1133233343536

الإحصائيات

سورة المائدة
ترتيب المصحف5ترتيب النزول112
التصنيفمدنيّةعدد الصفحات21.50
عدد الآيات120عدد الأجزاء1.07
عدد الأحزاب2.15عدد الأرباع8.60
ترتيب الطول6تبدأ في الجزء6
تنتهي في الجزء7عدد السجدات0
فاتحتهافاتحتها
النداء: 2/10يا أيها الذين آمنوا: 1/3

الروابط الموضوعية

المقطع الأول

من الآية رقم (32) الى الآية رقم (34) عدد الآيات (3)

بعدَ ذكرِ قَتْلِ قابيلَ أخاه بَيَّنَ اللهُ هنا تغليظَ إثمِ قَتْلِ النَّفسِ بغيرِ نفسٍ أو فسادٍ في الأرضِ، ثُمَّ أتْبعَه ببيانِ الفسادِ الذي يُوجِبُ القتلَ وهو قطعُ الطريقِ (حدُ الحِرَابَةِ)، وقُطَّاعُ الطَّرِيقِ: هم الذينَ يَعْتَرِضُونَ النَّاسَ بِالسلاحِ

فيديو المقطع


المقطع الثاني

من الآية رقم (35) الى الآية رقم (36) عدد الآيات (2)

لمَّا ذَكَرَ جزاءَ مَن حارَبَ اللهَ أمَرَ هنا بتَقواه والتوسُّلَ والتقرُّبَ إليه بالعملِ الصالحِ، أما الكفَّارُ فلا تنفعُهم وسيلةٌ.

فيديو المقطع


مدارسة السورة

سورة المائدة

الوفاء بالعهود والمواثيق/ الحلال والحرام.

أولاً : التمهيد للسورة :
  • • ما "المائدة" التي سميت بها السورة؟:   الحواريون (أصحاب عيسى عليه السلام الخُلَّص) طلبوا من عيسى عليه السلام أن يدعو اللهَ أن ينزل عليهم مائدة من السماء، ليأكلوا منها وتزداد قلوبهم اطمئنانًا إلى أنه صادق فيما يبلغه عن ربه: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (112-113)، فاستجاب عيسى عليه السلام لهم ودعا ربه، فوعده الله بها، وأخذ عليهم عهدًا وحذرهم من نقضه: أن من كفر بعد نزولها ولم يؤمن فسوف يعذبه عذابًا شديدًا: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (115). وهذا توجيه وتحذير للمسلمين بأن عليهم الوفاء بالعهود والمواثيق، وإلا سيكون العذاب جزاؤهم كما في قصة المائدة. السورة تنادي: - التزموا بالعقود التي ألزمكم الله بها، وأحلّوا حلاله وحرّموا حرامه. - احذروا من التهاون بهذه العقود أو إضاعتها كما حصل من اليهود والنصارى.
  • • هدف السورة واضح من أول نداء:   لجاء في السورة: ﴿يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ﴾ أي أوفوا بعهودكم، لا تنقضوا العهود والمواثيق.
ثانيا : أسماء السورة :
  • • الاسم التوقيفي ::   «المائدة».
  • • معنى الاسم ::   المائدة: الخِوَانُ الموضوع عليه طعام، والعرب تقول للخُوان إذا كان عليه طعام: مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام لم تقل له مائدة.
  • • سبب التسمية ::   لورود قصة المائدة بها.
  • • أسماء أخرى اجتهادية ::   ‏‏«سورة العقود»؛ لافتتاحها بطلب الإيفاء بالعقود، و«المنقذة»، و«الأحبار».
ثالثا : علمتني السورة :
  • • علمتني السورة ::   الوفاء بالعقود مع الله، ومع الناس، ومع النفس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ...﴾
  • • علمتني السورة ::   أن الأخلاق الفاضلة هي أثر للعقيدة الصحيحة والتشريعات الحكيمة.
  • • علمتني السورة ::   أن الإنسان غال عند ربه، من أجل ذلك شرع الله الشرائع التي تضبط حياته، وتصون حرمته ودمه وماله (سورة المائدة أكثر سورة ذكرًا لآيات الأحكام).
  • • علمتني السورة ::   أنه ينبغي على الدعاة أن يبدأوا مع الناس بما أبيح أولًا، ثمّ يبينوا المحرّمات بعد ذلك، لكي يكسبوا القلوب: ﴿يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ﴾ (1)، فلم يبدأ ربنا بما قد حُرِّم لكي لا ينفروا، فكلمة ﴿أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ﴾ توحي بأن الخطاب بعدها شديد اللهجة، فتأتي مباشرة كلمة ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة.
رابعًا : فضل السورة :
  • • عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُورَةُ الْمَائِدَةِ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَحْمِلَهُ فَنَزَلَ عَنْهَا».
    • عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً فَقَرَأَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ، يَرْكَعُ بِهَا وَيَسْجُدُ بِهَا: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (118)، فَلَمَّا أَصْبَحَ قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا زِلْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَصْبَحْتَ تَرْكَعُ بِهَا وَتَسْجُدُ بِهَا»، قَالَ: «إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِيهَا، وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا».
    • عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَخَذَ السَّبْعَ الأُوَل مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ حَبْرٌ». السبعُ الأُوَل هي: «البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والتوبة»، وأَخَذَ السَّبْعَ: أي من حفظها وعلمها وعمل بها، والحَبْر: العالم المتبحر في العلم؛ وذلك لكثرة ما فيها من أحكام شرعية.
    • عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَئِينَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ». وسورة المائدة من السبع الطِّوَال التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم مكان التوراة.
    • عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ لِعُمَرَ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (3)؛ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا»، فَقَالَ عُمَرُ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فِي يَوْمِ جُمْعَةٍ وَيَوْمِ عَرَفَةَ».
    • قَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ: «الْمَائِدَةُ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، لَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخٌ، وَفِيهَا ثَمَانِ عَشْرَةَ فَرِيضَةً لَيْسَتْ فِي غَيْرِهَا».
خامسًا : خصائص السورة :
  • • هي الأكثر ذكرًا لآيات الأحكام.
    • أول سورة -بحسب ترتيب المصحف- تبدأ بنداء المؤمنين: ﴿يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ﴾ من أصل 3 سور افتتحت بذلك، وهي: «المائدة، والحجرات، والممتحنة».
    • آخر سورة نزلت بالأحكام الشرعية.
    • تمتاز بالمواجهة الشديدة مع أهل الكتاب، فهي أكثر السور تكفيرًا لليهود والنصارى.
    • أكثر السور تأكيدًا على أن التشريع حق لله تعالى وحده، حيث خُتِمت ثلاث آيات بالتحذير من الحكم بغير ما أنزل الله، وهي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (44)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (45)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (47).
سادسًا : العمل بالسورة :
  • • أن نفي بالعقود والعهود مع الله، ومع الناس، ومع النفس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ...﴾ (1).
    • أن نتعاون دومًا على البر والتقوى، ففي التقوى رضى الله، وفي البر رضى الناس.
    • أن ندرس بابَ الأطعمةِ من أحد كتبِ الفقه لنتعلَّمَ ما يُبَاح وما يحْرُم: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ...﴾ (3).
    • أن نزور أحد المرضى ونعلمه صفة التيمم: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (6).
    • أن نتوخي العدل دائمًا؛ حتى في معاملة المخالفين: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (8).
    • أن نفوض أمورنا إلى الله تعالى، ونعتمد عليه، ونفعل الأسباب، ولا نعتمد عليها: ﴿وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (11).
    • ألا نُظهِر البلاء على ألسنتنا؛ فالبلاء موكّل بالمنطق، فاليهود لما قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ (النساء 155)، أي لا تعي شيء، حلّ بهم البلاء: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ (13).
    • أن نجمع بين البشارة والنذارة أثناء دعوة الناس إلى الله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ (19).
    • أن نعدد ثلاثًا من النعم التي اختصنا الله بها دون أقراننا، ونشكره عليها: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ﴾ (20).
    • ألا يغيب عنا التفاؤل أبدًا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ (23).
    • أن نحذر الحسد؛ لأنه صفة ذميمة تؤذي صاحبها وتجره إلى معصية الله، وتجعله يسخط ويعترض على ربه، فهو أول ذنب عُصي الله به في السماء والأرض: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ ...﴾ (27).
    • أن نشدد العقوبة بحق من يفسدون في الأرض ويقطعون الطريق؛ حتى نمنع مجرمين آخرين من الظهور: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ ...﴾ (33).
    • أن نشتغل بالإصلاح بعد التوبة؛ لأن هذا سبب لقبولها: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّـهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (39).
    • أن نحدد أمورًا تتطهر بها قلوبنا، ثم نفعلها، ونتحل بها؛ مثل: حسن الظن، والعفو: ﴿أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّـهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ (41).
    • أن نسبق اليوم غيرنا إلى نوع من الطاعات؛ كالصف الأول، والصدقة لمضطر محتاج، أو غيرها من أبواب الخير: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (48).
    • ألا نتخذ اليهود والنصارى أولياء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ...﴾ (51).
    • أن نتذكّر قول الله: ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ (54) عندما نرى من أقراننا من هو أفضل منا فهمًا أو علمًا أو مالًا أو نعمة.
    • أن نحفظ ألسنتنا عن كثرة الحلِف: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (89).
    • أن نتجنب الخمر والميسر والأزلام والأنصاب، ونبين للناس حرمة ذلك: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ...﴾ (90).
    • أن نحدد بعض المنكرات ونبلغ الناس حكم الله فيها: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (99).
    • ألا نسأل عن الأمور التي لا فائدة من وراءها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (101).
    • أن نكتب الوصية قبل النوم، وننصح غيرنا بذلك، ونبين لهم أهمية كتابة الوصية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (106).
    • أن نحذر أشد الحذر من كفران النعم، فإن أشد الناس عذابًا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (115).
    • أن نسأل الله كثيرًا أن يرزقنا الصدق في القول والعمل: ﴿قَالَ اللَّـهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (119).

تمرين حفظ الصفحة : 113

113

مدارسة الآية : [32] :المائدة     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى ..

التفسير :

[32] بسبب جناية القتل هذه شَرَعْنا لبني إسرائيل أنَّه من قَتل نفساً بغير سبب مِن قصاص، أو فساد في الأرض بأي نوع من أنواع الفساد الموجب للقَتْل كالشرك والمحاربة، فكأنما قتل الناس جميعاً فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله، وأنه من امتنع عن قَتْل نفس حَرَّم

يقول تعالى { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ } الذي ذكرناه في قصة ابني آدم، وقتل أحدهما أخاه، وسنه القتل لمن بعده، وأن القتل عاقبته وخيمة وخسارة في الدنيا والآخرة. { كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ } أهل الكتب السماوية { أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ } أي: بغير حق { فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا } ؛ لأنه ليس معه داع يدعوه إلى التبيين، وأنه لا يقدم على القتل إلا بحق، فلما تجرأ على قتل النفس التي لم تستحق القتل علم أنه لا فرق عنده بين هذا المقتول وبين غيره، وإنما ذلك بحسب ما تدعوه إليه نفسه الأمارة بالسوء. فتجرؤه على قتله، كأنه قتل الناس جميعا. وكذلك من أحيا نفسا أي: استبقى أحدا، فلم يقتله مع دعاء نفسه له إلى قتله، فمنعه خوف الله تعالى من قتله، فهذا كأنه أحيا الناس جميعا، لأن ما معه من الخوف يمنعه من قتل من لا يستحق القتل. ودلت الآية على أن القتل يجوز بأحد أمرين: إما أن يقتل نفسا بغير حق متعمدا في ذلك، فإنه يحل قتله، إن كان مكلفا مكافئا، ليس بوالد للمقتول. وإما أن يكون مفسدا في الأرض، بإفساده لأديان الناس أو أبدانهم أو أموالهم، كالكفار المرتدين والمحاربين، والدعاة إلى البدع الذين لا ينكف شرهم إلا بالقتل. وكذلك قطاع الطريق ونحوهم، ممن يصول على الناس لقتلهم، أو أخذ أموالهم. { وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ } التي لا يبقى معها حجة لأحد. { ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ } أي: من الناس { بَعْدِ ذَلِكَ } البيان القاطع للحجة، الموجب للاستقامة في الأرض { لَمُسْرِفُونَ } في العمل بالمعاصي، ومخالفة الرسل الذين جاءوا بالبينات والحجج.

ثم بين- سبحانه- بعد أن ساق ما جرى بين ابني آدم- ما شرعه من شرائع تردع المعتدى، وتبشر التقى فقال- تعالى-: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً.

وأصل معنى الأجل: الجناية التي يخشى منها آجلا. يقال: أجل الرجل على أهله شرا يأجله- بضم الجيم وكسرها- أجلا إذا جناه أو أثاره وهيجه، ثم استعمل في تعليل الجنايات كما في قولهم: من أجلك فعلت كذا. أى بسببك، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعليل.

والجار والمجرور مِنْ أَجْلِ متعلق بالفعل كَتَبْنا واسم الإشارة ذلِكَ يعود إلى ما ذكر في تضاعيف قصة ابن آدم من أنواع المفاسد المترتبة على هذا القتل الحرام.

والمعنى: بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل حسدا وظلما، ومن أجل ما يترتب على القتل بغير حق من مفاسد كَتَبْنا أى فرضنا وأوجبنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ في التوراة ما يردع المعتدى وما يبشر المتقى.

قال الجمل: قال بعضهم: إن قوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ من تمام الكلام الذي قبله- أى أنه متعلق بقوله: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ- والمعنى: فأصبح من النادمين من أجل ذلك. يعنى من أجل أنه قتل أخاه هابيل ولم يواره، ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله: من أجل ذلك ويجعله من تمام الكلام الأول، ولكن جمهور المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله مِنْ أَجْلِ ذلِكَ ابتداء كلام متعلق بقوله كَتَبْنا فلا يوقف عليه «1» .

ومِنْ هنا للسببية. أى: بسبب هذه الجناية شرعنا ما شرعنا من أحكام لدفع الشر وإشاعة الخير.

وعبر- سبحانه- عن السببية. بمن لبيان الابتداء في الحكم. وأنه اقترن بوقوع تلك الجريمة النكراء التي ستكون آثارها سيئة إذا لم تشرع الأحكام لمنعها.

وقدم الجار والمجرور على ما تعلق به وهو كَتَبْنا لإفادة الحصر أى: من ذلك ابتدئ الكتب ومنه نشأ لا من شيء آخر.

وعبر- سبحانه- بقوله كَتَبْنا للإشارة إلى أن الأحكام التي كتبها، قد سجلت بحيث لا تقبل المحو أو التبديل، بل من الواجب على الناس أن يلتزموا بها، ولا يفرطوا في شيء منها.

وخص بنو إسرائيل بالذكر مع أن الحكم عام- لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا، وكان قبل ذلك قولا مطلقا، ولأنهم أكثر الناس سفكا للدماء، وقتلا للمصلحين، فقد قتلوا كثيرا من الأنبياء، كما قتلوا أكثر المرشدين والناصحين، ولأن الأسباب التي أدت إلى قتل قابيل لهابيل من أهمها الحسد، وهو رذيلة معروفة فيهم، فقد حملهم حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم على الكفر به مع أنهم يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم، كما حملهم على محاولة قتله ولكن الله- تعالى- نجاه من شرورهم.

وما أشبههم في قتلهم للذين يأمرونهم بالخير بقابيل الذي قتل أخاه هابيل لأنه أرشده إلى ما يصلحه.

وقوله- تعالى-: أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً بيان لما كتبه- سبحانه- من أحكام تسعد الناس متى اتبعوها.

والمعنى: بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل ظلما وعدوانا، كتبنا في التوراة على بنى إسرائيل أَنَّهُ أى: الحال والشأن مَنْ قَتَلَ نَفْساً واحدة من النفوس الإنسانية بِغَيْرِ نَفْسٍ.

أى: بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص منه أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ أى: أو بغير فساد في الأرض يوجب إهدار الدم- كالردة وزنا المحصن- فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً لأن الذي يقتل نفسا بغير حق، يكون قد استباح دما مصونا قد حماه الإسلام بشرائعه وأحكامه، ومن استباح هذا الدم في نفس واحدة، فكأنه قد استباحه في نفوس الناس جميعا، إذ النفس الواحدة تمثل النوع الإنسانى كله. وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً أى: ومن تسبب في إحيائها وصيانتها من العدوان عليها، كأن استنقذها مما يؤدى بها إلى الهلاك والأذى الشديد، أو مكن الحاكم من إقامة الحد على قاتلها بغير حق، من فعل ذلك فكأنما تسبب في إحياء الناس جميعا.

وفي هذه الجملة الكريمة أسمى ألوان الترغيب في صيانة الدماء، وحفظ النفوس من العدوان عليها، حيث شبه- سبحانه- قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعا، وإحياءها بإحياء الناس جميعا.

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع، وجعل حكمه كحكمهم؟

قلت: لأن كل إنسان يدلى بما يدلى به الآخر من الكرامة على الله، وثبوت الحرمة. فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته، وعلى العكس. فلا فرق إذا بين الواحد والجميع في ذلك.

فإن قلت: فما الفائدة في ذكر ذلك؟ قلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب وليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها، لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا، عظم ذلك عليه فثبطه- عن القتل- وكذلك الذي أراد إحياءها » .

وقال الإمام ابن كثير: قال الحسن وقتادة في قوله- تعالى- أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً.. إلخ.

هذا تعظيم لتعاطى القتل. قال قتادة: عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها. وقيل للحسن: هذه الآية لنا كما كانت لبنى إسرائيل؟ فقال: إى والذي لا إله غيره- هي لنا- كما كانت لهم. وما جعل- سبحانه- دماءهم أكرم من دمائنا .

وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه يكون المراد بالنفس في قوله أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً:

العموم أى: نفسا يحرم قتلها من بنى الإنسان.

وبعضهم يرى أن المراد نفس الامام العادل، لأن القتل في هذه الحالة يؤدى إلى اضطراب أحوال الجماعة، وإشاعة الفتنة فيها. قال القرطبي: روى عن ابن عباس أنه قال: المعنى:

الأرض يوجب إهدار الدم- كالردة وزنا المحصن- فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً لأن الذي يقتل نفسا بغير حق، يكون قد استباح دما مصونا قد حماه الإسلام بشرائعه وأحكامه، ومن استباح هذا الدم في نفس واحدة، فكأنه قد استباحه في نفوس الناس جميعا، إذ النفس الواحدة تمثل النوع الإنسانى كله. وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً أى: ومن تسبب في إحيائها وصيانتها من العدوان عليها، كأن استنقذها مما يؤدى بها إلى الهلاك والأذى الشديد، أو مكن الحاكم من إقامة الحد على قاتلها بغير حق، من فعل ذلك فكأنما تسبب في إحياء الناس جميعا.

وفي هذه الجملة الكريمة أسمى ألوان الترغيب في صيانة الدماء، وحفظ النفوس من العدوان عليها، حيث شبه- سبحانه- قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعا، وإحياءها بإحياء الناس جميعا.

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع، وجعل حكمه كحكمهم؟

قلت: لأن كل إنسان يدلى بما يدلى به الآخر من الكرامة على الله، وثبوت الحرمة. فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته، وعلى العكس. فلا فرق إذا بين الواحد والجميع في ذلك.

فإن قلت: فما الفائدة في ذكر ذلك؟ قلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب وليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها، لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا، عظم ذلك عليه فثبطه- عن القتل- وكذلك الذي أراد إحياءها » .

وقال الإمام ابن كثير: قال الحسن وقتادة في قوله- تعالى- أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً.. إلخ.

هذا تعظيم لتعاطى القتل. قال قتادة: عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها. وقيل للحسن: هذه الآية لنا كما كانت لبنى إسرائيل؟ فقال: إى والذي لا إله غيره- هي لنا- كما كانت لهم. وما جعل- سبحانه- دماءهم أكرم من دمائنا .

وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه يكون المراد بالنفس في قوله أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً:

العموم أى: نفسا يحرم قتلها من بنى الإنسان.

وبعضهم يرى أن المراد نفس الامام العادل، لأن القتل في هذه الحالة يؤدى إلى اضطراب أحوال الجماعة، وإشاعة الفتنة فيها. قال القرطبي: روى عن ابن عباس أنه قال: المعنى:

الأرض، وسرى إلى غيرهم من سكانها المنتشرين فيها. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حكت لنا ما دار بين ابني آدم من محاورات أدت إلى قتل أحدهما للآخر ظلما وحسدا، إذ الحسد يأكل القلوب، ويشعلها بالشر كما تشتعل النار في الحطب، وبسببه ارتكبت أول جريمة قتل على ظهر الأرض، وبسببه كانت أكثر الجرائم في كل زمان ومكان.. كما حكت لنا أن بنى إسرائيل- مع علمهم بشناعة جريمة القتل- قد أسرفوا في قتل الأنبياء والمصلحين مما يدل على قسوة قلوبهم، وفي كل ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه عما كانوا يلاقونه من اليهود المعاصرين لهم من عناد ومكر وأذى.

وبعد أن ذكر- سبحانه- تغليظ الإثم في قتل النفس بغير حق، وتعظيم الأجر لمن عمل على إحيائها، أتبع ذلك ببيان الفساد المبيح للقتل، فقال- تعالى-:

ول تعالى : ( من أجل ) قتل ابن آدم أخاه ظلما وعدوانا : ( كتبنا على بني إسرائيل ) أي : شرعنا لهم وأعلمناهم ( أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) أي : ومن قتل نفسا بغير سبب من قصاص ، أو فساد في الأرض ، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية ، فكأنما قتل الناس جميعا ; لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس ، ( ومن أحياها ) أي : حرم قتلها واعتقد ذلك ، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار ; ولهذا قال : ( فكأنما أحيا الناس جميعا ) .

وقال الأعمش وغيره ، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : دخلت على عثمان يوم الدار فقلت : جئت لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين . فقال : يا أبا هريرة ، أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي معهم؟ قلت : لا . قال فإنك إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قتلت الناس جميعا ، فانصرف مأذونا لك ، مأجورا غير مأزور . قال : فانصرفت ولم أقاتل .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : هو كما قال الله تعالى : ( من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) وإحياؤها : ألا يقتل نفسا حرمها الله ، فذلك الذي أحيا الناس جميعا ، يعني : أنه من حرم قتلها إلا بحق ، حيي الناس منه [ جميعا ]

وهكذا قال مجاهد : ( ومن أحياها ) أي : كف عن قتلها .

وقال العوفي عن ابن عباس في قوله : ( فكأنما قتل الناس جميعا ) يقول : من قتل نفسا واحدة حرمها الله ، فهو مثل من قتل الناس جميعا . وقال سعيد بن جبير : من استحل دم مسلم فكأنما استحل دماء الناس جميعا ، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس جميعا .

هذا قول ، وهو الأظهر ، وقال عكرمة والعوفي عن ابن عباس [ في قوله : ( فكأنما قتل الناس جميعا ) يقول ] من قتل نبيا أو إمام عدل ، فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن شد على عضد نبي أو إمام عدل ، فكأنما أحيا الناس جميعا . رواه ابن جرير .

وقال مجاهد في رواية أخرى عنه : من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ; وذلك لأنه من قتل النفس فله النار ، فهو كما لو قتل الناس كلهم .

وقال ابن جريج عن الأعرج عن مجاهد في قوله : ( فكأنما قتل الناس جميعا ) من قتل النفس المؤمنة متعمدا ، جعل الله جزاءه جهنم ، وغضب الله عليه ولعنه ، وأعد له عذابا عظيما ، يقول : لو قتل الناس جميعا لم يزد على مثل ذلك العذاب .

قال ابن جريج : قال مجاهد ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) قال : من لم يقتل أحدا فقد حيي الناس منه .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : من قتل نفسا فكأنما قتل الناس [ جميعا ] يعني : فقد وجب عليه القصاص ، فلا فرق بين الواحد والجماعة ( ومن أحياها ) أي : عفا عن قاتل وليه ، فكأنما أحيا الناس جميعا . وحكي ذلك عن أبيه . رواه ابن جرير .

وقال مجاهد - في رواية - : ( ومن أحياها ) أي : أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة .

وقال الحسن وقتادة في قوله : ( أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ) هذا تعظيم لتعاطي القتل - قال قتادة : عظم والله وزرها ، وعظم والله أجرها .

وقال ابن المبارك عن سلام بن مسكين عن سليمان بن علي الربعي قال : قلت للحسن : هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال : إي والذي لا إله غيره ، كما كانت لبني إسرائيل . وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا .

وقال الحسن البصري : ( فكأنما قتل الناس جميعا ) قال : وزرا . ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) قال : أجرا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال : جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، اجعلني على شيء أعيش به . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا حمزة ، نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها؟ " قال : بل نفس أحييها : قال : " عليك بنفسك " .

وقوله : ( ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ) أي : بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة ( ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ) وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها ، كما كانت بنو قريظة والنضير وغيرهم من بني قينقاع ممن حول المدينة من اليهود الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية ، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها فدوا من أسروه ، وودوا من قتلوه ، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة ، حيث يقول : ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ) [ البقرة : 84 ، 85 ] .

القول في تأويل قوله عز ذكره : مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " من أجل ذلك "، من جرِّ ذلك وجَريرته وجنايته. يقول: من جرِّ القاتل أخاه من ابني آدم= اللذين اقتصصنا قصتهما= الجريرةَ التي جرَّها، وجنايتِه التي جناها=" كتبنا على بني إسرائيل ".

