا "، جوابًا للجزاء. وذلك أن قوله: " حيثما كنتم " جزاء, ومعناه: حيثما تكونوا فولوا وجوهكم شطره.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ

يعني بقوله جل ثناؤه: " وإنّ الذين أوتُوا الكتاب " أحبارَ اليهود وعلماء النصارى.

* * *

وقد قيل: إنما عنى بذلك اليهودَ خاصةً.

* ذكر من قال ذلك:

2256- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإن الذين أوتوا الكتاب "، أنـزل ذلك في اليهود.

* * *

وقوله: " ليعلمون أنه الحق من ربهم "، يعني هؤلاء الأحبارَ والعلماءَ من أهل الكتاب, يعلمون أن التوجُّهَ نحو المسجد، الحقُّ الذي فرضه الله عز وجل على إبراهيم وذريته وسائر عباده بعده.

* * *

ويعني بقوله: " من رَبِّهم " أنه الفرضُ الواجب على عباد الله تعالى ذكره, وهو الحقُّ من عند ربهم، فَرَضَه عليهم.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)

قال أبو جعفر: يعني بذلك تبارك وتعالى: وليس الله بغافل عما تعملون أيها المؤمنون، في اتباعكم أمرَه، وانتهائكم إلى طاعته، فيما ألزمكم من فرائضه، وإيمانكم به في صَلاتكم نحو بيت المقدس، ثم صلاتكم من بعد ذلك شطرَ المسجد الحرام, ولا هو ساه عنه، (88) ولكنه جَل ثَناؤه يُحصيه لكم ويدّخره لكم عنده، حتى يجازيَكم به أحسن جزاء, ويثيبكم عليه أفضل ثواب.

--------------------

الهوامش :

(70) في المطبوعة : "يستعرض للقبلة" ، وأثبت ما في الدر المنثور 1 : 147 وقوله : "يستفرض" أي يطلب فرضها عليه وعلى المؤمنين . وهذا ما لم تشبه كتب اللغة ، ولكنه صحيح العربية . أما قوله : "يستعرض للقبلة" ، فليست بشيء .

(71) سياق عبارته : "فنزلت . . . في صلاة الظهر" .

(72) في المطبوعة : "ما درى محمد صلى الله عليه وسلم" ، ولا تقوله يهود ، فرفعته . وكذلك جاء في رقم : 1838 .

(73) الأثر : 2235- مضى برقم : 1838 .

(74) الأثر : 2236- مضى برقم : 1833 ، ورقم : 2160 .

(75) انظر معاني"ولى" فيما سلف 2 : 162 ، 535 ، وهذا الجزء 3 : 131 .

(76) هو قيس بن العيزارة الهذلي . والعيزارة أمه ، واسمه قيس بن خويلد بن كاهل .

(77) ديوانه في أشعار الهذليين للسكري : 261 (أوربة) ، ورسالة الشافعي : 35 ، 487 ، وسيرة ابن هشام 2 : 200 ، والكامل 1 : 12 ، 2 : 3 ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 60 ، واللسان (شطر) (حسر) ، وغيرها . ورواية الشافعي في الرسالة : "إن العسيب" بالباء في آخره ، ورواية ديوانه وابن هشام : "إن النعوس" . والعسير : التي تعسر بذنبها إذا حملت ، من شراستها . والنعوس : التي تغمض عينيها عند الحلب . والعسيب : جريد النخل إذا كشط عنه خوصه . وأرى أنه لم يرد صفة الناقة بأحد هذه الألفاظ الثلاثة ، وإنما هو اسم ناقته . وكلها صالح أن يكون اسما للناقة . وقد قال ابن هشام : "النعوس : ناقته ، وكان بها داء فنظر إليها نظر حسير ، من قوله : "وهو حسير" . ويروى : "داء يخامرها فنحوها . . . " ، ورواية ديوانه"مخزور" . ومحسور ، هو الحسير : الذي قد أعيى وكل . ومخزور : من قولهم : "خزر بصره" : إذا دانى بين جفنيه ونظر بلحاظه . وهو يصف ناقته ، ويذكر حزنه وحبه لها ، فهو من الداء الذي خامرها مشفق عليها ، يطيل النظر إليها حتى تحسر عيناه ويكل .

(78) سيرة ابن هشام 2 : 199 ، والروض الأنف 2 : 38 ، والخزانة 3 : 38 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 60 . وفي المطبوعة : "من إنفادها" ، وهو خطأ . وقال : قبله :

أَنْشَــأتُ أَسْـأَلُه عَـنْ حَـالِ رُفْقَتِـهِ

فقـال : حَـيَّ, فَـإِنَّ الرَّكْبَ قَدْ نَصَبَا

حي : اعجل . ونصب : جد في السير : وقوله : "جمع" ، هي مزدلفة ، يريد الحج . وقوله : عاقدة ، أي : قد عطفت ذنبها بين فخذيها . وقوله : كارب ، أي أوشك وكاد وقارب ودنا . وأوفدت الناقة إيفادًا : أسرعت . والحقب : الحزام يشد به الرحل في بطن البعير مما يلي ثيله لئلا يؤذيه التصدير . يقول : قد أسرعوا إسراعًا إلى مزدلفة ، فجعلت تعطف ذنبها تسد به فرجها حتى كاد عقد ذنبها يبلغ الحقب . والناقة تسد فرجها بذنبها في إسراعها ، يقول المخبل السعدي :

وإذَ رَفَعْـــتُ السَّــوْطَ, أفْزَعَهَــا

تَحْــتَ الضُّلُــوعِ مُــرَوِّعٌ شَـهْمُ

وتَسُــدُّ حَاذَيْهَــا بِــذِي خُــصَلٍ

عُقِمَــتْ فنــاعَمَ, نَبْتَــهُ العُقْــمُ

ويقول المثقب العبدي ، يصف ناقته مسرعة :

تَسُــدُّ بِــدَائِمِ الخَــطَرَانِ جَــثْلٍ

خَوايَــةَ فَــرْجِ مِقْــلاَتٍ دَهِيــنِ

(79) الخبر : 2246- هو وما قبله من الأخبار ، في تفسير (شطره) بأنه : قبله ، أو : نحوه . وانظر مؤيدًا ذلك ، ما قاله الشافعي في الرسالة ، بتحقيقنا : 105-111 ، 1378-1381 .

