69149150151152153

الإحصائيات

سورة آل عمران
ترتيب المصحف3ترتيب النزول89
التصنيفمدنيّةعدد الصفحات27.00
عدد الآيات200عدد الأجزاء1.30
عدد الأحزاب2.60عدد الأرباع10.60
ترتيب الطول3تبدأ في الجزء3
تنتهي في الجزء4عدد السجدات0
فاتحتهافاتحتها
حروف التهجي: 2/29آلم: 2/6

الروابط الموضوعية

المقطع الأول

من الآية رقم (149) الى الآية رقم (151) عدد الآيات (3)

4- تحذيرُ المؤمنينَ من طاعةِ الكافرينَ. 5- اللهُ ينصرُ أولياءَه، ويُلقي الرعبَ في قلوبِ أعدائِه.

فيديو المقطع


المقطع الثاني

من الآية رقم (152) الى الآية رقم (153) عدد الآيات (2)

6- أسبابُ الهزيمةِ في غزوةِ أُحدٍ بعد أنْ رأوَا مبادئَ النصرِ: التنازعُ والتَّعلقُ بالدُّنيا والطمعُ في الغنائمِ ومخالفةُ النَّبي ﷺ لمَّا أمرَهُم بالبقاءِ في أماكنِهم على كلِّ حالٍ، ثُمَّ بيانُ هروبِهم من العدوِّ، والنَّبيُﷺ يناديهم فلا يلتفتونَ.

فيديو المقطع


مدارسة السورة

سورة آل عمران

إثبات الوحدانية لله تعالى/ الثبات أمام أهل الباطل في ميدان الحجة والبرهان وفي ميدان المعركة والقتال

أولاً : التمهيد للسورة :
  • • من هم آل عمران؟:   آل عمران أسرة كريمة اصطفاها الله لما أخلصت له العبادة وتوجهت إليه بالطاعة. هذه الأسرة تتكون من: عمران، وزوجته (امرأة عمران: حَنَّةُ بنت فاقوذا التي نذرت ما في بطنها لله)، وابنتهما: مريم، وابنها: عيسى عليهم السلام. وهذا الاسم (آل عمران) فيه إشارة عظيمة في الرد على النصارى الذين ألّهوا عيسى عليه السلام ، فهو يشير إلى أصل عيسى البشري، فهو من (آل عمران). هذا الاسم (آل عمران) نداء للنصارى للاقتداء بهم في الطاعة، والتشبه بهم في اتباع الدين الحق.
  • • علاقة سورة آل عمران بسورة البقرة، ثم علاقتهما بالفاتحة::   تحدَّثت سورة البقرة عن النصف الأول من حياة أُمَّة بني إسرائيل، وهم اليهود قوم موسى عليه السلام ومَن جاء بعده من الأنبياء، ثم تتحدَّث سورة آل عمران عن النصف الثاني من هذه الأُمَّة، ألا وهم النصارى قوم عيسى عليه السلام ، فتحدَّثت البقرة عن اليهود (المغضوب عليهم)، وتحدَّثت آل عمران عن النصارى (الضالين)، وهما ما حذرت الفاتحة من طريقهما.
  • • جو السورة::   أجمع علماء التفسير والسيرة على أن صدر هذه السورة نزل بسبب قدوم وفد نصارى نجران على النبي ﷺ في المدينة، 60 راكبًا، فيهم 14 رجلًا من أشرافهم، وكانوا قد وفدوا إثر صلاة العصر عليهم ثياب الحبرات ، وجُبب وأردية، فقال بعض الصحابة: ما رأينا وفدًا مثلهم جمالًا وجلالة. وأقاموا أيامًا يناظرون رسول اللّه ﷺ في شأن عيسى، ورسول اللّه ﷺ يرد عليهم بالبراهين الساطعة، ودعاهم رسول اللّه ﷺ إلى المباهلة.
ثانيا : أسماء السورة :
  • • الاسم التوقيفي ::   «آل عمران»، وتسمى مع سورة البقرة بـ«الزَّهراوَين».
  • • معنى الاسم ::   آل عمران: أي أهل عمران، وعمران: هو والد مريم (أم عيسى عليه السلام)، وليس المراد هنا عمران والد موسى وهارون عليهما السلام، والزهراوان: المُنيرتان المُضيئتان، واحدتها زهراء.
  • • سبب التسمية ::   تسمى آل عمران لورود قصة هذه الأسرة المباركة فيها، وتسمى مع سورة البقرة بـ (الزَّهراوَين) لنورهما وهدايتهما وعظيم أجرهما.
  • • أسماء أخرى اجتهادية ::   «طيبة»، و«الكنز»، و«الاستغفار»، و«المجادلة».
ثالثا : علمتني السورة :
  • • علمتني السورة ::   أن الطريق إلى الله مأهولة بالسالكين من النبيين والصالحين الذين آثروا الله على كل شيء، وضحوا في سبيله بكل غال ونفيس، وثبتوا على طريق الله، وهؤلاء لا يخلو منهم زمان ولا مكان.
  • • علمتني السورة ::   كيف أرد على النصارى الذين يزعمون إلهية عيسى بن مريم عليه السلام : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
  • • علمتني السورة ::   أن نهاية القصة هي في يوم: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ، وليس في أيام عابرة مهما كانت مؤلمة.
  • • علمتني السورة ::   أن الله لن يسألنا لماذا لم ننتصر؟ لكنه سيسألنا لماذا لم نجاهد؟ لأن النصر من عنده يؤيد به من يشاء: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
رابعًا : فضل السورة :
  • • عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ، الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ».
    • عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا».ففي حرَّ يوم القيامة الشديد، عندما تدنو فيه الشمس من رؤوس الخلائق، تأتي سورة البقرة لتظلل على صاحبها.تأمل كيف أنّ سورتي البقرة وآل عمران تحاجان -أي تدافعان- عن صاحبهما.
    • عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي ثَلاثِ سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ: الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَطه».
    • عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَخَذَ السَّبْعَ الأُوَل مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ حَبْرٌ». السبعُ الأُوَل هي: «البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والتوبة»، وأَخَذَ السَّبْعَ: أي من حفظها وعلمها وعمل بها، والحَبْر: العالم المتبحر في العلم؛ وذلك لكثرة ما فيها من أحكام شرعية.
    • عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَئِينَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ». وسورة آل عمران من السبع الطِّوَال التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم مكان التوراة.
    • قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «مَنْ قَرَأَ آلَ عِمْرَانَ فَهُوَ غَنِيٌّ، وَالنِّسَاءُ مُحَبِّرَةٌ».
خامسًا : خصائص السورة :
  • • هي السورة الوحيدة التي فيها قصة أم مريم، فقصتها ليست مذكورة حتى في سورة مريم.
    • تحتوى على آية المباهلة (آية 61).
سادسًا : العمل بالسورة :
  • • أن نقتدي بآل عمران في عبادتهم لله.
    • ألا ننسى الدروس التي تعلمناها من غزوةِ أُحدٍ.
    • أن نراقب الله دومًا: ﴿إِنَّ اللَّـهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (5).
    • أن نكثر من سؤال الله الثبات على الهداية والحق: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (8).
    • ألا نقول: (الديانات السماوية)، بل نقول: (الشرائع السماوية)؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ﴾ (19).
    • ألا نتكبر بما لدينا من الملك والغنى؛ فالله يبدل من حال إلى حال: ﴿قُلِ اللَّـهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ...﴾ (26، 27).
    • أن نبتعد عن موالاة الكفار: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ ...﴾ (28).
    • أن نحرص على عمل الخير مهما قل؛ من إطعام جائع، أو مساعدة محتاج، أو أي خير؛ فسوف تجده حاضرًا أمام عينيك: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾ (30).
    • أن نبتعد عن السيئات وأماكنها قبل أن نتمنى ذلك ولا نستطيعه: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (30).
    • أن نجتهد في اتباع السنة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (31).
    • أن نبيع أغلى ما نملك وكل ما نملك ونشتري قربه وحبه عز وجل، فلقد وهبت امرأة عمران ما في بطنها لربها، فتقبلها ربها بقبول حسن، وأنبت مريم نباتًا حسنًا، وجعلها وابنها آية للعالمين: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ (35).
    • أن نفرح عند رؤية النعم على غيرنا ونتفاءل بها: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ (38). • أن نختار الأسماء ذات المعاني الحسنة لنسم بها أبناءنا وبناتنا؛ وندع الأسماء المستغربة: ﴿أَنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ﴾ (39).
    • أن نكثر من ذكر الله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ (41).
    • أن نبحث عن الرفيق الصادق عندما تشتد علينا الأمور: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّـهِ﴾ (52).
    • ألا تحملنا الخصومة على سلب حق نعرفه في خصومنا: ﴿هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾ (66).
    • ألا نجعل أيماننا وحلفنا بالله سببًا لبيعنا وربحنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّـهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ...﴾ (77).
    • أن ننفق من أفضل ما نملك: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (92).
    • أن نحرص دومًا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ...﴾ (110).
    • ألا نطلب النصيحة ولا نستشير إلا المؤمنين الصادقين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (118).
    • أن نحذر الربا، ونحذِّر من حولنا من هذا الذنب العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ (130).
    • أن نسارع بـ: الإنفاق في الشدة والرخاء، كظم الغيظ، العفو عند المقدرة، التوبة والاستغفار، التوبة وعدم الإصرار على الذنب ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ ...﴾ (133-136).
    • أن نحقق هذه الآية في حياتنا: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (134). • ألا نشمت بغيرنا: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (140).
    • ألا نأمن على أنفسنا الفتنة والوقوع في المعصية؛ فقد قال تعالى عن الصحابة: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (152).
    • أن نتشاور مع غيرنا ممن نثق في رأيهم، فقد أمر الله نبيه ﷺ بالشورى مع أن الوحي ينزل ويحسم الأمر: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (159).
    • أن نستجيب لأوامر الله ورسولهr : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (172).
    • ألا نخاف إلا الله، فليس في الوجود من يستحق الخشية سواه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ (175).
    • أن نكثر من الذكر والتفكر: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ (190-191).
    • أن نجاهد أنفسنا على: الصبر على فعل الطاعات، والصبر على ما نبتلى به، والمداومة على العبادة، وتقوى الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (200).

تمرين حفظ الصفحة : 69

69

مدارسة الآية : [149] :آل عمران     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن ..

التفسير :

[149] يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إن تطيعوا الذين جحدوا أُلوهيتي، ولم يؤمنوا برسلي من اليهود والنصارى والمنافقين والمشركين فيما يأمرونكم به وينهَوْنكم عنه، يضلوكم عن طريق الحق، وترتدُّوا عن دينكم، فتعودوا بالخسران المبين والهلاك المحقق.

وهذا نهي من الله للمؤمنين أن يطيعوا الكافرين من المنافقين والمشركين، فإنهم إن أطاعوهم لم يريدوا لهم إلا الشر، وهم [قصدهم] ردهم إلى الكفر الذي عاقبته الخيبة والخسران.

قال الآلوسى ما ملخصه: قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا شروع في زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارها، إثر ترغيبهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء ببيان فضائله وتصدير الخطاب بالنداء والتنبيه لإظهار الاعتناء بما في حيزه ووصفهم بالإيمان لتذكيرهم بحال ينافي تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه. والمراد من الذين كفروا إما المنافقون لأنهم هم الذين قالوا للمؤمنين عند هزيمتهم في أحد: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم.. وإما أبو سفيان وأصحابه وحينئذ فالمراد بإطاعتهم الاستكانة لهم وطلب الأمان منهم.. وإما اليهود والنصارى لأنهم هم الذين كانوا يلقون الشبه في الدين ويقولون: لو كان محمد نبيّا حقا لما غلبه أعداؤه.. وإما سائر الكفار» .

فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن طاعة الكفار لأن الكفر والإيمان نقيضان لا يجتمعان وجاء التعبير «بإن» الشرطية دون «إذا» لأن إذا لتحقق الشرط والجزاء أما إن فإنها لا تفيد التحقق بل تفيد الشك، وهذا هو المناسب لحال المؤمنين لأن إيمانهم يحجزهم عن طاعة الذين كفروا ويمنعهم من الوقوع في ذلك والنداء متوجه ابتداء للمؤمنين المجاهدين الذين حضروا غزوة أحد، وسمعوا ما سمعوا من أراجيف أعدائهم وأكاذيبهم، إلا أنه يندرج تحت مضمونه كل مؤمن في كل زمان أو مكان لأن الكافرين في كل العصور لا يريدون بالمؤمنين إلا خبالا، ولا يتمنون لهم إلا الشرور والمصائب.

ثم بين- سبحانه- النتيجة- السيئة التي تترتب على طاعة المؤمنين للكافرين فقال:

يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ.

أى: إن تطيعوهم يرجعوكم إلى ما كنتم عليه قبل الإسلام من ضلال وكفران أو يردوكم إلى الحالة التي كنتم عليها قبل مشروعية الجهاد وهي حالة الضعف والهوان التي رفعها الله عنكم بأن أذن لكم في مقاتلة أعدائكم الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق.

وقوله فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ أى فترجعوا خاسرين لخيرى الدنيا والآخرة، أما خسران الدنيا فبسبب انقيادكم لهم، واستسلامكم لمطالبهم.. وأما خسران الآخرة فبسبب ترككم لوصايا دينكم ومخالفتكم لأوامر خالقكم، وتوجيهات نبيكم صلّى الله عليه وسلّم وكفى بذلك خسارة شنيعة.

فأنت ترى أن الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن طاعة الكافرين، ثم بينت لهم نتيجتين سيئتين تترتبان على هذه الطاعة، وهما: الرجوع إلى الضلال بعد الهدى، والخسران في الدنيا والآخرة.

والتعبير بقوله فَتَنْقَلِبُوا يفيد أن إطاعة الكافرين يؤدى بالمؤمنين إلى انقلاب حالهم وانتكاس أمرهم وجعل أعلاهم أسفلهم.. وفي ذلك ما فيه من التنفير عن إطاعة الكافرين والاستماع إلى وساوسهم.

يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة ، ولهذا قال : ( إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ) .

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149)

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه =" إن تطيعوا الذين كفروا "، يعني: الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى - فيما يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه - فتقبلوا رأيهم في ذلك وتنتصحوهم فيما يزعمون أنهم لكم فيه ناصحون =" يردوكم على أعقابكم "، يقول: يحملوكم على الرِّدة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام (1) =" فتنقلبوا خاسرين "، يقول: فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له =" خاسرين "، يعني: هالكين، قد خسرتم أنفسكم، وضللتم عن دينكم، وذهبت دنياكم وآخرتكم. (2) .

ينهى بذلك أهل الإيمان بالله أن يطيعوا أهل الكفر في آرائهم، وينتصحوهم في أديانهم. كما:-

7998- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين "، أي: عن دينكم: فتذهب دنياكم وآخرتكم. (3)

7999- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا "، قال ابن جريج: يقول: لا تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم، ولا تصدِّقوهم بشيء في دينكم.

8000- حدثنا محمد قال: حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين "، يقول: إن تطيعوا أبا سفيان، يردَّكم كفارًا. (4)

-------------------

الهوامش :

(1) انظر تفسير"ارتد على عقبه" فيما سلف قريبًا: 251 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.

(2) انظر تفسير"خسر" فيما سلف 1: 417 / 2: 166 ، 572 / 6: 570.

(3) الأثر: 7998- سيرة ابن هشام 3: 119 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7997. وفي سيرة ابن هشام: "أي: عن عدوكم ، فتذهب دنياكم وآخرتكم" ، وهو فاسد المعنى ، تصحيحه من هذا الموضع من الطبري.

(4) في المطبوعة: "يردوكم كفارًا" بالجمع ، وهو غير مستقيم ، والصواب من المخطوطة.

المعاني :

لم يذكر المصنف هنا شيء

التدبر :

وقفة
[149] زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارها بالنداء بوصفهم بالإيمان لتذكيرهم بحال ينافي تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه.
وقفة
[149] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ قال الحسن: إن تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم؛ لأنهم كانوا يستغرونهم ويوقعون لهم الشبه في الدين.
وقفة
[149] بمقدار الولاء للكافرين تكون الذِّلة على المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
وقفة
[149] يستدرج الغرب المسلمين أنه ليس عدوًّا للإسلام حتى يوصلهم إلى ذلة وردة، والله ينهاهم عن طاعتهم ويختصر النتيجة: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
وقفة
[149] التحذير من طاعة الكفار والسير في أهوائهم، فعاقبة ذلك الخسران في الدنيا والآخرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
عمل
[149] حدد ثلاثة من مظاهر التشبه بالكفار مما يفعله بعض الناس اليوم، وأرسلها في رسالة للتحذير من منهجهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
وقفة
[149] التعبير بقوله: ﴿فَتَنقَلِبُوا﴾ يفيد أن طاعة الكافرين تؤدي إلى انقلاب حال المؤمنين وانتكاس أمرهم، وفي ذلك تنفير عن إطاعة الكافرين والاستماع إلى كلامهم.
تفاعل
[149] ﴿فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ استعذ بالله أن تكون من الخاسرين.

الإعراب :

  • ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:
  • يا: أداة نداء. أي: منادى مبني على الضم في محل نصب و «ها» للتنبيه الذين إسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدل من «أي» أو عطف بيان لها. آمنوا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة الضمير المتصل في محل رفع فاعل. وجملة «آمَنُوا» صلة الموصول.
  • ﴿ إِنْ تُطِيعُوا:
  • إن: حرف شرط جازم. تطيعوا: فعل مضارع مجزوم لأنه فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الافعال الخمسة. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل والالف: فارقة.
  • ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا:
  • لذين: إسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. كفروا: صلة الموصول تعرب إعراب آمنوا.
  • ﴿ يَرُدُّوكُمْ:
  • فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الشرط وعلامة جزمه: حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. والكاف: ضمير متصل في محل نصب مفعول به والميم علامة جمع الذكور. وجملة «يَرُدُّوكُمْ» جواب شرط جازم غير مقترن بالفاء لا محل لها
  • ﴿ عَلى أَعْقابِكُمْ:
  • جار ومجرور متعلق بيردوا. والكاف: ضمير متصل في محل جر مضاف اليه والميم علامة جمع الذكور.
  • ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ:
  • الفاء: عاطفة. تنقلبوا معطوفة على «يردّوا» وتعرب إعرابها. خاسرين: حال منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم. والنون: عوض عن التنوين في المفرد. '

المتشابهات :

آل عمران: 149﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ
المائدة: 21﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [149] لما قبلها :     ولَمَّا أمَر اللهُ عز وجل بطاعتِه المُوجِبةِ للنَّصر والأجْر، وختَم بمحبَّته للمُحسِنين؛ حَذَّرَ هنا من طاعةِ الكافرين المقتضيةِ للخِذلان؛ رَغبةً في موالاتِهم ومُناصَرتهم، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ

القراءات :

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [150] :آل عمران     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ..

التفسير :

[150] إنهم لن ينصروكم، بل الله ناصركم، وهو خير ناصر، فلا يحتاج معه إلى نصرة أحد.

ثم أخبر أنه مولاهم وناصرهم، ففيه إخبار لهم بذلك، وبشارة بأنه سيتولى أمورهم بلطفه، ويعصمهم من أنواع الشرور.

ثم أمرهم- سبحانه- بطاعته والاعتماد عليه والاستعانة به وحده فقال بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ.

وحرف «بل» هنا للإضراب الانتقالى، لأنه- سبحانه- بعد أن حذر المؤمنين من إطاعة الكافرين وما يترتب عليها من مضار، انتقل إلى توجيههم إلى ما فيه عزتهم وكرامتهم وسعادتهم.

والمولى هنا بمعنى النصير والمعين، وهذا اللفظ لا يدل على النصرة والعون فقط، وإنما يدل على كمال المحبة والمودة والقرب، والنصرة تجيء ملازمة لهذه المعاني، لأنه من كان الله محبا له، كان- سبحانه- ناصرا له لا محالة.

والمعنى إنى أنهاكم- أيها المؤمنون- عن إطاعة الكافرين، لأنهم ليسوا أولياء لكم فتطيعوهم، بل الله- تعالى- هو وليكم ومعينكم وهو خير الناصرين، لأنه هو الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فأخلصوا له العبادة والطاعة.

ثم أمرهم بطاعته وموالاته ، والاستعانة به ، والتوكل عليه ، فقال : ( بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ) .

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: أن الله مسدِّدكم، أيها المؤمنون، فمنقذكم من طاعة الذين كفروا.

