ترتيب المصحف | 8 | ترتيب النزول | 88 |
---|---|---|---|
التصنيف | مدنيّة | عدد الصفحات | 10.00 |
عدد الآيات | 75 | عدد الأجزاء | 0.50 |
عدد الأحزاب | 1.00 | عدد الأرباع | 4.00 |
ترتيب الطول | 18 | تبدأ في الجزء | 9 |
تنتهي في الجزء | 10 | عدد السجدات | 0 |
فاتحتها | فاتحتها | ||
الجمل الخبرية: 1/21 | _ |
سببُ ما سبقَ: أن اللهَ لا يُغيِّرُ نعمَةً أنعمَها على أحدٍ إلا بذنبٍ ارتكبَه، كما حدَثَ معَ آلِ فرعونَ.
لمَّا أخبرَ عن هلاكِ الكافرينَ وصفَهم هنا بأنَّهم شرُّ الدَّوابِ، ثُمَّ بَيَّنَ كيفَ نعامِلُ مَن نقضَ العهدَ منهم، ومن ظهرتْ منه بوادرُ النقضِ.
لَمَّا أوجَبَ على رَسولِه ﷺ أن يُنكِّلَ بمَن نقضَ العَهدَ، وأنْ يَنبِذَ العَهدَ إلى مَنْ خافَ منه النَقضَ أمَرَه هنا بإعدادِ العُدَّةِ لإرهَابِهم.
التفسير :
ذَلِكَ} العذاب الذي أوقعه اللّه بالأمم المكذبين وأزال عنهم ما هم فيه من النعم والنعيم، بسبب ذنوبهم وتغييرهم ما بأنفسهم،فإن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم من نعم الدين والدنيا، بل يبقيها ويزيدهم منها، إن ازدادوا له شكرا. {حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} من الطاعة إلى المعصية فيكفروا نعمة اللّه ويبدلوها كفرا، فيسلبهم إياها ويغيرها عليهم كما غيروا ما بأنفسهم. وللّه الحكمة في ذلك والعدل والإحسان إلى عباده، حيث لم يعاقبهم إلا بظلمهم، وحيث جذب قلوب أوليائه إليه، بما يذيق العباد من النكال إذا خالفوا أمره. {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسمع جميع ما نطق به الناطقون، سواء من أسر القول ومن جهر به،ويعلم ما تنطوي عليه الضمائر، وتخفيه السرائر، فيجري على عباده من الأقدار ما اقتضاه علمه وجرت به مشيئته.
وقوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ...
بيان لسنة من سننه- تعالى- في خلقه، وتعليل لتعذيب أولئك الكفار، ولسلب نعمه عنهم وعن أشباههم من العصاة والجاحدين واسم الإشارة: ذلِكَ يعود إلى تعذيب الكفرة المعبر عنه بقوله- تعالى- فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ.
وهو، أى: اسم الإشارة مبتدأ، وخبره قوله- سبحانه- بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً..
إلخ.
والمعنى: ذلك الذي نزل بهؤلاء الكفرة من التعذيب والخذلان عدل إلهى، فقد جرت سنته- سبحانه- في خلقه، واقتضت حكمته في حكمه ألا يبدل نعمه بنقم إلا بسبب ارتكاب الذنوب، واجتراح السيئات، فإذا لم يتلق الناس نعمه- عز وجل- بالشكر والطاعة، وقابلوها بالكفر والعصيان، بدل نعمتهم بنقم جزاء وفاقا.
وشبيه بهذا قوله- تعالى- في آية أخرى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ .
قال الفخر الرازي: قال القاضي: معنى الآية أنه- تعالى- أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل، والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر، ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر، فقد غيروا نعمة الله- تعالى- على أنفسهم، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن.
قال: وهذا من أوكد ما يدل على أنه- تعالى- لا يبتدئ أحدا بالعذاب والمضرة.