* * *

يقال منه: " أجَلْت هذا الأمر "، أي: جررته إليه وكسبته،"آجله له أجْلا "، كقولك: " أخَذْته أخذًا "، ومن ذلك قول الشاعر: (1)

وَأَهْــلِ خِبَــاءٍ صَـالِحٍ ذَاتُ بَيْنِهـمْ

قَـدِ احْـتَرَبُوا فِـي عَـاجِلٍ أَنَـا آجِلُه (2)

يعني بقوله: " أنا آجله "، أنا الجارُّ ذلك عليه والجانِي.

* * *

فمعنى الكلام: من جناية ابن آدم القاتل أخاه ظلمًا، حكمنا على بني إسرائيل أنه من قتل منهم نفسًا ظلمًا، بغير نفس قتلت، فقتل بها قصاصًا (3) =" أو فساد في الأرض "، يقول: أو قتل منهم نفسًا بغير فسادٍ كان منها في الأرض، فاستحقت بذلك قتلها. و " فسادها في الأرض "، إنما يكون بالحرب لله ولرسوله، وإخافة السبيل. (4)

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:

ذكر من قال ذلك:

11770 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل "، يقول: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلمًا.

* * *

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله جل ثناؤه: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا ".

فقال بعضهم: معنى ذلك: ومن قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شدَّ على عضُد نبيّ أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعًا.

ذكر من قال ذلك:

11771 - حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي قال، حدثنا الفضل &; 10-233 &; بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " من قتل نفسًا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من شدّ على عضُد نبيّ أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعًا، ومن قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا. (5)

11772 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، يقول: من قتل نفسًا واحدًة حرَّمتها، فهو مثل من قتل الناس جميعًا=" ومن أحياها "، يقول: من ترك قتل نفس واحدة حرمتها مَخَافتي، واستحياها أن يقتلها، فهو مثل استحياء الناس جميعًا= يعني بذلك الأنبياء.

* * *

وقال آخرون: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، عند المقتول في الإثم=" ومن أحياها "، فاستنقذها من هلكةٍ=" فكأنما أحيا الناس جميعًا "، عند المستنقذ.

ذكر من قال ذلك:

11773 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، فيما ذكر عن أبي مالك= وعن أبي صالح، عن ابن عباس= وعن مرة الهمداني، عن عبد الله= وعن ناسٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتَلَ &; 10-234 &; الناس جميعًا "، عند المقتول، يقول: في الإثم=" ومن أحياها "، فاستنقذها من هلكة=" فكأنما أحيا الناس جميعًا "، عند المستنقَذ.

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك: إن قاتل النفس المحرم قتلُها، يصلى النار كما يصلاها لو قتل الناس جميعًا=" ومن أحياها "، من سلم من قتلها، فقد سلم من قتل الناس جميعًا.

ذكر من قال ذلك:

11774 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: " من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من كف عن قتلها فقد أحياها=" ومن قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا "، قال: ومن أوبقها.

11775 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن خصيف، عن مجاهد قال: من أوبق نفسًا فكما لو قتل الناس جميعًا، ومن أحياها وسلم من ظُلمها فلم يقتلها، (6) فقد سلم من قتل الناس جميعًا.

11776 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن مجاهد: " فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، لم يقتلها، وقد سلم منه الناس جميعًا، لم يقتل أحدًا.

11777 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن الأوزاعي قال، أخبرنا عبدة بن أبي لبابة قال: سألت مجاهدًا= أو: سمعته يُسْأل= عن قوله: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، قال: لو قتل الناس جميعًا، كان جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغَضِب &; 10-235 &; الله عليه ولَعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا. (7)

11778 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءةً، عن الأعرج، (8) عن مجاهد في قوله: " فكأنما قتل الناس جميعًا "، قال: الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدًا، جعل الله جزاءه جهَنّم، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا. يقول: لو قتل الناس جميعًا لم يزد على مثل ذلك من العذاب= قال ابن جريج، قال مجاهد: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " قال: من لم يقتل أحدًا، فقد استراح الناسُ منه.

11779 - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد قال: أوبق نفسه. (9)

11780 - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: في الإثم.

11780 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، وقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ [سورة النساء: 93] قال: يصير إلى جهنم بقتل المؤمن، كما أنه لو قتل الناس جميعًا لصار إلى جهنم.

11781 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا " قال: هو كما قال= وقال: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، فإحياؤها: لا يقتل نفسًا حرمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعًا، يعني: أنه من حرم قتلها إلا بحقٍّ، حَيِي الناس منه جميعًا.

11782 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد: " ومن أحياها "، قال: ومن حرَّمها فلم يقتلها.

11783 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن العلاء قال: سمعت مجاهدًا يقول: " من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من كف عن قتلها فقد أحياها.

11784 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " فكأنما قتل الناس جميعًا " قال: هي كالتي في" النساء ": وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ [سورة النساء: 93]، في جزائه.

11785 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فكأنما قتل الناس جميعًا " كالتي في" سورة النساء "، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا في جزائه=" ومن أحياها "، ولم يقتل أحدًا، فقد حيِيَ الناس منه.

11786 - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد في قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: التفت إلى جلسائه فقال: هو هذا وهذا. (10)

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، لأنه يجب عليه من القِصاص به والقوَد بقتله، مثلُ الذي يجب عليه من القَوَد والقصاص لو قتل الناس جميعًا.

ذكر من قال ذلك:

11787 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، قال: يجب عليه من القتل مثلُ لو أنه قتل الناس جميعًا. قال: كان أبي يقول ذلك.

* * *

وقال آخرون معنى قوله: " ومن أحياها ": من عفا عمن وجب له القِصَاص منه فلم يقتله.

ذكر من قال ذلك:

11788 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، يقول: من أحياها، أعطاه الله جل وعزّ من الأجر مثلُ لو أنه أحيا الناس جميعًا=" أحياها " فلم يقتلها وعفا عنها. قال: وذلك وليّ القتيل، والقتيل نفسه يعفو عنه قبل أن يموت. قال: كان أبي يقول ذلك:

11789 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن يونس، عن الحسن في قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من عفا.

11790 - حدثنا سفيان قال، حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من قُتِل حميمٌ له فعفا عن دمه. (11)

11791 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن." ومن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعًا "، قال: العفو بعد القدرة.

* * *

وقال آخرون: معنى قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، ومن أنجاها من غَرَق أو حَرَقٍ. (12)

ذكر من قال ذلك:

11792 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " قال: من أنجاها من غَرَق أو حرَقٍ أو هَلَكةٍ.

11793 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من غرَق أو حَرَق أو هَدَمٍ. (13)

11794 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل عن خصيف، عن مجاهد: " ومن أحياها "، قال: أنجاها.

* * *

وقال الضحاك بما:-

11795 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي عامر، عن الضحاك قال: " من قتل نفسًا بغير نفس "، قال: من تورَّع أو لم يتورَّع. (14)

11796 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فكأنما أحيا الناس جميعًا "، يقول: لو لم يقتله لكان قد أحيا الناس، فلم يستحلّ محرَّمًا.

* * *

وقال قتادة والحسن في ذلك بما:-

11797 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن: " من قتل نفسًا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض "، قال: عَظُم ذلك.

11798 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس " الآية، من قتلها على غير نفس ولا فسادٍ أفسدته=" فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " عظُم والله أجرُها، وعظُم وزرها! فأحيها يا ابن آدم بما لك، وأحيها بعفوك إن استطعت، ولا قوة إلا بالله. وإنا لا نعلمُه يحل دم رجل مسلمٍ من أهل هذه القبلة إلا بإحدى ثلاث: رجل كفرَ بعد إسلامه، فعليه القتل= أو زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم= أو قتل متعمدًا، فعليه القَوَد.

11799 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال: تلا قتادة: " من قتل نفسًا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " قال: عظم والله أجرُها، وعظم والله وِزْرها!

11800 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سلاّم بن مسكين قال، حدثني سليمان بن علي الربعي قال: قلت للحسن: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس " الآية، أهي لنا يا أبا سعيد، كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إِي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل! وما جعل دماءَ بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا؟ (15)

11801 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سعيد بن زيد قال: سمعت خالدًا أبا الفضل قال: سمعت الحسن تلا هذه الآية: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ إلى قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، ثم قال: عظَّم والله في الوزر كما تسمعون، ورغَّب والله في الأجر كما تسمعون! إذا ظننت يا ابن آدم، أنك لو قتلت الناس جميعًا، فإن لك من عملك ما تفوز به من النار‍‍، كذَبَتْك والله نفسك، وكذَبَك الشيطان. (16)

11802 - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن الحسن في قوله: " فكأنما قتل الناس جميعًا " قال: وِزْرًا=" ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " قال: أجرًا.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: تأويل &; 10-241 &; ذلك: أنه من قتل نفسًا مؤمنة بغير نفس قَتَلتها فاستحقت القَوَد بها والقتل قِصاصًا= أو بغير فساد في الأرض، بحرب الله ورسوله وحرب المؤمنين فيها= فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله جل ثناؤه، كما أوعده ذلك من فعله ربُّه بقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [سورة النساء: 93].

* * *

وأما قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " فأولى التأويلات به، قول من قال: من حرّم قتل من حرّم الله عز ذكره قتله على نفسه، فلم يتقدّم على قتله، فقد حيي الناس منه بسلامتهم منه، وذلك إحياؤه إياها. وذلك نظير خبر الله عز ذكره عمن حاجّ إبراهيم في ربّه إذ قال له إبراهيم: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [سورة البقرة: 258]. فكان معنى الكافر في قيله: أَنَا أُحْيِي ، (17) أنا أترك من قَدَرت على قتله- وفي قوله: وَأُمِيتُ ، قتله من قتله. (18) فكذلك معنى " الإحياء " في قوله: " ومن أحياها "، من سلِمَ الناس من قتله إياهم، إلا فيما أذن الله في قتله منهم=" فكأنما أحيا الناس جميعًا ".

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بتأويل الآية، لأنه لا نفسَ يقومُ قتلُها في عاجل الضُّرّ مقام قتل جميع النفوس، ولا إحياؤها مقامَ إحياء جميع النفوس في عاجل النفع. فكان معلومًا بذلك أن معنى " الإحياء ": سلامة جميع النفوس منه، لأنه من لم يتقدم على نفس واحدة، فقد سلم منه جميع النفوس- وأن الواحدة منها التي يقوم قتلُها مقام جميعها إنما هو في الوِزْر، لأنه لا نفس من نفوس بني آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها، وإن كان فقد بعضها أعمّ ضررًا من فقد بعض. (19)

* * *

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

قال أبو جعفر: وهذا قسم من الله جل ثناؤه أقسم به: أن رسله صلوات الله عليهم قد أتت بني إسرائيل الذين قصَّ الله قَصَصهم وذكر نبأهم في الآيات التي تقدَّمت، من قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ إلى هذا الموضع=" بالبينات "، يعني: بالآيات الواضحة والحجج البيِّنة على حقيقة ما أرسلوا به إليهم، (20) وصحة ما دعوهم إليه من الإيمان بهم، وأداء فرائضِ الله عليهم.

=يقول الله عز ذكره: " ثم إن كثيًرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون "، يعني: أن كثيرًا من بني إسرائيل.

* * *

=و " الهاء والميم " في قوله: " ثم إن كثيرًا منهم "، من ذكر بني إسرائيل، وكذلك ذلك في قوله: " ولقد جاءتهم ".

* * *

=" بعد ذلك "، يعني: بعد مجيء رسل الله بالبينات (21) .

=" في الأرض لمسرفون "، يعني: أنهم في الأرض لعاملون بمعاصي الله، ومخالفون أمر الله ونهيه، ومحادُّو الله ورسله، باتباعهم أهواءَهم. وخلافهم على أنبيائهم، وذلك كان إسرافهم في الأرض. (22)

-----------------

الهوامش :

(1) نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن فقال: "قال الخنوت ، وهو توبة بن مضرس ، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وإنما سماه الخنوت ، الأحنف بن قيس. لأن الأحنف كلمه ، فلم يكلمه احتقارًا له ، فقال: إن صاحبكم هذا الخنوت! والخنوت: المتجبر الذاهب بنفسه ، المستصغر للناس".

و"الخنوت" (بكسر الخاء ، ونون مشددة مفتوحة ، واو ساكنة).

وذكره الآمدي في المؤتلف والمختلف ص: 68 وقال: "وقتل أخواه ... فأدرك الأخذ بثأرهما... وجزع على أخويه جزعًا شديدًا ، ... وكان لا يزال يبكي أخويه ، فطلب إليه الأحنف أن يكف ، فأبى ، فسماه: الخنوت = وهو الذي يمنعه الغيظ أو البكاء من الكلام".

ونسبه التبريزي في شرح إصلاح المنطق ، والشنتمري في شرح ديوان زهير إلى خوات بن جبير الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو الذي يذكر في خبر ذات النحيين.

وألحق بشعر زهير بن أبي سلمى ، في ديوانه (شرح الشنتمري).

(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 163 (وفيه مراجع) ، وشرح إصلاح المنطق 1 : 14 ، وشرح شعر زهير للشنتمري: 33 ، واللسان (أجل) ، وفي رواية لابن برى ، في اللسان.

وَأَهْــل خِبَــاء آمِنِيــن، فَجَـعْتُهُمْ

بِشَــيْءٍ عَزِيـزٍ عَـاجِل أَنَـا آجِلُـهْ

وَأَقْبَلْـتُ أَسْـعَى أَسْـأَلُ الْقَـوْمَ مَالَهُمْ

سُـؤَالَكَ بِالَّشْـيءِ الَّـذِي أَنْـتَ جَاهِلُهْ

ويروى الشطر الأول ، من البيت الثاني:

فَـأَقْبَلَتْ فِـي السَّـاعِينَ أَسْـأَلُ عَنْهُمُ

وفي المخطوطة: "قد اصرموا" ، غير منقوطة ، والصواب من المراجع.

(3) انظر تفسير"كتب" فيما سلف ص: 169 ، تعليق 1. والمراجع هناك.

(4) انظر تفسير"الفساد في الأرض" فيما سلف 1 : 287 ، 406/ 4 : 238 ، 239 ، 243 ، 424/ 5 : 372/ 6 : 477.

(5) الأثر: 11771-"أبو عمار المروزي" ، هو: "الحسين بن حريث بن الحسن بن ثابت". روى عن ابن المبارك ، والفضل بن موسى ، وابن أبي حازم ، وابن عيينة ، وغيرهم. روى عنه الجماعة سوى ابن ماجه. ثقة. مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/389 ، وابن أبي حاتم 1/2/50.

و"الفضل بن موسى السيناني" ، أبو عبد الله المروزي. ثقة ثبت روى له الجماعة. مترجم في التهذيب.

و"الحسين بن واقد المروزي" ، مضى برقم: 4810 ، 6311.

(6) في المطبوعة: "وسلم من طلبها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.

(7) هذا تضمين آية"سورة النساء": 93.

(8) في المطبوعة: "قراءة عن الأعرج" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(9) في المطبوعة: "أوبق نفسا" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(10) كأنه يعني بقوله: "هو هذا وهذا" ، أن قتل نفس محرمة بغير نفس أو فساد في الأرض قتل للناس جميعًا ، وإحياؤها إحياء للناس جميعًا.

(11) "الحميم": ذو القرابة القريب.

(12) "الحرق" (بفتحتين): النار ولهبها ، كالحريق. وفي الحديث: "الحرق والغرق والشرق شهادة" (كل ذلك بفتحات).

(13) "الهدم" (بفتحتين). وهو البناء المهدوم ، وفي حديث الشهداء: "وصاحب الهدم شهادة".

(14) كأنه يعني: من تورع عن قتلها ، أو لم يتورع ولكنه لم يقتل ، فكأنما أحيى الناس جميعا.

(15) الأثر: 11800-"سلام بن مسكين بن ربيعة الأزدي" ، "أبو روح" ، ثقة. مضى برقم: 692.

و"سليمان" بن علي الربعي الأزدي". ثقة. مترجم في التهذيب.

(16) الأثر: 11801-"سعيد بن زيد بن درهم الأزدي" ، أخو: حماد بن زيد. تكلموا فيه ، ووثقوه فقالوا: "صدوق حافظ" ، وأعدل ما قيل فيه ما قاله ابن حبان: "كان صدوقا حافظًا ، ممن كان يخطئ في الأخبار ويهم ، حتى لا يحتج به إذا انفرد". مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/432 ، وابن أبي حاتم 2/1/21.

و"خالد ، أبو الفضل". قال البخاري في الكبير 2/1/153: "خالد بن أبي الفضل ، سمع الحسن. روى عنه سعيد بن زيد قوله... وكنيته خالد بن رباح أبا الفضل ، فلا أدري هو ذا أم لا"؟ كأن البخاري يعني هذا الأثر.

ثم ترجم"خالد بن رباح الهذلي" 2/1/136 ، وقال: "سمع منه وكيع" ، ولم يذكر"سعيد بن زيد". وقال: "قال يزيد بن هرون ، أخبرنا خالد بن رباح أبو الفضل".

وأما ابن أبي حاتم فقد ترجم في الجرح والتعديل 1/2/346: "خالد بن الفضل. روي عن الحسن. روى عنه سعيد بن زيد. سمعت أبي يقول ذلك".

ثم ترجم في 1/2/330. و"خالد بن رباح الهذلي ، أبو الفضل ... روى عن الحسن...." ، ولم يذكر في الرواه عنه"سعيد بن زيد".

وترجم له الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة: 112 ، وفي لسان الميزان 2: 374 ، "خالد بن رباح الهذلي ، أبو الفضل البصري" ، ونقل عن ابن حبان في الضعفاء أن كنيته"أبو الفضل" ثم قال: "ولما ذكره في الطبقة الثالثة من الثقات قال: خالد بن رباح أبو الفضل ، يروي عن الحسن. روى عنه سعيد بن زيد". قال ابن حجر: "فما أدري ، ظنه آخر ، أو تناقض فيه؟".

أما ترجمته في لسان الميزان ، فلم يذكر كنيته هناك ، ونقل بعض ما جاء في تعجيل المنفعة.

والظاهر أن"خالدًا أبا الفضل" ، هو"خالد بن رباح الهذلي" نفسه ، وأن ما جاء في ابن أبي حاتم"خالد بن الفضل" خطأ أو وهم. والظاهر أيضًا أنه توقف في أمر"خالد بن أبي الفضل" ، ورجح أن يكون خطأ من الرواة ، وأن الراوية"خالد أبو الفضل". وهو"خالد بن رباح الهذلي" نفسه.

(17) في المطبوعة والمخطوطة هنا: "أنا أحيي وأميت" ولا شك أن قوله: "وأميت" تكرار ، فتركته.

(18) انظر ما سلف: 5: 432.

(19) انظر تفسير"الإحياء" فيما سلف 5: 432 ، وما بعدها.

(20) في المطبوعة: "على حقية" ، فعل بما كان في المخطوطة ، كما فعل بأخواتها من قبل ، انظر ما سلف ، كما أشرت إليه في ص: 19 ، تعليق: 3 ، والمراجع السابقة هناك.

(21) انظر تفسير"البينات" فيما سلف 9: 360 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(22) انظر تفسير"الإسراف" فيما سلف 7 : 272 ، 579.

التدبر :

لمسة
[32] ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ما الحكمة في ربط حالة أول قتل على الأرض ببني إسرائيل تحديدًا مع أن هناك أممًا كثيرة حصل فيها قتل؟ الجواب: إنما ذُكِروا دون الناس؛ لأن التوراة أول كتاب نزل فيه تعظيم القتل, ومع ذلك كانوا أشد طغيانًا فيه وتماديًا؛ حتى قتلوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حتى أصبحت سمة عندهم، كما حاولوا قتل الرسول، ولهم مع المسلمين شيء إلى آخر الزمان، فجاء التحذير الشديد لهم، كما أنه أول كتاب وصل إلينا.
وقفة
[32] ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ إن قلتَ: كيف يكون قتلُ الواحدِ كقتل الكُلِّ، مع أن الجناية إذا تعدَّدت كانت أقبح؟! قلتُ: تشبيهُ أحد الشيئين بالآخر، لا يقتضي تساويهما من كلّ وجه، ولأن المقصود من ذلك المبالغةُ، في تعظيم أمر القتلِ العمدِ العدوانِ، أو لأن المعنى: من قَتَل نفسًا بغير حقٍّ كان جميع النَّاس خصومَه في الآخرة مطلقًا، وفي الدُّنيا إن لم يكن له وليٌ، أو المعنى: من قَتَل نبيًّا أو إمامًا عادلًا، كان كمن قتل الناس جميعًا، من حيث إبطال المنفعة عن الكلّ.
وقفة
[32] ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ فيه مشروعية قتل المفسدين في الأرض, فيدخل في ذلك قاطع الطريق والساحر ومن عدم فساده وظلمه.
وقفة
[32] ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال مجاهد: وعد الله قاتل النفس بجهنم، والخلود فيها، والغضب، واللعنة، والعذاب العظيم، القصد بالآية: تعظيم قتل النفس، والتشديد فيه؛ لينزجر الناس عنه، وكذلك الثواب في إحيائها كثواب إحياء الجميع؛ لتعظيم الأمر، والترغيب فيه.
وقفة
[32] ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ لن يُصبح لأرواحنا قيمة حتى يكون إهدار الروح الواحدة كإهدار أرواحنا جميعًا.
عمل
[32] إياك والتجرؤ على الدم الحرام؛ فإنه بمثابة قتل جميع من في الأرض ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
وقفة
[32] من سَنَّ سُنَّة قبيحة أو أشاع قبيحًا وشجَّع عليه، فإن له مثل سيئات من اتبعه على ذلك ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
وقفة
[32] ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي قدسية منحها الرب لنفوسنا!
وقفة
[32] ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ هذا أعظم نص عرفته البشرية في تعظيم قتل النفس، قال الزمخشري في فائدة هذا التعبير: «تعظیم قتل النفس وإحيائها في القلوب، وليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها؛ لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعًا، عظم ذلك عليه فثبطه -عن القتل- وكذلك الذي أراد إحياءها».
وقفة
[32] ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ استهداف نفس واحدة استهداف لجوهر الحياة وعداء صارخ لها.
وقفة
[32] ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ إذا كان هذا جزاء من أحيا إنسانًا حياةً بدنيةً، فكيف سيكون جزاء مَن أحيا غيرَه حياةً إيمانيَّة روحيَّة؟!
عمل
[32] ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ هنيئًا لمن أحيا النفس فأطعم جائعًا، أو سقى ظمآنَ، أو أوى مشردًا، أو كسى عاريًا أو كفل يتيمًا.
وقفة
[32] ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أحيا: استنقذ من هلكة، هذه نفس واحدة، فكيف بأطفال يتلوّون على الأنقاض التصقت أجوافهم جوعًا!
عمل
[32] ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ لا تبحث عن الجموع، ضع دائرة اهتمامك للروح التي أمامك؛ امنحها اهتمامك وحبك وإقبالك، أنت تمنح حينها العالم.
وقفة
[32] الرسالة التي أفهمها من قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أن عملًا واحدًا منك قد يصنع فرقًا كبيرًا في هذا العالم، وأن أثرك لا محدود.
وقفة
[32] حرمة النفس البشرية، وأن من صانها وأحياها فكأنما فعل ذلك بجميع البشر ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، وأن من أتلف نفسًا بشرية أو آذاها من غير حق فكأنما فعل ذلك بالناس جميعًا ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
وقفة
[32] فساد بني إسرائيل لم ينشأ عن جهل وقلة علم، بل كان اتباعًا للأهواء، وحبًا لزينة الدنيا؛ فغضب الله عليهم ولعنهم ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾.
عمل
[32] ﴿تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 246]، ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم﴾ كن دقيقًا في حكمك على الناس ووصفك، القرآن يعلمنا هذا.
وقفة
[32] ﴿فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ قَدَّمَ ﴿فِي الأَرْضِ﴾ على قوله: ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾؛ ليلفت نظرنا إلى عِظَم الفساد، فهم يفسدون في الأرض التي بها حياتنا، والنفس تنفر من إفساد ما به صلاحها.
عمل
[32] أرسل رسالة عن خطورة جريمة القتل، وعظيم عقوبتها.