* * *

وإنما قيل: " بل الله مولاكم "، لأن في قوله: إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ، نهيًا لهم عن طاعتهم، فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لا تُطيعوا الذين كفروا فيردُّوكم على أعقابكم، ثم ابتدأ الخبر فقال: " بل الله مولاكم "، فأطيعوه، دون الذين كفروا، فهو خيرُ من نَصَر. ولذلك رفع اسم " الله "، ولو كان منصوبًا على معنى: بل أطيعوا الله مولاكم، دون الذين كفروا = كان وجهًا صحيحًا.

* * *

ويعني بقوله: " بل الله مولاكم "، وليّكم وناصركم على أعدائكم الذين كفروا، (5) " وهو خير الناصرين "، لا من فررتم إليه من اليهود وأهل الكفر بالله. فبالله الذي هو ناصركم ومولاكم فاعتصموا، وإياه فاستنصروا، دون غيره ممن يبغيكم الغوائل، ويرصدكم بالمكاره، كما:-

8001- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " بل الله مولاكم "، إن كان ما تقولون بألسنتكم صدقًا في قلوبكم =" وهو خير الناصرين "، أي: فاعتصموا به ولا تستنصروا بغيره، ولا ترجعوا على أعقابكم مرتدِّين عن دينكم. (6)

--------------------

الهوامش :

(5) انظر تفسير"المولى" فيما سلف 6: 141.

(6) الأثر: 8001- سيرة ابن هشام 3: 119 ، 120 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7998 ، مع اختلاف يسير في اللفظ.

التدبر :

وقفة
[150] ﴿بَلِ اللَّـهُ مَوْلَاكُمْ﴾ الفــرج عنده، والحــــب عنده، والأمـــــــــان عنده.
وقفة
[150] ﴿بَلِ اللَّـهُ مَوْلَاكُمْ﴾ الفرج عنده، والنصر عنده، والأمن عنده، والسعادة عنده، والخير كله عنده، فهنيئًا لك إن تولاك!
تفاعل
[150] ﴿بَلِ اللَّـهُ مَوْلَاكُمْ﴾ استبشر الآن.

الإعراب :

  • ﴿ بَلِ اللَّهُ:
  • حرف إستئناف لا محل له وكسر لام «بَلِ» لالتقاء الساكنين. الله: مبتدأ مرفوع للتعظيم بالضمة.
  • ﴿ مَوْلاكُمْ:
  • خبر المبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر. الكاف: ضمير متصل في محل جر بالاضافة والميم علامة الجمع.
  • ﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ:
  • الواو: إستئنافية. هو: ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. خير: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة. الناصرين: مضاف اليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم. والنون: عوض عن تنوين المفرد. '

المتشابهات :

لم يذكر المصنف هنا شيء

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [150] لما قبلها :     وبعد تحذير المؤمنينَ من طاعةِ الكافرينَ؛ أمرهم هنا بطاعته والاعتماد عليه والاستعانة به وحده، قال تعالى:
﴿ بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ

القراءات :

الله:
وقرئ:
بالنصب، على معنى: بل أطيعوا الله، لأن الشرط السابق يتضمن معنى النهى أي: لا تطيعوا الكفار فتكفروا بل أطيعوا الله مولاكم، وهى قراءة الحسن.

مدارسة الآية : [151] :آل عمران     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ ..

التفسير :

[151] سنقذف في قلوب الذين كفروا أشدَّ الفزع والخوف؛ بسبب إشراكهم بالله آلهة مزعومة، ليس لهم دليل أو برهان على استحقاقها للعبادة مع الله، فحالتهم في الدنيا: رعب وهلع من المؤمنين، أما مكانهم في الآخرة الذي يأوون إليه فهو النار؛ وذلك بسبب ظلمهم وعدوانهم، وسا

وفي ضمن ذلك الحث لهم على اتخاذه وحده وليا وناصرا من دون كل أحد، فمن ولايته ونصره لهم أنه وعدهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم من الكافرين الرعب، وهو الخوف العظيم الذي يمنعهم من كثير من مقاصدهم، وقد فعل تعالى. وذلك أن المشركين -بعدما انصرفوا من وقعة "أحد" - تشاوروا بينهم، وقالوا: كيف ننصرف، بعد أن قتلنا منهم من قتلنا، وهزمناهم ولما نستأصلهم؟ فهموا بذلك، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فانصرفوا خائبين، ولا شك أن هذا من أعظم النصر، لأنه قد تقدم أن نصر الله لعباده المؤمنين لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يقطع طرفا من الذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، وهذا من الثاني. ثم ذكر السبب الموجب لإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، فقال: { بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا } أي: ذلك بسبب ما اتخذوا من دونه من الأنداد والأصنام، التي اتخذوها على حسب أهوائهم وإرادتهم الفاسدة، من غير حجة ولا برهان، وانقطعوا من ولاية الواحد الرحمن، فمن ثم كان المشرك مرعوبا من المؤمنين، لا يعتمد على ركن وثيق، وليس له ملجأ عند كل شدة وضيق، هذا حاله في الدنيا، وأما في الآخرة فأشد وأعظم، ولهذا قال: { ومأواهم النار } أي: مستقرهم الذي يأوون إليه وليس لهم عنها خروج، { وبئس مثوى الظالمين } بسبب ظلمهم وعدوانهم صارت النار مثواهم.

ثم بشرهم- سبحانه- بأنه سيلقى الرعب والفزع في قلوب أعدائهم فقال- تعالى-:

سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً.

والرعب: الخوف والفزع، يقال رعبه يرعبه أى خوفه أصله من الملء يقال: سيل راعب، إذا ملأ الأودية. ورعبت الحوض: ملأته.

والسلطان: الحجة والبرهان وسميت الحجة سلطانا لقوتها ونفوذها. أصل المادة يدل على الشدة والقوة ومنها السليط الشديد واللسان الطويل.

والمعنى: سنملأ قلوب المشركين خوفا وفزعا بسبب إشراكهم مع الله- تعالى- آلهة لم ينزل الله بها حجة والمراد: أنه لا حجة لهم حتى ينزلها.

قال الآلوسى: قوله ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ أى بإشراكه أو بعبادته، و «ما» نكرة موصوفة أو موصولة اسمية وليست مصدرية و «سلطانا» أى حجة والإتيان بها للإشارة بأن المتبع في باب التوحيد هو البرهان السماوي دون الآراء والأهواء الباطلة.. وذكر عدم إنزال الحجة مع استحالة تحققها من باب انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم، أى: لا حجة حتى ينزلها، فهو على حد قوله في وصف مفازة:لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر

إذ المراد: لا ضب بها حتى ينجحر. فالمراد نفيهما جميعا .

فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين بأن الله- تعالى- سيلقى الرعب والفزع في قلوب أعدائهم حتى لا يتجاسروا عليهم.

ومن مظاهر الرعب التي ألقاها الله- تعالى- في قلوب المشركين أنهم بعد أن انتصروا على المسلمين في غزوة أحد. كان في قدرتهم أن يوغلوا في مهاجمتهم وقتالهم إلا أن الرعب صدهم عن ذلك.

ولقد حاولوا وهم في طريقهم إلى مكة أن يعودوا للقضاء على المسلمين إلا أن الخوف داخل قلوبهم وجعل أحد زعمائهم وهو صفوان بن أمية يقول لهم: «يا أهل مكة لا ترجعوا لقتال القوم، فإنى أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذي كان» .

قال الفخر الرازي ما ملخصه قوله سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ اختلفوا في أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد، أو هو عام في جميع الأوقات؟

قال كثير من المفسرين: إنه مختص بهذا اليوم، وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة.

ثم القائلون بهذا القول ذكروا في كيفية إلقاء الرعب في قلوب المشركين في هذا اليوم وجهين:

الأول: أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم، فتركوهم وفروا منهم من غير سبب ...

والثاني: أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة فلما كانوا في بعض الطريق قالوا ما صنعنا شيئا قتلنا الأكثرين منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون. ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم.

والقول الثاني: أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد، بل هو عام، كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد، إلا أن الله- تعالى- سيلقى الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار، ويظهر دينكم على سائر الأديان.

وقد فعل الله ذلك حتى صار دين الإسلام قاهرا لجميع الأديان والملل. ونظير هذه الآية قوله صلّى الله عليه وسلّم «نصرت بالرعب مسيرة شهر» .

ثم ختم- سبحانه- الآية ببيان سوء عاقبة هؤلاء الكافرين فقال: وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.

والمأوى: اسم مكان من أوى يأوى. وهو المكان الذي يرجع إليه الشخص ويعود إليه.

والمثوى: اسم مكان- أيضا- يقال: ثوى بالمكان وفيه يثوى ثواء وثويا وأثوى به، أى أطال الإقامة والنزول فيه.

والمعنى: أن هؤلاء الكافرين سيلقى الله- تعالى- الرعب والفزع في قلوبهم حتى لا يتجاسروا على المؤمنين، هذا في الدنيا، أما في الآخرة، فالمكان الذي يأوون إليه ويستقرون فيه هو النار، لا مأوى لهم غيرها، وبئس هذه النار موضع إقامة دائمة لهم.

وقد أظهر- سبحانه- الاسم في موضع الإضمار فلم يقل: وبئس النار مثواهم، بل قال:

وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ: للإشارة إلى أن هذا المآل الأليم إنما هو جزاء عادل لهم بسبب ظلمهم إذ هم الذين ظلموا أنفسهم فأضلوها وصدوها عن الحق فكانت نهايتهم تلك النهاية المهينة، «وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون» .

وفي جعل هذه النار مثواهم بعد جعلها مأواهم إشارة إلى خلودهم فيها، فإن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوى إليه الإنسان.

وقدم المأوى على المثوى لأن هذا هو الترتيب الوجودي في الخارج، لأن الإنسان يأوى إلى المكان ثم يثوى فيه.

وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين عن إطاعة الكافرين وبينت لهم النتائج الوخيمة التي تترتب على إطاعتهم ثم دعتهم إلى الاعتصام بدين الله وبشرتهم بسوء عاقبة أعدائهم في الدنيا والآخرة.

ثم ذكر الله- تعالى- المؤمنين بما حدث لهم في غزوة أحد، وكيف أنهم انتصروا على أعدائهم في أول المعركة ثم كيف أنهم أصيبوا بالهزيمة بعد ذلك بسبب فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم لرسولهم صلّى الله عليه وسلّم ثم صور- سبحانه- أحوالهم في هذه المعركة تصويرا بليغا مؤثرا وحكى أقوال ضعاف الإيمان ورد عليها بما يدحضها. استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك فيقول:

ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم ، بسبب كفرهم وشركهم ، مع ما ادخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال ، فقال : ( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ) .

وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأحلت لي الغنائم ، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي عن سليمان - يعني التيمي - عن سيار ، عن أبي أمامة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فضلني [ ربي ] على الأنبياء - أو قال : على الأمم - بأربع " قال " أرسلت إلى الناس كافة وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدا وطهورا فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره ، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي وأحل لي الغنائم " .

ورواه الترمذي من حديث سليمان التيمي ، عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي - سكن البصرة - عن أبي أمامة صدي بن عجلان ، رضي الله عنه ، به . وقال : حسن صحيح .

وقال سعيد بن منصور : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث : أن أبا يونس حدثه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نصرت بالرعب على العدو " .

ورواه مسلم من حديث ابن وهب .

وروى الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق عن أبي بردة ، عن أبيه أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا : بعثت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي ، ونصرت بالرعب شهرا ، وأعطيت الشفاعة ، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعته ، وإني اختبأت شفاعتي ، ثم جعلتها لمن مات لا يشرك بالله شيئا " .

تفرد به أحمد .

وروى العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ) قال : قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب ، فرجع إلى مكة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا ، وقد رجع ، وقذف الله في قلبه الرعب " . رواه ابن أبي حاتم .

وقوله : ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ) قال ابن عباس : وعدهم الله النصر .

وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدمين في قوله : ( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين . بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) أن ذلك كان يوم أحد لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل ، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام ، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة ، تأخر الوعد الذي كان مشروطا بالثبات والطاعة ، ولهذا قال :

القول في تأويل قوله : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: سيلقى الله، أيها المؤمنون =" في قلوب الذين كفروا " بربهم، وجحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ممن حاربكم بأحد =" الرعب "، وهو الجزع والهلع =" بما أشركوا بالله "، يعني: بشركهم بالله وعبادتهم الأصنام، وطاعتهم الشيطان التي لم أجعل لهم بها حجة = وهي" السلطان " = التي أخبر عز وجل أنه لم ينـزله بكفرهم وشركهم.

وهذا وعدٌ من الله جل ثناؤه أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر على أعدائهم، والفلج عليهم، ما استقاموا على عهده، وتمسكوا بطاعته. ثم أخبرهم ما هو فاعلٌ بأعدائهم بعد مصيرهم إليه، فقال جل ثناؤه: " ومأواهم النار "، يعني: ومرجعهم الذي يرجعون إليه يوم القيامة، النارُ =" وبئس مثوى الظالمين "، يقول: وبئس مقام الظالمين - الذين ظلموا أنفسهم باكتسابهم ما أوجب لها عقابَ الله - النارُ، كما:-

8002- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينـزل به سلطانًا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين "، إني سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب الذي به كنت أنصركم عليهم، بما أشركوا بي ما لم أجعل لهم به حجة، أي: فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر ولا ظهور عليكم، ما اعتصمتم واتبعتم أمري، للمصيبة التي أصابتكم منهم بذنوب قدمتموها لأنفسكم، خالفتم بها أمري، وعصيتم فيها نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم. (7)

8003- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجِّهين نحو مكة، انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق. ثم إنهم ندموا فقالوا: بئس ما صنعتم، إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم! (8) ارجعوا فاستأصلوهم! فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فانهزموا. فلقوا أعرابيًّا، فجعلوا له جُعْلا وقالوا له: إن لقيت محمدًا فأخبره بما قد جمعنا لهم. فأخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فأنـزل الله عز وجل في ذلك، فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما قُذف في قلبه من الرعب فقال: " سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ". (9)

--------------

الهوامش :

(7) الأثر: 8002- سيرة ابن هشام 3: 120 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8001.

(8) "الشريد" ، هكذا في المطبوعة والدر المنثور 2: 82 ، وأما المخطوطة ، فاللفظ فيها مضطرب لا يستبين. وانظر أيضًا رقم: 8237.

(9) عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه: "يتلوه القول في تأويل قوله: "ولقد صدقكم الله وعده" وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم" ثم يتلوه ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم رب يسرِّ". أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان قال ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير" ثم انظر ما سلف في ص6: 495 ، 496 التعليق رقم: 5 / ثم 7: 21 ، تعليق 1 / ثم 7: 154 ، تعليق: 1.

التدبر :

وقفة
[151] قال ابن تيمية: «تخويف الكفار والمنافقين وإرعابهم هو سلاح رباني وفضل إلهي لا دخل للمؤمنين فيه».
وقفة
[151] ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ تخويف الكفار والمنافقين وإرعابهم هو من الله نصرة للمؤمنين.
وقفة
[151] ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ إلقاء الرعب في قلوب أعداء الله صورةٌ من صور نصر الله لأوليائه المؤمنين.
وقفة
[151] ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ اللهم أيد أولياءك بجنود السماء وألق الرعب في قلوب الرافضة وشتت شملهم اللهم بك نحول ونقاتل.
وقفة
[151] ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم فيحصل له رعب، والخالص من الشرك يحصل له الأمن، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقفة
[151] ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ الشرك بالله أحد أسباب وهن القلوب، وبقدر توحيد العبد يقوى قلبه.
وقفة
[151] ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ الإلقاء هو رمي الشيء على الأرض، ولكنه هنا مجاز على طريقة الإستعارة، فالإلقاء مؤذِن بتمكُّن الرعب من قلوبهم.
تفاعل
[151] ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ استبشر الآن.
وقفة
[151] ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا﴾ الشرك بالله هو سبب الخوف والقلق والضيق في الحياة.
وقفة
[151] ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّـهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ (بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّـهِ) تعليل؛ أي: كان سبب إلقاء الرعب في قلوبهم إشراكهم.
تفاعل
[151] ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ استعذ بالله من عذاب النار.
وقفة
[151] ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ ما هو المثوى؟ ولماذا لم ترد كلمة مثوى في حال أهل الجنة أبدًا؟ المثوى في اللغة هو المكان الذي يثوي فيه الإنسان، والثواء هو الانحسار والاستقرار في مكان واحد، وإن كان فيه حركة فهي حركة ضيِّقة كالمسكن أو الحجرة، وقد استعمل في أكثر من سورة في حال الدنيا؛ لأنه منزل يثوي إليه، أما في الآخرة فاستعمل للنار فقط؛ لأن الجنة ليست منطقة ضيقة محصورة، فإنا نتبوأ من الجنة حيث نشاء، فيها السعة والإنطلاق.
وقفة
[151] ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ (الظَّالِمِينَ) هذه الفاصلة ترددت في القرآن الكريم مئة وست مرات، كلها جاءت في وضع الشيء في غير موضعه، أحيانًا يكون المعنى واضحًا، وحينًا يحتاج إلى مزيد للتأمل والتدبر، وأعلى درجات الظلم هو الشرك، وأيضًا التعدي على حقوق الآخرين، أمثلة على تعريف الظلم: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّـهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229] التعدي = الظلم، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] الشرك = الظلم، ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّـهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ﴾ [يوسف: 79] وضع الشيء في غير موضعه = الظلم.

الإعراب :

  • ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ:
  • السين: حرف استقبال «تسويف» للقريب. نلقي: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء للثقل. والفاعل: ضمير مستتر وجوبا تقديره: نحن. في قلوب جار ومجرور متعلق بنلقي.
  • ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ:
  • الذين: إسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالاضافة. كفروا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. والالف: فارقة. الرعب: مفعول به منصوب بالفتحة. وجملة «كَفَرُوا» صلة الموصول لا محل لها.
  • ﴿ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ:
  • الباء: حرف جر. ما: مصدرية. أشركوا: تعرب إعراب «كَفَرُوا». بالله: جار ومجرور للتعظيم متعلق بأشركوا وجملة «أَشْرَكُوا بِاللَّهِ» صلة «ما» المصدرية لا محل لها و «ما» وما بعدها بتأويل مصدر في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلق بنلقي أي بسبب شركهم بالله.
  • ﴿ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً:
  • إسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة للمصدر المؤول أي شركهم الذي بمعنى الحادهم الذي أي كفرهم. لم: حرف نفي وجزم وقلب. ينزل: فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون. والفاعل: ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو. به: جار ومجرور متعلق بينزل. سلطانا: مفعول به منصوب بالفتحة أي حجة. ويجوز ان تكون «ما» مفعول «أَشْرَكُوا» أي جعلوا له شريكا
  • ﴿ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ:
  • الواو: إستئنافية. مأواهم: مبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة على الالف للتعذر و «هم» ضمير الغائبين في محل جر بالاضافة النار خبر المبتدأ مرفوع بالضمة. وبئس: الواو: إستئنافية. بئس: فعل ماض جامد لانشاء الذم مبني على الفتح. مثوى: فاعل مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر. الظالمين: مضاف اليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم والنون عوض عن الحركة والتنوين في الإسم المفرد. '

المتشابهات :

آل عمران: 151﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّـهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا
الأنفال: 12﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ

أسباب النزول :

  • أخرج الطبري من طريق أسباط عن السدي قال: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة ندموا فقالوا: بئس ما صنعتم أنكم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم فقذف الله في قلوبهم الرعب، فلقوا أعرابيا فجعلوا له جعلا وقالوا له: إن لقيت محمدا فأخبره ما قد جمعنا لهم، فأخبر الله رسوله فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد فأنزل الله في ذلك يذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع وما قذف في قلبه من الرعب {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} . وذكر مقاتل بن سليمان نحوه فقال: ألقى الله في قلوب المشركين الرعب بعد هزيمة المسلمين فرجعوا إلى مكة من غير شيء. '
  • المصدر المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [151] لما قبلها :     ولَمَّا بَيَّنَ اللهُ عز وجل أنَّه خيرُ النَّاصرين؛ بشرهم هنا بأنه سيلقي الرعب في قلوب أعدائهم، قال تعالى:
﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ

القراءات :

الرعب:
قرئ:
1- بضم العين، وهى قراءة ابن عامر، والكسائي.
2- بسكونها، وهى قراءة الباقين.

مدارسة الآية : [152] :آل عمران     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ ..