وقال صاحب الكشاف: «فإن قلت: فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة حتى غير الله نعمته عليهم، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة؟.
قلت: كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة، تغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم كفرة عبدة أصنام، فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ساعين في إراقة دمه، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت، فغير الله ما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب .
وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ معطوف على قوله: بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً..
إلخ.
أى: ذلك التعذيب بسبب جحودهم للنعم، وبسبب أنه- سبحانه- سميع لما نطقوا به من سوء، وعليم بما ارتكبوه من قبائح ومنكرات، وقد عاقبهم على ذلك بما يستحقون من عذاب: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
يخبر تعالى عن تمام عدله ، وقسطه في حكمه ، بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه ، كما قال تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ) [ الرعد : 11 ]
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأخذنا هؤلاء الذين كفروا بآياتنا من مشركي قريش ببدر بذنوبهم، (1) وفعلنا ذلك بهم, بأنهم غيَّروا ما أنعم الله عليهم به من ابتعاثه رسولَه منهم وبين أظهرهم, بإخراجهم إياه من بينهم، وتكذيبهم له، وحربهم إياه، فغيرنا نعمتنا عليهم بإهلاكنا إياهم, كفعلنا ذلك في الماضين قبلهم ممن طغى علينا وعصى أمرنا.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16209- حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمةً أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، يقول: " نعمة الله "، محمد صلى الله عليه وسلم , أنعم به على قريش، وكفروا, فنقله إلى الأنصار.
* * *
وقوله: (وأن الله سميع عليم)، يقول: لا يخفى عليه شيء من كلام خلقه, يسمع كلام كلّ ناطق منهم بخير نطق أو بشرٍّ =(عليم)، بما تضمره صدورهم, وهو مجازيهم ومثيبهم على ما يقولون ويعملون, إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا. (2)
---------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير " الأخذ " فيما سلف من فهارس اللغة ( أخذ ) .
(2) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .
المعاني :
لم يذكر المصنف هنا شيء
التدبر :
الإعراب :
المتشابهات :
الأنفال: 53 | ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ |
---|
الرعد: 11 | ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ |
---|
أسباب النزول :
لم يذكر المصنف هنا شيء
الترابط والتناسب :
القراءات :
جاري إعداد الملف الصوتي
لم يذكر المصنف هنا شيء
التفسير :
{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} أي: فرعون وقومه {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} حين جاءتهم {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} كل بحسب جرمه. {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ} من المهلكين المعذبين {كَانُوا ظَالِمِينَ} لأنفسهم، ساعين في هلاكها، لم يظلمهم اللّه، ولا أخذهم بغير جرم اقترفوه،فليحذر المخاطبون أن يشابهوهم في الظلم، فيحل اللّه بهم من عقابه ما أحل بأولئك الفاسقين.
ثم ذكر- سبحانه- ما عليه المشركون من جحود وغرور وعناد على سبيل التأكيد والتوبيخ فقال: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ، وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ.
أى: أن شأن هؤلاء المشركين الذين حاربوك يا محمد، كشأن آل فرعون ومن تقدمهم من الأقوام السابقة، كقوم نوح وقوم هود..، كذب أولئك جميعا بآيات ربهم التي أوجدها- سبحانه- لهدايتهم وسعادتهم.. فكانت نتيجة ذلك أن أهلكهم- سبحانه- بسبب ما ارتكبوه من ذنوب، وبسبب استعمالهم النعم في غير ما خلقت له.
وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ الذين زينوا له الكفر والبطر والطغيان.
وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ أى: وكل من الأقوام المذكورين ومن على شاكلتهم في الكفر والضلال، كانوا ظالمين لأنفسهم بكفرهم، ولأنبيائهم بسبب محاربتهم لهم، وإعراضهم عنهم مع أن الأنبياء ما جاءوا إلا لهدايتهم.
وجمع الضمير في كانُوا وظالِمِينَ مراعاة لمعنى كُلٌّ لأنها متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها تارة، ومراعاة معناها أخرى، واختير هنا مراعاة المعنى لأجل الفواصل.