الإعراب :

  • ﴿ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ:
  • من: حرف جر لابتداء الغاية. أجل: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة. ذلك: ذا: اسم اشارة مبني على السكون في محل جر بالاضافة. اللام: للبعد و «الكاف» حرف خطاب بمعنى بسبب ذلك وعلته والجار والمجرور متعلق بكتبنا.
  • ﴿ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ:
  • كتبنا: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الدالة على الفاعل و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. على: حرف جر. بني: اسم مجرور بعلى وعلامة جره الياء لانه ملحق بجمع المذكر السالم وحذفت النون للاضافة. اسرائيل: مضاف اليه مجرور بالفتحة بدلا من الكسرة لانه ممنوع من الصرف والجار والمجرور «عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ» متعلق بكتبنا.
  • ﴿ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً:
  • أنّ: حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب اسم «أن» وخبرها الجملة الاسمية «من وخبرها» في محل رفع. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. قتل: فعل ماض مبني على الفتح فعل الشرط في محل جزم بمن والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو. نفسا: مفعول به منصوب بالفتحة. وجملتا فعل الشرط وجوابه «جزاؤه» في محل رفع خبر «مِنْ» والجملة من «أنّ مع اسمها وخبرها» في محل جر بحرف جر محذوف تقديره «بأنه» لأن معنى «كتب الله على بني اسرائيل» أمرهم به أو ألزمهم بالشيء أو قضى به عليهم. والجار والمجرور متعلق بكتبنا.
  • ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ:
  • جار ومجرور متعلق بقتل. نفس: مضاف اليه مجرور بالكسرة. أي بغير قتل نفس. أو: حرف عطف. فساد: معطوفة على «نَفْسٍ» مجرورة مثلها. أي بغير فساد و «فِي الْأَرْضِ» جار ومجرور متعلق بفساد أو بصفة محذوفة منه.
  • ﴿ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً:
  • الفاء: واقعة في جواب الشرط. كأنما: كافة ومكفوفة. قتل الناس: تعرب اعراب «قَتَلَ نَفْساً» وجملة «كأنما وما بعدها» جواب شرط جازم مقترن بالفاء في محل جزم. جميعا: حال منصوب بالفتحة. بمعنى: كان كمن قتل الناس جميعا.
  • ﴿ وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً:
  • الجملة: معطوفة بالواو على من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا «وتعرب اعرابها». و «ها» في أحياها ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به. وأحيا: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الالف للتعذر.
  • ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ:
  • الواو: استئنافية. لقد: اللام: للابتداء والتوكيد. قد: حرف تحقيق. جاءتهم: فعل ماض مبني على الفتح. والتاء: تاء التأنيث الساكنة. و «هم» ضمير الغائبين في محل نصب مفعول به مقدم.
  • ﴿ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ:
  • فاعل مرفوع بالضمة و «نا» ضمير متصل في محل جر بالاضافة. بالبينات: جار ومجرور متعلق بجاء.
  • ﴿ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً:
  • ثم: حرف عطف. إنّ: حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل. كثيرا: اسم «إِنَّ» منصوب بالفتحة.
  • ﴿ مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ:
  • من: حرف جر. و «هم» ضمير الغائبين في محل جر بمن والجار والمجرور «مِنْهُمْ» متعلق بصفة محذوفة من «كَثِيراً» و «من» حرف جر بياني. بعد: ظرف زمان منصوب على الظرفية بالفتحة متعلق باسم «إِنَّ» أي كثيرا. ذلك: سبق اعرابها.
  • ﴿ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ:
  • جار ومجرور متعلق بخبر «إِنَّ» لمسرفون. اللام: لام مزحلقة للتوكيد. مسرفون: خبر «إِنَّ» مرفوع بالواو لانه جمع مذكر سالم. والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. '

المتشابهات :

المائدة: 32﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
الأعراف: 37﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ
الأعراف: 101﴿تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ
يونس: 13﴿وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ
ابراهيم: 9﴿قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ
الروم: 9﴿كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ
فاطر: 25﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ
غافر: 83﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [32] لما قبلها :     بعدَ ذكرِ قَتْلِ قابيل أخاه هابيل؛ بَيَّنَ اللهُ عز وجل هنا تغليظَ إثمِ قَتْلِ النَّفسِ بغيرِ نفسٍ أو فسادٍ في الأرضِ، قال تعالى:
﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ

القراءات :

من أجل:
وقرئ:
1- بفتح الهمزة وكسرها.
2- بكسرها وحذفها ونقل حركتها إلى الساكن قبلها، وهى قراءة ابن القعقاع.
3- بحذفها وفتحها ونقل الحركة إلى النون، وهى قراءة ورش.

مدارسة الآية : [33] :المائدة     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ ..

التفسير :

[33] إنما جزاء الذين يحاربون الله، ويبارزونه بالعداوة، ويعتدون على أحكامه، وعلى أحكام رسوله، ويفسدون في الأرض بقتل الأنفس، وسلب الأموال، أن يُقَتَّلوا، أو يُصَلَّبوا مع القتل [والصلب: أن يُشَدَّ الجاني على خشبة] أو تُقْطَع يدُ المحارب اليمنى ورجلُه اليسرى

المحاربون لله ولرسوله، هم الذين بارزوه بالعداوة، وأفسدوا في الأرض بالكفر والقتل، وأخذ الأموال، وإخافة السبل. والمشهور أن هذه الآية الكريمة في أحكام قطاع الطريق، الذين يعرضون للناس في القرى والبوادي، فيغصبونهم أموالهم، ويقتلونهم، ويخيفونهم، فيمتنع الناس من سلوك الطريق التي هم بها، فتنقطع بذلك. فأخبر الله أن جزاءهم ونكالهم -عند إقامة الحد عليهم- أن يفعل بهم واحد من هذه الأمور. واختلف المفسرون: هل ذلك على التخيير، وأن كل قاطع طريق يفعل به الإمام أو نائبه ما رآه المصلحة من هذه الأمور المذكورة؟ وهذا ظاهر اللفظ، أو أن عقوبتهم تكون بحسب جرائمهم، فكل جريمة لها قسط يقابلها، كما تدل عليه الآية بحكمتها وموافقتها لحكمة الله تعالى. وأنهم إن قتلوا وأخذوا مالًا تحتم قتلُهم وصلبهم، حتى يشتهروا ويختزوا ويرتدع غيرهم. وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا تحتم قتلهم فقط. وإن أخذوا مالا ولم يقتلوا تحتم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، اليد اليمنى والرجل اليسرى. وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا، ولا أخذوا مالا، نفوا من الأرض، فلا يتركون يأوون في بلد حتى تظهر توبتهم. وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه وكثير من الأئمة، على اختلاف في بعض التفاصيل. { ذَلِكَ } النكال { لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا } أي: فضيحة وعار { وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } فدل هذا أن قطع الطريق من أعظم الذنوب، موجب لفضيحة الدنيا وعذاب الآخرة، وأن فاعله محارب لله ولرسوله. وإذا كان هذا شأن عظم هذه الجريمة، علم أن تطهير الأرض من المفسدين، وتأمين السبل والطرق، عن القتل، وأخذ الأموال، وإخافة الناس، من أعظم الحسنات وأجل الطاعات، وأنه إصلاح في الأرض، كما أن ضده إفساد في الأرض.

قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية؟ فقال بعضهم: نزلت في قوم من أهل الكتاب كانوا أهل موادعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فعرف الله نبيه الحكم فيهم ...

وقال آخرون: نزلت في قوم من المشركين.

وقال آخرون: بل نزلت في قوم من عرينة وعكل- بضم العين وسكون الكاف- ارتدوا عن الإسلام، وحاربوا الله ورسوله، فعن أنس أن رهطا من عكل وعرينة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، وإنا استوخمنا المدينة- أى: وجدناها رديئة المناخ- فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود وراع- أى: بعدد من الإبل ومعهم راع-، وأمرهم أن يخرجوا بها، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا الراعي، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم، فأتى بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا، فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم.

ثم قال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال: أنزل الله هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم: لمعرفة حكمه على من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادا، بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين» .

والذي يراه ابن جرير أولى هو الذي تطمئن إليه النفس، فإن الآية الكريمة تبين عقاب قطاع الطرق الذين يحاربون النظام القائم للأمة، ويرتكبون جرائم القتل والنهب والسلب والسرقة سواء أكانوا من المشركين أم من غيرهم؟ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وقوله: سبحانه يُحارِبُونَ من المحاربة. والمحاربة: مفاعلة من الحرب وهي ضد السلم، والأصل في معنى كلمة الحرب: الأخذ والسلب. يقال: حربه، إذا سلبه ماله، والمراد بالمحاربة هنا: قطع الطريق على الآمنين بالاعتداء عليهم بالقتل أو السلب أو ما يشبه ذلك من الجرائم التي حرمها الله- تعالى-:

ومحاربة الناس لله- تعالى- على وجه الحقيقة غير ممكنة، لتنزهه- سبحانه- عن أن يكون من الجواهر والأجسام التي تقاتل ولأن، المحاربة تستلزم أن يكون كل من المتحاربين في وجهة ومكان والله منزه عن ذلك، فيكون التعبير مجازا عن المخالفة لشرع الله، وارتكاب ما يغضبه أو المعنى: يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله وهم المسلمون فيكون الكلام على تقدير حذف مضاف.

وصدر- سبحانه- الآية بلفظ إنما المفيد للقصر، لتأكيد العقاب، ولبيان أنه عقاب لا هوادة فيه، لأنه حد من حدود الله- تعالى- على تلك الجريمة النكراء التي تقوض بنيان الجماعة، وتهدم أمنها، وتزلزل كيانها، وتبعث الرعب والخوف في نفوس أفرادها.

وعبر- سبحانه- عمن يحارب أولياءه وشرعه بأنهم محاربون له ولرسوله لزيادة التشنيع عليهم، ولبيان أن كل من يهدد أمن المسلمين ويعتدى عليهم يكون محاربا لله ولرسوله ومستحقا لغضبه- سبحانه- وعقوبته.

وقوله: وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً معطوف على قوله يُحارِبُونَ.

وقوله: وَيَسْعَوْنَ من السعى وهو الحركة السريعة المستمرة.

والفساد: ضد الصلاح. فكل ما خرج عن وضعه الذي يكون به صالحا نافعا، يقال إنه قد فسد. والسعى في الأرض بالفساد المراد به هنا: قطع الطريق على الناس، وتهديد أمنهم، والتعرض لهم بالأذى في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم.

وقوله: فَساداً مفعول لأجله أى: يحاربون ويسعون لأجل الفساد. أو هو حال من فاعل يَسْعَوْنَ بتأويله بمفسدين، أو ذوى فساد.

وقوله: أن يقتّلوا أو يصلّبوا إلخ. خبر عن المبتدأ الذي هو جَزاءُ والمعنى: إِنَّما جَزاءُ أى: عقاب الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أى: يخالفونهما ويعصون أمرهما، ويعتدون على أوليائهما وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أى: يعملون بسرعة ونشاط في الأرض لا من أجل الإصلاح وإنما من أجل الإفساد فيها عن طريق تهديد أمن الناس، والاعتداء على أموالهم وأنفسهم. جزاء هؤلاء أَنْ يُقَتَّلُوا والتقتيل هو القتل، إلا أنه ذكر بصيغة التضعيف لإفادة الشدة في القتل وعدم التهاون في إيقاعه عليهم لكونه حق الشرع وللإشارة إلى الاستمرار في قتلهم ماداموا مستمرين في الجريمة فكلما كان منهم قتل قتلوا.

أَوْ يُصَلَّبُوا والتصليب: وضع الجاني الذي يراد قتله مشدودا على مكان مرتفع بحيث يرى بعد القتل ليكون عبرة لغيره، وردعا له عن ارتكاب المعاصي والجرائم. قالوا: ويكون الصلب لمدة ثلاثة أيام وقيل: لمدة يوم واحد. وجيء هنا أيضا بصيغة التضعيف لإفادة التشديد في تنفيذ هذه العقوبة وإثبات أنه لا هوادة فيها.

أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أى: تقطع مختلفة، فقوله مِنْ خِلافٍ حال من أيديهم وأرجلهم أى: لا تكون اليد والرجل المقطوعتان من جانب واحد بل تكونان من جانبين مختلفين.

أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ أى، يطردوا من الأرض التي اتفقوا فيها على الإجرام إلى أرض أخرى ليتشتت شملهم، ويتفرق جمعهم، مع مراقبتهم والتضييق عليهم. وفسر بعضهم النفي بالحبس في السجون، لأن فيه إبعادا لهم وتفريقا لجمعهم.

واسم الإشارة في قوله- تعالى- ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا يعود إلى العقاب المذكور في الآية من القتل والصلب.. إلخ.

والخزي: الذل والفضيحة أى ذلك العقاب المذكور لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا أى: ذل وفضيحة وعار عليهم، لأنه كشف أمرهم، وهتك سترهم، وجعلهم عبرة لغيرهم.

هذا هو عقاب الدنيا أما عقاب الآخرة فقد بينه- سبحانه- بقوله: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أى: لهم في الآخرة عذاب عظيم في شدته وآلامه جزاء ما اقترفوا من جرائم.

وقوله تعالى : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) الآية . المحاربة : هي المضادة والمخالفة ، وهي صادقة على الكفر ، وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل ، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر ، حتى قال كثير من السلف ، منهم سعيد بن المسيب : إن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض ، وقد قال الله تعالى : ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ) [ البقرة : 205 ] .

ثم قال بعضهم : نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين ، كما قال ابن جرير :

حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا الحسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة والحسن البصري قالا [ قال تعالى ] ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) إلى ( أن الله غفور رحيم ) نزلت هذه الآية في المشركين ، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه ، لم يكن عليه سبيل ، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد ، إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه ، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب .

ورواه أبو داود والنسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) نزلت في المشركين ، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) قال : كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق ، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض ، فخير الله رسوله : إن شاء أن يقتل ، وإن شاء أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف . رواه ابن جرير .

وروى شعبة عن منصور عن هلال بن يساف عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : نزلت في الحرورية : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) رواه ابن مردويه .

والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات ، كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة - واسمه عبد الله بن زيد الجرمي البصري - عن أنس بن مالك : أن نفرا من عكل ثمانية ، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام ، فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها؟ " فقالوا : بلى . فخرجوا ، فشربوا من أبوالها وألبانها ، فصحوا فقتلوا الراعي وطردوا الإبل . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث في آثارهم ، فأدركوا ، فجيء بهم ، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وسمرت أعينهم ، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا .

لفظ مسلم . وفي لفظ لهما : " من عكل أو عرينة " ، وفي لفظ : " وألقوا في الحرة فجعلوا يستسقون فلا يسقون . وفي لفظ لمسلم : " ولم يحسمهم " . وعند البخاري : قال أبو قلابة : فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم ، وحاربوا الله ورسوله . ورواه مسلم من طريق هشيم عن عبد العزيز بن صهيب وحميد عن أنس فذكر نحوه ، وعنده : " وارتدوا " . وقد أخرجاه من رواية قتادة عن أنس بنحوه . وقال سعيد عن قتادة : " من عكل وعرينة " . ورواه مسلم من طريق سليمان التيمي عن أنس قال : إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك ; لأنهم سملوا أعين الرعاء . ورواه مسلم من حديث معاوية بن قرة عن أنس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من عرينة فأسلموا وبايعوه ، وقد وقع بالمدينة الموم - وهو البرسام - ثم ذكر نحو حديثهم ، وزاد : وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين فارسا فأرسلهم ، وبعث معهم قائفا يقتص أثرهم . وهذه كلها ألفاظ مسلم رحمه الله .

وقال حماد بن سلمة : حدثنا قتادة وثابت البناني وحميد الطويل عن أنس بن مالك : أن ناسا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها ، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة ، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا ، فصحوا فارتدوا عن الإسلام ، وقتلوا الراعي ، وساقوا الإبل ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم ، فجيء بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وسمر أعينهم وألقاهم في الحرة . قال أنس : فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا ، ونزلت : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) الآية .

وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه - وهذا لفظه - وقال الترمذي : " حسن صحيح " .

وقد رواه ابن مردويه من طرق كثيرة ، عن أنس بن مالك منها ما رواه من طريقين ، عن سلام بن أبي الصهباء عن ثابت عن أنس بن مالك قال : ما ندمت على حديث ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج قال أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : قلت : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة من البحرين فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقوا من بطونهم ، وقد اصفرت ألوانهم ، وضخمت بطونهم ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة ، فيشربوا من أبوالها وألبانها ، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم وانخمصت بطونهم عدوا على الراعي فقتلوه ، واستاقوا الإبل ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم ، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا . فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قطع أيدي قوم وأرجلهم ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا لحال ذود [ من الإبل ] وكان يحتج بهذا الحديث على الناس .

وقال ابن جرير : حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد - يعني ابن مسلم - حدثني سعيد عن قتادة عن أنس قال : كانوا أربعة نفر من عرينة وثلاثة نفر من عكل فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، ولم يحسمهم ، وتركهم يتلقمون الحجارة بالحرة ، فأنزل الله في ذلك : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) الآية .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن حرب الموصلي حدثنا أبو مسعود - يعني عبد الرحمن بن الحسن الزجاج - حدثنا أبو سعد - يعني البقال - عن أنس بن مالك قال : كان رهط من عرينة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهم جهد ، مصفرة ألوانهم ، عظيمة بطونهم ، فأمرهم أن يلحقوا بالإبل فيشربوا من أبوالها وألبانها ، ففعلوا ، فصفت ألوانهم وخمصت بطونهم ، وسمنوا ، فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم ، فأتي بهم ، فقتل بعضهم ، وسمر أعين بعضهم ، وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم ، ونزلت : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) إلى آخر الآية .

وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية ، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين وهم من بجيلة ، قال أنس : فارتدوا عن الإسلام ، وقتلوا الراعي ، واستاقوا الإبل ، وأخافوا السبيل ، وأصابوا الفرج الحرام .

وقال : حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الزناد عن عبد الله بن عبيد الله عن عبد الله بن عمر - أو : عمرو شك يونس - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك - يعني بقصة العرنيين - ونزلت فيهم آية المحاربة . ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد وفيه : " عن ابن عمر " من غير شك .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن خلف حدثنا الحسن بن حماد عن عمرو بن هاشم عن موسى بن عبيدة عن محمد بن إبراهيم عن جرير قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة حفاة مضرورين ، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعاء اللقاح ، ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم ، قال جرير : فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعدما أشرفوا على بلاد قومهم ، فقدمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وسمل أعينهم ، فجعلوا يقولون : الماء . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " النار " ! حتى هلكوا . قال : وكره الله - عز وجل - سمل الأعين ، فأنزل الله هذه الآية : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) إلى آخر الآية .

هذا حديث غريب وفي إسناده الربذي وهو ضعيف ، وفيه فائدة ، وهو ذكر أمير هذه السرية ، وهو جرير بن عبد الله البجلي وتقدم في صحيح مسلم أن السرية كانوا عشرين فارسا من الأنصار . وأما قوله : " فكره الله سمل الأعين ، فأنزل الله هذه الآية " فإنه منكر ، وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء ، فكان ما فعل بهم قصاصا ، والله أعلم .

وقال عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد الأسلمي عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من بني فزارة قد ماتوا هزلا . فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه ، فشربوا منها حتى صحوا ، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها ، فطلبوا ، فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمر أعينهم . قال أبو هريرة : ففيهم نزلت هذه الآية : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) فترك النبي صلى الله عليه وسلم سمر الأعين بعد .

وروي من وجه آخر عن أبي هريرة .

وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا أبو القاسم محمد بن الوليد عن عمرو بن محمد المديني حدثنا محمد بن طلحة عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن سلمة بن الأكوع قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم غلام يقال له : " يسار " فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه ، وبعثه في لقاح له بالحرة ، فكان بها ، قال : فأظهر قوم الإسلام من عرينة وجاءوا وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم ، قال : فبعث بهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى " يسار " فكانوا يشربون من ألبان الإبل حتى انطوت بطونهم ، ثم عدوا على " يسار " فذبحوه ، وجعلوا الشوك في عينيه ، ثم أطردوا الإبل ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم خيلا من المسلمين ، أميرهم كرز بن جابر الفهري فلحقهم فجاء بهم إليه ، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم . غريب جدا .

وقد روى قصة العرنيين من حديث جماعة من الصحابة ، منهم جابر وعائشة وغير واحد . وقد اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردويه بتطريق هذا الحديث من وجوه كثيرة جدا ، فرحمه الله وأثابه .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق سمعت أبي يقول : سمعت أبا حمزة عن عبد الكريم - وسئل عن أبوال الإبل - فقال : حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين فقال : كان أناس أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : نبايعك على الإسلام . فبايعوه ، وهم كذبة ، وليس الإسلام يريدون . ثم قالوا : إنا نجتوي المدينة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح ، فاشربوا من أبوالها وألبانها " قال : فبينا هم كذلك ، إذ جاءهم الصريخ ، فصرخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : قتلوا الراعي ، واستاقوا النعم . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فنودي في الناس : أن " يا خيل الله اركبي " . قال : فركبوا لا ينتظر فارس فارسا ، قال : وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثرهم ، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم ، فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم ، فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) الآية . قال : فكان نفيهم : أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم ، ونفوهم من أرض المسلمين . وقتل نبي الله صلى الله عليه وسلم منهم ، وصلب ، وقطع ، وسمر الأعين . قال : فما مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد . قال : ونهى عن المثلة ، قال : " ولا تمثلوا بشيء " قال : وكان أنس يقول ذلك ، غير أنه قال : أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم .

قال : وبعضهم يقول : هم ناس من بني سليم ومنهم عرينة ناس من بجيلة .

وقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العرنيين : هل هو منسوخ أو محكم؟ فقال بعضهم : هو منسوخ بهذه الآية ، وزعموا أن فيها عتابا للنبي صلى الله عليه وسلم كما في قوله [ تعالى ] ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) [ التوبة : 43 ] ومنهم من قال : هو منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة . وهذا القول فيه نظر ، ثم صاحبه مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ . وقال بعضهم : كان هذا قبل أن تنزل الحدود ، قاله محمد بن سيرين وفي هذا نظر ، فإن قصتهم متأخرة ، وفي رواية جرير بن عبد الله لقصتهم ما يدل على تأخرها فإنه أسلم بعد نزول المائدة . ومنهم من قال : لم يسمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم ، وإنما عزم على ذلك ، حتى نزل القرآن فبين حكم المحاربين . وهذا القول أيضا فيه نظر ; فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل - وفي رواية : سمر - أعينهم .

وقال ابن جرير : حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم قال : ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم ، وتركه حسمهم حتى ماتوا ، قال : سمعت محمد بن عجلان يقول : أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك ، وعلمه عقوبة مثلهم : من القتل والقطع والنفي ، ولم يسمل بعدهم غيرهم . قال : وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو - يعني الأوزاعي - فأنكر أن يكون نزلت معاتبة ، وقال : بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم ، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم ، ورفع عنهم السمل .

ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء لقوله : ( ويسعون في الأرض فسادا ) وهذا مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي أحمد بن حنبل حتى قال مالك - في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتا فيقتله ، ويأخذ ما معه - : إن هذا محاربة ، ودمه إلى السلطان لا [ إلى ] ولي المقتول ، ولا اعتبار بعفوه عنه في إنفاذ القتل .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تكون المحاربة إلا في الطرقات ، فأما في الأمصار فلا ; لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث ، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه . [ والله أعلم ]

وأما قوله : ( أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) الآية : قال [ علي ] بن أبي طلحة عن ابن عباس في [ قوله : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) ] الآية [ قال ] من شهر السلاح في قبة الإسلام ، وأخاف السبيل ، ثم ظفر به وقدر عليه ، فإمام المسلمين فيه بالخيار : إن شاء قتله ، وإن شاء صلبه ، وإن شاء قطع يده ورجله .

وكذا قال سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك . وروى ذلك كله أبو جعفر بن جرير وحكي مثله عن مالك بن أنس رحمه الله . ومستند هذا القول أن ظاهر " أو " للتخيير ، كما في نظائر ذلك من القرآن ، كقوله في جزاء الصيد : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ) [ المائدة : 95 ] وقوله في كفارة الترفه : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) [ البقرة : 196 ] وكقوله في كفارة اليمين : ( إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ) [ المائدة : 89 ] . [ و ] هذه كلها على التخيير ، فكذلك فلتكن هذه الآية . وقال الجمهور : هذه الآية منزلة على أحوال كما قال أبو عبد الله الشافعي [ رحمه الله ] أنبأنا إبراهيم - هو ابن أبي يحيى - عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس في قطاع الطريق : إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا ، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا ، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض .

وقد رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن عطية عن ابن عباس بنحوه . وعن أبي مجلز وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء الخراساني نحو ذلك . وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة .

واختلفوا : هل يصلب حيا ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب ، أو بقتله برمح ونحوه ، أو يقتل أولا ثم يصلب تنكيلا وتشديدا لغيره من المفسدين ؟ وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل ، أو يترك حتى يسيل صديده؟ في ذلك كله خلاف محرر في موضعه ، وبالله الثقة وعليه التكلان .

ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره - إن صح سنده - فقال :

حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس [ بن مالك ] يسأله عن هذه الآية ، فكتب إليه يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين - وهم من بجيلة - قال أنس : فارتدوا عن الإسلام ، وقتلوا الراعي ، واستاقوا الإبل ، وأخافوا السبيل ، وأصابوا الفرج الحرام . قال أنس : فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل - عليه السلام - عن القضاء فيمن حارب ، فقال : من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ، ورجله بإخافته ، ومن قتل فاقتله ، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام ، فاصلبه .

وأما قوله تعالى : ( أو ينفوا من الأرض ) قال بعضهم : هو أن يطلب حتى يقدر عليه ، فيقام عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام .

رواه ابن جرير عن ابن عباس وأنس بن مالك وسعيد بن جبير والضحاك والربيع بن أنس والزهري والليث بن سعد ومالك بن أنس .

وقال آخرون : هو أن ينفى من بلده إلى بلد آخر ، أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية ، وقال الشعبي : ينفيه - كما قال ابن هبيرة - من عمله كله . وقال عطاء الخراساني : ينفى من جند إلى جند سنين ، ولا يخرج من أرض الإسلام .

وكذا قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء والحسن والزهري والضحاك ومقاتل بن حيان : إنه ينفى ولا يخرج من أرض الإسلام .

وقال آخرون : المراد بالنفي هاهنا السجن ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، واختار ابن جرير : أن المراد بالنفي هاهنا : أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه .

وقوله : ( ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) أي : هذا الذي ذكرته من قتلهم ، ومن صلبهم ، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ونفيهم - خزي لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا ، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة ، وهذا قد يتأيد به من ذهب إلى أن هذه الآية نزلت في المشركين ، فأما أهل الإسلام فقد ثبت في الصحيح عند مسلم عن عبادة بن الصامت قال : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء : ألا نشرك بالله شيئا : ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ولا يعضه بعضنا بعضا ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له ، ومن ستره الله فأمره إلى الله ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له

وعن علي [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أذنب ذنبا في الدنيا ، فعوقب به ، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده ، ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه ، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه " .

رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي : " حسن غريب " . وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث ، فقال : روي مرفوعا وموقوفا ، قال : ورفعه صحيح .

وقال ابن جرير في قوله : ( ذلك لهم خزي في الدنيا ) يعني : شر وعار ونكال وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة ، ( ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) أي : إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا - في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا ، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها - ( عذاب عظيم ) يعني : عذاب جهنم .

إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله

القول في تأويل قوله تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } وهذا بيان من الله عز ذكره عن حكم الفساد في الأرض الذي ذكره في قوله : { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض } أعلم عباده ما الذي يستحق المفسد في الأرض من العقوبة والنكال , فقال تبارك وتعالى : لا جزاء له في الدنيا إلا القتل والصلب وقطع اليد والرجل من خلاف أو النفي من الأرض , خزيا لهم ; وأما في الآخرة إن لم يتب في الدنيا فعذاب عظيم . ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية . فقال بعضهم : نزلت في قوم من أهل الكتاب , كانوا أهل موادعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض , فعرف الله نبيه صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم . ذكر من قال ذلك : 9214 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } قال : كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق , فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض ; فخير الله رسوله , إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف . 9215 - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك , قال : كان قوم بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ميثاق , فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض ; فخير الله جل وعز نبيه صلى الله عليه وسلم فيهم , فإن شاء قتل , وإن شاء صلب , وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف * - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثني عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول , فذكر نحوه . وقال آخرون : نزلت في قوم من المشركين . ذكر من قال ذلك : 9216 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الحسين بن واقد , عن يزيد , عن عكرمة والحسن البصري , قالا : قال : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى : { إن الله غفور رحيم } نزلت هذه الآية في المشركين , فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه لم يكن عليه سبيل ; وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه , لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصاب . 9217 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن أشعث , عن الحسن : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : نزلت في أهل الشرك . وقال آخرون : بل نزلت في قوم من عرينة وعكل ارتدوا عن الإسلام , وحاربوا الله ورسوله . ذكر من قال ذلك : 9218 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا روح بن عبادة , قال : ثنا سعيد بن أبي عروبة , عن قتادة , عن أنس : أن رهطا من عكل وعرينة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم , فقالوا : يا رسول الله إنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف وإنا استوخمنا المدينة . فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود وراع , وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها . فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم , واستاقوا الذود , وكفروا بعد إسلامهم . فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم , فقطع أيديهم وأرجلهم , وسمل أعينهم , وتركهم في الحرة حتى ماتوا . فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا روح , قال : ثنا هشام بن أبي عبد الله , عن قتادة , عن أنس بن مالك , عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذه القصة . 9219 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق , قال : سمعت أبي يقول : أخبرنا أبو حمزة , عن عبد الكريم وسئل عن أبوال الإبل , فقال : حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين , فقال : كان ناس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : نبايعك على الإسلام ! فبايعوه وهم كذبة , وليس الإسلام يريدون . ثم قالوا : إنا نجتوي المدينة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح , فاشربوا من أبوالها وألبانها " . قال : فبينا هم كذلك إذ جاء الصريخ , فصرخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : قتلوا الراعي , وساقوا النعم ! فأمر نبي الله فنودي في الناس , أن : يا خيل الله اركبي . قال : فركبوا لا ينتظر فارس فارسا . قال : فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثرهم , فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم , فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم , فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , قال : فكان نفيهم أن نفوهم , حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم , ونفوهم من أرض المسلمين , وقتل نبي الله منهم وصلب وقطع وسمل الأعين قال : فما مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد . قال : " نهى عن المثلة , وقال : ولا تمثلوا بشيء " قال : فكان أنس بن مالك يقول ذلك , غير أنه قال : أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم . قال : وبعضهم يقول : هم ناس من بني سليم , ومنهم من عرينة وناس من بجيلة ذكر من قال ذلك 9220 - حدثني محمد بن خلف , قال : ثنا الحسن بن هناد , عن عمرو بن هاشم , عن موسى بن عبيد , عن محمد بن إبراهيم , عن جرير , قال : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة حفاة مضرورين , فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعاء اللقاح , ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم . قال جرير : فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم . في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعد ما أشرفوا على بلاد قومهم , فقدمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف , وسمل أعينهم , وجعلوا يقولون : الماء ! ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " النار " حتى هلكوا . قال : وكره الله سمل الأعين , فأنزل هذه الآية : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى آخر الآية 9221 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني ابن لهيعة , عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن , عن عروة بن الزبير . وحدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم , وسعيد بن عبد الرحمن , وابن سمعان , عن هشام بن عروة , عن أبيه , قال : أغار ناس من عرينة على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاستاقوها وقتلوا غلاما له فيها , فبعث في آثارهم فأخذوا , فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم . 9222 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني عمرو بن الحارث , عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الزناد , عن عبد الله بن عبد الله , عن عبد الله بن عمر - أو عمرو , شك يونس - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك , ونزلت فيهم آية المحاربة . 9223 - حدثنا علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : ثنا الأوزاعي , عن يحيى بن أبي كثير , عن أبي قلابة , عن أنس , قال : قدم ثمانية نفر من عكل على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأسلموا , ثم اجتووا المدينة , فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها , ففعلوا , فقتلوا رعاتها , واستاقوا الإبل . فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم قافة , فأتي بهم , فقطع أيديهم وأرجلهم , وتركهم فلم يحسمهم حتى ماتوا . 9224 - حدثنا علي , قال : ثنا الوليد , قال : ثني سعيد , عن قتادة , عن أنس , قال : . كانوا أربعة نفر من عرينة وثلاثة من عكل , فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ولم يحسمهم , وتركهم يتلقمون الحجارة بالحرة , فأنزل الله جل وعز في ذلك : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية . 9225 - حدثني علي , قال : ثنا الوليد , عن ابن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية , فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين , وهم من بجيلة , قال أنس : فارتدوا عن الإسلام , وقتلوا الراعي , واستاقوا الإبل , وأخافوا السبيل , وأصابوا الفرج الحرام . 9226 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } قال : أنزلت في سودان عرينة , قال : أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهم الماء الأصفر , فشكوا ذلك إليه , فأمرهم فخرجوا إلى إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقة , فقال : " اشربوا من ألبانها وأبوالها " . فشربوا من ألبانها وأبوالها , حتى إذا صحوا وبرءوا , قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل . وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال : أنزل الله هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم معرفة حكمه على من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا , بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ما فعل وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك ; لأن القصص التي قصها الله جل وعز قبل هذه الآية وبعدها من قصص بني إسرائيل وأنبائهم , فأن يكون ذلك متوسطا منه يعرف الحكم فيهم وفي نظرائهم أولى وأحق . وقلنا : كان نزول ذلك بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ما فعل لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك . وإذ كان ذلك أولى بالآية لما وصفنا , فتأويلها : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو سعى بفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا , ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا , ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات , ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون , يقول : لساعون في الأرض بالفساد , وقاتلو النفوس بغير نفس وغير سعي في الأرض بالفساد حربا لله ولرسوله , فمن فعل ذلك منهم يا محمد , فإنما جزاؤه أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض . فإن قال لنا قائل : وكيف يجوز أن تكون الآية نزلت في الحال التي ذكرت من حال نقض كافر من بني إسرائيل عهده , ومن قولك إن حكم هذه الآية حكم من الله في أهل الإسلام دون أهل الحرب من المشركين ؟ قيل : جاز أن يكون ذلك كذلك ; لأن حكم من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا من أهل ذمتنا وملتنا واحد , والذين عنوا بالآية كانوا أهل عهد وذمة , وإن كان داخلا في حكمها كل ذمي وملي , وليس يبطل بدخول من دخل في حكم الآية من الناس أن يكون صحيحا نزولها فيمن نزلت فيه . وقد اختلف أهل العلم في نسخ حكم النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين , فقال بعضهم : ذلك حكم منسوخ , نسخه نهيه عن المثلة بهذه الآية , أعني بقوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } الآية , وقالوا : أنزلت هذه الآية عتابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل بالعرنيين . وقال بعضهم : بل فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالعرنيين حكم ثابت في نظرائهم أبدا , لم ينسخ ولم يبدل . وقوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , حكم من الله فيمن حارب وسعى في الأرض فسادا بالحرابة . قالوا : والعرنيون ارتدوا وقتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله , فحكمهم غير حكم المحارب الساعي في الأرض بالفساد من أهل الإسلام والذمة . وقال آخرون : لم يسمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين , ولكنه كان أراد أن يسمل , فأنزل الله جل وعز هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم يعرفه الحكم فيهم ونهاه عن سمل أعينهم . ذكر القائلين ما وصفنا : 9227 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينهم وتركه حسمهم حتى ماتوا , فقال : سمعت محمد بن عجلان يقول : أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك , وعلمه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفي , ولم يسمل بعدهم غيرهم . قال : وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو , فأنكر أن تكون نزلت معاتبة , وقال : بلى كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم , ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم من حارب بعدهم فرفع عنهم السمل 9228 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثني أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأتي بهم - يعني العرنيين - فأراد أن يسمل أعينهم , فنهاه الله عن ذلك , وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزلها الله عليه واختلف أهل العلم في المستحق اسم المحارب لله ورسوله الذي يلزمه حكم هذه , فقال بعضهم : هو اللص الذي يقطع الطريق . ذكر من قال ذلك : 9229 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , عن عطاء الخراساني في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } الآية , قالا : هذا هو اللص الذي يقطع الطريق , فهو محارب . وقال آخرون : هو اللص المجاهر بلصوصيته , المكابر في المصر وغيره . وممن قال ذلك الأوزاعي . 9230 - حدثنا بذلك العباس عن أبيه عنه , وعن مالك والليث بن سعد وابن لهيعة . 9231 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : قلت لمالك بن أنس : تكون محاربة في المصر ؟ قال : نعم , والمحارب عندنا من حمل السلاح على المسلمين في مصر أو خلاء , فكان ذلك منه على غير نائرة كانت بينهم ولا ذحل ولا عداوة , قاطعا للسبيل والطريق والديار , مخيفا لهم بسلاحه , فقتل أحدا منهم قتله الإمام كقتله المحارب ليس لولي المقتول فيه عفو ولا قود . 9232 - حدثني علي , قال : ثنا الوليد , قال : سألت عن ذلك الليث بن سعد وابن لهيعة , قلت : تكون المحاربة في دور المصر والمدائن والقرى ؟ فقالا : نعم , إذا هم دخلوا عليهم بالسيوف علانية , أو ليلا بالنيران . قلت : فقتلوا أو أخذوا المال ولم يقتلوا ؟ فقال : نعم هم المحاربون , فإن قتلوا قتلوا , وإن لم يقتلوا وأخذوا المال قطعوا من خلاف إذا هم خرجوا به من الدار , ليس من حارب المسلمين في الخلاء والسبيل بأعظم من محاربة من حاربهم في حريمهم ودورهم . 9233 - حدثني علي , قال : ثنا الوليد , قال : قال أبو عمرو : وتكون المحاربة في المصر شهر على أهله بسلاحه ليلا أو نهارا . قال علي : قال الوليد : وأخبرني مالك أن قتل الغيلة عنده بمنزلة المحاربة . قلت : وما قتل الغيلة ؟ قال : هو الرجل يخدع الرجل والصبي , فيدخله بيتا أو يخلو به فيقتله ويأخذ ماله , فالإمام ولي قتل هذا , وليس لولي الدم والجرح قود ولا قصاص . وهو قول الشافعي . حدثنا بذلك عنه الربيع . وقال آخرون : المحارب : هو قاطع الطريق ; فأما المكابر في الأمصار فليس بالمحارب الذي له حكم المحاربين . وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه . 9234 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا بشر بن المفضل , عن داود بن أبي هند , قال : تذاكرنا المحارب ونحن عند ابن هبيرة في ناس من أهل البصرة , فاجتمع رأيهم أن المحارب ما كان خارجا من المصر . وقال مجاهد بما : . 9235 - حدثني القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } قال : الزنا والسرقة , وقتل الناس , وإهلاك الحرث والنسل . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن محمد بن عبد الرحمن , عن القاسم بن أبي بزة , عن مجاهد : { ويسعون في الأرض فسادا } قال : الفساد : القتل , والزنا , والسرقة . وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب , قول من قال : المحارب لله ورسوله من حارب في سابلة المسلمين وذمتهم , والمغير عليهم في أمصارهم وقراهم حرابة . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب ; لأنه لا خلاف بين الحجة أن من نصب حربا للمسلمين على الظلم منه لهم أنه لهم محارب , ولا خلاف فيه . فالذي وصفنا صفته , لا شك فيه أنه لهم مناصب حربا ظلما . وإذ كان ذلك كذلك , فسواء كان نصبه الحرب لهم في مصرهم وقراهم أو في سبلهم وطرقهم في أنه لله ولرسوله محارب بحربه من نهاه الله ورسوله عن حربه .ويسعون في الأرض فسادا

القول في تأويل قوله تعالى : { ويسعون في الأرض فسادا } فإنه يعني : يعملون في أرض الله بالمعاصي من إخافة سبل عباده المؤمنين به , أو سبل ذمتهم وقطع طرقهم , وأخذ أموالهم ظلما وعدوانا , والتوثب على حرمهم فجورا وفسوقا .أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض

القول في تأويل قوله تعالى : { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } يقول تعالى ذكره : ما للذي حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا من أهل ملة الإسلام أو ذمتهم إلا بعض هذه الخلال التي ذكرها جل ثناؤه . ثم اختلف أهل التأويل في هذه الخلال أتلزم المحارب باستحقاقه اسم المحاربة , أم يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جرمه مختلفا باختلاف أجرامه ؟ فقال بعضهم : يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جرمه , مختلفا باختلاف أجرامه ذكر من قال ذلك : 9236 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي . عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : إذا حارب فقتل , فعليه القتل إذا ظهر عليه قبل توبته . وإذا حارب وأخذ المال وقتل , فعليه الصلب إن ظهر عليه قبل توبته . وإذا حارب وأخذ ولم يقتل , فعليه قطع اليد والرجل من خلاف إن ظهر عليه قبل توبته . وإذا حارب وأخاف السبيل , فإنما عليه النفي . 9237 - حدثنا ابن وكيع وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , عن أبيه , عن حماد , عن إبراهيم : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : إذا خرج فأخاف السبيل وأخذ المال , قطعت يده ورجله من خلاف . وإذا أخاف السبيل ولم يأخذ المال وقتل , صلب . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن حماد , عن إبراهيم - فيما أرى - في الرجل يخرج محاربا , قال : إن قطع الطريق وأخذ المال قطعت يده ورجله , وإن أخذ المال وقتل قتل , وإن أخذ المال وقتل ومثل : صلب . 9238 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن عمران بن حدير , عن أبي مجلز : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية . قال : إذا قتل وأخذ المال وأخاف السبيل صلب , وإذا قتل لم يعد ذلك قتل , إذا أخذ المال لم يعد ذلك قطع , وإذا كان يفسد نفي . 9239 - حدثني المثنى , قال ثنا الحماني , قال ثنا شريك , عن سماك , عن الحسن : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : إذا أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ المال نفي . 9240 - حدثنا المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا هشيم , عن حصين , قال : كان يقال : من حارب فأخاف السبيل وأخذ المال ولم يقتل : قطعت يده ورجله من خلاف . وإذا أخذ المال وقتل : صلب . 9241 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , أنه كان يقول في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { أو ينفوا من الأرض } حدود أربعة أنزلها الله . فأما من أصاب الدم والمال جميعا : صلب ; وأما من أصاب الدم وكف عن المال : قتل ; ومن أصاب المال وكف عن الدم : قطع ; ومن لم يصب شيئا من هذا : نفي . 9242 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي . قال : نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام عن أن يسمل أعين العرنيين الذين أغاروا على لقاحه , وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزلها الله عليه . فنظر إلى من أخذ المال ولم يقتل فقطع يده ورجله من خلاف , يده اليمنى ورجله اليسرى . ونظر إلى من قتل ولم يأخذ مالا فقتله . ونظر إلى من أخذ المال وقتل فصلبه . وكذلك ينبغي لكل من أخاف طريق المسلمين وقطع أن يصنع به إن أخذ وقد أخذ مالا قطعت يده بأخذه المال رجله بإخافة الطريق , وإن قتل ولم يأخذ مالا قتل , وإن قتل وأخذ المال : صلب . 9243 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا فضيل بن مرزوق , قال سمعت السدي يسأل عطية العوفي , عن رجل محارب خرج , فأخذ ولم يصب مالا ولم يهرق دما . قال : النفي بالسيف ; وإن أخذ مالا فيده بالمال ورجله بما أخاف المسلمين ; وإن هو قتل ولم يأخذ مالا : قتل ; وإن هو قتل وأخذ المال : صلب . وأكبر ظني أنه قال : تقطع يده ورجله . 9244 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن عطاء الخراساني وقتادة في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , قال : هذا اللص الذي يقطع الطريق , فهو محارب . فإن قتل وأخذ مالا : صلب ; وإن قتل , ولم يأخذ مالا : قتل ; وإن أخذ مالا ولم يقتل : قطعت يده ورجله ; وإن أخذ قبل أن يفعل شيئا من ذلك : نفي . 9245 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن قيس بن سعد , عن سعيد بن جبير , قال : من خرج في الإسلام محاربا لله ورسوله فقتل وأصاب مالا , فإنه يقتل ويصلب ; ومن قتل ولم يصب مالا , فإنه يقتل كما قتل ; ومن أصاب مالا ولم يقتل , فإنه يقطع من خلاف ; وإن أخاف سبيل المسلمين نفي من بلده إلى غيره , لقول الله جل وعز : { أو ينفوا من الأرض } . 9246 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : كان ناس يسعون في الأرض فسادا وقتلوا وقطعوا السبيل , فصلب أولئك . وكان آخرون حاربوا واستحلوا المال ولم يعدوا ذلك , فقطعت أيديهم وأرجلهم . وآخرون حاربوا واعتزلوا ولم يعدوا ذلك , فأولئك أخرجوا من الأرض . 9247 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن أبي هلال , قال : ثنا قتادة , عن مورق العجلي في المحارب , قال : إن كان خرج فقتل وأخذ المال : صلب ; وإن قتل ولم يأخذ المال : قتل ; وإن كان أخذ المال ولم يقتل : قطع ; وإن كان خرج مشاقا للمسلمين : نفي . 9248 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو معاوية , عن حجاج , عن عطية العوفي , عن ابن عباس , قال : إذا خرج المحارب وأخاف الطريق وأخذ المال : قطعت يده ورجله من خلاف ; فإن هو خرج فقتل وأخذ المال : قطعت يده ورجله من خلاف ثم صلب ; وإن خرج فقتل ولم يأخذ المال : قتل ; وإن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ المال : نفي . 9249 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع بن يزيد , قال : ثني أبو صخر , عن محمد بن كعب القرظي ; وعن أبي معاوية , عن سعيد بن جبير في هذه الآية : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } قالا : إن أخاف المسلمين , فاقتطع المال , ولم يسفك : قطع ; وإذا سفك دما : قتل وصلب ; وإن جمعهما فاقتطع مالا وسفك دما : قطع ثم قتل ثم صلب . كأن الصلب مثلة , وكأن القطع { السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } , وكأن القتل . النفس بالنفس . وإن امتنع فإن من الحق على الإمام وعلى المسلمين أن يطلبوه حتى يأخذوه فيقيموا عليه حكم كتاب الله , أو ينفوا من الأرض من أرض الإسلام إلى أرض الكفر . واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا , بأن قالوا : إن الله أوجب على القاتل القود , وعلى السارق القطع ; وقالوا : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خلال : رجل قتل فقتل , ورجل زنى بعد إحصان فرجم , ورجل كفر بعد إسلامه " قالوا : فحظر النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل مسلم إلا بإحدى هذه الخلال الثلاث , فإما أن يقتل من أجل إخافته السبيل من غير أن يقتل أو يأخذ مالا , فذلك تقدم على الله ورسوله بالخلاف عليهما في الحكم . قالوا : ومعنى قول من قال : الإمام فيه بالخيار إذا قتل وأخاف السبيل وأخذ المال ; فهنالك خيار الإمام في قولهم بين القتل أو القتل والصلب , أو قطع اليد والرجل من خلاف . وأما صلبه باسم المحاربة من غير أن يفعل شيئا من قتل أو أخذ مال , فذلك ما لم يقله عالم . وقال آخرون : الإمام فيه بالخيار أن يفعل أي هذه الأشياء التي ذكرها الله في كتابه . ذكر من قال ذلك : 9250 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا جويبر , عن عطاء , وعن القاسم بن أبي بزة , عن مجاهد في المحارب : أن الإمام مخير فيه أي ذلك شاء فعل . 9251 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن عبيدة , عن إبراهيم : الإمام مخير في المحارب , أي ذلك شاء فعل : إن شاء قتل , وإن شاء قطع , وإن شاء نفى , وإن شاء صلب . 9252 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عاصم , عن الحسن في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : يأخذ الإمام بأيهما أحب . * - حدثنا سفيان , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن عاصم , عن الحسن : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : الإمام مخير فيها . 9253 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء , مثله . 9254 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن قيس بن سعد , قال : قال عطاء : يصنع الإمام في ذلك ما شاء : إن شاء قتل , أو قطع , أو نفى , لقول الله : { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } فذلك إلى الإمام الحاكم يصنع فيه ما شاء . 9255 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , قال : من شهر السلاح في فئة الإسلام , وأخاف السبيل , ثم ظفر به وقدر عليه , فإمام المسلمين فيه بالخيار , إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله . 9256 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , قال : أخبرنا أبو هلال , قال : أخبرنا قتادة , عن سعيد بن المسيب , أنه قال في المحارب : ذلك إلى الإمام , إذا أخذه يصنع به ما شاء . * - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن أبي هلال , قال : ثنا هارون , عن الحسن في المحارب , قالا : ذاك إلى الإمام يصنع به ما شاء . * - حدثنا هناد , قال : ثنا حفص بن غياث , عن عاصم , عن الحسن : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : ذلك إلى الإمام . واعتل قائلو هذه المقالة بأن قالوا : وجدنا العطوف التي بأو في القرآن بمعنى التخيير في كل ما أوجب الله به فرضا منها , وذلك كقوله في كفارة اليمين : { فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة } , وكقوله : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } , وكقوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } قالوا : فإذا كانت العطوف التي بأو في القرآن في كل ما أوجب الله به فرضا منها في سائر القرآن بمعنى التخيير , فكذلك ذلك في آية المحاربين الإمام مخير فيما رأى الحكم به على المحارب إذا قدر عليه قبل التوبة . وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا تأويل من أوجب على المحارب من العقوبة على قدر استحقاقه وجعل الحكم على المحاربين مختلفا باختلاف أفعالهم , فأوجب على مخيف السبيل منهم إذا قدر عليه قبل التوبة وقبل أخذ مال أو قتل : النفي من الأرض ; و إذا قدر عليه بعد أخذ المال وقتل النفس المحرم قتلها : الصلب ; لما ذكرت من العلة قبل لقائلي هذه المقالة . فأما ما اعتل به القائلون : إن الإمام فيه بالخيار من أن " أو " في العطف تأتي بمعنى التخيير في الفرض , فنقول : لا معنى له ; لأن " أو " في كلام العرب قد تأتي بضروب من المعاني لولا كراهة إطالة الكتاب بذكرها لذكرتها , وقد بينت كثيرا من معانيها فيما مضى وسنأتي على باقيها فيما يستقبل في أماكنها إن شاء الله . فأما في هذا الموضع فإن معناها : التعقيب , وذلك نظير قول القائل : إن جزاء المؤمنين عند الله يوم القيامة أن يدخلهم الجنة , أو يرفع منازلهم في عليين , أو يسكنهم مع الأنبياء والصديقين . فمعلوم أن قائل ذلك غير قاصد بقيله إلى أن جزاء كل مؤمن آمن بالله ورسوله , فهو في مرتبة واحدة من هذه المراتب ومنزلة واحدة من هذه المنازل بإيمانه , بل المعقول عنه أن معناه : أن جزاء المؤمن لم يخلو عند الله من بعض هذه المنازل , فالمقتصد منزلته دون منزلة السابق بالخيرات , والسابق بالخيرات أعلى منه منزلة , والظالم لنفسه دونهما , وكل في الجنة كما قال جل ثناؤه : { جنات عدن يدخلونها } فكذلك معنى العطوف بأو في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , إنما هو التعقيب . فتأويله : إن الذي يحارب الله ورسوله , ويسعى في الأرض فسادا , لن يخلو من أن يستحق الجزاء بإحدى هذه الخلال الأربع التي ذكرها الله عز ذكره , لا أن الإمام محكم فيه , ومخير في أمره كائنة ما كانت حالته , عظمت جريرته أو خفت ; لأن ذلك لو كان كذلك لكان للإمام قتل من شهر السلاح مخيفا السبيل وصلبه , وإن لم يأخذ مالا ولا قتل أحدا , وكان له نفي من قتل وأخذ المال وأخاف السبيل . وذلك قول إن قاله قائل خلاف ما صحت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل قتل رجلا فقتل , أو زنى بعد إحصان فرجم , أو ارتد عن دينه " وخلاف قوله : " القطع في ربع دينار فصاعدا " وغير المعروف من أحكامه . فإن قال قائل : فإن هذه الأحكام التي ذكرت كانت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير المحارب , وللمحارب حكم غير ذلك منفرد به ؟ قيل له : فما الحكم الذي انفرد به المحارب في سننه , فإن ادعى عنه صلى الله عليه وسلم حكما خلاف الذي ذكرنا , أكذبه جميع أهل العلم ; لأن ذلك غير موجود بنقل واحد ولا جماعة , وإن زعم أن ذلك الحكم هو ما في ظاهر الكتاب . قيل له : فإن أحسن حالاتك أن يسلم لك أن ظاهر الآية قد يحتمل ما قلت , وما قاله من خالفك فما برهانك على أن تأويلك أولى بتأويل الآية من تأويله . وبعد : فإذا كان الإمام مخيرا في الحكم على المحارب من أجل أن " أو " بمعنى التخيير في هذا الموضع عندك , أفله أن يصلبه حيا ويتركه على الخشبة مصلوبا حتى يموت من غير قتله ؟ فإن قال : ذلك له , خالف في ذلك الأمة . وإن زعم أن ذلك ليس له , وإنما له قتله ثم صلبه أو صلبه ثم قتله , ترك علته من أن الإمام إنما كان له الخيار في الحكم على المحارب من أجل أن " أو " تأتي بمعنى التخيير , وقيل له : فكيف كان له الخيار في القتل أو النفي أو القطع ولم يكن له الخيار في الصلب وحده , حتى تجمع إليه عقوبة أخرى ؟ وقيل له : هل بينك وبين من جعل الخيار حيث أبيت وأبى ذلك حيث جعلته له , فرق من أصل أو قياس ؟ فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر . وذلك ما 9257 - حدثنا به علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , عن ابن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب : أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية , فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين , وهم من بجيلة . قال أنس : فارتدوا عن الإسلام , وقتلوا الراعي , وساقوا الإبل , وأخافوا السبيل , وأصابوا الفرج الحرام . قال أنس : فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب , فقال : " من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته . ومن قتل فاقتله . ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه " . وأما قوله : { أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } فإنه يعني جل ثناؤه : أنه تقطع أيديهم مخالفا في قطعها قطع أرجلهم , وذلك أن تقطع أيمن أيديهم وأشمل أرجلهم , فذلك الخلاف بينهما في القطع . ولو كان مكان " من " في هذا الموضع " على " أو الباء , فقيل : أو تقطع أيديهم وأرجلهم خلاف أو بخلاف , لأديا عما أدت عنه " من " من المعنى . واختلف أهل التأويل في معنى النفي الذي ذكر الله في هذا الموضع . فقال بعضهم : هو أن يطلب حتى يقدر عليه , أو يهرب من دار الإسلام . ذكر من قال ذلك : 9258 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : يطلبهم الإمام بالخيل والرجال حتى يأخذهم , فيقيم فيهم الحكم , أو ينفوا من أرض المسلمين . 9259 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قال : نفيه : أن يطلب . 9260 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { أو ينفوا من الأرض } يقول : أو يهربوا حتى يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب . 9261 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : أخبرني عبد الله بن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب , عن كتاب أنس بن مالك , إلى عبد الملك بن مروان : أنه كتب إليه : " ونفيه : أن يطلبه الإمام حتى يأخذه , فإذا أخذه أقام عليه إحدى هذه المنازل التي ذكر الله جل وعز بما استحل " . 9262 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد , قال : فذكرت ذلك لليث بن سعد , فقال : نفيه : طلبه من بلد إلى بلد حتى يؤخذ , أو يخرجه طلبه من دار الإسلام إلى دار الشرك والحرب , إذا كان محاربا مرتدا عن الإسلام . قال الوليد : وسألت مالك بن أنس , فقال مثله . 9263 - حدثني علي , قال : ثنا الوليد , قال : قلت لمالك بن أنس والليث بن سعد : . وكذلك يطلب المحارب المقيم على إسلامه , يضطره بطلبه من بلد إلى بلد حتى يصير إلى ثغر من ثغور المسلمين , أو أقصى جوار المسلمين , فإن هم طلبوه دخل دار الشرك ؟ قالا : لا يضطر مسلم إلى ذلك . 9264 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك : { أو ينفوا من الأرض } قال : أن يطلبوه حتى يعجزوا . * - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثني عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول , فذكر نحوه . 9265 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص بن غياث , عن عاصم , عن الحسن : { أو ينفوا من الأرض } قال : ينفى حتى لا يقدر عليه . 9266 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الله , عن أبيه عن الربيع بن أنس في قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : أخرجوا من الأرض أينما أدركوا , أخرجوا حتى يلحقوا بأرض العدو . 9267 - حدثنا الحسن , قال : ثنا عبد الرزاق , قال : ثنا معمر , عن الزهري في قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : نفيه : أن يطلب فلا يقدر عليه , كلما سمع به في أرض طلب . 9268 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : أخبرني سعيد , عن قتادة : { أو ينفوا من الأرض } قال : إذا لم يقتل ولم يأخذ مالا , طلب حتى يعجز . 9269 - حدثني ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرني نافع بن يزيد , قال : ثني أبو صخر , عن محمد بن كعب القرظي , وعن أبي معاوية , عن سعيد بن جبير : { أو ينفوا من الأرض } من أرض الإسلام إلى أرض الكفر . وقال آخرون : معنى النفي في هذا الموضع : أن الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلدته إلى بلدة أخرى غيرها . ذكر من قال ذلك : 9270 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن قيس بن سعد , عن سعيد بن جبير : { أو ينفوا من الأرض } قال : من أخاف سبيل المسلمين نفي من بلده إلى غيره , لقول الله عز وجل : { أو ينفوا من الأرض } . 9271 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني يزيد بن أبي حبيب وغيره , عن حبان بن شريح , أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز في اللصوص , ووصف له لصوصيتهم وحبسهم في السجون , قال : قال الله في كتابه : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } , وترك : { أو ينفوا من الأرض } فكتب إليه عمر بن عبد العزيز : أما بعد , فإنك كتبت إلي تذكر قول الله جل وعز : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } , وتركت قول الله : { أو ينفوا من الأرض } , فنبي أنت يا حبان ابن أم حبان ! لا تحرك الأشياء عن مواضعها , أتجردت للقتل والصلب كأنك عبد بني عقيل من غير ما أشبهك به ؟ إذا أتاك كتابي هذا فانفهم إلى شغب . * - حدثنا يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني الليث , عن يزيد وغيره بنحو هذا الحديث , غير أن يونس قال في حديثه : كأنك عبد بني أبي عقال من غير أن أشبهك به . * - حدثني يونس , قال أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني ابن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب , أن الصلت كاتب حبان بن شريح , أخبرهم أن حبان كتب إلى عمر بن عبد العزيز : أن ناسا من القبط قامت عليهم البينة بأنهم حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا , وأن الله يقول : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } وسكت عن النفي , وكتب إليه : فإن رأى أمير المؤمنين أن يمضي قضاء الله فيهم , فليكتب بذلك . فلما قرأ عمر بن عبد العزيز كتابه , قال : لقد اجتزأ حبان . ثم كتب إليه إنه قد بلغني كتابك وفهمته , ولقد اجتزأت كأنما كتبت بكتاب يزيد بن أبي مسلم أو علج صاحب العراق من غير أن أشبهك بهما , فكتبت بأول الآية ثم سكت عن آخرها , وإن الله يقول : { أو ينفوا من الأرض } فإن كانت قامت عليهم البينة بما كتبت به , فاعقد في أعناقهم حديدا , ثم غيبهم إلى شغب وبدا . قال أبو جعفر : شغب وبدا : موضعان . وقال آخرون : معنى النفي من الأرض في هذا الموضع : الحبس , وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب في قول من قال : معنى النفي من الأرض في هذا الموضع : هو نفيه من بلد إلى بلد غيره وحبسه في السجن في البلد الذي نفي إليه , حتى تظهر توبته من فسوقه ونزوعه عن معصيته ربه . وإنما قلت ذلك أولى الأقوال بالصحة ; لأن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك على أحد الأوجه الثلاثة التي ذكرت . وإذ كان ذلك كذلك , وكان معلوما أن الله جل ثناؤه إنما جعل جزاء المحارب : القتل أو الصلب , أو قطع اليد والرجل من خلاف , بعد القدرة عليه لا في حال امتناعه ; كان معلوما أن النفي أيضا إنما هو جزاؤه بعد القدرة عليه لا قبلها , ولو كان هروبه من الطلب نفيا له من الأرض , كان قطع يده ورجله من خلاف في حال امتناعه وحربه على وجه القتال بمعنى إقامة الحد عليه بعد القدرة عليه . وفي إجماع الجميع أن ذلك لا يقوم مقام نفيه الذي جعله الله عز وجل حدا له بعد القدرة عليه . وإذ كان كذلك , فمعلوم أنه لم يبق إلا الوجهان الآخران , وهو النفي من بلدة إلى أخرى غيرها أو السجن . فإذ كان كذلك , فلا شك أنه إذا نفي من بلدة إلى أخرى غيرها فلم ينف من الأرض , بل إنما نفي من أرض دون أرض . وإذ كان ذلك كذلك , وكان الله جل ثناؤه إنما أمر بنفيه من الأرض , كان معلوما أنه لا سبيل إلى نفيه من الأرض إلا بحبسه في بقعة منها عن سائرها , فيكون منفيا حينئذ عن جميعها , إلا ما لا سبيل إلى نفيه منه . وأما معنى النفي في كلام العرب : فهو الطرد , ومن ذلك قول أوس بن حجر : ينفون عن طرق الكرام كما ينفي المطارق ما يلي القرد ومنه قيل للدراهم الرديئة وغيرها من كل شيء : النفاية . وأما المصدر من نفيت , فإنه النفي والنفاية , ويقال : الدلو ينفي الماء . ويقال لما تطاير من الماء من الدلو النفي , ومنه قول الراجز : كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصفي ومنه قيل : نفى شعره : إذا سقط , يقال : حال لونك ونفى شعرك .ذلك لهم خزي في الدنيا