(80) الحديث : 2247- عبد الله بن أبي زياد ، شيخ الطبري : نسب إلى جده . وهو"عبد الله بن الحكم بن أبي زياد القطواني" ، واسم"أبي زياد" : "سليمان" . وعبد الله هذا : ثقة ، روى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وابن خزيمة ، وغيرهم . مترجم في التهذيب . وابن أبي حاتم 2/2/38 .

وشيخه"عثمان" : ما أدري من هو؟ وأغلب الظن أنه محرف ، وصوابه"عفان" .

يحيى بن قمطة : تابعي ثقة ، ترجمه البخاري في الكبير 4/2/229 ، وابن أبي حاتم 4/2/181 ، وذكر أنه حجازي ، ولم يذكرا فيه جرحًا . وذكر البخاري أنه يروي"عن ابن عمر" . وذكر ابن أبي حاتم أنه يروي"عن عبد الله بن عمرو" . وذكره ابن حبان في الثقات ، ص : 371 ، وقال : "يروي عن ابن عمر ، وعبد الله بن عمرو" . روى عنه يعلى بن عطاء .

واسم أبيه : "قمطة" بالقاف ثم الميم ثم الطاء المهملة . ولم أجد ما يدل على ضبط هذه الحروف . لكنه ثبت هكذا في الطبري وتفسير عبد الرزاق ومراجع الترجمة . ووقع في ابن كثير والمستدرك"قطة" بدون الميم . وهو خطأ ، لمخالفته ما ذكرنا عن المراجع .

والحديث رواه الحاكم في المستدرك 2 : 269 ، من طريق مسلم بن إبراهيم ، عن شعبة ، بهذا الإسناد ، مطولا بنحو الرواية التي بعد هذه . وقال الحاكم : "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبي .

(81) الحديثان : 2248 ، 2249- وهذان إسنادان آخران للحديث قبلهما . وأولهما من رواية عبد الرزاق ، عن هشيم ، عن يعلى بن عطاء .

وهشيم- بالتصغير : هو ابن بشير ، بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة . وهو أبو معاوية بن أبي خازم ، وهو حافظ ثقة ثبت . مترجم في التهذيب . والكبير 4/2/242 ، وابن سعد 7/2/61 ، 70 . وابن أبي حاتم 4/2/115-116 . وتذكرة الحفاظ 1 : 229-230 .

والحديث في تفسير عبد الرزاق ، ص : 13 ، بهذا الإسناد . وليس فيه كلمة"هي" المزادة هنا بعد قوله : "هذه القبلة" . وأخشى أن تكون زيادتها غير جيدة ولا ثابتة .

وذكر ابن كثير 1 : 352 ، أنه رواه أيضًا ابن أبي حاتم"عن الحسن بن عرفة ، عن هشيم ، عن يعلى بن عطاء" . ووقع اسم"هشيم" فيه محرفًا ، فيصحح من هذا الموضع .

والحديث في الدر المنثور أيضًا 1 : 147 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وسعيد بن منصور ، وأحمد بن منيع في مسنده ، وابن المنذر ، والطبراني في الكبير . وهو في مجمع الزوائد 6 : 316 ، وقال : "رواه الطبراني من طريقين ، ورجال إحداهما ثقات" .

(82) الخبر : 2250- نقله السيوطي 1 : 147 ، عن الطبري وحده ، بلفظ : "البيت كله قبلة ، وقبلة البيت الباب" .

(83) الحديث : 2251- أبو إسحاق : هو السبيعي الهمداني .

عميرة -بفتح العين- بن زياد الكندي : تابعي ثقة ، ترجمه ابن سعد في الطبقات 6 : 141 ، وقال : "روى عن عبد الله" . أراد بذلك عبد الله بن مسعود . وترجمه البخاري في الكبير 4/1/69 . وابن أبي حاتم 3/2/24 . ولم يذكرا فيه جرحًا ، ولا رواية عن غير ابن مسعود . وذكرا أن الراوي عنه أبو إسحاق .

والحديث رواه الحاكم في المستدرك 2 : 269 ، من طريق محمد بن كثير ، عن سفيان -وهو الثوري- عن أبي إسحاق بهذا الإسناد . وقال الحاكم : "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبي . وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ج 2 ص 3 ، عن الحاكم .

وذكره السيوطي 1 : 147 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والدينوري في المجالسة .

وذكره ابن كثير 1 : 268 ، نقلا عن الحاكم .

ولفظه عندهم جميعًا : "قال : شطره قبله" ، كما أثبتنا . ووقع في المطبوعة هنا : "قال : شطره فينا قبلة"!! وهو خطأ سخيف ، من ناسخ أو طابع .

ووقع في الإسناد في ابن كثير"محمد بن إسحاق" بدل"أبي إسحاق" . وهو خطأ يخالف ما ثبت هنا ، وما ثبت في سائر المراجع .

ووقع فيه في ابن كثير والمستدرك ومختصره للذهبي -المطبوع والمخطوط-"عمير بن زياد" . وهو خطأ أيضًا . وثبت على الصواب في رواية البيهقي عن الحاكم .

(84) الحديث : 2252- الفضل بن الصباح البغدادي : ثقة ، وثقه ابن معين . وقال أبو القاسم البغوي : "كان من خيار عباد الله" . مترجم في التهذيب . وابن أبي حاتم 3/2/63 .

عبد الملك : هو ابن أبي سليمان العرزمي ، مضى في : 1455 .