التفسير :

[152] ولقد حقق الله لكم ما وعدكم به من نصر، حين كنتم تقتلون الكفار في غزوة «أُحد» بإذنه تعالى، حتى إذا جَبُنتم وضعفتم عن القتال واختلفتم: هل تبقون في مواقعكم أو تتركونها لجمع الغنائم مع مَن يجمعها؟ وعصيتم أمر رسولكم حين أمركم ألا تفارقوا أماكنكم بأي حال،

أي: { ولقد صدقكم الله وعده } بالنصر، فنصركم عليهم، حتى ولوكم أكتافهم، وطفقتم فيهم قتلا، حتى صرتم سببا لأنفسكم، وعونا لأعدائكم عليكم، فلما حصل منكم الفشل وهو الضعف والخور { وتنازعتم في الأمر } الذي فيه ترك أمر الله بالائتلاف وعدم الاختلاف، فاختلفتم، فمن قائل نقيم في مركزنا الذي جعلنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قائل: ما مقامنا فيه وقد انهزم العدو، ولم يبق محذور، فعصيتم الرسول، وتركتم أمره من بعد ما أراكم الله ما تحبون وهو انخذال أعدائكم؛ لأن الواجب على من أنعم الله عليه بما أحب، أعظم من غيره. فالواجب في هذه الحال خصوصًا، وفي غيرها عموما، امتثال أمر الله ورسوله. { منكم من يريد الدنيا } وهم الذين أوجب لهم ذلك ما أوجب، { ومنكم من يريد الآخرة } وهم الذين لزموا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبتوا حيث أمروا. { ثم صرفكم عنهم } أي: بعدما وجدت هذه الأمور منكم، صرف الله وجوهكم عنهم، فصار الوجه لعدوكم، ابتلاء من الله لكم وامتحانا، ليتبين المؤمن من الكافر، والطائع من العاصي، وليكفر الله عنكم بهذه المصيبة ما صدر منكم، فلهذا قال: { ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين } أي: ذو فضل عظيم عليهم، حيث منَّ عليهم بالإسلام، وهداهم لشرائعه، وعفا عنهم سيئاتهم، وأثابهم على مصيباتهم. ومن فضله على المؤمنين أنه لا يقدر عليهم خيرا ولا مصيبة، إلا كان خيرا لهم. إن أصابتهم سراء فشكروا جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا، جازاهم جزاء الصابرين.

قال القرطبي: قال محمد بن كعب القرطبي: لما رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة بعد أحد، وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزل قوله- تعالى- وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ الآية.

وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء، وكان الظفر ابتداء للمسلمين، غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة وترك بعض الرماة أيضا مراكزهم طلبا للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة.

وقد روى البخاري عن البراء بن عازب قال: لما كان يوم أحد ولقينا المشركين أجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أناسا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: «لا تبرحوا من مكانكم. إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا» .

قال: فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن الجبل- أى يسرعن الفرار- يرفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن. فجعلوا يقولون- أى الرماة- «الغنيمة.. الغنيمة» فقال لهم أميرهم عبد الله بن جبير. أمهلوا. أما عهد إليكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ألا تبرحوا أماكنكم؟ فأبوا- وانطلقوا لجمع الغنائم- فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقتل من المسلمين سبعون رجلا» .

وصدق الوعد معناه: تحقيقه والوفاء به، الصدق: مطابقة الخبر للواقع. والمراد بهذا الوعد، ما وعد الله به المؤمنين من النصر والظفر في مثل قوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ .

وفي مثل قوله- تعالى- سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً .

وفي مثل قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم للرماة قبل أن تبدأ المعركة «لا تبرحوا أماكنكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم» .

ومعنى «تحسونهم تقتلونهم قتلا شديدا يفقدون معه حسهم وحركتهم. يقال: حسه حسا إذا قتله. وحقيقته: أصاب حاسته بآفة فأبطلها، يقال: كبده وفأده أى: أصاب كبده وفؤاده.

ومنه جراد محسوس، وهو الذي قتله البرد أو مسته النار فأهلكته.

والمعنى: ولقد حقق الله- تعالى- لكم- أيها المؤمنون- ما وعدكم به من النصر على أعدائكم إذ أيدكم في أول معركة أحد بعونه وتأييده فصرتم تقتلون المشركين قتلا ذريعا شديدا بإذنه وتيسيره ورعايته وكان حليفا لكم في أول المعركة.

و «صدق» يتعدى لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر تقول: صدقت زيدا في الحديث. وقد يتعدى بنفسه إلى المفعولين كما هنا إذ المفعول الأول ضمير المخاطبين، والثاني قوله وَعْدَهُ.

وقوله إِذْ تَحُسُّونَهُمْ معمول لصدقكم أى صدقكم في هذا الوقت وهو وقت قتلهم وقوله «بإذنه» متعلق بمحذوف لأنه حال من فاعل «تحسونهم» أى تقتلونهم مأذونا لكم في ذلك.

فالجملة الكريمة تذكر المؤمنين بما كان من نصر الله- تعالى- لهم عند ما أقبلوا على معركة أحد بقلوب مخلصة، ونفوس ثابتة وعزيمة صادقة.. ثم بين- سبحانه- أما ما أصابهم من هزيمة بعد ذلك كان بسبب فشلهم وتنازعهم فقال- تعالى: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ.

والفشل: بمعنى الجبن والضعف، يقال فشل يفشل فهو فشل وفاشل والتنازع: التخاصم والتحالف.

والمعنى: ولقد صدقكم الله وعده في النصر- أيها المؤمنون- عند ما كنتم تقاتلون أعداءكم بإيمان صادق، وإخلاص الله- تعالى- حتى إذا ضعفت نفوسكم وعجزتم عن مقاومة أهوائكم وتنازعتم فيما بينكم (أنتبع الغنائم نجمعها أم نبقى في أماكننا التي حددها الرسول صلّى الله عليه وسلّم لنا) ؟

ومال أكثركم إلى طلب الغنائم مخالفا أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم من بعد ما أراكم الله في أول المعركة من نصر مؤزر تحبونه وترجونه، ومن مغانم تتطلعون إليها بلهفة وشوق.

حتى إذا فعلتم ذلك منع الله- تعالى- عنكم نصره، وتحول نصركم إلى هزيمة وفقدتم أنفسكم وما جمعتموه من غنائم.

وهكذا نرى أن ما أصاب المسلمين في أحد من هزيمة كان بسبب فشل بعضهم وتنازعهم وعصيانهم أمر رسولهم صلّى الله عليه وسلّم وصدق الله إذ يقول: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً .

ولقد رتب الله- تعالى- ما حدث من بعض المؤمنين في غزوة أحد ترتيبا دقيقا، يتفق مع ما حصل منهم وذلك لأنهم حدث منهم- أولا- الفشل بمعنى العجز النفسي عن الثبات والصبر. ثم ترتب على ذلك أن تنازعوا فيما بينهم ونتج عن هذا التنازع أن ترك معظمهم مكانه ونزل إلى ميدان المعركة لجمع المغانم، ثم ترتب على كل ذلك معصيتهم لأمر رسولهم وقائدهم صلّى الله عليه وسلّم.

قال الجمل ما ملخصه: وقوله حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ في حتى هذه قولان:

أحدهما: أنها حرف جر بمعنى إلى وفي متعلقها حينئذ ثلاثة أوجه.

أحدها: أنها متعلقة بقوله: تَحُسُّونَهُمْ أى تقتلونهم إلى هذا الوقت.

والثاني: أنها متعلقة «بصدقكم» أى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم. والثالث: أنها متعلقة بمحذوف دل عليه السياق تقديره: ودام لكم ذلك إلى وقت فشلكم.

والقول الثاني: أنها حرف ابتداء داخلة على الجملة الشرطية وإِذْ على بابها من كونها شرطية، والصحيح أن جوابها محذوف أى حتى إذا فشلتم وتنازعتم منع الله عنكم نصره» .

وقال الفخر الرازي: فإن قيل ما الفائدة في قوله مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ؟

فالجواب عنه: أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية، لأنهم لما شاهدوا أن الله- تعالى- «أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم. وقوله مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ تفصيل للتنازع الذي كان بين الرماة، أو بين بعض أفراد المسلمين الذين اشتركوا في هذه الغزوة «2» .

أى: منكم- أيها المسلمون- من يريد الدنيا ومغانمها حتى حمله ذلك على ترك مكانه المخصص له مخالفا نصيحة قائده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم ولو أن هذا البعض منكم خالف هواه، وحارب مطامعه، وأطاع أمر رسوله صلّى الله عليه وسلّم لتم لكم النصر، ولأتتكم الدنيا بغنائمها وهي صاغرة.

ومنكم من يريد بجهاده وعمله ثواب الآخرة وهم الذين أطاعوا أمر رسولهم صلّى الله عليه وسلّم وثبتوا إلى جانبه يدافعون عنه وعن عقيدتهم وعن أنفسهم دفاع الأبطال الصامدين وهؤلاء هم الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم.

قال ابن جرير: قال ابن عباس: لما هزم الله المشركين يوم أحد، قال الرماة: أدركوا الناس لا يسبقوكم إلى الغنائم فتكون لهم دونكم، وقال بعضهم: لا نريم حتى يأذن لنا النبي صلّى الله عليه وسلّم فنزلت: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ.

وقال ابن مسعود: ما علمنا أن أحدا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد»

وقوله ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ عطف على جواب «إذا» المقدر، وما بينهما اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه.

والتقدير: منع الله نصره عنكم بسبب فشلكم وتنازعكم ومعصيتكم لنبيكم ثم ردكم عنهم دون أن تنالوا ما تبتغون لِيَبْتَلِيَكُمْ أى ليعاملكم الله- تعالى- معاملة من يمتحن غيره، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه وليتبين لكم الصابر المخلص من غيره.

وجاء العطف بثم في قوله ثُمَّ صَرَفَكُمْ للإشعار بالتفاوت الكبير بين المقصد الأصلى الذي خرجوا من أجله وهو النصر والحصول على الغنيمة وبين النتيجة التي انتهوا إليها وهي العودة مقهورين.

وكان التعبير بكلمة صَرَفَكُمْ دون كلمة «هزمتم» لأن ما حدث في أحد لم يكن هزيمة وإن لم يكن نصرا. لأن الهزيمة تقتضي أن يولى المسلمون الأدبار وأن يتحكم فيهم أعداؤهم وما حدث في أحد لم يكن كذلك، وإنما كان زيادة في عدد الشهداء من المسلمين عن عدد القتلى من المشركين لأن بعض المسلمين خالفوا وصية نبيهم صلّى الله عليه وسلّم وتطلعوا إلى زهرة الدنيا وزينتها بطريقة تتعارض مع ما يقتضيه الإيمان الصادق فكان من الله- تعالى- التأديب لهم.. وفي هذا التعبير ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ تسلية لهم عما أصابهم، وتخفيف لمصابهم فكأنه- سبحانه- يقول لهم: إن ما حدث في أحد إنما هو نوع من الصرف عن الغاية التي من أجلها خرجتم لحكم من أهمها: تمييز الخبيث من الطيب، وتربيتكم على تحمل المصائب والآلام، وتأديبكم بالأدب المناسب حتى لا تعودوا مرة أخرى إلى مخالفة رسولكم صلّى الله عليه وسلّم.

ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بما يمسح آلامهم ويذهب الحسرة من قلوبهم فقال- تعالى- وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.

أى: ولقد عفا- سبحانه- عما صدر منكم تفضلا منه وكرما، والله تعالى هو صاحب الفضل المطلق الدائم على المؤمنين.

ولقد أكد- سبحانه- هذا العفو باللام وبقد وبالتعبير بالماضي، ليفتح أمامهم طريق الأمل، وليحفزهم على التوبة الصادقة والإيمان العميق، حتى لا ييأسوا من رحمة الله.

والتذييل بقوله وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مؤكد لمضمون ما قبله.

قال الآلوسى: «إيذان بأن ذلك العفو، ولو كان بعد التوبة، بطريق التفضل لا الوجوب أى: شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو في جميع الأحوال أديل لهم أو أديل عليهم، إذ الابتلاء أيضا رحمة»

فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المؤمنين بأن الله- تعالى- قد حقق وعده معهم في أول المعركة بأن سلطهم على المشركين يقتلونهم بتأييده ورعايته قتلا ذريعا فلما صدر من بعض المؤمنين الفشل والتنازع والعصيان منع الله عنهم عونه وصرفهم عن الغاية التي كانوا يتمنونها ليتميز الخبيث من الطيب ومع ذلك فقد عفا الله عما صدر منهم من أخطاء لأنه هو صاحب الفضل الدائم على المؤمنين.

( ولقد صدقكم الله وعده ) أي : أول النهار ( إذ تحسونهم ) أي : تقتلونهم ( بإذنه ) أي : بتسليطه إياكم عليهم ( حتى إذا فشلتم ) وقال ابن جريج : قال ابن عباس : الفشل الجبن ، ( وتنازعتم في الأمر وعصيتم ) كما وقع للرماة ( من بعد ما أراكم ما تحبون ) وهو الظفر منهم ( منكم من يريد الدنيا ) وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة ( ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم ( ولقد عفا عنكم ) أي : غفر لكم ذلك الصنيع ، وذلك - والله أعلم - لكثرة عدد العدو وعددهم ، وقلة عدد المسلمين وعددهم .

قال ابن جريج : قوله : ( ولقد عفا عنكم ) قال : لم يستأصلكم . وكذا قال محمد بن إسحاق ، رواهما ابن جرير ( والله ذو فضل على المؤمنين ) .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عبيد الله عن ابن عباس أنه قال : ما نصر الله في موطن كما نصره يوم أحد . قال : فأنكرنا ذلك ، فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله ، إن الله يقول في يوم أحد : ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ) يقول ابن عباس : والحس : القتل ( حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) الآية وإنما عنى بهذا الرماة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ، ثم قال : " احموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا . فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين أكبت الرماة جميعا [ ودخلوا ] في العسكر ينهبون ، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهم هكذا - وشبك بين يديه - وانتشبوا ، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها ، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضرب بعضهم بعضا والتبسوا ، وقتل من المسلمين ناس كثير ، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار ، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة ، وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا - حيث يقول الناس - الغار ، إنما كان تحت المهراس ، وصاح الشيطان : قتل محمد ، فلم يشك فيه أنه حق ، فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق ، حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين ، نعرفه بتلفته إذا مشى - قال : ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا - قال : فرقي نحونا وهو يقول : " اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله " . ويقول مرة أخرى : " اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا " . حتى انتهى إلينا ، فمكث ساعة ، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل : اعل هبل ، مرتين - يعني آلهته - أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر : يا رسول الله ، ألا أجيبه ؟ قال : " بلى " قال : فلما قال : اعل هبل . قال عمر : الله أعلى وأجل . فقال أبو سفيان : قد أنعمت عينها فعاد عنها أو : فعال ! فقال : أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر : هذا رسول الله ، وهذا أبو بكر ، وها أنا ذا عمر . قال : فقال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، الأيام دول ، وإن الحرب سجال . قال : فقال عمر : لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار . قال إنكم تزعمون ذلك ، لقد خبنا إذا وخسرنا ، ثم قال أبو سفيان : إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك على رأي سراتنا . قال : ثم أدركته حمية الجاهلية فقال : أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه .

هذا حديث غريب ، وسياق عجيب ، وهو من مرسلات ابن عباس ، فإنه لم يشهد أحدا ولا أبوه .

وقد أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي النضر الفقيه ، عن عثمان بن سعيد ، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس ، به . وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة ، من حديث سليمان بن داود الهاشمي ، به ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها ، فقال الإمام أحمد :

حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، حدثنا عطاء بن السائب عن الشعبي ، عن ابن مسعود قال : إن النساء كن يوم أحد ، خلف المسلمين ، يجهزن على جرحى المشركين ، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر : أنه ليس أحد منا يريد الدنيا ، حتى أنزل الله عز وجل : ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) فلما خالف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أمروا به ، أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعة : سبعة من الأنصار ، ورجلين من قريش ، وهو عاشرهم ، فلما رهقوه [ قال : " رحم الله رجلا ردهم عنا " . قال : فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل ، فلما رهقوه ] أيضا قال : " رحم الله رجلا ردهم عنا " . فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبه : " ما أنصفنا أصحابنا " .

فجاء أبو سفيان فقال : اعل هبل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قولوا : الله أعلى وأجل " . فقالوا : الله أعلى وأجل . فقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا : " الله مولانا ، والكافرون لا مولى لهم " . ثم قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، يوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر . حنظلة بحنظلة ، وفلان بفلان ، وفلان بفلان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا سواء . أما قتلانا فأحياء يرزقون ، وقتلاكم في النار يعذبون " . قال أبو سفيان : قد كان في القوم مثلة ، وإن كانت لعن غير ملأ منا ، ما أمرت ولا نهيت ، ولا أحببت ولا كرهت ، ولا ساءني ولا سرني . قال : فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه ، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكلت شيئا ؟ " قالوا : لا . قال : " ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة في النار " .

قال : فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى عليه ، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه ، فرفع الأنصاري وترك حمزة ، ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى [ عليه ] ثم رفع وترك حمزة ، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة .

تفرد به أحمد أيضا .

وقال البخاري : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق : عن البراء قال : لقينا المشركين يومئذ ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة ، وأمر عليهم عبد الله - يعني ابن جبير - وقال : " لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا ، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا " . فلما لقيناهم هربوا ، حتى رأينا النساء يشتددن في الجبل ، رفعن عن سوقهن ، وقد بدت خلاخلهن ، فأخذوا يقولون : الغنيمة الغنيمة . فقال عبد الله : عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا . فأبوا ، فلما أبوا صرف وجوههم ، فأصيب سبعون قتيلا فأشرف أبو سفيان فقال : أفي القوم محمد ؟ فقال : " لا تجيبوه " . فقال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ فقال : " لا تجيبوه " . فقال : أفي القوم ابن الخطاب ؟ فقال : إن هؤلاء قد قتلوا ، فلو كانوا أحياء لأجابوا . فلم يملك عمر نفسه فقال : كذبت يا عدو الله ، قد أبقى الله لك ما يحزنك فقال أبو سفيان : اعل هبل . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أجيبوه " . قالوا : ما نقول ؟ قال : " قولوا : الله أعلى وأجل " . فقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أجيبوه " . قالوا : ما نقول ؟ قال : " قولوا : الله مولانا ، ولا مولى لكم " . قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني .

تفرد به البخاري من هذا الوجه ، ثم رواه عن عمرو بن خالد ، عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق ، عن البراء ، بنحوه وسيأتي بأبسط من هذا .

وقال البخاري أيضا : حدثنا عبيد الله بن سعيد ، حدثنا أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : لما كان يوم أحد هزم المشركون ، فصرخ إبليس : أي عباد الله ، أخراكم . فرجعت أولادهم فاجتلدت هي وأخراهم ، فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان ، فقال : أي عباد الله ، أبي أبي . قال : قالت : فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه ، فقال حذيفة : يغفر الله لكم . قال عروة : فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لقي الله عز وجل .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن جده أن الزبير بن العوام قال : والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم [ هند ] وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن كثير ولا قليل ومالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه ، يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل فأتتنا من أدبارنا ، وصرخ صارخ : ألا إن محمدا قد قتل . فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء ، حتى ما يدنو منه أحد من القوم .

قال محمد بن إسحاق : فلم يزل لواء المشركين صريعا ، حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية ، فدفعته لقريش فلاثوا به ، وقال السدي عن عبد خير قال : قال عبد الله بن مسعود قال : ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزلت فينا ما نزل يوم أحد ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة )

وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود ، وكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي طلحة ، رواهن ابن مردويه في تفسيره .

وقوله : ( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) قال ابن إسحاق : حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع ، أحد بني عدي بن النجار قال : انتهى أنس بن النضر ، عم أنس بن مالك ، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله ، في رجال من المهاجرين والأنصار ، قد ألقوا بأيديهم فقال : ما يخليكم ؟ فقالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه . ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل .

وقال البخاري : حدثنا حسان بن حسان ، حدثنا محمد بن طلحة ، حدثنا حميد ، عن أنس بن مالك : أن عمه - يعني أنس بن النضر - غاب عن بدر فقال : غبت عن أول قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لئن أشهدني الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أجد فلقي يوم أحد ، فهزم الناس ، فقال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون ، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ فقال : أين يا سعد ؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد . فمضى فقتل ، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه بشامة وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم .

هذا لفظ البخاري وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس ، بنحوه .