القول في تأويل قوله تعالى : { ذلك لهم خزي في الدنيا } يعني جل ثناؤه بقوله : { ذلك } هذا الجزاء الذي جازيت به الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا في الدنيا , من قتل , أو صلب , أو قطع يد ورجل من خلاف { لهم } يعني لهؤلاء المحاربين { خزي في الدنيا } يقول هو لهم شر وعار وذلة , ونكال وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة , يقال منه : أخزيت فلانا فخزي هو خزيا .ولهم في الآخرة عذاب عظيم

وقوله : { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } يقول عز ذكره لهؤلاء الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا فلم يتوبوا من فعلهم ذلك , حتى هلكوا في الآخرة مع الخزي الذي جازيتهم به في الدنيا , والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها عذاب عظيم , يعني : عذاب جهنم .

التدبر :

وقفة
[33] هذه آية حُكْم قطاع الطرق، فأخبر الله أن جزاءهم ونكالهم -عند إقامة الحد عليهم- أن يُفعل بهم واحد من هذه العقوبات.
وقفة
[33] إذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا لزوم البيوت، فانسد باب التجارة عليهم، وانقطعت أكسابهم، فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة.
وقفة
[33] إذا كان هذا شأن عظم هذه الجريمة، علم أن تطهير الأرض من المفسدين، وتأمين السبل والطرق عن القتل وأخذ الأموال وإخافة الناس، من أعظم الحسنات، وأجلِّ الطاعات، وأنه إصلاح في الأرض، كما أن ضده إفسادٌ في الأرض.
وقفة
[33] ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ﴾ والمعنى: يحاربون أولياء الله، فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه؛ إكبارًا لإيذاءهم، كما عبر بنفسه عن الفقراء الضعفاء في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245]؛ حثًا على الاستعطاف عليهم.
وقفة
[33] ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّـهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [64] ما دلالة الفعل المضارع (يسعون) في الآيتين؟ الفعل المضارع له زمن متّسع اتساعًا كبيرًا فقد يكون للماضي أو للحال أو الاستمرار أو الاستقبال، وهنا استعمل للمزاولة، ولو قال: (سعوا)؛ لاحتمل أن يكون هذا الساعي تاب، ولا يقام عليه هذا الأمر، لكن الذي هو مستمر هو الذي يُقام عليه الأمر.
لمسة
[33] ﴿يُحَارِبُونَ اللّهَ﴾ أراد يحاربون شرعه، ويعتدون على أحكامه، ولكن الله جعل محاربة شرعه محاربة له عزّ وعلا؛ لتشنيع هذا الفعل منهم.
وقفة
[33] عقوبة الذين يحاربون الله ورسوله ممن يفسدون بالقتل وانتهاب الأموال وقطع الطرف هي: القتل بلا صلب، أو مع الصلب، أو قطع الأطراف من خلاف، أو بتغريبهم من البلاد؛ وهذا على حسب ما صدر منهم ﴿أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾.
تفاعل
[33] ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ استعذ بالله أن تكون من هؤلاء.

الإعراب :

  • ﴿ إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ:
  • إنّما: كافة ومكفوفة. جزاء: مبتدأ مرفوع بالضمة. الذين: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ:
  • يحاربون: صلة الموصول، فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. الله لفظ الجلالة: مفعول به منصوب للتعظيم بالفتحة الظاهرة. ورسوله: معطوف بالواو على لفظ الجلالة منصوب بالفتحة والهاء ضمير متصل في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً:
  • ويسعون: معطوفة بالواو على «يُحارِبُونَ» وتعرب مثلها. في الارض: جار ومجرور متعلق بيسعون فسادا حال منصوب بالفتحة بمعنى «مفسدين» أو مفعول مطلق على مصدر الفعل بمعنى: يفسدون فسادا. ويجوز أن يكون مفعولا له بتقدير: للفساد.
  • ﴿ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا:
  • أن: حرف مصدري ناصب. يقتلوا: فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن وعلامة نصبه: حذف النون والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل والالف فارقة وأن وما تلاها: بتأويل مصدر في محل رفع خبر المبتدأ «جزاء» والتقدير «جزاؤهم التقتيل» أو: حرف عطف. يصلّبوا: معطوفة على «يُقَتَّلُوا» وتعرب اعرابها.
  • ﴿ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ:
  • معطوفة بأو على «يُقَتَّلُوا» منصوبة مثلها وعلامة نصبها: الفتحة. أيديهم: نائب فاعل مرفوع بالضمة المقدرة على الياء للثقل و «هم» ضمير الغائبين في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ:
  • معطوفة بالواو على «أَيْدِيهِمْ» وتعرب مثلها وعلامة رفع الاسم الضمة الظاهرة. من خلاف: جار ومجرور في محل نصب حال. التقدير: تقطع الأيدي والأرجل مختلفات أي أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى و «مِنْ» لابتداء الغاية.
  • ﴿ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ:
  • أو ينفوا: معطوفة بأو على «يُقَتَّلُوا» وتعرب إعرابها من الارض: جار ومجرور متعلق بينفوا.
  • ﴿ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ:
  • ذا: اسم اشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. اللام: للبعد و «الكاف» حرف خطاب. لهم: اللام: حرف جر و «هم» ضمير الغائبين في محل جر باللام. خزي: خبر مرفوعة بالضمة.
  • ﴿ فِي الدُّنْيا:
  • جار ومجرور متعلق بصفة محذوفة من «خِزْيٌ» وعلامة جر الاسم الكسرة المقدرة على الألف للتعذر ويجوز أن يكون «لَهُمْ» في محل رفع خبرا مقدما و «خِزْيٌ» مبتدأ مؤخرا. وجملة «لَهُمْ خِزْيٌ» في محل رفع خبر «ذلِكَ» أي بتقدير: ذلك الجزاء خزي لهم في الدنيا.
  • ﴿ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ:
  • الواو: استئنافية. لهم. أعربت والجار والمجرور في محل رفع خبر مقدم. في الآخرة: جار ومجرور متعلق بعذاب أو في محل نصب حال لأنه متعلق بصفة مقدمة على «عَذابٌ». عذاب عظيم: عذاب: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة. عظيم: صفة- نعت- لعذاب مرفوعة مثله بالضمة. '

المتشابهات :

المائدة: 33﴿تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
البقرة: 114﴿مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ و لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
المائدة: 41﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ

أسباب النزول :

  • * سَبَبُ النُّزُولِ: 1 - أخرج النَّسَائِي وأحمد وأبو داود عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أن نفرًا من عُكْلٍ قدموا على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاجتووا المدينة فأمرهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا فقتلوا راعيها، واستاقوها، فبعث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في طلبهم، قال: فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرطم، وسمَّر أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ). 2 - وأخرج أبو داود والنَّسَائِي عن ابن عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أن ناساً أغاروا على إبل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاستاقوها، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مؤمناً، فبعث في آثارهم، فأخذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، قال: ونزلت فيهم آية المحاربة، وهم الذين أخبر عنهم أنس بن مالك الحجاج حين سأله. 3 - وأخرج أبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قال: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ .. ) إلى قوله (غَفُورٌ رَحِيمٌ) نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه. * دراسة السبب: هكذا جاء في سبب نزول الآية. وقد أورد المفسرون هذه الأحاديث وغيرها في سبب نزول الآية منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.واختار الطبري بعد سياق الأقوال أن الآية تتحدث عن بني إسرائيل وأن حكمها يتناول أهل الإسلام فقالوإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك لأن القصص التي قصها الله جل وعز قبل هذه الآية وبعدها من قصص بني إسرائيل وأنبائهم، فأن يكون ذلك متوسطاً منه يعرف الحكم فيهم وفي نظرائهم أولى وأحق فذكر كلامًا ... إلى أن قال: فتأويلها: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو سعى بفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرًا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون يقول: لساعون في الأرض بالفساد، وقاتلوا النفوس بغير نفس، وغير سعي في الأرض بالفساد حربا للَّه ولرسوله فمن فعل ذلك منهم يا محمد فإنما جزاؤه أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض.فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن تكون الآية نزلت في الحال التي ذكرت من حال نقض كافر من بني إسرائيل عهده، ومن قولك: إن حكم هذه الآية حكم من الله في أهل الإسلام دون أهل الحرب من المشركين؟.قيل: جاز أن يكون ذلك كذلك؛ لأن حكم من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا من أهل ذمتنا وملتنا واحد، والذين عُنوا بالآية كانوا أهل عهد وذمة وإن كان داخلاً في حكمها كل ذمي وملي، وليس يبطل بدخول من دخل في حكم الآية من الناس أن يكون صحيحاً نزولها فيمن نزلت فيه) اهـ.وقال ابن العربيومن قال إنها نزلت في المشركين أقرب إلى الصواب؛ لأن عكلا وعرينة ارتدوا وقتلوا وأفسدوا، ولكن يبعد لأن الكفار لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما يسقط قبلها وقد قيل للكفارقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) وقال في المحاربينإِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) وفي الآية النفي لمن لم يتب قبل القدرة، والمرتد لا ينفى، وفيها قطع اليد والرجل والمرتد لا تقطع له يد ولا رجل فثبت أنها لا يراد بها المشركون ولا المرتدون) اهـ.وقال ابن عطيةويشبه أن تكون نازلة في بني قريظة حين هموا بقتل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال عكرمة والحسن نزلت الآية في المشركين، وفي هذا ضعف لأن توبة المشرك نافعة بعد القدرة عليه وعلى كل حال). اهـ ثم ذكر من قال إنها نزلت في عكل وعرينة.وقال القرطبياختلف الناس في سبب نزول هذه الآية فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين ثم ساق الحديث. ونقل قول من قال: إنها نزلت في المشركين، وقال: وهذا ضعيف يرده قوله تعالىقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، وقوله - عليه الصلاة والسلام -الإسلام يهدم ما قبله) أخرجه مسلم، والصحيح الأول لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك، وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد. قال ابن المنذر: قول مالك صحيح، قال أبو ثور محتجاً لهذا القول: وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك، وهو قوله جل ثناؤهإِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام) اهـ.وقال ابن كثيروالصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات) اهـ.وقال ابن عاشورنزلت هذه الآية في شأن حكم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العرنيين وبه يشعر صنيع البخاري إذ ترجم بهذه الآية من كتاب التفسير وأخرج عقبه حديث أنس بن مالك في العرنيين) اهـ. وسأذكر حجج المفسرين وأقوالهم باختصار ثم أتحول إلى مناقشتها. الأول: قول الطبري ومن تبعه أن الآية نزلت في اليهود لأن سياق الآيات قبل الآية وبعدها تتحدث عن بني إسرائيل.الثاني: أن الآية نزلت في المشركين، وحجتهم حديث ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عند أبي داود والنَّسَائِي قال: نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه.الثالث: أنها نزلت في العرنيين لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك - هكذا قال القرطبي وأضافه إلى الجمهور -.الرابع: أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد، قال هذا مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. أما قول الطبري: إن الآية نزلت في اليهود، فقد قال ابن العربي معقباً على هذا القولوهذا ما لم يصح فإنه لم يبلغنا أن أحدًا من اليهود حارب ولا أنه جوزي بهذا الجزاء) اهـ.وعندي - والله أعلم - أن احتجاج الطبري بالسياق ليس بظاهر لأن الآيات تتحدث عن الفساد في الأرض عموماً ابتداء بابني آدم حيث قتل أحدهما أخاه، ثم ذكر بني إسرائيل وفسادهم ثم حذرنا من الحرابة والفساد في الأرض، ثم عقب ذلك بعقوبة السرقة وحد القطع فالآيات تتحدث عن الفساد في الأرض انتقالاً من طائفة إلى أخرى ومن أمة إلى أمة ومن نوع إلى نوع حيث بدأ بالقتل وختم بالسرقة.وأما القول بأن الآية نزلت في المشركين فإسناده حسن إلى ابن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - لكن يعكر عليه أمور:أولاً: قوله تعالىقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) قال القرطبيوقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم) اهـ.وأقول: هذا الإجماع الذي ذكره القرطبي في الإسلام بعد القدرة، فكيف قال ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه) هذا خلاف الآية ابتداء وانتهاء. وإذا كان الإجماع منعقدا على قبول التوبة بعد القدرة فقبلها من باب أولى.ثانياً: قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -الإسلام يهدم ما قبله) وهذا قاله رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعمرو بن العاص عند البيعة حين أراد اشتراط مغفرة ما سلف مع أن عمراً لا يرتاب أحد أنه قد نال من المسلمين كثيرًا قبل إسلامه، ومع هذا فقد أُخبر بأن الإسلام يهدم ما كان قبله، ولم يطالب بضمان ما أتلف من الدماء والأموال قبل ذلك.ثالثاً: ثبت في الصحيح عن أسامة بن زيد - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قال: بعثنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سرية فصبحنا الحُرُقات من جهينة فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أقال لا إله إلا الله وقتلته) قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح. قالأفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا).الشاهد من الحديث: أن الرجل أسلم بعد القدرة عليه ولما قتله أُسامة عوتب على ذلك عتابًا شديداً. فالحديثان المتقدمان والآية قبلهما نصوص ثابتة في أن توبة الكافر مقبولة سواء أكان ذلك قبل القدرة عليه أم بعدها، وهذا لا يتفق مع قوله تعالى في سياق آية الحرابة (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فإن المفهوم من الآية، والمستقر عند العلماء أن التوبة بعد القدرة لا تغير من الأمر شيئاً.قال السعديودل مفهوم الآية على أن توبة المحارب - بعد القدرة عليه - أنها لا تسقط عنه شيئاً) اهـ.وإذا كان الأمر كذلك فكيف يقال: إن آية الحرابة نزلت في المشركين مع ما بينهما من الفروق.رابعاً: أني مع قصوري وتقصيري لا أعلم أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل هذه العقوبة، وأنزل هذا الجزاء بأحد من المشركين الأصليين، بل كان - عليه الصلاة والسلام - حين تقتضي المصلحة قتلهم لا يتجاوز القتل المعتاد.أما القول بأن الآية نزلت في العرنيين لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك، فإنه قد تبين من دراسة أسانيد هذه الأحاديث أن ذكر نزول الآية فيها وهم، وبناءً على هذا فلا دليل حينئذٍ على أن الآية نازلةٌ بسببهم، وإذا كان الأمر دائراً بين وجود السبب وعدمه فالأصل العدم حتى يقوم دليل صحيح صريح على ذلك.فلم يبق إلا القول الرابع وأنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد وهذا هو الصحيح. قال ابن أبي عمروهذه الآية في قول ابن عبَّاسٍ وكثير من العلماء نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وبه يقول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي) اهـ.وليس المراد بقولنا: نزلت أن لها سببًا نزلت عليه، بل المراد أن لفظها يتناول أحكام قطاع الطريق، وإلا فالزمن بعيد بين قصة العرنيين حيث دارت أقوال العلماء حولها في سنة ست، وبين نزول سورة المائدة الذي تأخر كثيرًا. والله أعلم. * النتيجة: أن حديث العرنيين المذكور ليس سببًا لنزول الآية حيث لم يثبت من جهة الإسناد ذكر النزول، مع ما بين القصة، ونزول آية المائدة من الزمن الطويل والله أعلم.'
  • المصدر لباب النقول

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [33] لما قبلها :     ولَمَّا بَيَّنَ اللهُ عز وجل تغليظَ إثمِ قَتْلِ النَّفسِ بغيرِ نفسٍ أو فسادٍ في الأرضِ؛ بَيَّنَ هنا الفسادِ الذي يُوجِبُ القتلَ، وهو قطعُ الطريقِ (حدُ الحِرَابَةِ)، وقُطَّاعُ الطَّرِيقِ: هم الذينَ يَعْتَرِضُونَ النَّاسَ بِالسلاحِ جَهْرًا وَيأخذُونَ أموالَهم، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

القراءات :

أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع:
قرئت:
1- بالتشديد، وهى قراءة الجمهور.
2- بالتخفيف، وهى قراءة الحسن، ومجاهد، وابن محيصن.