عطاء : هو ابن أبي رباح ، التابعي الكبير ، الإمام الحجة ، القدوة العلم ، مفتي أهل مكة ومحدثهم . مترجم في التهذيب . وابن أبي حاتم 3/1/330-331 . وتذكرة الحفاظ 1 : 92 : 93 ، وتاريخ الإسلام 4 : 278-280 ، وابن سعد 2/2/133-134 ، و 5 : 344-346 .

أسامة بن زيد بن حارثة : هو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه .

وقد زعم أبو حاتم -فيما حكاه عنه ابنه في المراسيل : ص : 57- أن عطاء لم يسمع من أسامة . ولكن الرواية التالية لهذه ، فيها تصريح عطاء بالسماع منه . ثم المعاصرة كافية في ثبوت الاتصال ، كما هو الراجح عند أهل العلم بالحديث .

وعطاء ولد سنة 27 ومات سنة 114 . بل ذكر الذهبي أنه مات عن 90 سنة . وأسامة بن زيد مات سنة 54 . بل أرخ مصعب الزبيري وفاته في آخر خلافة معاوية سنة 58 أو 59 .

وهذا الحديث رواه أحمد في المسند (5 : 209) ، عن هشيم ، بهذا الإسناد واللفظ . ثم رواه عقبه ، بالإسناد نفسه مطولا ، بنحوه .

(85) الحديث : 2253- ابن حميد : هو محمد بن حميد بن حيان الرازي الحافظ . سبقت رواية الطبري عنه مرارًا كثيرة ، ووثقناه في 2028 . ونزيد هنا أنه وثقه ابن معين وغيره . وأنكروا عليه أحاديث ، وأجاب عنه ابن معين بأن"هذه الأحاديث التي يحدث بها ، ليس هو من قبله ، إنما هو من قبل الشيوخ الذي يحدث به عنهم" . وقال الخليلي : "كان حافظًا عالمًا بهذا الشأن ، رضيه أحمد ويحيى" . وعرض عبد الله بن أحمد على أبيه ما كتبه عنه ، فقال : أما حديثه عن ابن المبارك وجرير ، فصحيح ، وأما حديثه عن أهل الري ، فهو أعلم" . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/1/69-70 ، وابن أبي حاتم 3/2/232-233 ، والخطيب 2 : 259-264 ، وتذكرة الحفاظ 2 : 67-69 .

جرير : هو ابن عبد الحميد بن قرط الرازي ، وهو ثقة حجة . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/214 ، وابن سعد 7/2/110 . وابن أبي حاتم 1/1/505-507 ، والخطيب 7 : 253-261 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 250 .

فهذا إسناد صحيح ، صرح فيه عطاء بالسماع من أسامة بن زيد ، كما أشرفا في الإسناد السابق .

والحديث رواه أحمد في المسند (5 : 210 ح) ، ضمن قصة ، عن يحيى -وهو القطان- عن عبد الملك"حدثنا عطاء ، عن أسامة بن زيد" .

(86) الحديث : 2254- عبد الرحيم بن سليمان : هو المروزي الأشل ، مضت ترجمته : 2030 . والحديث تكرار لسابقه ، لكن لم يصرح في هذا الإسناد بسماع عطاء من أسامة .

(87) الحديث 2255- سعيد بن يحيى بن سعيد ، الأموي : ثقة ثبت ، بل قال علي بن المديني : "جماعة من الأولاد أثبت عندنا من آبائهم . . . وهذا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي : أثبت من أبيه" . وهو من شيوخ البخاري ومسلم وأبي زرعة وأبي حاتم ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/477 ، وابن أبي حاتم 2/1/74 ، والخطيب 9 : 90-91 . أبوه ، يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص : حافظ ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/277 ، وابن سعد 6 : 277-278 ، و 7/2/80-81 . وابن أبي حاتم 4/2/151-152 ، والخطيب 14 : 132-135 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 298 .

والحديث رواه أحمد في المسند (5 : 208ح) ، عن عبد الرزاق ، وروح - كلاهما عن ابن جريج ، بهذا الإسناد نحوه .

رواه قبل ذلك (ص : 201 ح) عن عبد الرزاق وحده ، مختصرًا ، طوى القصة فلم يذكرها .

وليس في هذا الحديث ما ينفي أن يكون عطاء سمع الحديث من أسامة بن زيد ، لأنه -هنا- إنما يجيب السائل عن قوا ابن عباس ، وينفي أن يكون ابن عباس ينهى عن دخول البيت . فهو يذكر رواية ابن عباس عن أسامة ، من أجل هذا . ولا يمنع هذا أن يكون الحديث عند عطاء عن أسامة مباشرة .

والحديث رواه أيضًا مسلم 1 : 376-377 ، من طريق محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، بهذا الإسناد ، نحو هذه القصة ، أطول منها قليلا .

ورواه البخاري 1 : 420- 421 (فتح الباري) ، من طريق عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، مختصرًا . لم يذكر القصة ، ولم يذكر أنه عن أسامة ، جعله من حديث ابن عباس . وذكر الحافظ أنه رواه الإسماعيلي وأبو نعيم ، في مستخرجيهما ، من طريق إسحاق بن راهويه ، عن عبد الرزاق ، بإسناد هذا : "فجعله من رواية ابن عباس عن أسامة بن زيد" . قال الحافظ : "وهو الأرجح" .

والخلاف في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة أو لم يصل - مذكور في الدواوين . والراجح صلاته فيها . المثبت مقدم على النافي . وانظر نصب الراية 2 : 319-322 .

(88) انظر تفسير"غافل" فيما سلف 2 : 243-244 ، 315 ، وهذا الجزء 3 : 127 .