وقال البخاري [ أيضا ] حدثنا عبدان ، أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال : جاء رجل حج البيت ، فرأى قوما جلوسا ، فقال : من هؤلاء القعود ؟ قالوا : هؤلاء قريش . قال : من الشيخ ؟ قالوا : ابن عمر . فأتاه فقال : إني سائلك عن شيء فحدثني . قال : أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد ؟ قال : نعم . قال : فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها ؟ قال : نعم . قال : فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها ؟ قال : نعم . قال : فكبر ، فقال ابن عمر : تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه . أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه ، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت مريضة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه " . وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه ، فبعث عثمان ، فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى : " هذه يد عثمان " . فضرب بها على يده ، فقال : " هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك " .

ثم رواه البخاري من وجه آخر عن أبي عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب .

القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " ولقد صدقكم الله "، أيها المؤمنون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بأحُد وعدَه الذي وعدهم على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

و " الوعد " الذي كان وعدَهم على لسانه بأحد، قوله للرماة: " اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا، وإن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نـزال غالبين ما ثبتم مكانكم ". وكان وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم النصر يومئذ إن انتهوا إلى أمره، كالذي:-

8004- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما برز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين بأحد، أمر الرماة، فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين وقال: " لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نـزال غالبين ما ثبتم مكانكم،" وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، أخا خوّات بن جبير. ثم إنّ طلحة بن عثمان، صاحب لواء المشركين، قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله يعجِّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجِّلكم بسيوفنا إلى الجنة! فهل منكم أحد يعجِّله الله بسيفي إلى الجنة! أو يعجِّلني بسيفه إلى النار؟ فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: والذي نفسي بيده، لا أفارقك حتى يعجِّلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجِّلني بسيفك إلى الجنة! فضربه علي فقطع رجلَه، فسقط، فانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرحم، ابنَ عم! فتركه. &; 7-282 &; فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لعليّ أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟ قال: إنّ ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه.

= ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهزموا أبا سفيان. فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل، (10) فرمته الرماة، فانقمع. فلما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم!. فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر. فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رأى المشركون أنّ خيلهم تقاتل، تنادوا فشَدُّوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم. (11) .

8005- حدثنا هارون بن إسحاق قال، حدثنا مصعب بن المقدام قال، حدثنا إسرائيل قال، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء قال: لما كان يوم أحُد ولقينا المشركين، أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا بإزاء الرماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، أخا خوات بن جبير، وقال لهم: " لا تبرحوا مكانكم، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تُعينونا ". فلما التقى القوم، هُزم المشركون حتى رأيت النساء قد رفعن عن سوقهن وبدت خلاخلهنّ، فجعلوا يقولون: " الغنيمة، الغنيمة "! قال عبد الله: مهلا! أما علمتم ما عهدَ إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأبوا، فانطلقوا، فلما أتوهم صرف الله وجوههم، فأصيب من المسلمين سبعون قتيلا.

8006- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، بنحوه. (12)

8007- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسُّونهم بإذنه "، فإن أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خلون من شوّال حتى نـزل أحدًا، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذَّن في الناس، فاجتمعوا، وأمَّر على الخيل الزبير بن العوام، ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي. وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء رجلا من قريش يقال له: مصعب بن عمير. وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحسَّر، (13) وبعث حمزة بين يديه. وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وقال: " استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك ". وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال: " لا تبرحوا حتى أوذنكم ". وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد فهزمه ومن معه، كما قال: " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحُسُّونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبُّون "، وإنّ الله وعد المؤمنين أن ينصرهم وأنه معهم. (14)

8008- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني &; 7-284 &; محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، (15) وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا -في قصة ذكرها عن أحد- ذكر أن كلهم قد حدَّث ببعضها، وأن حديثهم اجتمع فيما ساق من الحديث، فكان فيما ذكر في ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نـزل الشعب من أحُد في عُدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحُد، وقال: " لا يقاتلنَّ أحدٌ، حتى نأمره بالقتال ". (16) وقد سرَّحت قريش الظهر والكُراع، (17) في زروع كانت بالصَّمغة من قناة للمسلمين، (18) فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال: أترعى زروع بني قيلة ولما نُضارِب! (19) وتعبَّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمئة رجل، (20) وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف، (21) ومعهم مائتا فرس قد جَنَبوها، (22) فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل. وأمرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف، وهو يومئذ مُعلم بثياب بيض، والرماةُ خمسون رجلا &; 7-285 &; وقال: " انضح عنا الخيل بالنبل، لا يأتونا من خلفنا! إن كانت لنا أو علينا فأثبت مكانك، لا نؤتيَنَّ من قبلك ". (23) فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض. (24) واقتتلوا، حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس، وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبى طالب، في رجال من المسلمين. فأنـزل الله عز وجل نصره وصدقهم وعده، فحسُّوهم بالسيوف حتى كشفوهم، وكانت الهزيمةَ لا شك فيها. (25)

8009- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده قال، قال الزبير: والله لقد رأيتُني أنظر إلى خَدَم هند ابنة عتبة وصواحبها مشمِّرات هوارب، (26) ما دون إحداهن قليلٌ ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القومَ عنه يريدون النهب، وخلَّوا ظهورنا للخيل، فأتينا من أدبارنا. وصرخ صارخٌ: " ألا إنّ محمدًا قد قُتل "! فانكفأنا، وأنكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، (27) حتى ما يدنو منه أحدٌ من القوم. (28)

8010- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله: " ولقد صدقكم الله وعده "، أي: لقد وفَيتُ لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم. (29)

8011- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " ولقد صدقكم الله وعده "، وذلك يوم أحد، قال لهم: " إنكم ستظهرون، فلا أعرِفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا، (30) حتى تفرُغوا "! فتركوا أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عَهْده الذي عَهِده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به. (31)

* * *

القول في تأويل قوله : إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولقد وَفَى الله لكم، أيها المؤمنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما وعدكم من النصر على عدوكم بأحُد، حين " تحُسُّونهم "، يعني: حين تقتلونهم.

* * *

يقال منه: " حسَّه يَحُسُّه حسًا "، إذا قتله، (32) كما:-

8012- حدثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي قال، حدثنا يعقوب بن عيسى قال، حدثني عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف في قوله: " إذ تحُسُّونهم بإذنه "، قال: الحسُّ: القتل. (33)

8013- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: سمعت عبيد الله بن عبد الله يقول في قول الله عز وجل: " إذ تحسُّونهم "، قال: القتل.

8014- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا &; 7-288 &; عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " إذ تحسونهم بإذنه "، قال: تقتلونهم.

* * *

8015- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم "، أي: قتلا بإذنه.

8016- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " إذ تحسونهم "، يقول: إذ تقتلونهم.

8017- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " إذ تحسونهم بإذنه "، والحس القتل.

8018- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه "، يقول: تقتلونهم.

8019- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " إذ تحسونهم " بالسيوف: أي القتل. (34)

8020- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن: " إذ تحسونهم بإذنه "، يعني: القتل.

8021- حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: " إذ تحسونهم بإذنه "، يقول: تقتلونهم.

* * *

وأما قوله: " بإذنه "، فإنه يعني: بحكمي وقضائي لكم بذلك، وتسليطي إياكم عليهم، (35) كما:-

8022- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق: إذ تحسونهم بإذني، وتسليطي أيديكم عليهم، وكفِّي أيديهم عنكم. (36)

* * *

القول في تأويل قوله : حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " حتى إذا فشلتم "، حتى إذا جبنتم وضعفتم (37) =" وتنازعتم في الأمر "، يقول: واختلفتم في أمر الله، يقول: وعصيتم وخالفتم نبيكم، فتركتم أمره وما عهد إليكم. وإنما يعني بذلك الرماة الذين كان أمرَهم صلى الله عليه وسلم بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم الشِّعب بأحُد بإزاء خالد بن الوليد ومن كان معه من فرسان المشركين، الذين ذكرنا قبلُ أمرَهم.

= وأما قوله: " من بعد ما أراكم ما تحبون "، فإنه يعني بذلك: من بعد الذي أراكم الله، أيها المؤمنون بمحمد، من النصر والظفر بالمشركين، وذلك هو الهزيمة التي كانوا هزموهم عن نسائهم وأموالهم قبل ترك الرماة مقاعدهم التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقعدهم فيها، وقبل خروج خيل المشركين على المومنين من ورائهم.

* * *

وبنحو الذي قلنا تظاهرت الأخبار عن أهل التأويل.

وقد مضى ذكر بعض من قال، وسنذكر قول بعض من لم يذكر قوله فيما مضى.

*ذكر من قال ذلك:

8023- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر "، أي اختلفتم في الأمر =" وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون "، وذاكم يوم أحد، عهد إليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم وأمرَهم بأمر فنسوا العهد، وجاوزوا، (38) وخالفوا ما أمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقذف عليهم عدوَّهم، (39) بعد ما أراهم من عدوهم ما يحبون.

8024- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ناسًا من الناس -يعني: يوم أحُد- فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كونوا هاهنا، فردّوا وجه من فرَّ منا، (40) وكونوا حرسًا لنا من قِبل ظهورنا ". وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعلوا من ورائهم، بعضهم لبعض، (41) لما رأوا النساء مُصْعِدات في الجبل ورأوا الغنائم، &; 7-291 &; قالوا: " انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها "! وقالت طائفة أخرى: " بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنثبت مكاننا "! فذلك قوله: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ، للذين أرادوا الغنيمة = وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ، للذين قالوا: " نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونثبت مكاننا ". فأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكان فشلا حين تنازعوا بينهم يقول: " وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون "، كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة.

8025- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " حتى إذا فشلتم "، يقول: جبنتم عن عدوكم =" وتنازعتم في الأمر "، يقول: اختلفتم =" وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون "، وذلك يوم أحد قال لهم: " إنكم ستظهرون، فلا أعرفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا حتى تفرغوا "، (42) فتركوا أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهده الذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به، فانقذف عليهم عدوهم، (43) من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون. (44)

8026- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج: " حتى إذا فشلتم "، قال ابن جريج، قال ابن عباس: الفشَل: الجبن.

8027- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون "، من الفتح.

8028- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " حتى إذا فشلتم "، أي تخاذلتم (45) =" وتنازعتم في الأمر "، أي: اختلفتم في أمري =" وعصيتم "، أي: تركتم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم؛ وما عهد إليكم، يعني الرماة=" من بعد ما أراكم ما تحبون "، أي: الفتح لا شك فيه، وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم. (46)

8029- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن المبارك، عن الحسن: " من بعد ما أراكم ما تحبون "، يعني: من الفتح.

* * *

قال أبو جعفر: وقيل معنى قوله: " حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون " = حتى إذا تنازعتم في الأمر فشلتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون = وأنه من المقدم الذي معناه التأخير، (47) وإن " الواو " دخلت في ذلك، ومعناها السقوط، كما يقال، (48) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ [سورة الصافات: 103-104] معناه: ناديناه. وهذا مقول في: ( حَتَّى إِذَا ) وفي فَلَمَّا أَنْ . [لم يأت في غير هذين]. (49) ومنه قول الله عز وجل: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ثُمَّ قَالَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [سورة الأنبياء: 96-97]. &; 7-293 &; ومعناه: اقترب، (50) كما قال الشاعر: (51)

حَـــتَّى إذَا قَمِلَـــتْ بُطُـــونكُمُ

وَرَأَيْتُــــمُ أَبْنَـــاءَكُمْ شَـــبُّوا (52)

وَقَلَبْتُـــمْ ظَهْــرَ المِجَــنِّ لَنَــا

إنَّ اللَّئِـــيمَ العَـــاجِزَ الخَـــبُّ (53)

* * *

القول في تأويل قوله : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " منكم من يريد الدنيا "، الذين تركوا مقعدهم الذي أقعدهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشِّعب من أحُد لخيل المشركين، ولحقوا بعسكر المسلمين طلب النهب إذ رأوا هزيمة المشركين = ، " ومنكم من يريد الآخرة "، يعني بذلك: الذين ثبتوا من الرماة في مقاعدهم التي &; 7-294 &; أقعدهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتبعوا أمره، محافظة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابتغاء ما عند الله من الثواب بذلك من فعلهم والدار الآخرة. كما:-

8030- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة "، فالذين انطلقوا يريدون الغنيمة هم أصحاب الدنيا، والذين بقوا وقالوا: " لا نخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "، أرادوا الآخرة.

8031- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس مثله.

8032 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة "، فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم أحد طائفة من المسلمين، فقال: " كونوا مَسْلحة للناس "، (54) بمنـزلةٍ أمرَهم أن يثبتوا بها، وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم حتى يأذن لهم. فلما لقي نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبا سفيان ومن معه من المشركين، هزمهم نبي الله صلى الله عليه وسلم! فلما رأى المسلحةُ أن الله عز وجل هزم المشركين، انطلق بعضهم وهم يتنادون: " الغنيمة! الغنيمة! لا تفتكم "! وثبت بعضهم مكانهم، وقالوا: لا نَريم موضعنا حتى يأذن لنا نبي الله صلى الله عليه وسلم!. ففي ذلك نـزل: " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة "، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرَضَها، (55) حتى كان يوم أحد.

8033- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: لما هزم الله المشركين يوم أحد، قال الرماة: " أدركوا الناس ونبيَّ الله صلى الله عليه وسلم لا يسبقوكم إلى الغنائم، فتكون لهم دونكم "! وقال بعضهم: " لا نَريم حتى يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم ". فنـزلت: " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة "، قال: ابن جريج، قال ابن مسعود: ما علمنا أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرَضَها، حتى كان يومئذ.

8034 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن المبارك، عن الحسن: " منكم من يريد الدنيا "، هؤلاء الذين يجترون الغنائم (56) =" ومنكم من يريد الآخرة "، الذين يتبعونهم يقتلونهم.

8035- حدثنا الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي عن عبد خير قال: قال عبد الله: ما كنت أرى أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نـزل فينا يوم أحد: " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ". (57)

8036- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن عبد خير قال، قال ابن مسعود: ما كنت أظن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أحدًا يريد الدنيا، حتى قال الله ما قال.

8037- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع &; 7-296 &; قال، قال عبد الله بن مسعود لما رآهم وقعوا في الغنائم: ما كنت أحسب أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان اليوم.

8038- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان ابن مسعود يقول: ما شعرتُ أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرَضها، حتى كان يومئذ. (58)

8039- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق " منكم من يريد الدنيا "، أي: الذين أرادوا النهب رغبة في الدنيا وتركَ ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة =" ومنكم من يريد الآخرة "، أي: الذي جاهدوا في الله لم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لعرض من الدنيا رغبة فيها، (59) رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة. (60)

* * *

القول في تأويل قوله : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ثم صرفكم، أيها المؤمنون، عن المشركين بعد ما أراكم ما تحبون فيهم وفي أنفسكم، من هزيمتكم إياهم وظهوركم عليهم، فردَّ وجوهكم عنهم لمعصيتكم أمر رسولي، ومخالفتكم طاعته، وإيثاركم الدنيا على الآخرة، &; 7-297 &; - عقوبةً لكم على ما فعلتم،" ليبتليكم "، يقول: ليختبركم، (61) فيتميز المنافق منكم من المخلص الصادق في إيمانه منكم. كما:-

8040- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ثم ذكر حين مال عليهم خالد بن الوليد: " ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ".

8041- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن في قوله: " ثم صرفكم عنهم "، قال: صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدَّة من أسروا يوم بدر، وقُتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشُجّ في وجهه، وكان يمسح الدم عن وجهه ويقول: " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربهم "؟ فنـزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [سورة آل عمران: 128]، الآية. فقالوا: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدنا النصر؟ فأنـزل الله عز وجل: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إلى قوله: " ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم ".

8042- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق: " ثم صرفكم عنهم ليبتليكم "، أي: صرفكم عنهم ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم. (62)

* * *

القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ولقد عفا عنكم "، ولقد عفا الله = أيها المخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتاركون طاعته فيما تقدم به إليكم من لزوم الموضع الذي أمركم بلزومه = عنكم، فصفح لكم من عقوبة ذنبكم الذي أتيتموه، عما هو أعظم مما عاقبكم به من هزيمة أعدائكم إياكم، وصرفِ وجوهكم عنهم، (63) إذ لم يستأصل جمعكم، كما:-

8043- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن، في قوله: " ولقد عفا عنكم "، قال: قال الحسن، وصفَّق بيديه: وكيف عفا عنهم، وقد قتل منهم سبعون، وقُتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشج في وجهه؟ قال: ثم يقول: قال الله عز وجل: " قد عفوت عنكم إذ عصيتموني، أن لا أكون استأصلتكم ". قال: ثم يقول الحسن: هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله غضابٌ لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فصنعوه، فوالله ما تركوا حتى غُمُّوا بهذا الغم، فأفسق الفاسقين اليوم يَتَجَرْثَمُ كل كبيرة، (64) ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه!! فسوف يعلم.

8044- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " ولقد عفا عنكم "، قال: لم يستأصلكم.

8045- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولقد عفا عنكم "، ولقد عفا الله عن عظيم ذلك، لم يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم، ولكن عُدْت بفضلي عليكم. (65)

* * *

وأما قوله: " والله ذو فضل على المؤمنين "، فإنه يعني: والله ذو طَوْل على أهل الإيمان به وبرسوله، (66) بعفوه لهم عن كثير ما يستوجبون به العقوبة عليه من ذنوبهم، فإن عاقبهم على بعض ذلك، فذو إحسان إليهم بجميل أياديه عندهم. كما:-

8046- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين "، يقول: وكذلك منَّ الله على المؤمنين، أن عاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبًا وموعظة، فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم، لما أصابوا من معصيته، رحمةً لهم وعائدة عليهم، لما فيهم من الإيمان. (67)

---------------

الهوامش :

(10) في التعليق على الأثر السالف: 7943 ، ذكرت أن المخطوطة هناك ، كان فيها"لر" غير منقوطة ، واستظهرت مرجحًا أنها"كر" ، ولكنه عاد هنا في المخطوطة ، فكتبها"حمل" واضحة ، فأخشى أن يكون هذا هو الصواب الراجح.

(11) الأثر: 8004- الأثر السالف رقم: 7943 ، والتاريخ 3: 14 ، 15.

(12) الأثران: 8005 ، 8006 - تاريخ الطبري 3: 13 ، 14 وانظر مسند أحمد 4: 293 ، 294.

(13) في المطبوعة: "بالجسر" ، وهو خطأ ، "والحسر" جمع حاسر ، وهم الرجالة الذين لا خيل لهم ، يقال: سموا بذلك لأنهم يحسرون عن أيديهم وأرجلهم. ويقال إنه يقال لهم"حسر" ، لأنه لا بيض لهم ولا دروع يلبسونها.

(14) الأثر: 8007- تاريخ الطبري 3: 14.

(15) في المطبوعة والمخطوطة: "أن محمد بن يحيى. . ." ، والصواب من سيرة ابن هشام 3: 64 وتاريخ الطبري 3: 9.

(16) في المطبوعة: "لا تقاتلوا حتى نأمر بالقتال" ، وفي المخطوطة مثله ، إلا أنه كتب: "نأمره" والصواب من سيرة ابن هشام ، ومن تاريخ الطبري.

(17) الظهر: الإبل التي يحمل عليها ويركب. والكراع: اسم يجمع الخيل والسلاح ، ويعني هنا الخيل.

(18) "الصمغة": أرض في ناحية أحد. و"قناة" واد يأتي من الطائف ، حتى ينتهي إلى أصل قبور الشهداء بأحد.

(19) بنو قيلة: هم الأوس والخزرج ، الأنصار. وقيلة: أم قديمة لهم ينسبون إليها.

(20) في المطبوعة: "وصفنا رسول الله. . ." ، وهو خطأ محض ، والصواب من سيرة ابن هشام ، والتاريخ ، والمخطوطة ، وهي فيها غير منقوطة.

(21) في المطبوعة: "وتصاف قريش. . ." ، وهو خطأ صرف ، والصواب من التاريخ ، ومن المخطوطة وهي فيها غير منقوطة.

(22) جنب الفرس والأسير يجنبه (بضم النون) جنبًا (بالتحريك) فهو مجنوب وجنيب ، وخيل جنائب: إذا قادهما إلى جنبه. ويقال: "خيل مجنبة" بتشديد النون مثلها.

(23) نضح عنه: ذب عنه ، ورد عنه ونافح.