مدارسة الآية : [34] :المائدة     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ ..

التفسير :

[34] لكن مَن أتى من المحاربين من قبل أن تقدروا عليهم، وجاء طائعاً نادماً فإنه يسقط عنه ما كان لله، فاعلموا -أيها المؤمنون- أن الله غفور لعباده، رحيم بهم.

{ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } أي: من هؤلاء المحاربين، { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: فيسقط عنه ما كان لله، من تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ومن حق الآدمي أيضا، إن كان المحارب كافرا ثم أسلم، فإن كان المحارب مسلما فإن حق الآدمي، لا يسقط عنه من القتل وأخذ المال. ودل مفهوم الآية على أن توبة المحارب -بعد القدرة عليه- أنها لا تسقط عنه شيئا، والحكمة في ذلك ظاهرة. وإذا كانت التوبة قبل القدرة عليه، تمنع من إقامة الحد في الحرابة، فغيرها من الحدود -إذا تاب من فعلها، قبل القدرة عليه- من باب أولى.

وقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بيان لحكم هؤلاء المحاربين إذا ما تابوا قبل القدرة عليهم.

أى نفذوا- أيها المسلمون- هذه العقوبات على هؤلاء المحاربين لأولياء الله وأولياء رسوله، والساعين في الأرض بالفساد ماداموا مستمرين في غيهم وعدوانهم إِلَّا الَّذِينَ تابُوا منهم مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ أى: من قبل أن تتمكنوا من أخذهم، بأن أتوكم طائعين نادمين، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أى واسع المغفرة والرحمة بعباده.

هذا وهناك مسائل تتعلق بهاتين الآيتين من أهمها ما يأتى:

1- احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في أن المحاربة في الأمصار وفي القرى وفي الصحراء على السواء، فحيثما تحققت إخافة المسلمين، كان الفاعلون لتلك الإخافة محاربين لله ولرسوله ويجب إنزال العقاب بهم، لقوله- تعالى- وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وكل هذه الأماكن من الأرض. وعلى هذا الرأى سار الإمام مالك والشافعى وأحمد وغيرهم.

ويرى الإمام أبو حنيفة أن قطع الطريق لا يتصور في داخل المصر، إذ يمكن الإغاثة عند الاستغاثة ويد السلطان مبسوطة في داخل الأمصار والقرى وإنما يتصور قطع الطريق في الصحراء وخارج المدن والقرى.

والذي نراه متفقا مع الآية الكريمة أنه حيثما تحقق الوصف- وهو محاربة الآمنين واستلاب أموالهم، والاعتداء على أرواحهم- كانت الحرابة، ولزمت العقوبة التي تردع هؤلاء المعتدين على أموال الناس وأنفسهم.

قال القرطبي: واختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة. فقال مالك: المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة .

قال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسألة فأثبت المحاربة في المصر مرة ونفى ذلك مرة. وقالت طائفة حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق، وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة.

قال ابن المنذر: كذلك هو، لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة. والآية على العموم. وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة. وقالت طائفة: لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجة عن المصر .

وقال ابن العربي: والذي نختاره أن الحرابة عامة في المصر والقفر، وإن كان بعضها أفحش من بعض. ولكن اسم الحرابة يتناولها، ومعنى الحرابة موجود فيها. ولو خرج بعض من في المصر لقتل بالسيف. ويؤخذ فيه بأشد ذلك لا بأيسره. فإنه سلب وغيلة، وفعل الغيلة أقبح من فعل الظاهرة ولذلك دخل العفو في قتل المجاهرة فكان قصاصا، ولم يدخل في قتل الغيلة وكان حدا» 2- اختلف الفقهاء في معنى التخيير في قوله- تعالى- أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ.

فقال قوم من السلف: الآية تدل على التخيير بين هذه الأجزية. فمتى خرج المحاربون بقطع الطريق، وقدر الإمام عليهم، فهو مخير بين أن يوقع بهم أى نوع من العقاب من هذه الأنواع الأربعة: القتل أو الصلب أو التقطيع أو النفي، حتى ولو لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا، ماداموا قد اجتمعوا وقصدوا تهديد أمن الناس. فالمسألة متروكة لتقدير الحاكم، وعليه أن يوقع بهم ما يراه مناسبا لزجرهم وردعهم وجعلهم عبرة لغيرهم حتى لا يستشرى الشر في الأمة.

قال ابن كثير: قال ابن أبى طلحة عن ابن عباس فيمن شهر السلاح في قبة الإسلام.

وأخاف السبيل ثم ظفر به الإمام وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله، وكذا قال: سعيد بن المسيب ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، كما رواه ابن جرير عن أنس- وهو مذهب المالكية.

ومستند هذا القول أن ظاهر أَوْ للتخيير كما في نظائر ذلك من القرآن، كما في قوله- تعالى- في كفارة الفدية: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فأو هنا للتخيير، وكذلك في الآية التي معنا» .

وقال قوم آخرون من السلف: الآية تدل على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها من الجنايات. أى: أن أَوْ لتنويع العقوبات على حسب طبيعة الجرائم. فإذا قتل هؤلاء المحاربون غيرهم وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا فقط قتلوا، وإذا أخذوا المال فحسب قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا تجمعوا واتفقوا على ارتكاب الجرائم من غير أن يرتكبوا بالفعل نفوا من الأرض.

وبهذا الرأى قال ابن عباس وقتادة والأوزاعى، وهو مذهب الشافعية والأحناف والحنابلة.

قال ابن كثير: وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال، فعن ابن عباس أنه قال في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض.

ثم قال ابن كثير: ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره أن عبد الله بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل.. قال أنس: فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال جبريل:

من سرق ما لا وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته ومن قتل فاقتله. ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه» .

وقال الفخر الرازي: والذي يدل على ضعف القول الأول وجهان:

الأول: أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من الاقتصار على النفي، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد من الآية التخيير.

الثاني: أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقدهم بالمعصية ولم يفعل، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلا على حدة، فصار التقدير: أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال. أو ينفوا من الأرض إن أخافوا السبيل» .

والخلاصة أن أصحاب هذا الرأى الثاني يستدلون بأدلة نقلية- سبق بيانها- كما يستدلون بأدلة عقلية منها ما ذكر الإمام الرازي ومنها أن العقل يقضى أن يكون الجزاء مناسبا للجناية بحيث يزداد بازديادها، وينقص بنقصها، وليس من المعقول أن تكون جريمة الاتفاق على الإرهاب بدون تنفيذ، متساوية مع جريمة الإرهاب والقتل والسلب. إذا فالعدالة توجب تنويع العقوبة.

ومنها أن التخيير الوارد في الأحكام المختلفة بحرف التخيير إنما يجرى على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدا كما في كفارة اليمين وكفارة الفدية، أما إذا كان السبب مختلفا فإنه يخرج التخيير عن ظاهره- كما هنا-، ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد في نفسه، وذلك لأن قطع الطريق متنوع وبين أنواعه تتفاوت الجريمة: فقد يكون باستلاب المال فقط، وقد يكون بالقتل فقط، وقد يكون بهما ومادام الأمر كذلك وجب أن يكون العقاب مختلفا ووجب أن يحمل ظاهر النص على غير التخيير. بأن يحمل على بيان الحكم لكل نوع.

قالوا: ونظير ذلك قوله- تعالى- قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً فإنه ليس الغرض التخيير وإنما الغرض: ليكن شأنك مع قومك تعذيب من جحد وظلم، والإحسان إلى من آمن وعمل صالحا.

وإنما قلنا: ليس الغرض التخيير، لأنه لا يمكن أن يكون له الحق في أى الأمرين من غير مرجح لأحدهما في الاعتبار، إذ منطق العدالة يقتضى أن يكون العذاب لمن فسق وجحد، وأن يكون الإحسان لمن آمن واستقام.

قال بعض العلماء: «وإن الفقه في التفرقة بين الرأيين أن الرأى الثاني يحدد جرائم معينة، ويعتبرها موضوع قطع بفعلها أو بالشروع فيها وهي القتل والسرقة. وأن الجرائم لا تخلو عن ذلك، ولذلك كانت العقوبات مترددة بين القطع والقتل، وأنه يكون ثمة تغليظ إذا ارتكبت الجريمتان معا.

وإن كان الشروع بالتجمع واتخاذ الأسباب، فإن العقوبة تكون بمنع الجريمة من الوقوع باتخاذ أسباب الوقاية بالنفي من الأرض، ولذلك كان التنويع، وكان تخريج حرف أَوْ على ذلك الأساس، ليكون التكافؤ بين الجريمة والعقوبة، وإن لم تكن جريمة كانت الوقاية.

أما الرأى الأول فهو يتجه إلى أن عقوبة الحرابة لذات الحرابة والسعى في الأرض بالفساد، ومنع الناس من السير والاستمتاع بأموالهم وحرياتهم الشخصية. وظاهر هذا الرأى أنه لا ينظر إلا إلى ذات الحرابة التي هي التخويف والإرهاب، ولا ينظر إلى الجرائم التي ارتكبوها فعلا، ولذلك يعمم الجرائم ولا يقصرها على القتل والسرقة كالرأى الثاني.

ويرى أن العقوبات في جملتها هي لعلاج ذلك الشر، وحسم مادته، والقضاء على التفكير لمن يهم بمحاكاة من وقعوا فيه، ولذلك يجب إطلاق يد ولى الأمر واعتبار تلك العقوبات في يده كالدواء بين يدي الطبيب، يختار من أصنافه ما يراه أنجح في علاج الآفة التي أصابت الجسم الاجتماعى.

وإنا نرى الرأى الثاني بالنسبة لتنويع العقاب، ونرى الرأى الأول بالنسبة لتعميم الجرائم التي تفسد المجتمع. فإذا كانت عصابة تعمل لجمع الرجال على النساء وتخطف النساء لذلك الغرض، أو كانت عصابة لتجميع المواد المخدرة المحرم دينا وقانونا تناولها، فإنهم يكونون كقطاع الطريق، ويدخلون في باب الحرابة .

3- تدل الآية بظاهرها على أن المحاربين يعاقبون في الدنيا والآخرة، ولا يكون العقاب الدنيوي طهرة لهم ولو كانوا مسلمين لقوله- تعالى- ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ.

قال القرطبي: فقوله: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا لشناعة المحاربة، وعظم ضررها وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر، لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس. لأنه إذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، فانسد باب التجارة عليهم، وانقطعت أكسابهم، فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة، وذلك الخزي في الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم، وفتحا لباب التجارة التي أباحها الله لعباده. وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي ومستثناة من حديث عبادة بن الصامت في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له» .

ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره. ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم، ولكن يعظم عقابه لعظم ذنبه، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة وهذا الوعيد كغيره مقيد بالمشيئة، وله- تعالى- أن يغفر هذا الذنب» .

4- دل قوله- تعالى-: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ على أن توبة المحاربين قبل الظفر بهم، تسقط عنهم حد المحاربين المذكور في الآية، إلا أن كثيرا من الفقهاء قالوا إن الذي يسقط عنهم هو ما يتعلق بحقوق الله، أما ما يتعلق بحقوق العباد فلا يسقط عنهم بالتوبة قبل القدرة عليهم.

قال القرطبي: قوله- تعالى-: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ: استثنى- جل شأنه- التائبين قبل أن يقدر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

. أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط، وظاهر الآية أن من تاب بعد القدرة عليه فتوبته لا تنفع، وتقام الحدود عليه كما تقدم» .

وقال الآلوسى: قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله- تعالى- كما ينبئ عنه قوله فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وأما ما هو من حقوق العباد- كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه- فيسقط بالتوبة وجوبه على الإمام من حيث كونه حدا، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث كونه قصاصا فإنهم إن شاءوا عفوا، وإن أحبوا استوفوا» .

ويرى ابن جرير وابن كثير أن توبة المحاربين قبل القدرة عليهم تسقط عنهم جميع الحدود.

فقد قال ابن جرير- بعد أن ساق الأقوال في ذلك-: «وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي، قول من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه، أو بجماعة معه، قبل القدرة عليه، تضع عنه تبعات الدنيا التي كانت لزمته أيام حربه وحرابته، من حدود الله، وغرم لازم، وقود وقصاص، إلا ما كان قائما في يده من أموال المسلمين والمعاهدين فيرد على أهله» .

وقال ابن كثير: وقوله- تعالى- إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ أما على قول من قال إنها في أهل الشرك، فظاهر. - أى: فإنهم إذا آمنوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم جميع الحدود المذكورة-: وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم تحتم القتل والصلب وقطع الرجل.

وهل يسقط قطع اليد؟ فيه قولان للعلماء. وظاهر الآية يقتضى سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة.

ثم ساق آثارا في هذا المعنى منها: ما رواه ابن أبى حاتم عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة- وكان قد أفسد في الأرض وحارب- فكلم رجالا من قريش فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه. فأتى سعيد بن قيس الهمدانى فخلفه في داره ثم أتى عليا فقال:

يا أمير المؤمنين: أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، فقرأ حتى بلغ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فقال على: اكتب له أمانا..» .

وبعد، فهذه بعض الأحكام التي تتعلق بقطاع الطريق الذين سماهم الله- تعالى- محاربين لله ولرسوله، وسمى الفقهاء عملهم حرابة.

وقد رأينا أن الله- تعالى- قد عاقبهم بتلك العقوبات الرادعة في الدنيا. وأعد لهم العذاب العظيم في الآخرة، ما داموا مستمرين في عدوانهم وتهديدهم لأمن الناس، واستلابهم لأموالهم.

وإن المقصد من هذه العقوبات الشديدة، أن يكف المعتدون عن عدوانهم، وأن يحس الناس في حياتهم بالأمان والاطمئنان على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فإن الأمة التي ترتكب فيها الجرائم بدون خوف أو وجل، ويفتقد أبناؤها الأمان والاطمئنان، هذه الأمة التي هذا شأنها، لا بد أن تضطرب كلمتها، ويهون أمرها، وتنتزع الثقة بين الحاكمين والمحكومين فيها، لذا فقد أوجب الإسلام على أتباعه أن يتكاتفوا ويتعاونوا للقضاء على كل من يحاول إثارة الفتن والاضطراب بين صفوفهم، حتى يعيشوا آمنين مطمئنين، مؤدين لما يجب عليهم نحو دينهم ودنياهم بدون خوف أو إزعاج.

وقد قال القرطبي في هذا المعنى: «وإذا أخاف المحاربون السبيل، وقطعوا الطريق، وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين، فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبرا إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته .

وبعد أن بين- سبحانه- سوء عاقبة المحاربين له ولرسوله صلى الله عليه وسلم وأخرج منهم من تاب إليه- سبحانه- قبل القدرة عليه بعد كل ذلك وجه- سبحانه- نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بتقواه، وبالتقرب إليه بالعمل الصالح فقال- تعالى-:

وقوله : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) أما على قول من قال : هي في أهل الشرك فظاهر ، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم ، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل ، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء .

وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع ، وعليه عمل الصحابة ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن مجاهد عن الشعبي قال : كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة وكان قد أفسد في الأرض وحارب ، فكلم رجالا من قريش منهم : الحسن بن علي وابن عباس وعبد الله بن جعفر فكلموا عليا فلم يؤمنه . فأتى سعيد بن قيس الهمداني فخلفه في داره ، ثم أتى عليا فقال : يا أمير المؤمنين ، أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا ، فقرأ حتى بلغ : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) قال : فكتب له أمانا . قال سعيد بن قيس : فإنه حارثة بن بدر .

وكذا رواه ابن جرير من غير وجه ، عن مجاهد عن الشعبي به . وزاد : فقال حارثة بن بدر :

ألا أبلغن همدان إما لقيتها على النأي لا يسلم عدو يعيبها لعمر أبيها إن همدان تتقي ال

إله ويقضي بالكتاب خطيبها

وروى ابن جرير من طريق سفيان الثوري عن السدي - ومن طريق أشعث كلاهما عن عامر الشعبي قال : جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمارة عثمان رضي الله عنه ، بعدما صلى المكتوبة فقال : يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك ، أنا فلان بن فلان المرادي وإني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فسادا ، وإني تبت من قبل أن يقدر علي . فقام أبو موسى فقال : إن هذا فلان بن فلان ، وإنه كان حارب الله ورسوله ، وسعى في الأرض فسادا ، وإنه تاب من قبل أن يقدر عليه ، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير ، فإن يك صادقا فسبيل من صدق ، وإن يك كاذبا تدركه ذنوبه ، فأقام الرجل ما شاء الله ، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله .

ثم قال ابن جرير : حدثني علي حدثنا الوليد بن مسلم قال : قال الليث وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني وهو الأمير عندنا : أن عليا الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال ، فطلبه الأئمة والعامة ، فامتنع ولم يقدر عليه ، حتى جاء تائبا ، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) [ الزمر : 53 ] ، فوقف عليه فقال : يا عبد الله ، أعد قراءتها . فأعادها عليه ، فغمد سيفه ، ثم جاء تائبا . حتى قدم المدينة من السحر ، فاغتسل ، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح ، ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه ، فلما أسفروا عرفه الناس ، فقاموا إليه ، فقال : لا سبيل لكم علي جئت تائبا من قبل أن تقدروا علي . فقال أبو هريرة : صدق . وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بن الحكم - وهو أمير على المدينة في زمن معاوية - فقال : هذا علي جاء تائبا ، ولا سبيل لكم عليه ولا قتل . قال : فترك من ذلك كله ، قال : وخرج علي تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر ، فلقوا الروم فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم ، فهربوا منه إلى شقها الآخر ، فمالت به وبهم ، فغرقوا جميعا .

القول في تأويل قوله عز ذكره : إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: إلا الذين تابوا من شركهم ومناصَبتهم الحربَ لله ولرسوله والسَّعيِ في الأرض بالفساد، بالإسلام والدخولِ في إلإيمان، من قبل قُدرة المؤمنين عليهم، فإنه لا سبيل للمؤمنين عليهم بشيء من العقوبات التي جعلَها الله جزاء لِمَنْ حارَبه ورسوله وسَعى في الأرض فسادًا، من قتلٍ، أو صلب، أو قطع يد ورجل من خلاف، أو نفي من الأرض= فلا تِباعَةَ قِبَله لأحدٍ فيما كان أصاب في حال كفره وحربه المؤمنين، (103) في مالٍ ولا دم ولا حرمةٍ. قالوا: فأما المسلم إذا حارب المسلمين أو المعاهدين، وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة، فلن تضع توبته عنه عقوبةَ ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين الله، وعلى الإمام إقامةُ الحدّ الذي أوجبه الله عليه، وأخذُه بحقوق الناس.

ذكر من قال ذلك:

11872 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ &; 10-278 &; الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ إلى قوله: " فاعلموا أنّ الله غفور رحيم "، نـزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن يُقدر عليه، لم يكن عليه سبيل. وليس تُحْرِز هذه الآية الرجلَ المسلم من الحدِّ إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يُقْدر عليه. ذلك يقام عليه الحدّ الذي أصاب. (104)

11873 - حدثنا بشار قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم "، قال: هذا لأهل الشرك، إذا فعلوا شيئًا في شركهم، فإن الله غفور رحيمٌ، إذا تابوا وأسْلموا.

11874 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا الزنا، (105) والسرقة، وقتل النفس، وإهلاك الحرث والنسل=" إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم "، على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

11875 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك قال: كان قوم بينهم وبين الرَّسول صلى الله عليه وسلم ميثاقٌ، فنقضوا العهدَ وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض، فخيرَّ الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم فيهم: فإن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. فمن تاب من قبل أن تقدروا عليه، قُبِلَ ذلك منه.

11876 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، الآية= فذكر نحو قول الضحاك، إلا أنه قال: فإن جاء تائبًا فدخل في الإسلام، قُبل منه، ولم يؤاخذ بما سلَف.

11877 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم "، قال: هذا لأهل الشرك، إذا فعلوا شيئًا من هذا في شركهم، ثم تابوا وأسلموا، فإن الله غفور رحيم.

11878 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن عطاء الخراساني وقتادة: أما قوله: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم "، فهذه لأهل الشرك. فمن أصاب من المشركين شيئًا من المسلمين وهو لهم حَرْب، فأخذ مالا وأصاب دمًا، ثم تاب قبل أن تقدروا عليه، أُهْدِر عنه ما مَضَى.

* * *

وقال آخرون: بل هذه الآية معنيٌّ بالحكم بها، المحاربون اللهَ ورسوله: الحُرَّابُ من أهل الإسلام، (106) من قطع منهم الطريق وهو مقيم على إسلامه، ثم استأمن فأُومن على جناياته التي جناها، وهو للمسلمين حرب= ومَن فعل ذلك منهم مرتدًّا عن الإسلام، (107) ثم لحق بدار الحرب، ثم استأمن فأومن. قالوا: فإذا أمَّنه الإمام على جناياته التي سلفت، لم يكن قِبَله لأحد تَبِعة في دمٍ ولا مالٍ أصابه قبل توبته، وقبلَ أمان الإمام إيَّاه.

ذكر من قال ذلك:

11879 - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني أبو أسامة، &; 10-280 &; عن أشعث بن سوار، عن عامر الشعبي: أن حارثة بن بَدْرٍ خرج محاربًا، فأخاف السبيل، وسفَك الدمَ، وأخذ الأموال، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدرَ عليه، فقبل علي بن أبي طالب عليه السلام توبته، وجعل له أمانًا منشورًا على ما كان أصاب من دٍم أو مال.

11880 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي: أن حارثة بن بدرٍ حاربَ في عهد علي بن أبي طالب، فأتى الحسن بن علي رضوان الله عليهما، فطلبَ إليه أن يستأمن له من عليّ، فأبى. ثم أتى ابن جعفر، فأبى عليه. (108) فأتى سعيد بن قيس الهمداني فأمَّنه، وضمّه إليه. وقال له: استأمِنْ لِي أميرَ المؤمنين علي بن أبي طالب. (109) قال: فلما صلى عليٌّ الغداة، (110) أتاه سَعيد بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين، ما جزاء الذين يحارِبون الله ورسوله؟ قال: أن يقتَّلوا، أو يصلبوا، أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض. قال: ثم قال: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ". قال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟ قال: وإن كان حارثة بن بدر! قال: فهذا حارثة بن بدر قد جاء تائبًا، فهو آمن؟ قال: نعم! قال: فجاء به فبايعه، وقبل ذلك منه، وكتب له أمانًا.

11881 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن مجالد، عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر قد أفسد في الأرض وحارب، ثم تاب. وكُلِّم له عليّ فلم يُؤْمنه. فأتى سعيدَ بن قيس فكلّمه، فانطلق سعيدُ بن قيس إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، ما تقولُ فيمن حارب الله ورسوله؟ =فقرأ الآية كلها= فقال: أرأيت من تابَ من قبل أن تقدِر عليه؟ &; 10-281 &; قال: أقول كما قال الله. قال: فإنه حارثة بن بدر! قال: فأمَّنه علي، فقال حارثة:

أَلا أَبْلِغَــا هَمْــدَانَ إِمَّــا لَقِيتَهــا

عَـلَى النَّـأيِ لا يَسْـلَمْ عَـدُوٌّ يَعِيبُهَـا

لَعَمْــرُ أَبِيهَــا إنَّ هَمَــدَانَ تَتَّقِـي

الإلــهَ وَيَقْضِـي بِالْكِتَـابِ خَطِيبُهَـا (111)

11882- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم "، وتوبته من قبل أن يُقْدر عليه: أن يكتُب إلى الإمام يَستأمنه على ما قَتل وأفسدَ في الأرض: " فإن لم يؤمني على ذلك، ازددت فسادًا وقتلا وأخذًا للأموال أكثر مما &; 10-282 &; فعلت ذلك قبل ". فعلى الإمام من الحقّ أن يؤمنه على ذلك. فإذا أمّنه الإمام جاء حتى يضع يده في يد الإمام، فليس لأحد من الناس أن يتّبِعه، ولا يأخذه بدَم سفكه، ولا مال أخذه. وكل مالٍ كان له فهو له، لكيلا يقتل المؤمنين أيضًا ويفسد. فإذا رجع إلى الله جل وعزّ فهو وليُّه، يأخذه بما صنع، وتوبته فيما بينه وبين الإمام والناس. فإذا أخذه الإمام، وقد تابَ فيما يزعُم إلى الله جل ثناؤه قبل أن يُؤمنه الإمام، فليقم عليه الحدّ.

11883 - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، أخبرني مكحول، أنه قال: (112) إذا أعطاه الإمام أمانًا، فهو آمن، ولا يقام عليه حدُّ ما كان أصاب.

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك: كلُّ من جاء تائبًا من الحُرَّاب قبل القُدْرة عليه، (113) استأمن الإمام فأمَّنه أو لم يستأمنه، بعدَ أن يجيء مستسلمًا تاركًا للحرب.