التدبر :

وقفة
[144] ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ من كرمه أنه لا يحقق دعوات عباده فحسب، بل حتى رغباتهم الهامسة في قلوبهم.
عمل
[144] ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إذا ضاقت بك الأرض مُد طرفك للفضاء، وتضرع لربك، ولن يُخيِّب الله ذلك الدعاء.
عمل
[144] ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إذا ضاقت بك الأمور فعلِّق قلبك بمن لا يُقلِقه النداء ولا تنفد خزائنه من العطاء.
وقفة
[144] ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ يعلم الله ما يَشغل عقلك وقلبك، يعلم مطلوباتك وحاجاتك، فقط بنظرة عينٍ ملؤها الرجاء.
وقفة
[144] ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ ولاية الله ورعايته لنبيه، حيث أكرمه الله وأرضاه.
وقفة
[144] ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ قال: (وجهك) ولم يقل: (بصرك) لزيادة اهتمامه؛ ولأن تقليب الوجه مستلزم لتقليب البصر.
وقفة
[144] ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قد يحقق الله لك ما تمنيته بصدق ورجاء وإن لم تدع الله به، وهذا من كمال العناية الربانية.
وقفة
[144] ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قد يحقق الله بعض أمانيك قبل أن تدعوه بها، وهذا من كمال لطفه وعظيم رحمته.
عمل
[144] ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حاجاتك وأمنياتك وكل ما يدور في داخلك! الله يعلم به حتمًا؛ ففوض أمرك إليه.
وقفة
[144] ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ كل أمنية من هذه النفس المباركة هي عزيزة عند الله ومحل التحقيق.
وقفة
[144] ﴿قَدْ نَرَىٰ (تَقَلُّبَ وَجْهِكَ) فِي السَّمَاءِ (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ) قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ بقدر أشواقك للهداية يمنحك الله أنوارها.
وقفة
[144] تأمل منزلة رسولك عند خالقه: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، يراه يتطلع بشغف فيؤجل الحكم ويمهد بمقدمات ثم يمنحه ويؤيده ويرضيه.
وقفة
[144] ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ يجب أن نمتثل حكم الله ولو مالت نفوسنا إلى غيره، كان النبي ﷺ يصلي جهة الأقصى ونفسه تُحب استقبال الكعبة أكثر.
وقفة
[144] ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ عبَّر تعالى عن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته للكعبة بكلمة (ترضاها) دون تحبها أو تهواها؛ للدلالة على أن ميله إلى الكعبة ميل لقصد الخير، بناء على أن الكعبة أجدر بيوت الله بأن يدل على التوحيد، ولما كان الرضا مشعرًا بالمحبة الناتجة عن التعقل اختار كلمة (ترضاها) دون تهواها أو تحبها، فالنبي صلى الله عليه وسلم يربو أن يتعلق ميله بما ليس فيه مصلحة راجحة للدين والأمة.
وقفة
[144] قوله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، دون قوله: (تحبها) أو (تهواها) فيه دلالة على أن ميل الرسول إلى الكعبة ميل لقصد الخير لا لهوى النفس، وذلك أن الكعبة أجدر بيوت الله بأن يكون قبلة؛ فهو أول بيت وضع للناس بالتوحيد، وفي استقبال بيت المقدس أولًا ثم التحول إلى الكعبة إشارة إلى استقلال هذا الدين عن دين أهل الكتاب.
وقفة
[144] ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ، فَنَادَاهُمْ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ: أَلاَ إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ مَرَّتَيْنِ؛ فَمَالُوا كَمَا هُمْ رُكُوعٌ إِلَى الْكَعْبَةِ. [أبو داود 1045، وصححه الألباني].
وقفة
[144] ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ جواز نَسْخِ الأحكام الشرعية في الإسلام زمن نزول الوحي، حيث نُسِخَ التوجه إلى بيت المقدس، وصار إلى المسجد الحرام.
وقفة
[144] ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ هذا دليل على وجوب استقبال الكعبة في كل صلاة فرضًا كانت أو نفلًا، وفي كل مكان حضرًا أو سفرًا.

الإعراب :