(24) هذا اختصار مخل جدًا ، فإن أبا جعفر لفق كلام ابن إسحاق ، والذي رواه ابن هشام مخالف في ترتيبه لما جاء في خبر الطبري هنا. وذلك أنه من أول قوله: "وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة. . ." مقدم على قوله: "وتعبأت قريش" ، وذلك في السيرة 3: 69 ، 71. أما قوله: "فلما التقى الناس" فإنه يأتي في السيرة في ص 72 ، وسياق الجملة: "فلما التقى الناس ، ودنا بعضهم من بعض ، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها ، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم" ، وساق ما كان من أمرهن ، ثم قال: "قال ابن إسحاق: فاقتتل الناس حتى حميت الحرب ، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس" ، أما قوله بعد ذلك: "وحمزة بن عبد المطلب. . ." ، فهو عطف علي"وقاتل أبو دجانة" ، استخرجه الطبري من سياق سيرة ابن إسحاق 3: 77 ، لا من نصه. وقد تركت ما في التفسير على حاله ، لأنه خطأ من أبي جعفر نفسه ولا شك. وأما قوله: "ثم أنزل الله نصره. . ." إلى آخر الأثر فهو في السيرة 3: 82.

(25) الأثر: 8008- هذا أثر ملفق من نص ابن إسحاق ، وهو فيما رواه ابن هشام في سيرته من مواضع متفرقة كما سترى 3: 69 ، 70 / ثم ص: 72 / ثم ص: 77 / ثم ص 82 ، وانظر التعليق السالف. ثم انظر تاريخ الطبري 3: 13 / ثم ص16. وقوله: "حسوهم" أي قتلوهم واستأصلوهم ، كما سيأتي في تفسير الآية بعد.

(26) في المخطوطة: "مسموات هوادن" وضبط الكلمة الأولى بالقلم بفتح الميم وضم السين وميم مشددة مفتوحة !! وهذا أعجب ما رأيت من السهو والغفلة! والكلمتان خطأ محض ، وفي المطبوعة: "هوازم" ، والصواب من سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري. و"الخدم" جمع خدمة: وهي الخلخال ، ويجمع أيضًا"خدام" بكسر الخاء."شمر تشميرًا فهو مشمر": جد في السير أو العمل وأسرع ومضى مضيًا ، وأصله من فعل العادي إذا جد في عدوه وشمر عن ساقه وجمع ثوبه في يده ، ليكون أسرع له.

(27) في المخطوطة: "بعد أن رأينا أصحابناب" وضرب على"بنا" من"أصحابنا" ، فاجتهد الناشر قراءة هذا الكلام الفاسد فجعل مكان"أصبنا""هزمنا" ولكني رددته إلى نص ابن إسحاق من رواية ابن هشام في السيرة ، والطبري في التاريخ."انكفأ": مال ورجع وانقلب ، وهو صورة حركة الراجع ، من انكفاء الإناء إذا أملته ناحية ، و"انكفأوا علينا" ، أي مالوا راجعين عليهم.

(28) الأثر: 8009- سيرة ابن هشام 3: 82 ، وهو تابع آخر الأثر السالف رقم: 8008 ، وفي تاريخ الطبري 3: 16 ، 17.

(29) الأثر: 8010- سيرة ابن هشام 3: 120 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8002.

(30) في المخطوطة: "فلا عرض ما أصبتم" ، وفي المطبوعة: "فلا تأخذوا ما أصبتم" ، تصرف في طلب المعنى ، وهو خطأ ، وستأتي على الصواب في الأثر رقم: 8025 ، في المطبوعة والمخطوطة معًا ، كما كتبتها هنا. وقوله: "فلا أعرفن ما أصبتم. . ." ، يعني: لا يبلغني أنكم أصبتم من غنائمهم شيئًا. وقولهم: "لا أعرفن كذا" و"ولأعرفن كذا" كلمة تقال عند الوعيد والتهديد والزجر الشديد. وانظر مجيئها في الأثرين رقم: 8158 ، 8160 والتعليق عليهما. وانظر الدر المنثور 2: 85.

(31) انظر الأثر الآتي رقم: 8025.

(32) انظر تفسير"الحس" فيما سلف 6: 443.

(33) الأثر: 8012-"محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطى" ، مضى القول فيه برقم: 2867 ، 2868 ، 2888 ، وفي 2868"محمد بن عبيد الله بن سعيد". و"يعقوب بن عيسى" هو: "يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري" ، سلف في رقم: 2867. و"عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز. . . الزهري" ، هو الأعرج ، المعروف بابن أبي ثابت ، قيل: "ليس بثقة ، إنما كان صاحب شعر" ، وقال يحيى: "رأيته ببغداد ، كان يشتم الناس ويطعن في أحسابهم. ليس حديثه بشيء". مترجم في التهذيب. و"محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف" قال البخاري: "منكر الحديث" ، وقال أبو حاتم: "هم ثلاثة إخوة: محمد بن عبد العزيز ، وعبد الله بن عبد العزيز ، وعمران بن عبد العزيز ، وهم ضعفاء الحديث ، ليس لهم حديث مستقيم ، وليس لمحمد عن أبي الزناد ، والزهري ، وهشام بن عروة ، حديث صحيح". مترجم في الكبير 1 / 1 / 167 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 7.

(34) الأثر: 8019- سيرة ابن هشام 3: 120 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8010 ، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "أي: بالقتل" ، والباء زيادة لا خير فيها ، والصواب من سيرة ابن هشام.

(35) انظر تفسير"الإذن" فيما سلف 2: 449 ، 450 / 4 : 286 ، 371 / 5 : 352 ، 355 ، 395.

(36) الأثر: 8022- سيرة ابن هشام 3: 120 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8019.

(37) انظر تفسير"فشل" فيما سلف 7: 168.

(38) في المطبوعة: "وجاوزوا" ، وهي ضعيفة المعنى هنا. ولم تذكر كتب اللغة"حاوز" لكنهم قالوا: "انحاز القوم وتحوزوا وتحيزوا: تركوا مركزهم ومعركة قتالهم وتنحوا عنه ، ومالوا إلى موضع آخر". وانظر ما سلف في التعليق على رقم: 7524 ، من قوله: "تحاوز الناس".

(39) في المطبوعة: "فانصرف عليهم" ، ولا معنى لها ، ولكنه أخذها من الأثر التالي 8025 ، من رسم المخطوطة هناك. وفي الدر المنثور 2: 85"فانصر عليهم" ، ولا معنى لها أيضًا. وهي في المخطوطة هنا"فصرف" ، فرجحت أن يكون هذا تصحيف"فقذف" ، فأثبتها ، وهي سياق المعنى حين انحطت عليهم خيل المشركين من ورائهم.

(40) في المخطوطة والمطبوعة: "من قدمنا" ، والصواب من تاريخ الطبري. وفي الدر المنثور 2: 84"من ند منا" ، يقال"ند البعير" ، إذا نفر وشرد وذهب على وجهه ، ولا بأس بمعناها هنا.

(41) في المطبوعة: "اختلف الذين كانوا جعلوا من ورائهم فقال بعضهم لبعض" ، زاد الناشر الأول"اختلف" ، أما المخطوطة ، والدر المنثور 2: 84 ، فليس فيها"اختلف" ، والكلام بعد كما هو ، وهو مضطرب ، ورددته إلى الصواب من تاريخ الطبري ، حذفت"فقال" من وسط الكلام ، ووضعت"قال" في أوله.

(42) انظر التعليق على الأثر: 8011 ، ص: 286 ، تعليق: 4.

(43) في المخطوطة والمطبوعة: "فانصرف عليهم عدوهم" ، ولا معنى لها ، وفي الدر المنثور 2: 85"فانصر عليهم" ، ولا معنى لها ، وانظر التعليق السالف ص: 290 تعليق: 2.

(44) الأثر: 8025- مضى برقم: 8011 مختصرًا.

(45) في المطبوعة: "تجادلتم" ، وهو خطأ صرف ، والصواب من سيرة ابن هشام.

(46) الأثر: 8028- سيرة ابن هشام 3: 121.

(47) في المطبوعة: "أنه من المقدم. . ." بإسقاط الواو ، وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة.

(48) في المطبوعة"كما قلنا في فلما أسلما. . ." بزيادة"في" وفي المخطوطة: "كما قلنا فلما أسلما" ، بإسقاط"في" ، وأثبت ما في معاني القرآن للفراء 1: 238 ، فهذا نص كلامه.

(49) في المطبوعة: "وهذا مقول في (حتى إذا) وفي (لما) ومنه قول الله. . ." ، وفي المخطوطة: "وهذا مقول في (حتى إذا) وفي (فلما أن) ، وفلما ، ومنه قول الله عز وجل". والذي في المطبوعة تغيير لا خير فيه ، والذي في المخطوطة خطأ لا شك فيه ، فآثرت إثبات ما في معاني القرآن للفراء 1: 238 ، فإنه نص مقالته ، وزدت منه ما بين القوسين.

(50) انظر معاني القرآن للفراء 1: 238.

(51) هو الأسود بن يعفر النهشلي ، وهو في أكثر الكتب غير منسوب.

(52) معاني القرآن للفراء 1: 107 ، 238 / اللسان (قمل) والجزء: 20: 381 / تأويل مشكل القرآن: 197 ، 198 / المعاني الكبير: 533 / مجالس ثعلب: 74 / أمالي الشجري 1: 357 ، 358 / الإنصاف لابن الأنباري: 189 / الخزانة 4: 414 / وهو في جميعها غير منسوب ، وهو من شعر لم أجده تامًا ، ذكر أبياتًا منه البكري في معجم ما استعجم: 379 ، فيها البيت الأول وحده ، وبيتان آخران منها في اللسان (وقب) وتهذيب الألفاظ: 196. وهو من شعر يهجو فيه بني نجيح ، من بني عبد الله بن مجاشع بن دارم يقول في هجائهم:

أَبَنِــــي نَجِـــيحٍ، إنَّ أُمَّكُـــمُ

أَمَــــةٌ، وإنَّ أَبَـــاكُمُ وَقْـــبُ

أَكَــلَتْ خَــبِيثَ الــزَّادِ فَـاتَّخَمَتْ

عَنْــهُ، وَشَــمَّ خِمَارَهَــا الكَـلْبُ

وقوله: "قملت بطونكم" ، كثرت قبائلكم. والبطون بطون القبائل.

(53) يقال: "قلبت له ظهر المجن" - والمجن: الترس ، لأنه يوارى صاحبه - كلمة تضرب مثلا لمن كان لصاحبه على مودة ورعاية ، ثم حال عن ذلك فعاداه. والخب (بفتح الخاء ، وكسرها) الخداع الخبيث المنكر: وفي الحديث: "المؤمن غر كريم ، والكافر خب لئيم".

(54) المسلحة: القوم ذوو السلاح يوكلون بثغر من الثغور يحفظونه مخافة أن يأتي منه العدو. وسميت الثغور"مسالح" من ذلك ، وهي مواضع المخافة.

(55) "ما شعرت" ، أي: ما علمت ، يأتي كذلك في الأثر التالي.

(56) في المطبوعة: "يحيزون الغنائم" ، وهو خطأ ، والكلمة في المخطوطة غير منقوطة ، والذي أثبته هو صواب قراءتها. واجتر الشيء: جره ، يعني يطلبونها إلى أنفسهم.

(57) الأثر 8035-"الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي" ، مضى مرارًا ، وسلف ترجمته في رقم: 1625 ، وكان في المطبوعة: "العبقري" ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة غير منقوط. وأما "عبد خير" ، فهو"عبد خير بن يزيد الهمداني". أدرك الجاهلية ، وروي عن أبي بكر ، وابن مسعود وعلي ، وزيد بن أرقم ، وعائشة. وهو تابعي ثقة. مترجم في التهذيب.

(58) الأثر: 8038- هو من بقية الأثر السالف: 8024 ، ورواه في تاريخه 3: 14.

(59) في المطبوعة: "لم يخالفوا" بإسقاط الواو ، وأثبتها من المخطوطة وابن هشام. وفي المطبوعة والمخطوطة: "لعرض من الدنيا رغبة في رجاء ما عند الله" ، وهو كلام يتلجلج ، والصواب ما في سيرة ابن هشام ، وهو الذي أثبت.

(60) الأثر: 8039- سيرة ابن هشام 3: 121 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8028.

(61) انظر تفسير"ابتلى" فيما سلف 2: 49 / 3: 7 ، 220 / 5 : 339.

(62) الأثر: 8042- سيرة ابن هشام 3: 121 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8039. وفي سيرة ابن هشام المطبوعة ، سقط بعض الكلام ، فاضطرب لفظه ، ويستفاد تصحيحه من هذا الموضع من التفسير.

(63) في المخطوطة: "وصرف وجوهكم عنه" ، والصواب ما في المطبوعة.

(64) في المطبوعة: "يتجرأ على كل كبيرة" ، تصرف في نص المخطوطة ، وتجرثم الشيء: أخذ معظمه ، وجرثومة كل شيء: أصله ومجتمعه.

(65) الأثر: 8045- سيرة ابن هشام 3: 121 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8042.

(66) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف 2: 344 / 5 : 164 ، 571 / 6: 156.

(67) الأثر: 8046- سيرة ابن هشام 3: 121 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8045. وفي سيرة ابن هشام المطبوعة فساد قبيح. يستفاد تصحيحه من هذا الموضع من التفسير.

التدبر :

وقفة
[152] قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّـهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ ليست من الإحساس كما يتبادر، بل من الحَسِّ: وهو القتل، أي: إذ تقتلونهم بإذنه.
وقفة
[152] ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّـهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ أي: ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي، فقد كانت العرب على حال جاهليتها تفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب، والإعراض عن الغنائم.
عمل
[152] أصلح بين متخاصمين ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
وقفة
[152] ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم﴾ الذنوب تؤخر النصر، هزم الصحابة في أحد بسبب معصية قلة منهم (40 رجلًا من أصل ۷۰۰ هم عدد جيش المسلمين).
وقفة
[152] ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم﴾ لما ذكر الفشل عطف عليه ما هو سببه في الغالب؛ وهو التنازع والمعصية.
وقفة
[152] الخلافات والذنوب سبب لهزائم الأمة وفشلها ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم﴾.
وقفة
[152] الذنوب تؤخر النصر، هُزم الصحابة في غزوة أُحد بسبب معصية جماعة قليلة منهم للنبي ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم﴾.
وقفة
[152] ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ (وتنازعتم) وقع النزاع بين الرماة؛ فثبت بعضهم كما أمروا، ولم يثبت بعضهم، (وعصيتم) أي: خالفتم ما أمرتم به من الثبوت، وجاءت المخاطبة في هذا لجميع المؤمنين -وإن كان المخالف بعضهم- وعظًا للجميع، وسترًا على من فعل.
وقفة
[152] ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ وَعَصَيْتُم﴾ من أعظم أسباب الهزيمة في المعركة: التعلق بالدنيا والطمع في مغانمها، ومخالفة أمر قائد الجيش.
وقفة
[152] ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ وَعَصَيْتُم﴾ انظر إلى دقة النظم القرآني بترتيب الأفعال الدالَّة على الحدث: الفشل، التنازع والعصيان، فقد رتبها على حسب ترتيبها في الحصول، وهو ضجر بعض الرُّماة من ملازمة مواقعهم، ثم التنازع في ملازمة الموقف وفي اللحاق بالجيش في الغنيمة، ونشأ عن التنازع تصميم معظمهم على مفارقة الموقع، وفيه عصيان لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالملازمة.
عمل
[152] أرسل رسالة تحذر فيها أن رؤية المال هو اختبار للثبات على الدين والمبادئ، وهو سبب للخلاف والتنازع بين المسلمين على مر القرون ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾.
وقفة
[152] ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ من المؤكد أن أحد المتنازعين في أحد كان رأيه أصوب، لكن الخطأ هو التنازع نفسه في المعركة.
وقفة
[152] ﴿وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ المعاصي سبب للهزيمة وتأخر النصر.
وقفة
[152] ﴿وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ المعصية بعد النعمة أشد من المعصية قبل النعمة.
وقفة
[152] ﴿وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ لقد كان عصيان الصحابة في معركة أُحُد مخالفة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وسميت هذه المخالفة عصيانًا مع أن تلك المخالفة كانت عن اجتهاد لا عن استخفاف، والعصيان من الاستخفاف فلِمَ عبَّر الله تعالى عن مخالفتهم بالعصيان ولم يقل وخالفتم؟ سُميت عصيانًا لأن المقام ليس مقام اجتهاد، فإن شأن الحرب الطاعة المطلقة للقائد من دون تأويل، لذلك جاءت بصيغة العصيان زيادة عليهم في التقريع.
وقفة
[152] شؤم المعصية يكسر شوكة اﻷمة، حتى وإن كانوا في ساحة الجهاد في سبيل الله! ﻷن الله قال عن هزيمة المؤمنين في أحد ﴿وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾.
وقفة
[152] ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ نزلت في بعض الصحابة وهم في ساحة الجهاد، وتحت بريق السيوف، فما يُقال فينا ونحن نتنافس على حطام الدنيا الفانية ؟!
وقفة
[152] ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ لو عذر الله أحدًا بالغفلة عن نيته، لعذر الصحابة يوم أحد وجراحهم تنزف، فلا تغفل عن حراسة قلبك وتعاهد نيتك مهما حدث.
وقفة
[152] للدنيا طمع خفي يدخل قلب الصالح ولا يشعر، قال ابن مسعود: لو حلفت يوم أحد أنه ليس منا من يريد الدنيا لبررت حتى أنزل الله: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾.
اسقاط
[152] لا تأمن على نفسك الفتنة ووقوع المعصية؛ قال تعالى عن الصحابة: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾.
اسقاط
[152] قال تعالى للصحابة: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾، لكنه قال لهم: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾، أما نحن فمنا من يريد الدنيا ولكن من يضمن لنا العفو؟!
وقفة
[152] من مكانة الصحابة رضي الله عنهم عند الله سبحانه أنه أخبر أنه عفا عنهم وشهد لهم بالإيمان، مما زاد من غيظ أعدائهم من المنافقين وأتباعهم ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقفة
[152] ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ من دلائل فضل الصحابة أن الله يعقب بالمغفرة بعد ذكر خطئهم.
تفاعل
[152] ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ سَل الله من فضله.
وقفة
[152] ﴿وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ومن فضله على المؤمنين: أنه لا يُقَدِّر عليهم خيرًا ولا مصيبة إلا كان خيرًا لهم؛ إن أصابتهم سراء فشكروا جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا جازاهم جزاء الصابرين.

الإعراب :

  • ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ:
  • الواو: إستئنافية. اللام: للابتداء والتوكيد. قد: حرف تحقيق. صدقكم: فعل ماض مبني على الفتح. الكاف: ضمير متصل في محل نصب مفعول به مقدم والميم علامة جمع الذكور. الله لفظ الجلالة: فاعل مرفوع للتعظيم بالضمة. وعده: مفعول به ثان منصوب بالفتحة. والهاء: ضمير متصل في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ:
  • ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بصدق. تحسون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل نصب مفعول به بإذنه جار ومجرور متعلق بتحسون. والهاء: ضمير متصل في محل جر بالاضافة. وجملة «تَحُسُّونَهُمْ» في محل جر بالاضافة لوقوعها بعد «إِذْ». ويجوز إعراب «إِذْ» إسما في محل نصب مفعولا به لفعل محذوف تقديره: اذكروا.
  • ﴿ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ:
  • حرف غاية وابتداء. إذا: ظرف زمان مبني على السكون متضمن معنى الشرط. فشلتم: الجملة: في محل جر بالاضافة وهي فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير المخاطبين. التاء: ضمير متصل في محل رفع فاعل والميم للجمع.
  • ﴿ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ:
  • الجملتان: معطوفتان بواوي عطف على جملة «فَشِلْتُمْ» وتعربان إعرابها. في الامر: جار ومجرور متعلق بتنازعتم. من بعد: جار ومجرور متعلق بعصيتم.
  • ﴿ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ:
  • ما: مصدرية. أراكم: الجملة صلة «ما» لا محل لها. وهي: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الالف للتعذر. والفاعل: ضمير مستتر فيه جوازا تقديره: هو. الكاف: ضمير متصل في محل نصب مفعول به والميم علامة جمع الذكور. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. تحبون: تعرب اعراب «تحسون». وجملة «تُحِبُّونَ» صلة الموصول لا محل لها والعائد الى الموصول ضمير محذوف منصوب المحل لانه مفعول به التقدير: ما تحبونه. و «ما» وما بعدها بتأويل مصدر في محل جر بالاضافة وجواب «إِذا» محذوف أي كشفتم.
  • ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا:
  • منكم: جار ومجرور متعلق بخبر مقدم محذوف والميم علامة جمع الذكور. من: اسم موصول بمعنى «الذي» مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. يريد: فعل مضارع مرفوع بالضمة. والفاعل: ضمير مستتر فيه جوازا تقديره: هو. الدنيا: مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة على الالف للتعذر. وجملة «يُرِيدُ الدُّنْيا» صلة الموصول لا محل لها من الاعراب.
  • ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ:
  • الجملة: معطوفة بواو العطف على «مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا» وتعرب إعرابها.
  • ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ:
  • معطوفة بثم على جواب «إِذا» المحذوفة أي على «كشفتم» وتعرب مثل «صَدَقَكُمُ». وفاعله: ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. عنهم: جار ومجرور متعلق بصرف والميم علامة الجمع.
  • ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ:
  • اللام: لام التعليل. حرف جر. يبتليكم: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وعلامة نصبه: الفتحة. والفاعل: ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو. الكاف: ضمير متصل في محل نصب مفعول به والميم علامة جمع الذكور والخطاب موجه للمؤمنين و «أن» المضمرة وما بعدها بتأويل مصدر في محل جر باللام والجار والمجرور متعلق بصرف. وجملة «يبتليكم» صلة «أن» المضمرة لا محل لها.
  • ﴿ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ:
  • ولقد: الواو عاطفة. لقد سبق إعرابها. عفا: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الالف للتعذر. والفاعل: ضمير مستتر فيه جوازا تقديره: هو. عنكم: جار ومجرور متعلق بعفا والميم علامة جمع الذكور والكلام موجّه للذين عصوا.
  • ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ:
  • الواو: إستئنافية. الله لفظ الجلالة: مبتدأ مرفوع للتعظيم بالضمة. ذو: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه من الإسماء الخمسة. فضل: مضاف اليه مجرور بالكسرة.
  • ﴿ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:
  • جار ومجرور متعلق بفضل أو بصفة محذوفة منها وعلامة جر الإسم الياء لانه جمع مذكر سالم. والنون: عوض عن تنوين المفرد. '

المتشابهات :

آل عمران: 152﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
آل عمران: 174﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [152] لما قبلها :     أهم أسباب الهزيمةِ في غزوةِ أُحدٍ بعد أنْ رأوَا مبادئَ النصرِ: التنازعُ والتَّعلقُ بالدُّنيا والطمعُ في الغنائمِ ومخالفةُ النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا أمرَهُم بالبقاءِ في أماكنِهم على كلِّ حالٍ، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

القراءات :

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [153] :آل عمران     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى ..