ذكر من قال ذلك:

11884 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن عامر قال: جاء رجل من مُرادٍ إلى أبي موسى، وهو على الكوفة في إمرة عثمان، بعد ما صلَّى المكتوبة فقال: يا أبا موسى، هذا مَقَام العائذِ بك، أنا فلان بن فلان المرادِيّ، كنت حاربتُ الله ورسوله، وسعيتَ في الأرض، وإني تبتُ من قبل أن تَقْدر عليّ! فقام أبو موسى فقال: هذا فلان ابن فلان، وإنه كان حاربَ الله ورسوله، وسعَى في الأرض فسادًا، وإنه تاب قبل أن يُقْدَر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير. فأقام الرجل ما شاءَ الله، ثم إنه خرج فأدركه الله جل وعزّ بذُنوبه فقَتَله.

11885 - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن إسماعيل السدي، عن الشعبي قال: جاء رجل إلى أبي موسى، فذكر نحوه.

11886 - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك: أرأيت هذا المحارب الذي قد أخاف السبيل، وأصابَ الدم والمال، فلحق بدار الحرْب، أو تمنَّع في بلاد الإسلام، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدر عليه؟ قال: تقبل توبته. قال قلت: فلا يُتَّبع بشيء من أحداثه؟ قال: لا إلا أن يوجد معه مالٌ بعينه فيردّ إلى صاحبه، أو يطلبه وليُّ من قَتل بدم في حَرْبه يثبت ببيّنَةٍ أو اعترافٍ فيقاد به. وأما الدماء التي أصابها ولم يطلبها أولياؤها، فلا يتَّبعه الإمام بشيء= قال علي، قال الوليد: فذكرت ذلك لأبي عمرو، فقال: تقبل توبته إذا كان محاربًا للعامة والأئمة، قد آذاهم بحَرْبه، فشهر سلاحه، وأصاب الدماء والأموال، فكانت له مَنْعة أو فِئة يلجأ إليهم، أو لحق بدار الحرب فارتدَّ عن الإسلام، أو كان مقيمًا عليه، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقدرَ عليه، قُبلت توبته، ولم يتَّبَع بشيء منه.

11887 - حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو: سمعت ابن شهاب الزهريّ يقول ذلك.

11888 - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال: فذكرت قول أبي عمرو ومالك لليث بن سعد في هذه المسألة، فقال: إذا أعلن بالمحاربة العامة والأئمة، (114) وأصابَ الدماء والأموال، فامتنع بمحاربته من الحكومة عليه، (115) أو لحق بدار الحرب، ثم جاء تائبًا من قبل أن يقدر عليه، قبلت توبته، ولم يتَّبَع بشيء من أحْدَاثه في حربه من دم خاصةٍ ولا عامة، وإن طلبه وليه.

11889 - حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال، قال الليث= وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدنيّ، وهو الأمير عندنا: أن عليًّا الأسديّ حاربَ وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال، فطلبته الأئمة والعامة، فامتنع ولم يُقْدر عليه حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [سورة الزمر: 53]. الآية، فوقف عليه فقال: يا عبد الله، أعد قراءَتها. فأعادها عليه، فغَمَد سيفه، ثم جاء تائبًا، حتى قَدِم المدينة من السَّحَر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في غِمار أصحابه. فلما أسفر عرفه الناس وقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عليّ، جئت تائبًا من قبلِ أن تَقْدروا عليَّ! فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بنَ الحكم في إمرته على المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا عليٌّ، جاء تائبًا، ولا سبيل لكم عليه ولا قتل. قال، فترك من ذلك كله. (116) قال: وخرج عليَّ تائبًا مجاهدًا في سبيل الله في البحر، فلقُوا الروم، فقرَّبوا سفينته إلى سفينة من سفنهم، فاقتحم على الرُّوم في سفينتهم، فهُزِموا منه إلى سفينتهم الأخرى، فمالت بهم وبه، فغرقوا جميعًا. (117)

11890 - حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا مطرف بن معقل قال، سمعت عطاء قال في رجل سرق سرقة فجاء بها تائبًا من غير أن يُؤخَذ، فهل عليه حدٌّ؟ قال: لا! ثم قال: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدِروا عليهم "، الآية. (118)

11891 - حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا نافع بن يزيد قال، حدثني أبو صخرٍ، عن محمد بن كعب القرظي= وعن أبي معاوية عن سعيد بن جبير= قالا إن جاء تائبًا لم يقتطع مالا ولم يسفك دمًا، تُرك. فذلك الذي قال الله: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم "، يعني بذلك أنه لم يسفك دمًا ولم يقتطع مالا. (119)

* * *

وقال آخرون: بل عنى بالاستثناء في ذلك، التائبَ من حربه اللهَ ورسولَه والسعيِ في الأرض فسادًا بعد لحاقه في حربه بدار الكفر. فأما إذا كانت حِرَابته وحربُه وهو مقيم في دار الإسلام، (120) وداخلٌ في غمار الأمة، فليست توبته واضعة عنه شيئًا من حدود الله جل وعز، ولا من حقوق المسلمين والمعاهدين، بل يؤخذ بذلك.

ذكر من قال ذلك:

11892 - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني إسماعيل، عن هشام بن عروة: أنه أخبره أنهم سألوا عروة عمن تلصّص في الإسلام فأصاب حدودًا ثم جاء تائبًا، فقال: لا تقبل توبته، لو قبل ذلك منهم اجترءوا عليه، وكان فسادًا كبيرًا. ولكن لو فرّ إلى العدوّ، ثم جاء تائبًا، لم أر عليه عقوبة.

* * *

وقد روي عن عروة خلاف هذا القول، وهو ما:-

11893 - حدثني به علي قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني من سمع هشام بن عروة، عن عروة قال، يقام عليه حدُّ ما فر منه، ولا يجوز لأحدٍ فيه أمان = يعني، الذي يصيب حدًّا، ثم يفرُّ فيلحق الكفار، ثم يجيء تائبًا.

* * *

وقال آخرون: إن كانت حِرَابته وحربه في دار الإسلام، (121) وهو في غير مَنْعة من فئة يلجأ إليها، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته لا تضع عنه شيئا من العقوبة ولا من حقوق الناس. وإن كانت حِرَابته وحَرْبه في دار الإسلام، أو هو لاحقٌ بدار الكفر، غير أنه في كل ذلك كان يلجأ إلى فئة تمنعه ممن أراده من سلطان المسلمين، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته تضع عنه كل ما كان من أحْداثه في أيام حِرابته تلك، إلا أن يكون أصاب حدًّا أو أمَرَ الرُّفقة بما فيه عقوبة، (122) أو غُرْم لمسلم أو معاهد، وهو غير ملتجئ إلى فئة تمنعه، فإنه يؤخذ بما أصاب من ذلك وهو كذلك، ولا يضع ذلك عنه توبتُه.

ذكر من قال ذلك:

11894 - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو: إذا قطع الطريق لصٌّ أو جماعة من اللصوص، فأصابوا ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يكن لهم فئة يلجأون إليها ولا مَنْعة، ولا يأمنون إلا بالدخول في غِمَار أمتهم وسوادِ عامّتهم، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدر عليه، لم تُقبل توبته، وأقيم عليه حدهّ ما كان.

11895 - حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال: ذكرت لأبي عمرو قول عُروة: " يقام عليه حدّ ما فرّ منه، ولا يجوز لأحد فيه أمان "، فقال أبو عمرو: إن فرّ من حَدَثه في دار الإسلام، فأعطاه إمامٌ أمانًا، لم يجزْ أمانُه. وإن هو لحق بدار الحرب، ثم سأل إمامًا أمانًا على أحداثه، لم ينبغ للإمام أن يعطيه أمانًا. وإن أعطاه الإمام أمانًا وهو غير عالم بأحداثه، فهو آمن. وإن جاء أحدٌ يطلبه بدم أو مال رُدّ إلى مأمنه، فإن أبى أن يَرجع فهو آمن ولا يُتَعَرَّض له. قال: وإن أعطاه أمانًا على أحداثه وهو يعرفها، فالإمام ضامنٌ واجب عليه عَقْلُ ما كان أصاب من دم أو مال، (123) وكان فيما عطّل من تلك الحدود والدماء آثمًا، وأمره إلى الله جل وعز. قال: وقال أبو عمرو: فإذا أصاب ذلك، وكانت له مَنْعة أو فئة يلجأ إليها، أو لحق بدار الحرب فارتدّ عن الإسلام، أو كان مقيمًا عليه، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدر عليه، قُبِلت توبته، ولم يُتَّبع بشيء من أحداثه التي أصابها في حربه، إلا أن يوجد معه شيءٌ قائم بعينه فيردّ إلى صاحبه.

11896 - حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني ابن لهيعة، عن ربيعة قال: تقبل توبتُه، ولا يتَّبع بشيء من أحداثِه في حربه، إلا أن يطلبه أحد بدم كان أصابه في سِلْمه قبل حربه، فإنه يقاد به.

11897 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معمر الرقي قال، حدثنا الحجاج، عن الحكم بن عتيبة قال: قاتل الله الحجاج! إن كان ليفقَهُ! أمَّن رجلا من محاربته، فقال، انظروا هل أصاب شيئا قبل خروجه؟

* * *

وقال آخرون: تضع توبته عنه حدَّ الله الذي وجب عليه بمحاربته، ولا يسقط عنه حقوق بني آدم.

وممن قال ذلك الشافعي.

11898- حدثنا بذلك عنه الربيع.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه أو بجماعة معه قبل القُدرة عليه، تضع عنه تَبِعات الدنيا &; 10-288 &; التي كانت لزمته في أيام حربه وحِرَابته، (124) من حدود الله، وغُرْم لازم، وقَوَدٍ وقصاص، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه، فيردّ على أهله= لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة لله ولرسوله، الساعيةِ في الأرض فسادًا على وجه الردة عن الإسلام. فكذلك حكم كل ممتنع سَعَى في الأرض فسادًا، جماعةً كانوا أو واحدًا.

فأمَّا المستخفي بسرقته، والمتلصِّصُ على وجه اغتفال من سرقه، (125) والشاهرُ السلاحَ في خلاء على بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع، فإن حكم الله عليه= تاب أو لم يتب= ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله، أو أصاب وليَّه بدم أو خَتْلٍ مأخوذ، وتوبته فيما بينه وبين الله جل وعز= قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك وهو للمسلمين سِلْمٌ، ثم صار لهم حربًا، أن حربه إياهم لن يضعَ عنه حقًا لله عز ذكره، ولا لآدمي، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء أو باستخفاء، وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده، ولا له فئة يلجأ إليها مانعةٌ منه.

وفي قوله: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم "، دليل واضح لمن وُفِّق لفهمه، أنّ الحكم الذي ذكره الله جل وعزّ في المحاربين، يجري في المسلمين والمعاهدين، دون المشركين الذين قد نصبُوا للمسلمين حربًا، وذلك أن ذلك لو كان حكمًا في أهل الحرب من المشركين، دون المسلمين ودون ذمتهم، لوجب أن لا يُسْقِطَ إسلامُهم عنهم= إذا أسلموا أو تابوا بعد قدرتنا عليهم= ما كان لهم قبل إسلامهم وتوبتهم من القتل، وما للمسلمين في أهل الحرب من المشركين. وفي إجماع المسلمين أنّ إسلام المشرك الحربيِّ يضع عنه، بعد قدرة المسلمين عليه، ما كان واضعَه عنه إسلامه قبل القدرة عليه= ما يدلّ على أن الصحيح من القول في ذلك قول من قال: " عنى بآية المحاربين في هذا الموضع، حُرَّاب أهل الملة أو الذمة، (126) دون من سواهم من مشرِكي أهل الحرب ".

* * *

وأما قوله: " فاعلموا أن الله غفور رحيم "، فإن معناه: فاعلموا أيها المؤمنون، أن الله غير مؤاخذٍ من تاب من أهل الحرب لله ولرسوله، الساعين في الأرض فسادًا، وغيرهم بذنوبه، ولكنه يعفو عنه فيسترها عليه، ولا يفضحه بها بالعقوبة في الدنيا والآخرة= رحيم به في عفوه عنه، وتركه عقوبته عليها. (127)

---------------

الهوامش :

(103) "التبعة" (بفتح التاء وكسر الباء) ، و"التباعة" (بكسر التاء): ما فيه إثم يتبع به مرتكبه. يقال: "ما عليه من الله في هذا تبعة ، ولا تباعة".

(104) الأثر 11872- مضى برقم: 11806 ، وانظر التعليق عليه.

(105) في المطبوعة: "بالزنا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.

(106) "الحراب" جمع"حارب" ، و"الحارب": هو الغاصب الناهب الذي يعري الناس ثيابهم. وكأنه عنى به هنا: صفة"المحارب لله ورسوله" ، وإفساده في الأرض. وانظر ما سيأتي ص: 282 ، تعليق: 2.

(107) قوله: "ومن فعل..." معطوف على قوله: "الحراب من أهل الإسلام..." يعني: هذا وهذا.

(108) يعني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.

(109) في المطبوعة والمخطوطة: "استأمن إلى" ، والصواب ما أثبت.

(110) "الغداة" ، يعني صلاة الفجر.

(111) الآثار: 11879- 11881-"عبد الرحمن بن مغراء الدوسي" ، ثقة ، متكلم فيه ، مضى برقم: 1614.

وأما "حارثة بن بدر بن حصين الغداني" ، من بني غدانة بن يربوع ، كان من فرسان بني تميم ووجوهها وساداتها. وكان فاتكًا صاحب شراب. وكان فصيحًا بليغًا عارفًا بأخبار الناس وأيامهم ، حلوًا شاعرًا ذا فكاهة ، فكان زياد يأنس به طول حياته (الأغاني 21: 25).

وأما "سعيد بن قيس الهمداني" ، فهو من بني عمرو بن السبيع. وكان سيد همدان في زمانه.

ولما أمن علي رضي الله عنه حارثه بن بدر ، وقف على المنبر فقال: "أيها الناس ، إني كنت نذرت دم حارثة بن بدر ، فمن لقيه فلا يعرض له". فانصرف سعيد بن قيس إلى حارثة ، وأعلمه ، وحمله وكساه وأجازه بجائزة سنية. فلما أراد حارثة الانصراف إلى البصرة شيعه سعيد بن قيس في ألف راكب ، وحمله وجهزه.

وأما البيتان ، فهما في تاريخ ابن عساكر 3: 430 ، مع اختلاف يسير في روايتهما.

وأما قوله: "ويقضي بالكتاب خطيبها" ، فكأنه عنى بخطيب همدان الفقيه الجليل: "مسروق بن الأجدع الهمداني" ، صاحب ، على وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما. وكأنه يشير بهذا البيت إلى ما روي عن مسروق أنه أتى يوم صفين ، فوقف بين الصفين ثم قال:

أيها الناس ، أنصتوا. ثم قال: أرأيتم لو أن مناديًا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عما أنتم فيه ، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم! قال: فوالله لقد نزل بذلك جبرئيل على محمد صلى الله عليه وسلم. فما زال يأتي من هذا- أي: يقول مثل هذا- ثم تلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكمْ رَحِيمًا).

ثم انساب في الناس فذهب. (ابن سعد 6: 52).

(112) هكذا في المطبوعة والمخطوطة: "أخبرني مكحول أنه قال" ، وأرجح: أن الصواب"عن مكحول أنه قال" ، وانظر الأسانيد السالفة رقم: 3997 ، 4129 ، 5359 ، 8966.

(113) "الحراب" جمع"حارب" ، انظر تفسيرها فيما سلف ص: 279 ، تعليق: 1.

(114) في المطبوعة: "للعامة" ، والصواب من المخطوطة.

(115) "الحكومة عليه" يعني: القضاء عليه.

(116) قوله: "فترك" بالبناء للمجهول ، كأنه يعني أنه لم يؤخذ بشيء من كل أحداثه التي أتاها وهو في محاربته لله ولرسوله.

(117) الأثر: 11889-"موسى بن إسحق المدني ، الأمير" ، لم أعرف من يكون. و"علي الأسدي" ، لم أعرفه أيضا.

وكأني قد مر بي مثل هذا الإسناد فيما سلف ، ولكن سقط علي تقييده ، فمن وجده فليثبته هنا. فلعله يكشف عن هذا الأمير المذكور في هذا الخبر.

(118) الأثر: 11890-"مطرف بن معقل الشقري السعدي" ويقال: "الباهلي" ، أبو بكر.

روى عن الحسن ، والشعبي ، وابن سيرين ، وقتادة ، وعطاء. قال أحمد: "كان ثقة وزيادة". مترجم في الكبير 4/1/397 ، وابن أبي حاتم 4/1/315 ، ولسان الميزان 6: 48.

(119) الأثر: 11891-"أبو صخر" هو"حميد بن زياد بن أبي المخارق ، الخراط" ، مضى برقم: 4325 ، 5386 ، 8391- وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"أبو صخرة" ، بالتاء في آخره ، وقد مضى على الصواب قريبًا برقم: 11867.

و"أبو معاوية" هو"عمار بن معاوية الدهني" ، مضى أيضًا برقم: 909 ، 4325 ، 5386.

(120) انظر ما قلته في"الحرابة" ص: 252 ، تعليق: 2 ، وص: 256 ، تعليق: 2.

(121) انظر ص: 285 ، تعليق: 2.

(122) "الرفقة" ، يعني أصحابه الذين يرافقهم ويلجأ إليهم وهم فئته.

(123) "العقل" ، دية الجناية.

(124) انظر"الحرابة" فيما سلف ص: 285 ، تعليق: 2.

(125) "اغتفل الرجل" ، يعني: اهتبل غفلته فأخذ ما أخذ. وهذا حرف لم تقيده كتب اللغه ، بل قيدوا: "تغفله" (بتشديد الفاء) ، و"استغفلته" ، أي: تحينت غفلته. وهذا الذي استعمله أبو جعفر صحيح في القياس والعربية ، وقد رأيت أبا الفرج الأصفهاني ، صاحب الأغاني ، يستعمله أيضا ، فجاء في الأغاني 2: 99 ، في أخبار عدي بن زيد الشاعر ، فذكر جده"زيد بن أيوب" ومقتله ، فكان مما قال: "ثم إن الأعرابي اغتفل زيد بن أيوب ، فرماه بسهم فوضعه بين كتفيه ، ففلق قلبه".

وكان في المطبوعة هنا: "على وجه إغفال من سرقة" ، وليس هذا صحيحًا في قياس العربية ، حتى يغير ما كان في المخطوطة. وهو في المخطوطة غير منقوط ، وهذا صواب قراءته.

(126) "الحراب" جمع"حارب" ، وقد سلف القول فيها في ص: 279 ، تعليق: 1 ، فراجعه. وكان في المطبوعة: "حراب أهل الإسلام" ، وفي المخطوطة: "أهل المسلة" ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(127) انظر تفسير"غفور" و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.

المعاني :

لم يذكر المصنف هنا شيء

التدبر :

وقفة
[34] إذا كانت التوبة قبل القدرة عليه، تمنع من إقامة الحد في الحرابة، فغيرها من الحدود -إذا تاب من فعلها، قبل القدرة عليه- من باب أولى.
عمل
[34] تذكر كبيرة فعلتها، ثم تب إلى الله تعالى منها، وأكثر الاستغفار؛ فحد المحاربة يسقط لمن تاب قبل القدرة عليه، فكيف بمن هو دونه؟! ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
وقفة
[34] توبة المفسدين من المحاربين وقاطعي الطريق قبل قدرة السلطان عليهم توجب العفو ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
لمسة
[34] ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ختمت الآية بقوله: (فَاعْلَمُواْ)، ولم يقل: (فإن الله غفور رحيم)؛ ليدلنا على أهمية الخبر نظرًا لاستعظام الإنسان هذا العفو رغم ما أتى به الجاني.

الإعراب :

  • ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا:
  • إلّا: أداة استثناء. الذين: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مستثنى بإلّا. تابوا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. والالف: فارقة. والجملة صلة الموصول.
  • ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا:
  • جار ومجرور متعلق بتابوا. أن: حرف مصدري ناصب. تقدروا: فعل مضارع منصوب «بأن» وعلامة نصبه حذف النون. والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. والالف: فارقة. وجملة «أن وما تلاها» بتأويل مصدر في محل جر مضاف اليه. وجملة «تَقْدِرُوا» صلة «أَنْ» لا محل لها.
  • ﴿ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا:
  • جار ومجرور متعلق بتقدروا و «هم» ضمير الغائبين في محل جر بعلى. فاعلموا: الفاء: استئنافية. اعلموا: فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الافعال الخمسة. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف: فارقة ويجوز ان تكون الفاء رابطة لجواب الشرط اذا اعربت «الَّذِينَ» في محل رفع مبتدأ.
  • ﴿ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:
  • أنّ: حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل. الله لفظ الجلالة: اسمها منصوب للتعظيم بالفتحة. غفور: خبر إنّ مرفوع بالضمة. رحيم: صفة- نعت- لغفور مرفوع مثله بالضمة. و «أنّ وما بعدها بتأويل مصدر سدّ مسد مفعولي «اعلم». '

المتشابهات :

البقرة: 160﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَـٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
آل عمران: 89﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
النور: 5﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
النساء: 146﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّـهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّـهِ فَأُولَـٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
المائدة: 34﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [34] لما قبلها :     وبعد أن ذكرَ اللهُ عز وجل جزاءَ قُطَّاع الطرق؛ استثنى ممن يستحقون العقوبة من تاب قبل القدرة عليه، قال تعالى:
﴿ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

القراءات :

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [35] :المائدة     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ ..

التفسير :

[35] يا أيها الذين صَدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، خافوا الله، وتَقَرَّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وجاهدوا في سبيله؛ كي تفوزوا بجناته.

هذا أمر من الله لعباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان من تقوى الله والحذر من سخطه وغضبه، وذلك بأن يجتهد العبد، ويبذل غاية ما يمكنه من المقدور في اجتناب ما يَسخطه الله، من معاصي القلب واللسان والجوارح، الظاهرة والباطنة. ويستعين بالله على تركها، لينجو بذلك من سخط الله وعذابه. { وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } أي: القرب منه، والحظوة لديه، والحب له، وذلك بأداء فرائضه القلبية، كالحب له وفيه، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل. والبدنية: كالزكاة والحج. والمركبة من ذلك كالصلاة ونحوها، من أنواع القراءة والذكر، ومن أنواع الإحسان إلى الخلق بالمال والعلم والجاه، والبدن، والنصح لعباد الله، فكل هذه الأعمال تقرب إلى الله. ولا يزال العبد يتقرب بها إلى الله حتى يحبه الله، فإذا أحبه كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي [بها] ويستجيب الله له الدعاء. ثم خص تبارك وتعالى من العبادات المقربة إليه، الجهاد في سبيله، وهو: بذل الجهد في قتال الكافرين بالمال، والنفس، والرأي، واللسان، والسعي في نصر دين الله بكل ما يقدر عليه العبد، لأن هذا النوع من أجل الطاعات وأفضل القربات. ولأن من قام به، فهو على القيام بغيره أحرى وأولى { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } إذا اتقيتم الله بترك المعاصي، وابتغيتم الوسيلة إلى الله، بفعل الطاعات، وجاهدتم في سبيله ابتغاء مرضاته. والفلاح هو الفوز والظفر بكل مطلوب مرغوب، والنجاة من كل مرهوب، فحقيقته السعادة الأبدية والنعيم المقيم.

وقوله: اتَّقُوا من التقوى بمعنى صيانة النفس عن كل ما يبغضه الله- تعالى-.

وقوله: وَابْتَغُوا من الابتغاء وهو الاجتهاد في طلب الشيء.

والْوَسِيلَةَ على وزن فعيلة بمعنى ما يتوصل به ويتقرب به إلى الله- تعالى-، من فعل الطاعات، واجتناب المعاصي، مأخوذة من وسل إلى كذا، أى. تقرب إليه بشيء. وقيل:

الوسيلة الحاجة.

قال الراغب: الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها معنى الرغبة، وحقيقة الوسيلة إلى الله مراعاة سبيله بالعلم والعبادة وتحرى مكارم الشريعة، وهي كالقربة. والواسل: الراغب إلى الله- تعالى ... .

والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم اتَّقُوا اللَّهَ أى: خافوه وصونوا أنفسكم عن كل ما لا يرضيه وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ: أى: اطلبوا باجتهاد ونشاط الزلفى والقربى إليه عن طريق مداومتكم على فعل الطاعات، والتزود من الأعمال الصالحات، واجتناب المعاصي والمنكرات.

وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أى: وجاهدوا أنفسكم بكفها عن الأهواء، وكذلك جاهدوا أعداءكم حتى تكون كلمة الله هي العليا، رجاء أن تفوزوا بالفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة. وقد ناداهم- سبحانه- بصفة الإيمان، لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإيمان من طاعة وإخلاص.

وقوله: إِلَيْهِ متعلق بالفعل قبله وهو وَابْتَغُوا. أو بلفظ الْوَسِيلَةَ لأنها بمعنى المتوسل به، وقدم الجار والمجرور لإفادة التخصيص.

أى. اطلبوا برغبة وشدة ما يقربكم إلى الله من الأعمال الصالحة، ولا تتقربوا إلى غيره إلا في ظل طلب رضاه- سبحانه-.

أو: اطلبوا متوجهين إليه- سبحانه- حاجتكم، فإن بيده مقاليد السموات والأرض، ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره.

وقد جاء لفظ الوسيلة في الأحاديث النبوية على أنه اسم لأعلى الدرجات في الجنة، وهذا المعنى متلاق مع أصل المعنى، وهو التقرب إلى الله والتوسل إليه وحده بالطاعات، لأن من يفعل ذلك ينال من الله- تعالى- أسمى الدرجات.