  • ﴿ قَدْ نَرى:
  • قد: حرف تقليل ولكنه هنا بمعنى «رُبَما» ويفيد التكثير. نرى: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر. والفاعل: ضمير مستتر وجوبا تقديره: نحن بمعنى تردد وجهك في السماء طلبا للوحي.
  • ﴿ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ:
  • تقلب: مفعول به منصوب بالفتحة. وجهك: مضاف اليه مجرور بالاضافة وعلامة جره الكسرة، والكاف: ضمير متصل مبني على الفتح في محل جرّ بالاضافة. في السماء: جار ومجرور متعلق بتقلب بمعنى تردد وجهك.
  • ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ:
  • الفاء: استئنافية. اللام للتوكيد. نولينك: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. والنون: لا محل لها. والفاعل: ضمير مستتر وجوبا تقديره: نحن. والكاف: ضمير متصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول.
  • ﴿ قِبْلَةً تَرْضاها:
  • قبله : مفعول به ثان منصوب بالفتحة. ترضاها: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر. والفاعل: ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنت. و «ها» ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به. وجملة «تَرْضاها» في محل نصب صفة للموصوف «قِبْلَةً».
  • ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ:
  • الفاء: استئنافية. ولّ: فعل أمر مبني على حذف آخره: حرف العلة. والفاعل: ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنت. وجهك: مفعول به منصوب بالفتحة. والكاف: ضمير متصل مبني على الفتح في محل جر بالاضافة
  • ﴿ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ:
  • شطر: ظرف مكان متعلق بولّ منصوب بالفتحة. وهو مضاف. المسجد: مضاف اليه مجرور بالاضافة وعلامة جره: الكسرة. الحرام: صفة للمسجد مجرورة بالكسرة.
  • ﴿ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ:
  • الواو: استئنافية. حيث: اسم شرط جازم مبني على الضم في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بالجواب. و «ما» زائدة. كنتم: فعل ماض تام مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك. التاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل. والميم علامة جمع الذكور والفعل «كُنْتُمْ» في محل جزم فعل الشرط وجملة «كُنْتُمْ» في محل جر بالاضافة لوقوعها بعد الظرف. ويجوز إعراب «كُنْتُمْ» فعلا ماضيا ناقصا فتكون التاء: في محل رفع اسمها. و «حَيْثُ» متعلقة بخبر مقدم محذوف للفعل «كُنْتُمْ».
  • ﴿ فَوَلُّوا:
  • الفاء: الواقعة في جواب الشرط. ولّوا: فعل أمر مبني على حذف النون لان مضارعه من الافعال الخمسة. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف: فارقة. وجملة «ولوا» جواب شرط جازم مقترن بالفاء في محل جزم.
  • ﴿ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ:
  • وجوهكم: مفعول به منصوب بالفتحة. الكاف: ضمير متصل مبني على الضم في محل جر بالاضافة والميم علامة جمع الذكور. شطره: ظرف مكان متعلق بولوا منصوب بالفتحة والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ أُوتُوا الْكِتابَ:
  • أوتوا: فعل ماض مبني للمجهول. مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة والياء محذوفة والواو: ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل والألف: فارقة وجملة «أُوتُوا» صلة الموصول. الكتاب: مفعول به منصوب بالفتحة.
  • ﴿ لَيَعْلَمُونَ:
  • اللام للتوكيد وهي لام مزحلقة. يعلمون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة. والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. والجملة الفعلية «لَيَعْلَمُونَ» في محل رفع خبر «إِنَّ».
  • ﴿ أَنَّهُ الْحَقُّ:
  • أن : حرف مشبه بالفعل يفيد التوكيد. والهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب اسم «أن». الحق: خبرها مرفوع بالضمة.
  • ﴿ مِنْ رَبِّهِمْ:
  • جار ومجرور متعلق بحال محذوفة من «الْحَقُّ» ويجوز أن يكون في محل رفع خبرا ثانيا لإنّ والهاء ضمير متصل مبني على الكسر في محل جر بالاضافة. والميم: علامة جمع الذكور. و «أن وما بعدها» سدت مسد مفعولي «يعلمون».
  • ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ:
  • الواو : استئنافية. ما: نافية تعمل عمل «ليس» وتسمّى «ما» الحجازية وهي من المشبهات بليس. الله لفظ الجلالة: اسم «ما» مرفوع للتعظيم بالضمة. بغافل: الباء حرف جر زائد للتوكيد. غافل: اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر «ما».
  • ﴿ عَمَّا يَعْمَلُونَ:
  • مركبة من «عن» حرف جر و «ما» اسم موصول مبني على السكون في محل جر بعن والجار والمجرور متعلق بغافل. يعملون: تعرب اعراب «يَعْمَلُونَ» وجملة «يَعْمَلُونَ» صلة الموصول لا محل لها والعائد إلى الموصول ضمير محذوف منصوب المحل لأنه مفعول به. التقدير عما يعملونه أو تكون «ما» مصدرية و «ما» وما بعدها مصدر مؤول في محل جر بعن التقدير عن عملهم. '

المتشابهات :

البقرة: 144﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
البقرة: 149﴿وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ
البقرة: 150﴿وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [144] لما قبلها :     وبعد التمهيد السابق لتحويل القبلة؛ خاطب اللهُ عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتوجه إلى القبلة التي يحرص عليها ويرغب فيها، وهي الكعبة بدلًا من بيت المقدس، قال تعالى:
﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

القراءات :

شطره:
وقرئ:
1- قبله، وهى حرف عبد الله.
2- تلقاه، وهى قراءة ابن أبى عبلة.
يعملون:
قرئ:
1- بالتاء على الخطاب، وهى قراءة ابن عامر، وحمزة، والكسائي.
2- بالياء، وهى قراءة فرقة، ويكون المراد: أهل الكتاب.

مدارسة الآية : [145] :البقرة     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ ..

التفسير :

[145] ولئن جئت -أيها الرسول- الذين أُعطوا التوراة والإنجيل بكل حجة وبرهان على أن توجُّهك إلى الكعبة في الصلاة هو الحق من عند الله، ما تبعوا قبلتك؛ عناداً واستكباراً، وما أنت بتابع قبلتهم مرة أخرى، وما بعضهم بتابع قبلة بعض. ولئن اتبعت أهواءهم في شأن القبلة

كان النبي صلى الله عليه وسلم من كمال حرصه على هداية الخلق يبذل لهم غاية ما يقدر عليه من النصيحة, ويتلطف بهدايتهم, ويحزن إذا لم ينقادوا لأمر الله، فكان من الكفار, من تمرد عن أمر الله, واستكبر على رسل الله, وترك الهدى, عمدا وعدوانا، فمنهم: اليهود والنصارى, أهل الكتاب الأول, الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم عن يقين, لا عن جهل، فلهذا أخبره الله تعالى أنك لو { أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ } أي: بكل برهان ودليل يوضح قولك ويبين ما تدعو إليه، { مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ } أي: ما تبعوك, لأن اتباع القبلة, دليل على اتباعه، ولأن السبب هو شأن القبلة، وإنما كان الأمر كذلك, لأنهم معاندون, عرفوا الحق وتركوه، فالآيات إنما تفيد وينتفع بها من يتطلب الحق, وهو مشتبه عليه, فتوضح له الآيات البينات، وأما من جزم بعدم اتباع الحق, فلا حيلة فيه. وأيضا فإن اختلافهم فيما بينهم, حاصل, وبعضهم, غير تابع قبلة بعض، فليس بغريب منهم مع ذلك أن لا يتبعوا قبلتك يا محمد, وهم الأعداء حقيقة الحسدة، وقوله: { وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } أبلغ من قوله: " وَلَا تَتَّبِعْ " لأن ذلك يتضمن أنه صلى الله عليه وسلم اتصف بمخالفتهم, فلا يمكن وقوع ذلك منه، ولم يقل: " ولو أتوا بكل آية " لأنهم لا دليل لهم على قولهم. وكذلك إذا تبين الحق بأدلته اليقينية, لم يلزم الإتيان بأجوبة الشبه الواردة عليه, لأنها لا حد لها, ولأنه يعلم بطلانها, للعلم بأن كل ما نافى الحق الواضح, فهو باطل, فيكون حل الشبه من باب التبرع. { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ } إنما قال: " أهواءهم " ولم يقل " دينهم " لأن ما هم عليه مجرد أهوية نفس, حتى هم في قلوبهم يعلمون أنه ليس بدين، ومن ترك الدين, اتبع الهوى ولا محالة، قال تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } بأنك على الحق, وهم على الباطل، { إِنَّكَ إِذًا } أي: إن اتبعتهم, فهذا احتراز, لئلا تنفصل هذه الجملة عما قبلها, ولو في الأفهام، { لَمِنَ الظَّالِمِينَ } أي: داخل فيهم, ومندرج في جملتهم، وأي ظلم أعظم, من ظلم, من علم الحق والباطل, فآثر الباطل على الحق، وهذا, وإن كان الخطاب له صلى الله عليه وسلم, فإن أمته داخلة في ذلك، وأيضا, فإذا كان هو صلى الله عليه وسلم لو فعل ذلك -وحاشاه- صار ظالما مع علو مرتبته, وكثرة حسناته فغيره من باب أولى وأحرى.