التفسير :

[153] اذكروا -يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم- ما كان مِن أمركم حين أخذتم تصعدون الجبل هاربين من أعدائكم، ولا تلتفتون إلى أحد لِمَا اعتراكم من الدهشة والخوف والرعب، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثابت في الميدان يناديكم من خلفكم قائلاً: إليَّ عبادَ الله

يذكرهم تعالى حالهم في وقت انهزامهم عن القتال، ويعاتبهم على ذلك، فقال: { إذ تصعدون } أي: تجدون في الهرب { ولا تلوون على أحد } أي: لا يلوي أحد منكم على أحد، ولا ينظر إليه، بل ليس لكم هم إلا الفرار والنجاء عن القتال. والحال أنه ليس عليكم خطر كبير، إذ لستم آخر الناس مما يلي الأعداء، ويباشر الهيجاء، بل { الرسول يدعوكم في أخراكم } أي: مما يلي القوم يقول: "إليَّ عباد الله" فلم تلتفتوا إليه، ولا عرجتم عليه، فالفرار نفسه موجب للوم، ودعوة الرسول الموجبة لتقديمه على النفس، أعظم لوما بتخلفكم عنها، { فأثابكم } أي: جازاكم على فعلكم { غما بغم } أي: غما يتبع غما، غم بفوات النصر وفوات الغنيمة، وغم بانهزامكم، وغم أنساكم كل غم، وهو سماعكم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل. ولكن الله -بلطفه وحسن نظره لعباده- جعل اجتماع هذه الأمور لعباده المؤمنين خيرا لهم، فقال: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } من النصر والظفر، { ولا ما أصابكم } من الهزيمة والقتل والجراح، إذا تحققتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل هانت عليكم تلك المصيبات، واغتبطتم بوجوده المسلي عن كل مصيبة ومحنة، فلله ما في ضمن البلايا والمحن من الأسرار والحكم، وكل هذا صادر عن علمه وكمال خبرته بأعمالكم، وظواهركم وبواطنكم، ولهذا قال: { والله خبير بما تعملون }

ثم ذكرهم- سبحانه- بعد ذلك بما كان من بعضهم بعد أن اضطربت أحوالهم وجاءهم أعداؤهم من أمامهم ومن خلفهم بسبب ترك معظم الرماة لأماكنهم، فقال- تعالى- إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ.

وقوله: تُصْعِدُونَ من الإصعاد وهو الذهاب في صعيد الأرض والإبعاد فيه.

يقال: أصعد في الأرض إذا أبعد في الذهاب وأمعن فيه، فهو الصعد.

قال القرطبي: الإصعاد: السير في مستو من الأرض وبطون الأودية والشعاب.

والصعود: الارتفاع على الجبال والدرج.

وقوله إِذْ تُصْعِدُونَ متعلق بقوله صَرَفَكُمْ أو بقوله لِيَبْتَلِيَكُمْ أو بمحذوف تقديره اذكروا.

أى اذكروا- أيها المؤمنون- وقت أن كنتم مصعدين تهرولون بسرعة في بطن الوادي بعد أن اختلت صفوفكم- واضطراب جمعكم. وصرتم لا يعرج بعضكم على بعض ولا يلتفت أحدكم إلى غيره من شدة الهرب، والحال أن رسولكم صلّى الله عليه وسلّم يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أى يناديكم في أخراكم أو في جماعتكم الأخرى أو من خلفكم يقال. جاء فلان في آخر الناس وأخراهم إذا جاء خلفهم، كما يقال: جاء في أموالهم وأولادهم.

والمراد أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يدعو المنهزمين إلى الثبات وإلى ترك الفرار من الأعداء وإلى معاودة الهجوم عليهم وهو ثابت لم يتزعزع ومعه نفر من أصحابه.

قال ابن جرير لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدعو الناس:

«إلى عباد الله» ! فذكر الله صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم إياهم فقال: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ .

ففي هذه الجملة الكريمة تصوير بديع معجز لحال المسلمين عند ما اضطربت صفوفهم في غزوة أحد، فهي تصور حالهم وهم مصعدون في الوادي بدون تمهل أو تثبت، وتصور حالهم وقد أخذ منهم الدهش مأخذه بحيث أصبح بعضهم لا يلتفت إلى غيره أو يسمع له نداء، أو يجيب له طلبا وتصور حال النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد ثبت كالطود الأشم بدون اضطراب أو وجل ومعه صفوة من أصحابه وقد أخذ ينادى الفارين بقوله: «إلى عباد الله، إلى عباد الله أنا رسول الله، من يكر فله الجنة» .

وقوله- تعالى- فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ.

بيان للنتيجة التي ترتبت على هذا الاضطراب وهو معطوف على قوله صَرَفَكُمْ أو على قوله تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ ولا يضر كونهما مضارعين في اللفظ لأن إذ المضافة إليهما صيرتهما ماضيين في المعنى.

وأصل الإثابة إعطاء الثواب، وهو شيء يكون جزاء على عطاء أو فعل ولفظ الثواب لا يستعمل في الأعم الأغلب إلا في الخير، والمراد به هنا العقوبة التي نزلت بهم. وسميت العقوبة التي نزلت بهم ثوابا على سبيل الاستعارة التهكمية كما في قوله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.

ويجوز أن يكون اللفظ مستعملا في حقيقته، لأن لفظ الثواب في أصل اللغة معناه ما يعود على الفاعلي من جزاء فعله، سواء أكان خيرا أو شرا.

قال القرطبي: قوله- تعالى- فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ الغم في اللغة التغطية. يقال: غممت الشيء أى غطيته. ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين.

قال مجاهد وقتادة وغيرهما، والغم الأول القتل والجراح والغم الثاني الإرجاف بمقتل النبي صلّى الله عليه وسلّم وقيل الغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة والثاني: استعلاء المشركين عليهم. وعند ذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم «اللهم لا يعان علينا» .

والباء في بِغَمٍّ على هذا بمعنى على. وقيل هي على بابها والمعنى أنهم غموا النبي صلّى الله عليه وسلّم بمخالفتهم إياه فأثابهم بذلك غمهم بمن أصيب منهم» .

ويجوز أن يكون الكلام لمجرد التكثير أى جازاكم بغموم وأحزان كثيرة متصل بعضها ببعض بأن منع عنكم نصره وحرمكم الغنيمة وأصابتكم الجراح الكثيرة وأشيع بينكم أن نبيكم قد قتل ... وكل ذلك بسبب أنكم خالفتم وصية نبيكم صلّى الله عليه وسلّم وتغلب حب الدنيا وشهواتها على قلوب بعضكم فلم تخلصوا الله الجهاد فأصابكم ما أصابكم.

وقوله لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ تعليل لقوله وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ أى:

ولقد عفا الله- تعالى- عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من غنائم ونصر، ولا على ما أصابكم من جراح وآلام، فإن عفو الله- تعالى- يذهب كل حزن ويمسح كل ألم.

ويرى صاحب الكشاف أن معنى «لكي لا تحزنوا» لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع، ولا على مصيب من المضار.

ثم قال: ويجوز أن يكون الضمير في فَأَثابَكُمْ للرسول. أى: فآساكم في الاغتمام- أى فصار أسوتكم- لأنه كما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرها فقد غمه ما نزل بكم. فأثابكم غما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو» .

ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أى: والله- تعالى- عليم بأعمالكم ونياتكم علما كاملا، وخبير بما انطوت عليه نفوسكم فهو- سبحانه- لا تخفى عليه خافية مهما صغرت، فاتقوه وراقبوه واتبعوا ما كلفكم به لتنالوا الفوز والسعادة.

وقوله : ( إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ) أي : صرفكم عنهم ( إذ تصعدون ) أي : في الجبل هاربين من أعدائكم .

وقرأ الحسن وقتادة : ( إذ تصعدون ) أي : في الجبل ( ولا تلوون على أحد ) أي : وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب ( والرسول يدعوكم في أخراكم ) أي : وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء ، وإلى الرجعة والعودة والكرة .

قال السدي : لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم ، دخل بعضهم المدينة ، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها ، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس : " إلي عباد الله ، إلي عباد الله " . فذكر الله صعودهم على الجبل ، ثم ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم فقال : ( إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ) .

وكذا قال ابن عباس ، وقتادة والربيع ، وابن زيد .

وقد قال عبد الله بن الزبعرى يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته - وهو مشرك بعد لم يسلم - التي يقول في أولها :

يا غراب البين أسمعت فقل إنما تنطق شيئا قد فعل إن للخير وللشر مدى

وكلا ذلك وجه وقبل

إلى أن قال :

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل

حين حكت بقباء بركها واستحر القتل في عبد الأشل

ثم خفوا عند ذاكم رقصا رقص الحفان يعلو في الجبل

فقتلنا الضعف من أشرافهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل

الحفان : صغار النعم .

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أفرد في اثني عشر رجلا من أصحابه ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا زهير ، حدثنا أبو إسحاق أن البراء بن عازب قال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جبير قال : ووضعهم موضعا وقال : " إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم قال : فهزموهم . قال : فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل ، وقد بدت أسؤقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن ، فقال أصحاب عبد الله : الغنيمة ، أي قوم ، الغنيمة ، ظهر أصحابكم فما تنتظرون ؟ قال عبد الله بن جبير : أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالوا : إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة . فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين ، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم ، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة : سبعين أسيرا وسبعين قتيلا . قال أبو سفيان : أفي القوم محمد ؟ أفي القوم محمد ؟ أفي القوم محمد ؟ - ثلاثا - قال : فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه ، ثم قال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ أفي القوم ابن الخطاب ؟ أفي القوم ابن الخطاب ؟ ثم أقبل على أصحابه فقال : أما هؤلاء فقد قتلوا ، قد كفيتموه . فما ملك عمر نفسه أن قال : كذبت والله يا عدو الله ، إن الذين عددت لأحياء كلهم ، وقد بقي لك ما يسوءك . فقال يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز ، يقول : اعل هبل . اعل هبل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا تجيبوه ؟ " قالوا : يا رسول الله ، ما نقول ؟ قال : " قولوا : الله أعلى وأجل " . قال : لنا العزى ولا عزى لكم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا تجيبوه ؟ " . قالوا : يا رسول الله ، وما نقول ؟ قال : " قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم " .

وقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصرا ، ورواه من حديث إسرائيل ، عن أبي إسحاق بأبسط من هذا ، كما تقدم . والله أعلم .

وروى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عمارة بن غزية ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار ، وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد الجبل ، فلقيهم المشركون ، فقال : " ألا أحد لهؤلاء ؟ " فقال طلحة : أنا يا رسول الله ، فقال : " كما أنت يا طلحة " . فقال رجل من الأنصار : فأنا يا رسول الله ، فقاتل عنه ، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه ، ثم قتل الأنصاري فلحقوه فقال : " ألا رجل لهؤلاء ؟ " فقال طلحة مثل قوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله ، فقال رجل من الأنصار : فأنا يا رسول الله ، فقاتل عنه وأصحابه يصعدن ، ثم قتل فلحقوه ، فلم يزل يقول مثل قوله الأول ، فيقول طلحة : فأنا يا رسول الله ، فيحبسه ، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له ، فيقاتل مثل من كان قبله ، حتى لم يبق معه إلا طلحة فغشوهما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لهؤلاء ؟ " فقال طلحة : أنا . فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله ، فقال : حس ، فقال رسول الله : " لو قلت : باسم الله ، وذكرت اسم الله ، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك ، حتى تلج بك في جو السماء " ، ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون .

وقد روى البخاري ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن إسماعيل ، عن قيس بن أبي حازم قال : رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم - يعني يوم أحد .

وفي الصحيحين من حديث معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي عثمان النهدي قال : لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام ، التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير طلحة بن عبيد الله وسعد ، عن حديثهما وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش ، فلما رهقوه قال : " من يردهم عنا وله الجنة - أو : وهو رفيقي في الجنة ؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ، ثم رهقوه أيضا ، فقال : " من يردهم عنا وله الجنة ؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل . فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه : ما أنصفنا أصحابنا " .

رواه مسلم عن هدبة بن خالد ، عن حماد بن سلمة به نحوه .

وقال الحسن بن عرفة : حدثنا ابن مروان بن معاوية ، عن هاشم بن هاشم الزهري ، قال سمعت سعيد بن المسيب يقول : سمعت سعد بن أبي وقاص [ رضي الله عنه ] يقول : نثل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد قال : " ارم فداك أبي وأمي " .

وأخرجه البخاري ، عن عبد الله بن محمد ، عن مروان بن معاوية .

وقال محمد بن إسحاق حدثني صالح بن كيسان ، عن بعض آل سعد ، عن سعد بن أبي وقاص ، أنه رمى يوم أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال سعد : فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يناولني النبل ويقول : " ارم فداك أبي وأمي " حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل ، فأرمي به .

وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه ، عن جده ، عن سعد بن أبي وقاص قال : رأيت يوم أحد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين ، عليهما ثياب بيض ، يقاتلان عنه أشد القتال ، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده ، يعني : جبريل وميكائيل عليهما السلام .

وقال أبو الأسود ، عن عروة بن الزبير قال : كان أبي بن خلف ، أخو بني جمح ، قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفته قال : " بل أنا أقتله ، إن شاء الله " . فلما كان يوم أحد أقبل أبي في الحديد مقنعا ، وهو يقول : لا نجوت إن نجا محمد . فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله ، فاستقبله مصعب بن عمير ، أخو بني عبد الدار ، يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ، فقتل مصعب بن عمير ، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة ، وطعنه فيها بحربته ، فوقع إلى الأرض عن فرسه ، لم يخرج من طعنته دم ، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور ، فقالوا له : ما أجزعك إنما هو خدش ؟ فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أقتل أبيا " . ثم قال : والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون . فمات إلى النار ، فسحقا لأصحاب السعير .

وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب بنحوه .

وذكر محمد بن إسحاق قال : لما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب ، أدركه أبي بن خلف وهو يقول : لا نجوت إن نجوت ، فقال القوم : يا رسول الله ، يعطف عليه رجل منا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوه " فلما دنا تناول رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] الحربة من الحارث بن الصمة ، فقال بعض القوم ما ذكر لي : فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها انتفاضة ، تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض ، ثم استقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا .

وذكر الواقدي ، عن يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمرو بن قتادة ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن أبيه نحو ذلك .

قال الواقدي : كان ابن عمر يقول : مات أبي بن خلف ببطن رابغ ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل إذا أنا بنار تأجح فهبتها ، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش ، وإذا رجل يقول : لا تسقه ، فإن هذا قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا أبي بن خلف .

وثبت في الصحيحين ، من رواية عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله - وهو حينئذ يشير إلى رباعيته - اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله " .

ورواه البخاري أيضا من حديث ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : اشتد غضب الله على من قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في سبيل الله ، اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال محمد بن إسحاق بن يسار ، رحمه الله : أصيبت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم وشج في وجنته ، وكلمت شفته وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص .

فحدثني صالح بن كيسان ، عمن حدثه ، عن سعد بن أبي وقاص قال : ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص وإن كان ما علمته لسيئ الخلق ، مبغضا في قومه ، ولقد كفاني فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن عثمان الجزري ، عن مقسم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ودمى وجهه فقال : " اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرا " . فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار .

ذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ، عن أبي الحويرث ، عن نافع بن جبير قال : سمعت رجلا من المهاجرين يقول : شهدت أحدا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها ، كل ذلك يصرف عنه ، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ : دلوني على محمد ، لا نجوت إن نجا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ليس معه أحد ، ثم جاوره فعاتبه في ذلك صفوان ، فقال : والله ما رأيته ، أحلف بالله إنه منا ممنوع . خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله ، فلم نخلص إلى ذلك .

قال الواقدي : الثبت عندنا أن الذي رمى في وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن قميئة والذي دمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا ابن المبارك ، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله ، أخبرني عيسى بن طلحة ، عن أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كان أبو بكر ، رضي الله عنه ، إذا ذكر يوم أحد قال ذاك يوم كله لطلحة ، ثم أنشأ يحدث قال : كنت أول من فاء يوم أحد ، فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دونه - وأراه قال : حمية فقال فقلت : كن طلحة ، حيث فاتني ما فاتني ، فقلت : يكون رجلا من قومي أحب إلي ، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه ، وأنا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، وهو يخطف المشي خطفا لا أحفظه فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح ، فانتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه ، وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عليكما صاحبكما " . يريد طلحة ، وقد نزف ، فلم نلتفت إلى قوله ، قال : وذهبت لأن أنزع ذلك من وجهه ، فقال أبو عبيدة : أقسمت عليك بحقي لما تركتني . فتركته ، فكره أن يتناولها بيده فيؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ، فأزم عليها بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين ، ووقعت ثنيته مع الحلقة ، ذهبت لأصنع ما صنع ، فقال : أقسمت عليك بحقي لما تركتني ، قال : ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى ، فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة ، فكان أبو عبيدة ، رضي الله عنه ، أحسن الناس هتما ، فأصلحنا من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار ، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة ، وإذا قد قطعت إصبعه ، فأصلحنا من شأنه .

ورواه الهيثم بن كليب ، والطبراني ، من حديث إسحاق بن يحيى به . وعند الهيثم : فقال أبو عبيدة : أنشدك يا أبا بكر إلا تركتني ؟ فأخذ أبو عبيدة السهم بفيه ، فجعل ينضنضه كراهية أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم استل السهم بفيه فبدرت ثنية أبي عبيدة .

وذكر تمامه ، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه ، وقد ضعف علي بن المديني هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا ، فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان ، وأحمد ، ويحيى بن معين ، والبخاري ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، ومحمد بن سعد ، والنسائي وغيرهم .

وقال ابن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث : أن عمر بن السائب حدثه : أنه بلغه أن مالكا أبا [ أبي ] سعيد الخدري لما جرح النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد مص الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض ، فقيل له : مجه . فقال : لا والله لا أمجه أبدا . ثم أدبر يقاتل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة ، فلينظر إلى هذا " فاستشهد .

وقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه ، عن سهل بن سعد أنه سئل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : جرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكسرت رباعيته ، وهشمت البيضة على رأسه ، فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم ، وكان علي يسكب عليها بالمجن فلما رأت فاطمة [ رضي الله عنها ] أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة ، أخذت قطعة حصير فأحرقته ، حتى إذا صار رمادا ألصقته بالجرح ، فاستمسك الدم .