قال الجمل: فإن قلت: ما الفائدة من تكرير هذه الآية مرة ثانية؟.
قلت: فيها فوائد منها: أن الكلام الثاني يجرى مجرى التفصيل للكلام الأول، لأن الآية الأولى فيها ذكر أخذهم، والثانية ذكر إغراقهم فذلك تفسير للأول.
ومنها: أنه ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله وفي الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم، ففي الآية إشارة إلى أنهم كفروا بآيات الله وجحدوها، وفي الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها، وكفرهم بها.
ومنها: أن تكرير هذه القصة للتأكيد.
وبعد، فإن المتدبر في هذه الآيات الكريمة، يراها تصور تصويرا واضحا سنة من سنن الله في خلقه، وهي أنه- سبحانه- لا يسلب نعمه عن قوم إلا بسبب ذنوب اقترفوها، وأنه- تعالى- لا ينزل عقوباته بهم إلا بعد لجاجهم في طغيانهم، وإدبارهم عن نصح الناصحين.
ورحم الله الأستاذ الإمام محمد عبده فقد كتب مقالا جيدا صدره بقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ...
ومما جاء في هذا المقال قوله: تلك آيات الكتاب الحكيم، تهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
أرشدنا- سبحانه- إلى أن الأمم ما سقطت من عرش عزها، ولا بادت ومحى اسمها من لوح الوجود إلا بعد نكوبها عن تلك السنن التي سنها- سبحانه- على أساس الحكمة البالغة، إن الله لا يغير ما بقوم من عز وسلطان، ورفاعة وخفض عيش، وأمن وراحة حتى يغير أولئك ما بأنفسهم من نور العقل، وصحة الفكر، وإشراق البصيرة، والاعتبار بأفعال الله في الأمم السابقة، والتدبر في أحوال الذين حادوا عن صراط الله فهلكوا، أو حل بهم الدمار. ثم لعدولهم عن سنة العدل، وخروجهم عن طريق البصيرة والحكمة، حادوا عن الاستقامة في الرأى، والصدق في القول، والسلامة في الصدر، والعفة عن الشهوات، والحمية على الحق، والقيام بنصرته والتعاون على حمايته.. خذلوا العدل ولم يجمعوا همهم على إعلاء كلمته، واتبعوا الأهواء الباطلة، وانكبوا على الشهوات الفانية.. فأخذهم بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين.
هكذا جعل الله بقاء الأمم ونماءها في التحلي بالفضائل وجعل هلاكها ودمارها في التخلي عنها.
سنة ثابتة لا تختلف باختلاف الأمم، ولا تتبدل بتبدل الأجيال، كسنته- سبحانه- في الخلق والإيجاد، وتقدير الأرزاق وتحديد الآجال..» .
وبعد أن شرح- سبحانه- أحوال المهلكين من شرار الكفرة، شرع في بيان أحوال الباقين منهم، وتفصيل أحكامها، فقال- تعالى:
وقوله ( كدأب آل فرعون ) أي كصنعه بآل فرعون وأمثالهم حين كذبوا بآياته ، أهلكهم بسبب ذنوبهم ، وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم من جنات وعيون ، وزروع وكنوز ومقام كريم ، ونعمة كانوا فيها فاكهين ، وما ظلمهم الله في ذلك ، بل كانوا هم الظالمين .