والمعنى: ولئن جئت- يا محمد- اليهود ومن على طريقتهم في الكفر بكل برهان وحجة، بأن الحق هو ما جئتهم به، من فرض التحول من قبلة بيت المقدس في الصلاة إلى قبلة المسجد الحرام، ما صدقوا به، لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة يزيلها الدليل، وإنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من أنك على الحق المبين.

وما أنت- يا محمد- بتابع قبلتهم، لأنك على الهدى وهم على الضلال وفي هذه الجملة الكريمة حسم لأطماعهم، وتقرير لحقية القبلة إلى الكعبة، بعد أن أشاعوا بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لو ثبت على قبلتهم لكانوا يرجون أنه النبي المنتظر، فقطع القرآن الكريم آمالهم في رجوع النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى قبلتهم، وأخبر بأنه ليس يتابع لها.

ثم ذكر القرآن الكريم اختلاف أهل الكتاب في القبلة، وأن كل طائفة منهم لا تتبع قبلة الطائفة الأخرى فقال تعالى: وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ أى: ما اليهود بمتبعين لقبلة النصارى ولا النصارى بمتبعين لقبلة اليهود، فهم مع اتفاقهم على مخالفتك، مختلفون في باطلهم وذلك لأن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل مطلع الشمس.

ثم ساق القرآن الكريم بعد ذلك تحذيرا للأمة كلها من اتباع أهل الكتاب، وجاء هذا التحذير في شخص النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ.

أى: لئن اتبعت- يا محمد- قبلتهم- على سبيل الفرض، والتقدير من بعد وضوح البرهان وإعلامى إياك بإقامتهم على الباطل، إنك إذا لمن الظالمين لأنفسهم، المخالفين لأمري.

فالآية الكريمة: وعيد وتحذير للأمة الإسلامية من اتباع آراء اليهود المنبعثة عن الهوى والشهوة، وسيق الوعيد والتحذير في صورة الخطاب للرسول صلّى الله عليه وسلّم الذي لا يتوقع منه أن يتبع أهواء أهل الكتاب، تأكيدا للوعيد والتحذير، فكأنه يقول:

لو اتبع أهواءهم أفضل الخليقة، وأعلاهم منزلة عندي، لجازيته مجازاة الظالمين، وأحق بهذه المجازاة وأولى من كانوا دونه في الفضل وعلو المنزلة إن اتبعوا أهواء المبطلين وهم اليهود ومن كان على شاكلتهم من المشركين.

قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: كيف قال وما أنت بتابع قبلتهم ولهم قبلتان، لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟.

قلت: كلتا القبلتين باطلة، مخالفة لقبلة الحق، فكانتا بحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة» .

يخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ، ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به ، لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 96 ، 97 ] ولهذا قال هاهنا : ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ) .

وقوله ( وما أنت بتابع قبلتهم [ وما بعضهم بتابع قبلة بعض ] ) إخبار عن شدة متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لما أمره الله تعالى به ، وأنه كما هم مستمسكون بآرائهم وأهوائهم ، فهو أيضا مستمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته ، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله ، وما كان متوجها إلى بيت المقدس ; لأنها قبلة اليهود ، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى . ثم حذر [ الله ] تعالى عن مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى ; فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره . ولهذا قال مخاطبا للرسول ، والمراد الأمة : ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ) [ البقرة : 145 ] .

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ

قال أبو جعفر: يعني بذلك تبارك اسمه: ولئن جئتَ، يا محمد، اليهودَ والنصارَى، بكل برهان وحُجة - وهي" الآية "- (89) بأن الحق هو ما جئتهم به، من فرض التحوُّل من قبلة بيت المقدس في الصلاة، إلى قبلة المسجد الحرام, ما صدّقوا به، ولا اتَّبعوا -مع قيام الحجة عليهم بذلك- قبلتَك التي حوَّلتُك إليها، وهي التوجُّه شَطرَ المسجد الحرام.