وقد ساق الامام ابن كثير جملة من الأحاديث في هذا المعنى فقال ما ملخصه:

والوسيلة: القربة. كذا قال ابن عباس ومجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وغير واحد.

قال قتادة: أى تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه.

والوسيلة أيضا: علم على أعلى منزلة في الجنة وهي منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وداره في الجنة،وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش. وقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال حين سمع النداء- أى الأذان-: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة. آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة» .

وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على، فإنه من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل الوسيلة حلت له شفاعتي» .

والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد أرشدت المؤمنين إلى ما يسعدهم بأن ذكرت لهم ثلاث وسائل وغاية، أو ثلاث مقدمات ونتيجة.

أما الوسائل الثلاث أو المقدمات الثلاث فهي: تقوى الله، والتقرب إليه بما يرضيه، والجهاد في سبيله. وأما الغاية أو النتيجة لكل ذلك فهي الفلاح والفوز والنجاح.

ولو أن المسلمين تمسكوا بهذه الوسائل حق التمسك لو صلوا إلى ما يسعدهم في دنياهم وفي آخرتهم.

هذا، وللعلماء كلام طويل في التوسل والوسيلة، نرى أنه لا بأس من ذكر جانب منه.

قال الامام ابن تيمية: إن لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه، يجب أن تعرف معانيه ويعطى كل ذي حق حقه. فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه: وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك، ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه فإن كثيرا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب.

إن لفظ الوسيلة ورد في القرآن ومن ذلك قوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ.

الوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه. هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات.

فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها، هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك.

ولفظ الوسيلة ورد- أيضا- في الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم «سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد» .

ثم قال: والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوجه به في كلام الصحابة، يريدون التوسل به وشفاعته.

والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به.

وحينئذ فلفظ التوسل به صلى الله عليه وسلم يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة.

أما المعنيان الصحيحان. فأحدهما: التوسل بالإيمان به وبطاعته.

والثاني: دعاؤه وشفاعته. ومن هذا قول عمر بن الخطاب: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا- العباس- فاسقنا أى بدعائه وشفاعته.

والتوسل بدعائه وشفاعته كما قال عمر- هو توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس.

فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس، علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته.

وأما المعنى الثالث الذي لم ترد به سنة فهو التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته، فهذا لم يكن الصحابة يفعلونه لا في حياته ولا بعد مماته ولا عند قبره ولا غير قبره.

ولا يعرف في شيء من الأدعية المشهورة بينهم وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة. أو عمن ليس قوله حجة» .

قال الآلوسى ما ملخصه: واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله- تعالى- وبين العباد والقسم على الله- تعالى- بهم، بأن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا. ومنهم من يقول للغائب أو للميت من عباد الله الصالحين: يا فلان ادع الله أن يرزقني كذا وكذا ويزعمون أن ذلك من ابتغاء الوسيلة وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل.

وتحقيق الكلام في هذا المقام أن الاستغاثة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حيا، ولا يتوقف على أفضليته من الطالب، بل قد يطلب الفاضل من المفضول، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر لما استأذنه في العمرة: «لا تنسنا يا أخى من دعائك» . ولم يرد عن أحد من الصحابة- وهم أحرص الناس على كل خير- أنه طلب من ميت شيئا.

وأما القسم على الله- تعالى- بأحد من خلقه مثل أن يقال: اللهم إنى أقسم عليك أو أسألك بفلان إلا ما قضيت لي حاجتي، فعن ابن عبد السلام جواز ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم لأنه سيد ولد آدم. ولا يجوز أن يقسم على الله بغيره من الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء. لأنهم ليسوا في درجته.

ومن الناس من منع التوسل بالذات، والقسم على الله بأحد من خلقه مطلقا، وهو الذي ترشح به كلام ابن تيمية ونقله عن أبى حنيفة وأبى يوسف، وغيرهما من العلماء الأعلام. ثم قال بعد كلام طويل:

وبعد هذا كله فأنا لا أرى بأسا في التوسل إلى الله- تعالى- بجاه النبي صلى الله عليه وسلم حيا وميتا ويراد من الجاه معنى يرجع إلى صفة من صفاته- تعالى- مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته فيكون معنى القائل: إلهى أتوسل بجاه نبيك صلى الله عليه وسلم أن تقضى لي حاجتي، أى:

إلهى أجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي، بل لا أرى بأسا- أيضا- في الإقسام على الله- تعالى- بجاهه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى.

ثم قال: وإن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله- تعالى- من الأولياء. الأحياء منهم والأموات وغيرهم. مثل يا سيدي فلان أغثنى. وليس ذلك من التوسل المباح في شيء.

واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك. وأن لا يحوم حول حماه، وقد عده بعض العلماء شركا، وإن لا يكنه فهو قريب منه.

فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله- تعالى- القوى الغنى الفعال لما يريد» .

وبعد أن حض- سبحانه- عباده المؤمنين على تقواه والتقرب إليه بصالح الأعمال لكي ينالوا الفلاح والنجاح، عقب ذلك ببيان ما أعده للكافرين من عذاب أليم فقال- تعالى-:

يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه ، وهي إذا قرنت بالطاعة كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات ، وقد قال بعدها : ( وابتغوا إليه الوسيلة ) قال سفيان الثوري حدثنا أبي ، عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس : أي القربة . وكذا قال مجاهد [ وعطاء ] وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد .

وقال قتادة : أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه . وقرأ ابن زيد : ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ) [ الإسراء : 57 ] وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه وأنشد ابن جرير عليه قول الشاعر :

إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل

والوسيلة : هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود ، والوسيلة أيضا : علم على أعلى منزلة في الجنة ، وهي منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وداره في الجنة ، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش ، وقد ثبت في صحيح البخاري من طريق محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة " .

حديث آخر في صحيح مسلم : من حديث كعب عن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة ، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة "

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن ليث عن كعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا صليتم علي فسلوا لي الوسيلة " . قيل : يا رسول الله ، وما الوسيلة؟ قال : " أعلى درجة في الجنة ، لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو " .

ورواه الترمذي عن بندار عن أبي عاصم عن سفيان - هو الثوري - عن ليث بن أبي سليم عن كعب قال : حدثني أبو هريرة به . ثم قال : غريب وكعب ليس بمعروف ، لا نعرف أحدا روى عنه غير ليث بن أبي سليم .

طريق أخرى : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الباقي بن قانع حدثنا محمد بن نصر الترمذي حدثنا عبد الحميد بن صالح حدثنا أبو شهاب عن ليث عن المعلى عن محمد بن كعب عن أبي هريرة رفعه قال : " صلوا علي صلاتكم ، وسلوا الله لي الوسيلة " . فسألوه وأخبرهم : " أن الوسيلة درجة في الجنة ، ليس ينالها إلا رجل واحد ، وأرجو أن أكونه " .

حديث آخر : قال الحافظ أبو القاسم الطبراني : أخبرنا أحمد بن علي الأبار حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني حدثنا موسى بن أعين عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سلوا الله لي الوسيلة ، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا - أو : شفيعا - يوم القيامة " .

ثم قال الطبراني : " لم يروه عن ابن أبي ذئب إلا موسى بن أعين " . كذا قال ، وقد رواه ابن مردويه : حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا موسى بن عبيدة عن محمد بن عمرو بن عطاء فذكر بإسناده نحوه .

حديث آخر : روى ابن مردويه بإسناده عن عمارة بن غزية عن موسى بن وردان : أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الوسيلة درجة عند الله ، ليس فوقها درجة ، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقه " .

حديث آخر : روى ابن مردويه أيضا من طريقين ، عن عبد الحميد بن بحر : حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " في الجنة درجة تدعى الوسيلة ، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة " . قالوا : يا رسول الله ، من يسكن معك؟ قال : " علي وفاطمة والحسن والحسين " .

هذا حديث غريب منكر من هذا الوجه

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين حدثنا الحسن الدشتكي حدثنا أبو زهير حدثنا سعد بن طريف عن علي بن الحسين الأزدي - مولى سالم بن ثوبان - قال : سمعت علي بن أبي طالب ينادي على منبر الكوفة : يا أيها الناس ، إن في الجنة لؤلؤتين : إحداهما بيضاء ، والأخرى صفراء ، أما الصفراء فإنها إلى بطنان العرش ، والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة ، كل بيت منها ثلاثة أميال ، وغرفها وأبوابها وأسرتها وكأنها من عرق واحد ، واسمها الوسيلة ، هي لمحمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ، والصفراء فيها مثل ذلك ، هي لإبراهيم ، عليه السلام ، وأهل بيته .

وهذا أثر غريب أيضا

وقوله : ( وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون ) لما أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات ، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم ، التاركين للدين القويم ، ورغبهم في ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة ، من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة المستمرة التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول في الغرف العالية الرفيعة الآمنة ، الحسنة مناظرها ، الطيبة مساكنها ، التي من سكنها ينعم لا ييأس ، ويحيا لا يموت ، لا تبلى ثيابه ، ولا يفنى شبابه .

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم ووعَد من الثواب وأوعدَ من العقاب (128) " اتقوا الله " يقول: أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك، وحقِّقوا إيمانكم وتصديقكم ربَّكم ونبيَّكم بالصالح من أعمالكم (129) =" وابتغوا إليه الوسيلة "، يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه. (130)

* * *

و " الوسيلة ": هي" الفعيلة " من قول القائل: " توسلت إلى فلان بكذا "، بمعنى: تقرَّبت إليه، ومنه قول عنترة:

إنَّ الرِّجَــالَ لَهُــمْ إِلَيْــكِ وَسِـيلَةٌ

إِنْ يَــأْخُذُوكِ, تكَحَّــلِي وتَخَـضَّبي (131)

يعني بـ" الوسيلة "، القُرْبة، ومنه قول الآخر: (132)

إِذَا غَفَــلَ الوَاشُـونَ عُدْنَـا لِوَصْلِنَـا

وَعَــادَ التَّصَـافِي بَيْنَنَـا وَالوَسَـائِلُ (133)

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

11899 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا &; 10-291 &; سفيان= ح، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن سفيان= عن منصور، عن أبي وائل: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: القربة في الأعمال.

11900 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= ح، وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي= عن طلحة، عن عطاء: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: القربة.

11901 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: فهي المسألة والقربة. (134)

11902 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وابتغوا إليه الوسيلة "، أي: تقربوا إليه بطاعته والعملِ بما يرضيه.

11902 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وابتغوا إليه الوسيلة "، القربة إلى الله جل وعزّ.

11903 - حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، خبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: القربة.

11904 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قوله: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: القربة.

11905 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: المحبّة، تحبّبوا إلى الله. وقرأ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [سورة الإسراء: 57].

* * *

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه للمؤمنين به وبرسوله: وجاهدوا، أيها المؤمنون، أعدائي وأعداءَكم= في سبيلي، يعني في دينه وشَرِيعته التي شرعها لعباده، وهي الإسلام. (135) يقول: أتْعِبُوا أنفسكم في قتالهم وحملهم على الدخول في الحنيفية المسلمة، (136) =" لعلكم تفلحون "، يقول: كيما تنجحوا، فتدركوا البقاء الدَّائم والخلود في جناته.

* * *

وقد دللنا على معنى " الفلاح " فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (137)

----------------------

الهوامش :

(128) في المطبوعة: "ووعدهم من الثواب" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب محض.

(129) انظر تفسير"اتقوا" فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).

(130) انظر تفسير"ابتغى" فيما سلف 9: 480 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(131) أشعار الستة الجاهليين: 396 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 165 ، والخزانة 3: 11 ، وغيرها ، من أبيات له قالها لامرأته ، وكانت لا تزال تذكر خيله ، وتلومه في فرس كان يؤثره على سائر خيله ويسقيه ألبان إبله ، فقال:

لا تَذْكُــرِي مُهْــرِي وَمَـا أَطْعَمْتُـهُ

فَيَكُـونَ جِـلْدُكِ مِثْـلَ جِـلْـدِ الأَجْرَبِ

إِنَّ الْغَبُــوقَ لَــهُ، وَأَنْـتِ مَسُـوءَةٌ،

فَتَــأَوَّهِي مَــا شِـئْتِ ثُـمَّ تَحَـوَّبِي

كَــذَبَ الْعَتِيـقُ وَمَـاءُ شَـنٍّ بَـارِدٌ

إنْ كُــنْتِ سَـائِلَتِي غَبُوقًـا فَـاذْهَبي

إِنَّ الرِّجَـــالَ لَهُـــمْ. . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَيَكُــونَ مَـرْكَبُكِ القَعُـودُ وَحِدْجُـهُ

وَابْـنُ النَّعَامَـةِ يَـوْمَ ذَلِـكَ مَـرْكَبِي!

ينذرها بالطلاق إن هي ألحت عليه بالملامة في فرسه ، فإن فرسه هو حصنه وملاذه. أما هي فما تكاد تؤسر في حرب ، حتى تتكحل وتتخضب لمن أسرها. يقول: إن أخذوك تكحلت وتخضبت لهم.

(132) لم أعرف قائله.

(133) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 164.

(134) في المطبوعة: "هي المسألة" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(135) انظر تفسير"السبيل" فيما سلف من فهارس اللغة.

(136) انظر تفسير"جاهد" فيما سلف 4: 318.

(137) انظر تفسير"الفلاح" فيما سلف 1: 249 ، 250/3: 561/7: 91 ، 509

التدبر :

وقفة
[35] الوسيلة هي الوصْلة التي تُوصل إلى طاعة الله ورضوانه ومحبته، وهل يتقرب إنسان إلى أحد يحبه إلا بما يعلم أنه يحبه؟ فما بالنا بالتقرب إلى الله؟ وما يحبه الله سبحانه وضحه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ. [البخاري 6502].
وقفة
[35] ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ كل قربة تقرب من الله فهي وسيلة، فكل عمل صالح، وكل اجتناب لمعصية هو وسيلة إلى الله.
وقفة
[35] ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ خَصَّ تبارك وتعالى من العبادات المقربة إليه: الجهاد في سبيله؛ وهو بذل الجهد في قتال الكافرين بالمال، والنفس، والرأي، واللسان، والسعي في نصر دين الله بكل ما يقدر عليه العبد؛ لأن هذا النوع من أجل الطاعات، وأفضل القربات.
لمسة
[35] اسأل الله أن يجعلك من المجاهدين في سبيله؛ سواء بمالك، أو بعلمك، أو بنفسك ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

الإعراب :

  • ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:
  • يا: أداة نداء. أيّ: منادى مبني على الضم في محل نصب و «ها» للتنبيه زائدة. الذين: اسم موصول مبني على الفتح بدل من «أيّ». آمنوا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. الواو ضمير متصل في محل رفع فاعل والالف فارقة وجملة «آمَنُوا» صلة الموصول.
  • ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ:
  • اتقوا: فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الافعال الخمسة. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. والألف: فارقة. الله لفظ الجلالة: مفعول به منصوب للتعظيم بالفتحة.
  • ﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ:
  • وابتغوا: معطوفة بالواو على «اتَّقُوا» وتعرب اعرابها. اليه: جار ومجرور متعلق بابتغوا. الوسيلة: مفعول به منصوب بالفتحة.
  • ﴿ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ:
  • تعرب اعراب «ابْتَغُوا إِلَيْهِ» لأنها معطوفة عليها. والجار والمجرور «فِي سَبِيلِهِ»: متعلق بجاهدوا. والهاء: ضمير متصل في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:
  • لعلّ: حرف مشبه بالفعل. الكاف: ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب اسمها والميم. علامة جمع الذكور. تفلحون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. وجملة «تُفْلِحُونَ» في محل رفع خبر «لعلّ». '

المتشابهات :

البقرة: 278﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
آل عمران: 102﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ
المائدة: 35﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ
التوبة: 119﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
الأحزاب: 70﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
الحديد: 28﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ
الحشر: 18﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [35] لما قبلها :     ولَمَّا ذَكَرَ اللهُ عز وجل جزاءَ مَن حارَبَ اللهَ؛ أمَرَ هنا بتَقواه والتوسُّلَ والتقرُّبَ إليه بالعملِ الصالحِ، أما الكفَّارُ فلا تنفعُهم وسيلةٌ، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

القراءات :

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [36] :المائدة     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ ..

التفسير :

[36] إن الذين جحدوا وحدانية الله، وشريعته، لو أنهم ملكوا جميع ما في الأرض، وملكوا مثله معه، وأرادوا أن يفتدوا أنفسهم يوم القيامة من عذاب الله بما ملكوا، ما تَقبَّل الله ذلك منهم، ولهم عذاب مُوجِع.

تفسير الآيتين 36 و37 : يخبر تعالى عن شناعة حال الكافرين بالله يوم القيامة ومآلهم الفظيع، وأنهم لو افتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه ما تقبل منهم، ولا أفاد، لأن محل الافتداء قد فات، ولم يبق إلا العذاب الأليم، الموجع الدائم الذي لا يخرجون منه أبدا، بل هم ماكثون فيه سرمدا.

والمعنى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآياتنا وجحدوا الحق الذي جاءتهم به رسلنا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أى: لو أن لهم جميع ما في الأرض من أموال وخيرات ومنافع وَمِثْلَهُ مَعَهُ أى: وضعفه معه، وقدموا كل ذلك لِيَفْتَدُوا بِهِ أى: ليخلصوا به أنفسهم مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ أى: ما قبله الله منهم، لأن سنته قد اقتضت أن تكون نجاة الإنسان من العذاب يوم القيامة متوقفة على الإيمان والعمل الصالح، لا على الأموال وما يشبهها من حطام الدنيا مهما عظم شأنها وكثر عددها. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أى: شديد في آلامه وأوجاعه.

فالآية الكريمة تبين ما أعده الله- تعالى- يوم القيامة للكافرين بآياته من عذاب أليم، لن يصرفه عنهم صارف مهما قدموا من ثمن، أو بذلوا من أموال.

وقوله لَوْ أَنَّ لَهُمْ. إلخ، جملة شرطية جوابها قوله تعالى ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وهذه الجملة الشرطية وجوابها خبر إن في قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.

وصدرت الآية الكريمة بأداة التوكيد «إن» للرد على ما ينكره الكافرون من وقوع عذاب عليهم يوم القيامة فقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ.

والمراد بقوله: لَوْ أَنَّ لَهُمْ أى: لو أن لكل واحد منهم منفردا، ما في الأرض جميعا ومثله معه، وقدمه يوم القيامة ليخلص نفسه من العذاب، ما قبل منه ذلك الذي قدمه. وفي ذلك ما فيه من ثبوت العذاب عليهم ووقوعه بهم لا محالة. وقوله: جَمِيعاً توكيد للموصول وهو ما في قوله: ما فِي الْأَرْضِ أو حال منه. وقوله: وَمِثْلَهُ معطوف على اسم أن وهو (ما) الموصولة.

وقوله: مَعَهُ ظرف واقع موقع الحال من المعطوف والضمير يعود إلى الموصول. وجاء الضمير المجرور في قوله لِيَفْتَدُوا بِهِ بصيغة الإفراد، مع أن الذي تقدمه شيئان وهما: ما في الأرض جميعا ومثله. للإشارة إلى أنهما لتلازمهما قد صارا بمنزلة شيء واحد. أو لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة بأن يؤول المرجع المتعدد بالمذكور أى ليفتدوا بذلك المذكور من عذاب يوم القيامة ما تقيل منهم.

ونفى- سبحانه- قبول الفدية منهم بقوله: ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ لإفادة تأكيد هذا النفي واستبعاده، إذ أن صيغة «التقبل» تدل على تكلف القبول أى: أنه لا يمكن قبول الفداء منهم مهما قدموا من أموال ومهما بذلوا من محاولات في سبيل الوصول لغرضهم.

قال الفخر الرازي: والمقصود من هذا الكلام التمثيل للزوم العذاب لهم، فإنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه .

روى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يؤتى بالرجل من أهل النار فيقال له: يا بن آدم كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع. فيقال له. أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدى به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك: أن لا تشرك بالله شيئا فيؤمر به إلى النار» .

ثم أخبر تعالى بما أعد لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة ، فقال : ( إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ) أي : لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبا ، وبمثله ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به وتيقن وصوله إليه ما تقبل ذلك منه بل لا مندوحة عنه ولا محيص له ولا مناص ; ولهذا قال : ( ولهم عذاب أليم ) أي : موجع

القول في تأويل قوله عز ذكره : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36)

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: إن الذين جحدوا ربوبية ربّهم وعبدوا غيرَه، من بني إسرائيل الذين عبدوا العجل، ومن غيرهم الذين عبدوا الأوثان والأصنام، وهلكوا على ذلك قبل التوبة= لو أن لهم مِلك ما في الأرض كلِّها وضعفَه معه، ليفتدوا به من عقاب الله إياهم على تركهم أمرَه، وعبادتهم غيره يوم القيامة، فافتدوا بذلك كله، ما تقبَّل الله منهم ذلك فداءً وعِوضًا من عذابهم وعقابهم، بل هو معذّبهم في حَمِيم يوم القيامة عذابًا موجعًا لهم.

&; 10-293 &;

وإنما هذا إعلامٌ من الله جل ثناؤه لليهود الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّهم وغيرهم من سائر المشركين به، سواءٌ عنده فيما لهم من العذاب الأليم والعقاب العظيم. وذلك أنهم كانوا يقولون: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ، اغترارًا بالله جل وعزّ وكذبًا عليه. فكذبهم تعالى ذكره بهذه الآية وبالتي بعدها، وحَسَم طمعهم، فقال لهم ولجميع الكفرة به وبرسوله: " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ، يقول لهم جل ثناؤه: فلا تطمعوا أيُّها الكفرة في قَبُول الفدية منكم، ولا في خروجكم من النار بوسَائل آبائكم عندي بعد دخولكموها، إن أنتم مُتّم على كفركم الذي أنتم عليه، ولكن توبوا إلى الله توبةً نَصُوحًا. (138)

* * *

---------------

الهوامش:

(138) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.

التدبر :

وقفة
[36] لو أن رجلًا أتى بالدنيا كلها ليفتدي من عذاب الله تعالى لم يتقبل منه، مع أنها هي سبب فتنته وصدوده عن سبيل الله تعالى.
وقفة
[36] ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ لو آمنوا قبل موتهم بدقيقة لكفاهم عذاب الأبد، لكن لما تأخروا لم يقبل الله منهم كنوز الأرض جميعًا، ولا ضعفها، للأسف تأخروا!
تفاعل
[36] ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ استعذ بالله من عذابه الآن.

الإعراب :

  • ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:
  • إنّ: حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل. الذين: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم «إِنَّ». كفروا: صلة الموصول فعل ماض مبني على الضم. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. والالف: فارقة.:
  • ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً:
  • لو: حرف شرط غير جازم أنّ: حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل. لهم: اللام: حرف جر و «هم» ضمير الغائبين في محل جر باللام والجار والمجرور في محل رفع خبر «إنّ» مقدم. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها مؤخر. في الارض: جار ومجرور متعلق بصلة الموصول المحذوفة. جميعا: حال منصوب بالفتحة.و «إِنَّ» واسمها وخبرها بتأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت. التقدير: لو ثبت ملكهم كل ما في الأرض. و «لَوْ» مع ما في حيزه «وجوابه أيضا» في محل رفع خبر «إِنَّ».
  • ﴿ وَمِثْلَهُ مَعَهُ:
  • الواو: واو المعية. مثلة: مفعول معه منصوب بالفتحة والهاء: ضمير متصل في محل جر بالاضافة. مع: ظرف مكان يدل على المصاحبة متعلق بحال محذوفة من «مِثْلَهُ» والهاء ضمير متصل في محل جر مضاف اليه.
  • ﴿ لِيَفْتَدُوا بِهِ:
  • أي ليفدوا أنفسهم. اللام: للتعليل وهي حرف جر. يفتدوا: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وعلامة نصبه: حذف النون. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. والألف: فارقة. وأن المضمرة وما بعدها بتأويل مصدر في محل جر بلام التعليل. وجملة «يفتدوا» صلة «أن» المصدرية لا محل لها.
  • ﴿ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ:
  • جار ومجرور متعلق بيفتدوا. يوم: مضاف اليه مجرور بالكسرة وهو مضاف. القيامة: مضاف اليه مجرور بالكسرة.
  • ﴿ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ:
  • ما: نافية لا عمل لها. تقبل: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره: هو. منهم: جار ومجرور متعلق بتقبل و «هم» ضمير الغائبين في محل جر بمن وجملة «ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ» جواب شرط غير جازم لا محل لها.
  • ﴿ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:
  • الواو: استئنافية. لهم: جار ومجرور في محل رفع خبر مقدم. عذاب: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة. أليم: صفة- نعت- لعذاب مرفوعة مثله بالضمة. '

المتشابهات :

المائدة: 36﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ
الرعد: 18﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡحِسَابِ
الزمر: 47﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [36] لما قبلها :     ولَمَّا أمَرَ اللهُ عز وجل عِبادَه المؤمنين أنْ يَتَّقوا اللهَ، ويَبْتغوا إليه الوسيلةَ، ويُجاهدوا في سَبيلِه، وبَيَّنَ عاقبةَ هذا بأنَّه الفلاحُ؛ بَيَّنَ هنا عاقبةَ مَن لم يَقُمْ بذلك من الكفَّار، وبَيَّنَ أنه لا تنفعهم وسيلة، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

القراءات :

ما تقبل:
قرئ:
1- بالبناء للمجهول، وهى قراءة الجمهور.
2- بالبناء للفاعل أي: ما تقبل الله منهم، وهى قراءة يزيد بن قطيب.

فهرس المصحف

البحث بالسورة

البحث بالصفحة

البحث في المصحف