وقوله : ( فأثابكم غما بغم ) أي : فجازاكم غما على غم كما تقول العرب : نزلت ببني فلان ، ونزلت على بني فلان .

قال ابن جرير : وكذا قوله : ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) [ طه : 71 ] [ أي : على جذوع النخل ] .

قال ابن عباس : الغم الأول : بسبب الهزيمة ، وحين قيل : قتل محمد صلى الله عليه وسلم ، والثاني : حين علاهم المشركون فوق الجبل ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم ليس لهم أن يعلونا " .

وعن عبد الرحمن بن عوف : الغم الأول : بسبب الهزيمة ، والثاني : حين قيل : قتل محمد صلى الله عليه وسلم ، كان ذلك عندهم أعظم من الهزيمة .

رواهما ابن مردويه ، وروي عن عمر بن الخطاب نحو ذلك . وذكر ابن أبي حاتم عن قتادة نحو ذلك أيضا .

وقال السدي : الغم الأول : بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح ، والثاني : بإشراف العدو عليهم .

وقال محمد بن إسحاق ( فأثابكم غما بغم ) أي : كربا بعد كرب ، قتل من قتل من إخوانكم ، وعلو عدوكم عليكم ، وما وقع في أنفسكم من قول من قال : " قتل نبيكم " فكان ذلك متتابعا عليكم غما بغم .

وقال مجاهد وقتادة : الغم الأول : سماعهم قتل محمد ، والثاني : ما أصابهم من القتل والجراح . وعن قتادة والربيع بن أنس عكسه .

وعن السدي : الأول : ما فاتهم من الظفر والغنيمة ، والثاني : إشراف العدو عليهم ، وقد تقدم هذا عن السدي .

قال ابن جرير : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : ( فأثابكم غما بغم ) فأثابكم بغمكم أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين والظفر بهم والنصر عليهم ، وما أصابكم من القتل والجراح يومئذ - بعد الذي أراكم في كل ذلك ما تحبون - بمعصيتكم ربكم ، وخلافكم أمر النبي صلى الله عليه وسلم - غم ظنكم أن نبيكم قد قتل ، وميل العدو عليكم بعد فلولكم منهم .

وقوله : ( لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ) أي : على ما فاتكم من الغنيمة بعدوكم ( ولا ما أصابكم ) من القتل والجراح ، قاله ابن عباس ، وعبد الرحمن بن عوف ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ( والله خبير بما تعملون ) .

القول في تأويل قوله : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولقد عفا عنكم، أيها المؤمنون، إذ لم يستأصلكم، إهلاكًا منه جمعكم بذنوبكم وهربكم =" إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ".

* * *

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه عامة قرأة الحجاز والعراق والشام سوى الحسن البصري: ( إِذْ تُصْعِدُونَ ) بضم " التاء " وكسر " العين ". وبه القراءة عندنا، لإجماع الحجة من القرأة على القراءة به، واستنكارهم ما خالفه.

* * *

وروي عن الحسن البصري أنه كان يقرأه: ( إِذْ تَصْعَدُونَ )، بفتح " التاء " و " العين ".

8047- حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هرون، عن يونس بن عبيد، عن الحسن.

* * *

فأما الذين قرأوا: (تُصْعِدُون) بضم " التاء " وكسر " العين "، فإنهم وجهوا معنى ذلك إلى أنّ القوم حين انهزموا عن عدوِّهم، أخذوا في الوادي هاربين. وذكروا أنّ ذلك في قراءة أبي: ( " إِذْ تُصْعِدُونَ فِي الْوَادِي " ).

8048- حدثنا [بذلك] أحمد بن يوسف قال، حدثنا أبو عبيد قال، حدثنا حجاج، عن هرون.

* * *

=قالوا: فالهرب في مستوى الأرض وبطون الأودية و الشعاب: " إصعاد "، لا صعود. (68) قالوا وإنما يكون " الصعود " على الجبال والسلاليم والدَّرج، لأن معنى " الصعود "، الارتقاء والارتفاع على الشيء عُلوًا. (69) قالوا: فأما الأخذ في مستوى الأرض والهبوط، فإنما هو " إصعاد "، كما يقال: " أصعَدْنا من مكة "، إذا بتدأت في السفر منها والخروج =" وأصعدنا &; 7-301 &; من الكوفة إلى خراسان "، بمعنى: خرجنا منها سفرًا إليها، وابتدأنا منها الخروج إليها.

قالوا: وإنما جاء تأويل أكثر أهل التأويل، بأن القوم أخذوا عند انهزامهم عن عدوهم في بطن الوادي.

*ذكر من قال ذلك:

8049- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولا تلوون على أحد "، ذاكم يوم أحد، أصعدوا في الوادي فرارًا، (70) ونبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم في أخراهم: " إلىَّ عباد الله، إلى عباد الله "!. (71)

* * *

قال أبو جعفر: وأما الحسن، فإني أراه ذهب في قراءته: " إذ تَصْعَدون " بفتح " التاء " و " العين "، إلى أن القوم حين انهزموا عن المشركين صعدوا الجبل. وقد قال ذلك عددٌ من أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:

8050- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما شدَّ المشركون على المسلمين بأحُد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: " إليّ عباد الله، إليّ عباد الله "! فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إياهم، فقال: " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ". (72)

8051- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: انحازوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يصعدون في الجبل، والرسول يدعوهم في أخراهم.

8052- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

8053- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس، قوله: " إذ تصعدون ولا تلووْن على أحد "، قال صعدوا في أحُدٍ فرارًا.

* * *

قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أن أولى القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ: " إذ تُصعِدون "، بضم " التاء " وكسر " العين "، بمعنى: السبق والهرب في مستوى الأرض، أو في المهابط، لإجماع الحجة على أن ذلك هو القراءة الصحيحة. ففي إجماعها على ذلك، الدليلُ الواضح على أنّ أولى التأويلين بالآية، تأويل من قال: " اصْعدوا في الوادي ومضوْا فيه "، دون قول من قال: " صعدوا على الجبل ".

* * *

قال أبو جعفر: وأما قوله: " ولا تلوون على أحد "، فإنه يعني: ولا تعطفون على أحد منكم، ولا يلتفت بعضكم إلى بعض، هربًا من عدوّكم مُصْعدين في الوادي. (73)

* * *

ويعني بقوله: " والرسول يدعوكم في أخراكم "، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوكم أيها المؤمنون به من أصحابه =" في أخراكم "، يعني: أنه يناديكم من خلفكم: " إليّ عباد الله، إليّ عباد الله " !. (74) كما:-

8054- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " والرسول يدعوكم في أخراكم "، إليّ عباد الله ارجعوا، إليّ عباد الله ارجعوا!.

8055- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " والرسول يدعوكم في أخراكم "، رأوا نبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم: " إليّ عباد الله "!

8056- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي مثله.

8057- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، أنَّبهم الله بالفرار عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهو يدعوهم، لا يعطفون عليه لدعائه إياهم، فقال: " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ". (75)

8058- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " والرسول يدعوكم في أخراكم "، هذا يوم أحد حين انكشف الناسُ عنه.

* * *

القول في تأويل قوله : فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فأثابكم غمًّا بغم "، يعني: فجازاكم بفراركم عن نبيكم، وفشلكم عن عدوكم، ومعصيتكم ربكم =" غمًّا بغم "، يقول: غما على غم.

* * *

وسمى العقوبة التي عاقبهم بها = من تسليط عدوهم عليهم حتى نال منهم ما نال " ثوابًا "، إذ كان عوضًا من عملهم الذي سخطه ولم يرضه منهم، (76) فدلّ بذلك جل ثناؤه أنّ كل عوض كان لمعوَّض من شيء من العمل، خيرًا كان أو شرًّا = أو العوض الذي بذله رجل لرجل، أو يد سلفت له إليه، فإنه مستحق اسم " ثواب "، كان ذلك العوض تكرمةً أو عقوبة، ونظير ذلك قول الشاعر: (77)

أخَــافُ زِيَـادًا أَنْ يَكُـونَ عَطَـاؤُه

أدَاهِــمَ سُـودًا أوْ مُحَدْرَجَـةً سُـمْرَا (78)

فجعل " العطاء " القيود. (79) وذلك كقول القائل لآخر سلف إليه منه مكروه: " لأجازينَّك على فعلك، ولأثيبنك ثوابك ". (80)

* * *

وأما قوله: " غمًّا بغم "، فإنه قيل: " غمًّا بغم "، معناه: غمًّا على غم، كما قيل: وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [سورة طه: 71]، بمعنى: ولأصلبنكم على جذوع النخل. وإنما جاز ذلك، لأن معنى قول القائل: " أثابك الله غمًّا على غم "، جزاك الله &; 7-305 &; غمًّا بعد غم تقدَّمه، (81) فكان كذلك معنى: " فأثابكم غمًّا بغم "، لأن معناه: فجزاكم الله غمًّا بعقب غمّ تقدمه، (82) وهو نظير قول القائل: " نـزلت ببني فلان، ونـزلت على بني فلان "،" وضربته بالسيف وعلى السيف ". (83)

* * *

واختلف أهل التأويل في الغم الذي أثيب القوم على الغم، وما كان غمُّهم الأول والثاني؟

فقال بعضهم: " أما الغم الأول، فكان ما تحدَّث به القوم أنّ نبيهم صلى الله عليه وسلم قد قتل. وأما الغمّ الآخر، فإنه كان ما نالهم من القتل والجراح ".

*ذكر من قال ذلك:

8059- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فأثابكم غمًّا بغم "، كانوا تحدَّثوا يومئذ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أصيب، وكان الغم الآخر قَتل أصحابهم والجراحات التي أصابتهم. قال: وذكر لنا أنه قتل يومئذ سبعون رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ستة وستون رجلا من الأنصار، وأربعة من المهاجرين = وقوله: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم "، يقول: ما فاتكم من غنيمة القوم =" ولا ما أصابكم "، في أنفسكم من القتل والجراحات.

8060- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " فأثابكم غمًّا بغم "، قال: فرّة بعد فرّة: الأولى حين سمعوا الصوت أن محمدًا قد قتل، والثانية حين رجع الكفار، فضربوهم مدبرين، حتى قتلوا منهم سبعين رجلا ثم انحازوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فجعلوا يصعدون في الجبل والرسول يدعوهم في أخراهم.

8061- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

* * *

وقال آخرون: " بل غمهم الأول كان قتْل من قتل منهم وجرح من جرح منهم ". والغم الثاني كان من سماعهم صوت القائل: " قُتل محمد "، صلى الله عليه وسلم .

*ذكر من قال ذلك:

8062- حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " غمًّا بغم "، قال: الغم الأول: الجراحُ والقتل، والغم الثاني حين سمعوا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد قتل. فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنيمة، وذلك حين يقول: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ".

* * *

8063- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " فأثابكم غمًّا بغم "، قال: الغم الأول الجراح والقتل، والغم الآخر حين سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل. فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنيمة، وذلك حين يقول الله: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ".

وقال آخرون: " بل الغم الأول ما كان فاتهم من الفتح والغنيمة، والثاني إشراف أبي سفيان عليهم في الشِّعب " . وذلك أن أبا سفيان -فيما زعم بعض أهل السير- لما أصاب من المسلمين ما أصاب، وهرب المسلمون، جاء حتى أشرف عليهم وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب أحد، الذي كانوا ولَّوا إليه عند الهزيمة، فخافوا أن يصطلمهم أبو سفيان وأصحابه. (84)

*ذكر الخبر بذلك:

8064- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة. فلما رأوه، وضع رجل سهمًا في قوسه، فأراد أن يرميَه، فقال: " أنا رسول الله!"، ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيًّا، وفرح رسول الله حين رأى أن في أصحابه من يمتنع. (85) فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا.

=فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم، فلما نظروا إليه، نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وهمَّهم أبو سفيان، (86) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تُعبَد "! ثم ندَب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنـزلوهم، فقال أبو سفيان يومئذ: " اعْلُ هُبَل! حنظلة بحنظلة، ويوم بيوم بدر "! = وقتلوا يومئذ حنظلة بن الراهب، وكان جُنُبًا فغسَّلته الملائكة، وكان حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر = وقال أبو سفيان: " لنا العُزَّى، ولا عُزَّى لكم "! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: " قل الله مولانا ولا مولى لكم "! فقال أبو سفيان: فيكم محمد؟ (87) قالوا: نعم! قال: " أما إنها قد كانت فيكم مُثْلة، ما أمرتُ بها، ولا نهيتُ عنها، ولا سرَّتني، ولا ساءتني"! فذكر الله إشراف أبي سفيان عليهم فقال: " فأثابكم غمًّا بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم "، الغم الأول: ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والغم الثاني: &; 7-308 &; إشراف العدوّ عليهم =" لكيلا تحزنوا على ما فاتكم "، من الغنيمة =" ولا ما أصابكم " من القتل حين تذكرون. فشغلهم أبو سفيان. (88)

8065- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني ابن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، فيما ذكَروا من حديث أحُد، قالوا: كان المسلمون في ذلك اليوم -لما أصابهم فيه من شدة البلاء- أثلاثًا، ثلثٌ قتيل، وثلثٌ جريح، وثلثٌ منهزم، وقد بلغته الحرب حتى ما يدري ما يصنع = (89) وحتى خلص العدوّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدُثَّ بالحجارة حتى وقع لشِقِّه، وأصيبتْ رَباعيته، وشجَّ في وجهه، وكُلِمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص. (90) = (91) وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه لواؤه حتى قتل، وكان الذي أصابه ابن قميئة الليثي، وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قريش فقال: " قتلت محمدًا ". (92)

8066- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول الناس: " قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم " = كما حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن &; 7-309 &; إسحاق قال، حدثني ابن شهاب الزهري = كعبُ بن مالك أخو بني سلِمة قال: عرفتُ عينيه تَزْهَران تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: " يا معشر المسلمين: أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم "! فأشار إليَّ رسو ل الله أن أنصت. فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به، ونهض نحو الشعب، معه عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوّام، والحارث بن الصِّمة، (93) في رهط من المسلمين. (94) .

=قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب ومعه أولئك النفر من أصحابه، إذ علت عالية من قريش الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا "! فقاتل عمرُ بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين، حتى أهبطوهم عن الجبل. ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بُدِّن، فظاهرَ بين درعين، (95) فلما ذهب لينهض، فلم يستطع، جلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض حتى استوى عليها. (96) .

= ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف، أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى &; 7-310 &; صوته: " أنعمْتَ فعالِ! إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، اعْلُ هُبَل "، أي: أظهر دينك، (97) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: " قم فأجبه، فقل: الله أعلى وأجل! لا سواء! قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار "! فلما أجاب عمر رضي الله عنه أبا سفيان، قال له أبو سفيان: " هلم إليَّ يا عمر "! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ائته فانظر ما شأنُه "؟ فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدًا؟ فقال عمر: اللهمّ لا وإنه ليسمع كلامك الآن!. فقال: أنت أصدقُ عندي من ابن قميئة وأبرُّ! = (98) لقول ابن قميئة لهم: إنّي قتلت محمدًا = ثم نادى أبو سفيان، فقال: إنه قد كان في قتلاكم. مُثْلة، والله ما رضيتُ ولا سخطتُ، ولا نهيت ولا أمرتُ. (99)

8067- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق: " فأثابكم غمًّا بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم "، أي: كربًا بعد كرب، قتلُ من قتل من إخوانكم، وعلوّ عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: " قُتل نبيكم "، فكان ذلك مما تتابع عليكم غمًّا بغم =" لكيلا تحزنوا على ما فاتكم "، من ظهوركم على عدوكم بعد أن رأيتموه بأعينكم =" ولا ما أصابكم " من قتل إخوانكم، حتى فرجت بذلك الكرب عنكم =" والله خبير بما تعملون "، وكان الذي فرَّج به عنهم ما كانوا فيه من الكرب والغمّ الذي أصابهم، (100) أن الله عز وجل ردّ عنهم كِذبة الشيطان بقتل نبيهم. فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيًّا بين أظهرهم، هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظهور عليهم، والمصيبة التي أصابتهم في إخوانهم، (101) حين صرف الله القتل عن نبيهم صلى الله عليه وسلم. (102)

8068- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " فأثابكم غمًّا بغم "، قال ابن جريج، قال مجاهد: أصاب الناس حزن وغم على ما أصابهم في أصحابهم الذين قُتلوا. فلما تولَّجُوا في الشعب وهم مصابون، (103) وقف أبو سفيان وأصحابه بباب الشعب، فظن المؤمنون أنهم سوف يميلون عليهم &; 7-312 &; فيقتلونهم أيضًا، فأصابهم حزن في ذلك أيضًا أنساهم حُزنهم في أصحابهم، فذلك قوله: " فأثابكم غمًّا بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم " = قال ابن جريج، قوله: " على ما فاتكم "، يقول: على ما فاتكم من غنائم القوم =" ولا ما أصابكم "، في أنفسكم.

8069- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج. قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن عبيد بن عمير قال: جاء أبو سفيان بن حرب ومن معه، حتى وقف بالشعب، ثم نادى: أفي القوم ابن أبي كبشة؟ (104) فسكتوا، فقال أبو سفيان: قُتل ورب الكعبة! ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فسكتوا، فقال: قُتل ورب الكعبة! ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب؟ فسكتوا، فقال: قُتل ورب الكعبة! ثم قال أبو سفيان: اعل هُبل، يوم بيوم بدر، وحنظلة بحنظلة، وأنتم واجدون في القوم مَثْلا (105) لم يكن عن رأي سَراتنا وخيارنا، ولم نكرهه حين رأيناه! فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: قم فناد فقل: الله أعلى وأجل! نعم هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا! لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار!.

* * *

وقال آخرون في ذلك بما:-

8070- حدثني به محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ، فرجعوا فقالوا: والله لنأتينهم، ثم لنقتلنهم! قد جرحوا منا! (106) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلا؛ فإنما أصابكم الذي أصابكم من أجل أنكم عصيتموني! فبينما هم كذلك إذ أتاهم القوم قد ائتشبوا وقد اخترطوا سيوفهم، (107) فكان غمَّ الهزيمة وغمهم حين أتوهم =" لكيلا تحزنوا على ما فاتكم "، من القتل =" ولا ما أصابكم "، من الجراحة =" فأثابكم غمًّا بغم لكيلا تحزنوا " الآية، وهو يوم أحد.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قولُ من قال: معنى قوله: " فأثابكم غمًّا بغم،" أيها المؤمنون، بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين والظفر بهم، والنصر عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح يومئذ -بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون- بمعصيتكم ربَّكم وخلافكم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم، غمَّ ظنَّكم أن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قتل، وميل العدوّ عليكم بعد فلولكم منهم. (108) .

والذي يدل على أن ذلك أولى بتأويل الآية مما خالفه، قوله: " لكيلا تحزنوا &; 7-314 &; على ما فاتكم ولا ما أصابكم "، والفائت، لا شك أنه هو ما كانوا رجَوْا الوصول إليه من غيرهم، إما من ظهور عليهم بغلَبهم، وإما من غنيمة يحتازونها = وأنّ قوله: " ولا ما أصابكم "، هو ما أصابهم: إما في أبدانهم، وإما في إخوانهم.

فإن كان ذلك كذلك، فمعلوم أن " الغم " الثاني هو معنًى غير هذين. لأن الله عز وجل أخبر عباده المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أثابهم غمًّا بغم لئلا يحزنهم ما نالهم من الغم الناشئ عما فاتهم من غيرهم، ولا ما أصابهم قبل ذلك في أنفسهم، وهو الغم الأول، على ما قد بيناه قبل.

* * *

وأما قوله: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم "، فإن تأويله على ما قد بيَّنت، من أنه: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم "، فلم تدركوه مما كنتم ترجون إدراكه من عدوكم بالظفر عليهم والظهور، وحيازة غنائمهم =" ولا ما أصابكم "، في أنفسكم. من جرح من جرح وقتل من قتل من إخوانكم.

* * *

وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه قبلُ على السبيل التي اختلفوا فيه، كما:-

8071- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم "، قال: على ما فاتكم من الغنيمة التي كنتم ترجون =" ولا تحزنوا على ما أصابكم "، من الهزيمة.

* * *

وأما قوله: " والله خبير بما تعملون "، فإنه يعني جل ثناؤه: والله بالذي تعملون، أيها المؤمنون - من إصعادكم في الوادي هربًا من عدوكم، وانهزامكم منهم، وترككم نبيكم وهو يدعوكم في أخراكم، وحزنكم على ما فاتكم من عدوكم وما أصابكم في أنفسكم = ذو خبرة وعلم، وهو محصٍ ذلك كله عليكم، حتى يجازيكم به: المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، أو يعفو عنه.