* * *

قال أبو جعفر: وأجيبت " لئن " بالماضي من الفعل، وحكمها الجوابُ بالمستقبل تشبيهًا لها ب " لو ", فأجيبت بما تجاب به " لو "، لتقارب معنييهما. &; وقد مضى البيان عن نَظير ذلك فيما مضى. (90) وأجيبت " لو " بجواب الأيمان. ولا تفعل العربُ ذلك إلا في الجزاء خاصة، لأن الجزاء مُشابه اليمين: في أن كل واحد منهما لا يتم أوّله إلا بآخره, ولا يتمُّ وحده, ولا يصحّ إلا بما يؤكِّد به بعدَه. فلما بدأ باليمين فأدخلت على الجزاء، صَارَت " اللام " الأولى بمنـزلة يَمين، والثانية بمنـزلة جواب لها, كما قيل: " لعمرك لتقومَنَّ" إذ كثرت " اللام " من " لعمرك "، حتى صارت كحرف من حروفه, فأجيب بما يجاب به الأيمان, إذ كانت " اللام " تنوب في الأيمان عن الأيمان، دون سائر الحروف، غير التي هي أحقُّ به الأيمان. فتدلّ على الأيمان وتعمل عمل الأجوبة، ولا تدلّ سائر أجوبة الأيمان لنا على الأيمان. (91) فشبهت " اللام " التي في جواب الأيمان بالأيمان، لما وصفنا, فأجيبت بأجوبَتها.

* * *

فكانَ مَعنى الكلام -إذ كان الأمر على ما وصفنا-: لو أتيتَ الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك.

* * *

وأما قوله: " وما أنتَ بتابع قِبلتهم "، يقول: وما لك من سبيل يا محمد إلى اتّباع قبلتهم. وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها, وأن النصارى تستقبل المشرقَ, فأنَّى يكون لك السبيل إلى إتباع قِبلتهم. مع اختلاف وجوهها؟ يقول: فالزم قبلتَك التي أمِرت بالتوجه إليها, ودعْ عنك ما تقولُه اليهود والنصارى وتدعُوك إليه من قبلتهم واستقبالها.

* * *

وأما قوله: " وما بعضهم بتابع قبلة بعض "، فإنه يعني بقوله: وما اليهود بتابعةٍ &; 3-186 &; قبلةَ النصارى, ولا النصارى بتابعةٍ قبلة اليهود فمتوجِّهةٌ نحوها، كما:-

2257- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وما بعضهم بتاع قبلة بعض "، يقول: ما اليهود بتابعي قبلة النصارى, ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود. قال: وإنما أنـزلت هذه الآية من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حُوِّل إلى الكعبة, قالت اليهود: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولده! ولو ثبت على قبلتنا لكُنا نرجو أن يكون هو صاحبَنا الذي ننتظر! فأنـزل الله عز وجل فيهم: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ إلى قوله: لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . (92)

2258- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وما بعضهم بتابع قبلةَ بعض "، مثل ذلك.

* * *

وإنما يعني جل ثناؤه بذلك: أن اليهود والنصارى لا تجتمع على قبلة واحدة، مع إقامة كل حزب منهم على مِلَّتهم. فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا تُشعر نفسك رضَا هؤلاء اليهود والنصارى, فإنه أمر لا سبيل إليه. لأنهم مع اختلاف مللهم لا سبيل لكَ إلى إرضاء كل حزب منهم. من أجل أنك إن اتبعت قبلةَ اليهود أسخطتَ النصارى, وإن اتّبعت قبلة النصارى أسخطت اليهود, فدع ما لا سبيل إليه, وادعُهم إلى ما لهم السبيل إليه، من الاجتماع على مِلَّتك الحنيفيّة المسلمة, وقبلتِك قبلةِ إبراهيم والأنبياء من بعده.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ولئن اتبعت أهواءهم "، ولئن التمست يا محمد رضَا هؤلاء اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ، فاتبعتَ قبلتهم - يعني: فرَجعت إلى قبلتهم.

ويعني بقوله: " من بَعد مَا جَاءك من العلم "، من بعد ما وصَل إليك من العلم، بإعلامي إياك أنهم مقيمون على باطل، وعلى عنادٍ منهم للحق, ومعرفةٍ منهم أنّ القبلة التي وجهتُك إليها هي القبلةُ التي فرضتُ على أبيك إبراهيم عليه السلام وسائر ولده من بعده من الرسل - التوجُّهَ نحوها،" إنك إذًا لمن الظالمين "، يعني: إنك إذا فعلت ذلك، من عبادي الظَّلمةِ أنفسَهم, المخالفين أمري, والتاركين طاعتي, وأحدُهم وفي عِدادِهم. (93)

---------------------------

الهوامش:

(89) انظر تفسيره"آية" فيما سلف 1 : 106/2 : 553 .

(90) انظر ما سلف 2 : 458 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 84 .

(91) قوله : "أجوبة الأيمان لنا على الأيمان" هذه عبارة غامضة ، لم أظفر لها بوجه أرتضيه ، وأنا لا أشك في تحريفها أو نقصها .

(92) الأثر : 2257- انظر ما مضى رقم : 2204 .

(93) السياق : من عبادي الظلمة . . . وأحدهم ، وفي عدادهم" .

المعاني :

لم يذكر المصنف هنا شيء

التدبر :