* * *

---------------

الهوامش :

(68) في المطبوعة: "قالوا: الهرب في مستوى الأرض". وفي المخطوطة: "بالهرب" ، والصواب ما أثبت.

(69) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 105 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 239.

(70) في المخطوطة: "في الوادي نبي الله" وما بينهما بياض ، وما ثبت في المطبوعة ، صواب موافق لما في الدر المنثور 2: 87 ، على خطأ ظاهر في الدر.

(71) في المخطوطة: "قال عباد الله قال عباد الله" ، والذي في المطبوعة هو الصواب الموافق لما في الدر المنثور 2: 87 ، إلا أن ناشر المطبوعة زاد"قال" قبل: "إلى عباد الله" ، وهو فاسد فخذفتها ، فإن الذي في المخطوطة تصحيف"إلى. . . إلى". وانظر الأثر التالي: 8050.

(72) الأثر: 8050- هو بعض الأثر السالف: 7943 ، مع زيادة فيه ، وفي تاريخ الطبري أيضًا 3: 20 ، مع زيادة هنا.

(73) انظر تفسير"لوى" فيما سلف: 6: 536 ، 537.

(74) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 105 ، ومعاني القرآن للفراء: 1: 239.

(75) الأثر: 8057- سيرة ابن هشام 3: 121 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8046.

(76) في المطبوعة: "إذ كان ذلك من عملهم الذي سخطه" ، وكان في المخطوطة مكان"ذلك" بياض ، والصواب ما أثبت ، استظهارًا من كلام أبي جعفر التالي.

(77) هو الفرزدق.

(78) ديوانه: 227 ، النقائض: 618 ، طبقات فحول الشعراء: 256 ، وتاريخ الطبري 6: 139 ، معاني القرآن للفراء 1: 239 ، وغيرها. من شعره في زياد بن أبي سفيان ، وهو يلي الأبيات التي ذكرتها في التفسير آنفًا 2: 195 ، تعليق: 1 ، والرواية التي ذكرها الطبري هنا ، متابعة للفراء ، وهي لا تستقيم مع الشعر ، وأجمع الرواة على أنه: فلمَّــا خَشِــيتُ أَنْ يَكُـونَ عَطَـاؤُهُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

نَمَيْــتُ إلَـى حَـرْفٍ أَضَـرَّ بِنَيِّهـا

سُـرَى البِيـدِ وَاسْتِعْراضُهَا البَلَدَ القَفْرَا

والأداهم جمع أدهم: وهو القيد ، سمي بذلك لسواده. والمحدرجة: السياط. حدرج السوط: فتله فتلاً محكمًا حتى استوى. وجعلها"سمرًا" ، لأدمة جلدها الذي تصنع منه.

(79) في المطبوعة: "فجعل العطاء العقوبة" ، والصواب من المخطوطة ، ولا أدري لم غيره الناشر الأول.

(80) انظر لما سلف ، معاني القرآن للفراء 1: 239 ، وانظر معنى"الثواب" فيما سلف قريبًا: 2: 458 / 7: 272 ، وقد نسيت أن أذكر مرجعه هناك.

(81) في المطبوعة: "يقدمه" في الموضعين ، وهو خطأ لا شك فيه.

(82) في المطبوعة: "يقدمه" في الموضعين ، وهو خطأ لا شك فيه.

(83) انظر ما سلف 1: 299 ، 313 / 2 : 411 ، 412.

(84) إذا أبيد القوم من أصلهم واستأصلهم عدوهم قيل: "اصطلموا" بالبناء للمجهول.

(85) انظر ما سلف: 256 تعليق: 1 ، فإني زدت"به" من التاريخ ، ولكنه عاد هنا في المخطوطة فأسقطها ، فاتفقت المخطوطة في الموضعين ، فتركت هذه على حالها ، وإن كنت لا أرتضيها.

(86) في التاريخ"وأهمهم" ، وهمه الأمر وأهمه ، سواء في المعنى.

(87) في التاريخ: "أفيكم محمد" بالألف ، وهما سواء.

(88) الأثر 8064- تاريخ الطبري 3: 20 ، 21 ، وبعضه في الأثرين السالفين: 7943 ، 8050 ، وكلها سياق واحد في التاريخ.

(89) هذه الفقرة من الأثر ، لم أجدها في سيرة ابن هشام.

(90) هذه الفقرة من الأثر في سيرة ابن هشام 3: 84 ، وانظر التخريج في آخره. ودثه بالعصا وبالحجر رماه رميًا متتابعًا ، أو ضربه بالعصا ضربًا متقاربًا من وراء الثياب حتى يأخذه الألم. والشق: الجنب. والكلم: الجرح.

(91) الفقرة التالية من الأثر في سيرة ابن هشام 3: 77 ، قبل السالفة.

(92) الأثر: 8065- هذا أثر ملفق من سيرة ابن إسحاق ، كما رأيت في التعليقين السالفين ، وهو فيها من 3: 84 / 3: 77 / والقسم الأول لم أعثر عليه فيها.

(93) في المطبوعة: "والحارث بن الصامت" ، والصواب من المخطوطة والمراجع ، ولا أدري فيم غيره الناشر الأول!!

(94) هذه الفقرة من الأثر في سيرة ابن هشام 3: 88 ، 89.

(95) بدن الرجل تبدينا: ألبسه البدن ، أي الدرع. وقد مضى شراح السيرة ، فزعموا أن"بدن" (بالبناء للمعلوم) هنا ، معناها: أسن. قال أبو ذر الخشني في تفسير غريب سيرة ابن هشام: 228"بدن الرجل ، إذا أسن. وبدن ، إذا عظم بدنه من كثرة اللحم". وكلا التفسيرين خطأ هنا ، وإن كان صحيحًا في اللغة ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يوم قاتل في أحد مسنًا ولا بلغ في السن ما يضعفه. وأيضًا فإنه ، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ، لم يوصف قط بالبدانة والسمن. وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الصلاة: "إني قد بدنت فلا تبادروني بالركوع والسجود" ، فإنه لم يعن البدانة ، وإنما أراد أن الحركة قد ثقلت عليه ، كما تثقل على الرجل البادن. ولو قرئت في"بدن" بالبناء للمعلوم لكان عربية صحيحة.

وأما قوله: "ظاهر بين درعين" ، أي ليس إحداهما على الأخرى ، وكذلك"ظاهر بين ثوبين ، أو نعلين" ، لبس أحدهما على الآخر.

(96) هذه الفقرة من الأثر في سيرة ابن هشام 3: 91 ، وتاريخ الطبري 3: 21.

(97) قوله: "أنعمت" ، أي جئت بالسهم الذي فيه"نعم" ، و"عال" ، أي: تجاف عنها -عن الأصنام- ولا تذكرها بسوء. يقال: "عال عني ، وأعل عني" ، أي تنح. وذلك أن الرجل من قريش من أهل الجاهلية ، كان إذا أراد ابتداء أمر ، عمد إلى سهمين فكتب على أحدهما"نعم" وعلى الآخر"لا" ، ثم يتقدم إلى الصنم ويجيل سهامه ، فإن خرج سهم"نعم" أقدم ، وإن خرج سهم"لا" امتنع. وكان أبو سفيان لما أراد الخروج إلى أحد ، استفتى هبل ، فخرج له سهم الإنعام. فذلك تفسير كلمته. ومن لطيف أخبار الاستقسام بالأزلام. ما فعل امرؤ القيس ، حين قتل أبوه ، فاستقسم عند ذي الخلصة ، فأجال سهامه فخرج له السهم الناهي"لا" ثلاث مرات ، فجمع قداحه وكسرها وضرب بها وجه الصنم وقال له: "مصصت ببظر أمك! لو أبوك قتل ما عقتني!!" ، ثم خرج فقاتل ، فظفر. فيقال إنه لم يستقسم بعد ذلك بقدح عند ذي الخلصة حتى جاء الإسلام ، وهدمه جرير بن عبد الله البجلي ، وأبطل الله أمر الجاهلية كله.

وقد قيل لأبي سفيان يوم الفتح: "أين قولك ، أنعمت فعال"؟ فقال: "قد صنع الله خيرًا ، وذهب أمر الجاهلية".

هذا وقد كان في المطبوعة: "أنعمت فقال إن الحرب سجال" ، وهو خطأ صرف. والحرب سجال: أي مرة لهذا ، ومرة لهذا. وقوله: "اعل هبل" قد شرحه ابن إسحاق ، فيظن بعض من يضبط السيرة أنه"أعل" (بهمز الألف وسكون العين وكسر اللام) وهو خطأ ، والصواب أنه أمر من"علا" ، يريد: زد علوًا.

(98) في المطبوعة: "وأشار لقول ابن قميئة" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، والصواب منها ومن سيرة ابن هشام. وقوله: "وأبر" ، من"البر" ، وهو الصدق والخير كله.

(99) الأثر 8066- هذا الأثر مجموع من مواضع في السيرة كما أشرت إليه ، وهي في: سيرة ابن هشام 3: 88 ، 89 / 3: 91 ، وتاريخ الطبري 3: 21 / والسيرة 3: 99.

(100) في المخطوطة والمطبوعة: "وكان الذي خرج عنهم" بإسقاط"به" والسياق يقتضى إثباتها ، فأثبتها من سيرة ابن هشام.

(101) في المطبوعة: "فهان الظهور عليهم" ، وفي المخطوطة: "فهذا الظهور عليهم" كتب"فهذا" في آخر"السطر" و"الظهور" في أول السطر التالي ، فلم يحسن الناشر قراءتها ، والصواب من سيرة ابن هشام.

(102) الأثر: 8067- سيرة ابن هشام 3: 121 ، 122 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8057.

(103) في المطبوعة: "فلما تولجوا في الشعب يتصافون" ، وهو لا معنى له ، والصواب من المخطوطة إلا أن كاتبها كان قد سقط من كتابته من أول"وهم مصابون" إلى"باب الشعب" ، فكتبها في الهامش. فاستعجمت على الناشر الأول قراءتها.

(104) "ابن أبي كبشة" ، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك كان المشركون يذكرون رسول الله. فقيل إن"أبا كبشة" ، رجل من خزاعة ، خالف قريشًا في عبادة الأوثان وعبد الشعري العبور ، فذكروه بذلك لمخالفته إياهم إلى عبادة الله تعالى ، كما خالفهم أبو كبشة إلى عبادة الشعري. ويقال: إنها كنية وهب بن عبد مناف ، جد رسول الله من قبل أمه ، فنسب إليه ، لأنه نزع إليه في الشبه. ويقال: هي كنية زوج حليمة السعدية التي أرضعته صلى الله عليه وسلم.

(105) في المخطوطة: "وأنتم واحد ورقى القوم سلا" ، وهو كلام"فاسد" صوابه في المطبوعة. والمثل (بفتح الميم وسكون الثاء) مصدر"مثل بالقتيل" إذا جدع أنفه ، أو أذنه أو مذاكيره أو شيئا من أطرافه وجسده ، طلب التشويه لجثته. والاسم"المثلة" (بضم الميم وسكون الثاء).

(106) في المطبوعة: "قد خرجوا منا" ، وأسقطها السيوطى في الدر المنثور 2: 87 ، فاستظهر ناشر الطبعة السالفة إسقاطها كما فعل السيوطي ، وهي في المخطوطة: "قد حرحوا منا" ، غير منقوطة ، كما أثبتها وصواب قراءتها ما أثبت. ومعنى: "جرحوا منا" ، أي أصابوا بعضنا بالجراحات والقتل ، وبلغوا في ذلك مبلغًا. ولم تثبت كتب اللغة ذلك ، ولكنه عربي معرق عتيق ، وما كل اللغة تثبته كتب اللغة ، وخاصة مجاز العبارات.

(107) في المطبوعة: "قد أنسوا وقد اخترطوا سيوفهم" ، وفي الدر المنثور 2: 87" قد ايسوا" وفي المخطوطة: "قد انسوا" غير منقوطة ، والذي في المطبوعة والدر لا معنى له ، وقد رجحت قراءتها. تأشب القوم وائتشبوا: انضم بعضهم لبعض واجتمعوا والتفوا ، وفي الحديث"فتأشب أصحابه إليه" ، أي اجتمعوا إليه وطافوا به. وأصله من"أشب الشجر" ، إذا التف وكثر حتى ضاقت فرجه ، وحتى لا مجاز فيه لمجتاز.

(108) قوله: "بعد فلولكم منهم" يعني: بعد هزيمتكم وفراركم منهم ، ولم تصرح كتب اللغة بفعل ثلاثي لازم مصدره"فلول" ، بل قالوا: "فله يفله ، فانفل" ، ولكن يرجح صواب ما في نص الطبري أنه جاء في أمثالهم: "من فل ذل" ، أي من فر عن عدوه ذل. وأما ابن كثير فقد نقل في تفسيره 2: 270 نص الطبري هذا ، وفيه"ونبوكم منهم" ، وليست بشيء ، وكأن الصواب ما في التفسير ، فهو جيد في العربية.

التدبر :

وقفة
[153] ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ﴾ ليس معنی ﴿تُصْعِدُونَ﴾ أي ترقون من الصعود؛ بل من الإصعاد وهو الركض على الأرض (الصعيد).
وقفة
[153] ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ما الفرق اللغوي بين الأجر والثواب والمثوبة؟ الأجر هو جزاء العمل، لكن يقال في الغالب لما فيه عقد أو شبيه بعقد يجري مجرى العقد ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27]، فالأجر فيه نفع لأنك تتعاقد مع أحد على شيء، والأجر في الغالب يكون في الأعمال البدنية في الطاعات، والثواب في اللغة يقال في الخير والشر، لكن القرآن لم يستعملها إلا في الخير والثواب، وهو جزاء على العمل، والمثوبة من الثواب، ولكن القرآن استعملها في الخير والشر ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ﴾ [البقرة: 103]، ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ﴾ [المائدة: 60]، أثاب يستعملها في الحزن ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾.
وقفة
[153] ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ فأثابكم! هل تخيلت يومًا أن الهم قد يكون ثوابًا؟ يوم القيامة ستكتشف أن بعض أحزانك قد حمتك من النار وأدخلتك الجنة.
وقفة
[153] ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ الغم الأول الهزيمة، والآخر إشاعة مقتل النبي ﷺ، فلما علموا أنه ﷺ لم يقتل هان عليهم الغم الأول.
وقفة
[153] ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ لله ألطاف خفية، قد يحزنك يومًا بأمر ليخفف عنك ما هو أعظم منه، سبحانك ربنا ما أرحمك!
وقفة
[153] ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ كم من خير وأسرار وحكم في البلايا والمحن!
وقفة
[153] قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ليس معنى (الثواب) هنا ما يثاب به من الحسنات؛ بل المعنى من (المجازاة) أي: جازاكم غما بغم.
وقفة
[153] ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ كثرة الجروح تُنسيك الألم.
عمل
[153] ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ تخلص من همومك الصغيرة بتبني الهموم الكبرى.
عمل
[153] ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ لا تجزع من تتابع الغموم، قد تكون لإخفاء الحزن الأكبر.
تفاعل
[153] ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ إذا تتابع عليك ألمٌ بعد ألم؛ فاعلم أنك على موعد مع مفارقة الأحزان، قل الآن: اللهم أزح عنا الهم والغم.
وقفة
[153] ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ ما دلالة كتابة ﴿لِّكَيْلَا﴾ موصولة في آل عمران و﴿كَيْ لَا﴾ [الحشر: 7] منفصلة في سورة الحشر؟ خط المصحف لا يقاس عليه أصلًا، لكن يبدو في هذا الرسم ملحظ بياني يتناسب مع الأحكام والله أعلم؛ ففي آية آل عمران جاءت متصلة؛ لأن المعنى يدل على أن الغمّ متصل بغمّ الهزيمة وغمّ فوات الغنائم، أما في آية الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7] هنا يريد أن يفصل الأموال فلا ينبغي أن تبقى دُولة بين الأغنياء، وإنما يجب أن تتسع لتشمل الفقراء، ففصل في رسم (كَيْ لَا).

الإعراب :

  • ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ:
  • إذ: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بعصيتم. تصعدون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون. والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. وجملة «تُصْعِدُونَ» في محل جر بالاضافة لوقوعها بعد إذ. ويجوز إعراب «إِذْ» إسما في محل نصب مفعولا به بفعل محذوف تقديره: اذكروا.
  • ﴿ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ:
  • الواو حالية لا: نافية لا عمل لها. تلوون: تعرب إعراب «تُصْعِدُونَ». على أحد: جار ومجرور متعلق بتلوون. وجملة «وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ» في محل نصب حال.
  • ﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ:
  • الواو: حالية والجملة الإسمية بعده في محل نصب حال. الرسول: مبتدأ مرفوع بالضمة. يدعوكم: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الواو للثقل. الكاف: ضمير متصل في محل نصب مفعول به والميم علامة جمع الذكور. وفاعله: ضمير مستتر فيه جوازا تقديره: هو. وجملة «يَدْعُوكُمْ» في محل رفع خبر المبتدأ «الرَّسُولُ».
  • ﴿ فِي أُخْراكُمْ:
  • جار ومجرور متعلق بيدعو وعلامة جر الاسم الكسرة المقدرة على الالف للتعذر. الكاف: ضمير متصل في محل جر مضاف اليه والميم علامة جمع الذكور.
  • ﴿ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ:
  • الفاء: إستئنافية. أثاب: فعل ماض مبني على الفتح والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره: هو. الكاف: ضمير متصل في محل نصب مفعول به والميم علامة الجمع. وغما: مفعول به ثان منصوب بالفتحة. بغم: جار ومجرور متعلق بصفة لغما أي غما متصلا بغم.
  • ﴿ لِكَيْلا تَحْزَنُوا:
  • اللام حرف جر للتعليل. كي: حرف مصدرية ونصب لا: نافية لا عمل لها. تحزنوا فعل مضارع منصوب بكي وعلامة نصبه: حذف النون. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. والالف: فارقة. وجملة «تَحْزَنُوا» صلة «كي» لا محل لها و «كي» وما تلاها بتأويل مصدر في محل جر باللام والجار والمجرور متعلق بأثابكم.
  • ﴿ عَلى ما فاتَكُمْ:
  • حرف جرّ. ما: إسم موصول بمعنى «الذي» مبني على السكون في محل جر بعلى والجار والمجرور متعلق بتحزنوا. فاتكم: تعرب اعراب «أثابكم» وجملة «فاتَكُمْ» صلة الموصول لا محل لها.
  • ﴿ وَلا ما أَصابَكُمْ:
  • الواو: عاطفة. لا: زائدة لتاكيد معنى النفي. ما أصابكم: تعرب اعراب «ما فاتَكُمْ».
  • ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ:
  • الواو: إستئنافية. الله لفظ الجلالة: مبتدأ مرفوع للتعظيم بالضمة. خبير: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة
  • ﴿ بِما تَعْمَلُونَ:
  • جار ومجرور متعلق بخبير. ما: إسم موصول بمعنى «الذي» مبني على السكون في محل جر بالباء. تعملون: تعرب إعراب «تُصْعِدُونَ». وجملة «تَعْمَلُونَ» صلة الموصول لا محل لها والعائد الى الموصول ضمير محذوف منصوب المحل لانه مفعول به والتقدير: بما تعملونه أو تكون «ما» مصدرية والتقدير: والله ذو خبرة بعملكم. '

المتشابهات :

آل عمران: 153﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ
المائدة: 85﴿ فَأَثَابَهُمُ اللَّـهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [153] لما قبلها :     وبعد ذكرِ أهم أسباب الهزيمةِ في غزوةِ أُحدٍ؛ وصف اللهُ عز وجل هنا حال المسلمين وقت الهزيمة، قال تعالى:
﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

القراءات :

تصعدون:
قرئ:
1- مضارع «أصعد» ، وهى قراءة الجمهور.
2- مضارع «صعد» ، وهى قراءة أبى عبد الرحمن، والحسن، ومجاهد، وقتادة، واليزيدي.
3- مضارع «تصعد» ، وأصله: تتصعد، وهى قراءة أبى حيرة.
4- يصعدون، على الخروج من الخطاب إلى الغائب، وهى قراءة ابن محيصن، وابن كثير.
تلوون:
قرئ:
تلوون، من ألوى، وهى قراءة الأعمش، وأبى بكر، وهى لغة فى «لوى» .
أحد:
وقرئ:
بضم الهمزة والحاء، وهو الجبل، وهى قراءة حميد بن قيس.
والقراءة الشهيرة أقوى، لأن النبي ﷺ لم يكن على الجبل إلا بعد ما فر الناس عنه.

فهرس المصحف

البحث بالسورة

البحث بالصفحة

البحث في المصحف