وقفة
[145] ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ بيان لتصلبهم في الهوى وعنادهم بأن هذه المخالفة والعناد لا يختص بك؛ بل حالهم فيما بينهم أيضًا كذلك؛ فإنكارهم ذلك ناشئ عن فرط العناد.
وقفة
[145] ﴿مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ الثبات هو عنوان الصراع بين الحق والباطل, فالكل على مبدئه ثابت؛ صاحب الحق لن يتنازل عنه لقوة الإيمان ووضوح البرهان, وأهل الباطل لن يتخلوا عن باطلهم لشدة العناد واستحواذ الشيطان.
لمسة
[145] ﴿وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ جملة اسمية مؤكدة بحرف الجر في سياق النفي، لاستحالة أن يتابع المؤمن حقًّا أعداء الله، ولا يأخذ بآرائهم وأفكارهم.
وقفة
[145] ﴿وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ قال الراغب: إشارة إلى أن من عرف الله حق معرفته فمن المحال أن يرتد؛ ولذا قيل: ما رجع من رجع إلا من الطريق، أي: ما أخلَّ بالإيمان إلا من لم يصل إليه حق الوصول.
وقفة
[145] قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قال: ﴿وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ ولهم قبلتان؛ لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟ قلت: كلتا القبلتين باطلة, مخالفة لقبلة الحق, فكانتا بحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة.
وقفة
[145] علاقة الكافر بالكافر وإن كانت في الأصل موجودة: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، لكنها في الحقيقة هزيلة؛ لضعف الرابطة وعدم أصالتها: ﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، وفي الآخرة تنهار هذه الرابطة: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾.
وقفة
[145] ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم ...﴾ التحذير من متابعة أهل الكتاب في أهوائهم؛ لأنهم أعرضوا عن الحق بعد معرفته.
وقفة
[145] ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ من أعظم ظلم العالِم لنفسه أن يتّبع أهواء الناس والجماهير بفتواه.
وقفة
[145] ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الآية وعيد للأمة إن اتبعت أهواء أهل الكتاب, وسيق هذا التحذير في صورة خطاب للنبي ﷺ.
وقفة
[145] ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ضريبة العلم! دلت الآية على أن توجه الوعيد إلى العلماء أشد من توجهه لغيرهم.
وقفة
[145] ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ إنما قال: (أَهْوَاءَهُم) ولم يقل: (دينهم)؛ لأن ما هم عليه مجرد أهواء نفس، حتى هم في قلوبهم يعلمون أنه ليس بدين، ومن ترك الدين اتبع الهوى ولا محالة، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23].
وقفة
[145] فرقٌ بين تأليف قلوب المدعوين واتباع أهوائهم بسخط الله ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
لمسة
[145] إنما قال: ﴿أَهْوَاءَهُم﴾ بلفظ الجمع؛ تنبيهًا على أن لكل واحد منهم هوًى غير هوى الآخر، ثم هوى كل واحد منهم لا يتناهى.

الإعراب :

  • ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ:
  • الواو: استئنافية. اللام مؤذنة تأتي للقسم. إن: حرف شرط جازم. أتيت: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك في محل جزم لأنه فعل الشرط. والتاء: ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل.
  • ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:
  • الذين: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. أوتوا: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم الظاهر على الياء المحذوفة لاتصاله بواو الجماعة. الواو: ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل والألف فارقة. وجملة «أُوتُوا» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. الكتاب: مفعول به منصوب بالفتحة.
  • ﴿ بِكُلِّ آيَةٍ ما:
  • جار ومجرور متعلق بأتيت. آية: مضاف اليه مجرور وعلامة جرّه الكسرة. ما: نافية واقعة في جواب القسم المحذوف. والمعنى: لا يتبعون.
  • ﴿ تَبِعُوا قِبْلَتَكَ:
  • تبعوا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف: فارقة. وجملة «ما تَبِعُوا» جواب القسم المحذوف سدّ مسدّ جواب الشرط. قبلتك: مفعول به منصوب بالفتحة. والكاف: ضمير منصل مبني على الفتح في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ وَما أَنْتَ:
  • الواو : عاطفة. ما: معطوف على «ما» الاولى. أنت: ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
  • ﴿ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ:
  • بتابع: جار ومجرور متعلق بخبر المبتدأ «أَنْتَ». قبلتهم: مفعول به لاسم الفاعل «تابع» منصوب بالفتحة. الهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل جر بالاضافة والميم: علامة جمع الذكور
  • ﴿ وَما بَعْضُهُمْ:
  • الواو: عاطفة. ما: معطوفة على «ما» الثانية. بعضهم: مبتدأ مرفوع بالضمة. الهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل جر بالاضافة والميم: علامة جمع الذكور.
  • ﴿ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ:
  • بتابع: جار ومجرور متعلق بخبر المبتدأ «بَعْضُهُمْ». قبلة: مفعول به لاسم الفاعل «تابع» منصوب بالفتحة. بعض: مضاف اليه مجرور بالاضافة وعلامة جرّه: الكسرة.
  • ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ:
  • الواو: عاطفة. لئن اتبعت: تعرب إعراب «لَئِنْ أَتَيْتَ». أهواءهم: مفعول به منصوب بالفتحة. الهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل جر بالاضافة والميم: علامة جمع الذكور.
  • ﴿ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ:
  • جار ومجرور متعلق باتبعت. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالاضافة. جاءك: فعل ماض مبني على الفتح. الكاف: ضمير متصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على «ما» من العلم: جار ومجرور متعلق بحال محذوفة من الموصول «ما» وجملة «جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ» صلة الموصول لا محل لها.
  • ﴿ إِنَّكَ إِذاً:
  • إنك: حرف مشبه بالفعل يفيد التوكيد والكاف: ضمير متصل مبني على الفتح في محل نصب اسم «إن». إذا: حرف جواب وجزاء ومكافأة لا عمل له.
  • ﴿ لَمِنَ الظَّالِمِينَ:
  • اللام: مزحلقة تفيد التوكيد. من الظالمين: جار ومجرور متعلق بخبر «إن» وعلامة جر الاسم: الياء لأنه جمع مذكر سالم. والنون: عوض عن التنوين والحركة في الاسم المفرد وجملة «إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ جواب القسم المحذوف سدّ مسدّ جواب الشرط. '

المتشابهات :

البقرة: 120﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
البقرة: 145﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ
الرعد: 37﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّـهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ

أسباب النزول :

  • أخرج الطبري من طريق أسباط عن السدي قال: لما حول النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالت اليهود: إن محمدا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر فنزلت.ومن طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحوه.'
  • المصدر المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [145] لما قبلها :     وبعد بيان أن أهل الكتاب يعلمون أن تحويل القبلة هو الحق من ربهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على إيمانهم، يود لو تُزال كل شبهة عندهم حتى يؤمنوا؛ بَيَّنَ اللهُ عز وجل له هنا أنهم قوم معاندون، لا تنفعهم الآيات؛ فلا تطمع أن تبعوك، قال تعالى:
﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ

القراءات :

لم يذكر المصنف هنا شيء

فهرس المصحف

البحث بالسورة

البحث بالصفحة

البحث في المصحف