القول في تأويل قوله : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: غير هؤلاء المشركون بالله، المقتولون ببدر, نعمةَ ربهم التي أنعم بها عليهم, بابتعاثه محمدًا منهم وبين أظهرهم, داعيًا لهم إلى الهدى, بتكذيبهم إياه، وحربهم له =(كدأب آل فرعون)، كسنة آل فرعون وعادتهم وفعلهم بموسى نبي الله، (3) في تكذيبهم إياه, وقصدهم لحربه، (4) وعادة من قبلهم من الأمم المكذبة رسلَها وصنيعهم =(فأهلكناهم بذنوبهم)، بعضًا بالرجفة, وبعضًا بالخسف, وبعضا بالريح =(وأغرقنا آل فرعون)، في اليم =(وكل كانوا ظالمين)، يقول: كل هؤلاء الأمم التي أهلكناها كانوا فاعلين ما لم يكن لهم فعله، من تكذيبهم رسلَ الله والجحود لآياته, فكذلك أهلكنا هؤلاء الذين أهلكناهم ببدر, إذ غيروا نعمة الله عندهم، بالقتل بالسيف, وأذللنا بعضهم بالإسار والسِّبَاء.
------------------
الهوامش :
(3) انظر تفسير " الدأب " فيما سلف ص : 19 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
وتفسير " آل " فيما سلف ص : 18 ، تعليق 3 ، والمراجع هناك .
(4) في المطبوعة : " وتصديهم لحربه " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض .
المعاني :
لم يذكر المصنف هنا شيء
التدبر :
الإعراب :
المتشابهات :
البقرة: 50 | ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ |
---|
الأنفال: 54 | ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ |
---|
أسباب النزول :
لم يذكر المصنف هنا شيء
الترابط والتناسب :
القراءات :
جاري إعداد الملف الصوتي
لم يذكر المصنف هنا شيء
التفسير :
تفسير الآيات من 55 الى 57:هؤلاء الذين جمعوا هذه الخصال الثلاث: الكفر، وعدم الإيمان، والخيانة، بحيث لا يثبتون على عهد عاهدوه ولا قول قالوه، هم شر الدواب عند الله فهم شر من الحمير والكلاب وغيرها، لأن الخير معدوم منهم، والشر متوقع فيهم ، فإذهاب هؤلاء ومحقهم هو المتعين، لئلا يسري داؤهم لغيرهم، ولهذا قال: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ} أي: تجدنهم في حال المحاربة، بحيث لا يكون لهم عهد وميثاق. {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} أي: نكل بهم غيرهم، وأوقع بهم من العقوبة ما يصيرون [به] عبرة لمن بعدهم {لَعَلَّهُمْ} أي من خلفهم {يَذْكُرُونَ} صنيعهم، لئلا يصيبهم ما أصابهم،وهذه من فوائد العقوبات والحدود المرتبة على المعاصي، أنها سبب لازدجار من لم يعمل المعاصي، بل وزجرا لمن عملها أن لا يعاودها. ودل تقييد هذه العقوبة في الحرب أن الكافر ـ ولو كان كثير الخيانة سريع الغدر ـ أنه إذا أُعْطِيَ عهدا لا يجوز خيانته وعقوبته
قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما وصف كل الكفار بقوله: وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد فقال: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ أى: في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان:
الأولى: الكافر الذي يكون مستمرا على كفره مصرا عليه ...
الثانية: أن يكون ناقضا للعهد على الدوام ...
قال ابن عباس: هم بنو قريظة، فإنهم نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوا عليه المشركين بالسلاح في يوم بدر، ثم قالوا: أخطأنا، فعاهدهم مرة أخرى فنقضوه أيضا يوم الخندق ....
والدواب: جمع دابة. وهي كل ما يدب على الأرض قال- تعالى- وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ...
قال الجمل: وإطلاق الدابة على الإنسان إطلاق حقيقى، لما ذكروه في كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدميا. وفي المصباح: «الدابة كل حيوان في الأرض مميزا وغير مميز».
والمعنى: إن شر، ما يدب على الأرض عِنْدَ اللَّهِ أى: في حكمه وقضائه الَّذِينَ كَفَرُوا أى: الذين أصروا على الكفر ولجوا فيه.
وقد وصفهم- سبحانه- بأنهم شر الدواب لا شر الناس، للإشعار بأنهم بمعزل عما يتحلى به الناس من تعقل وتدبر للأمور، لأن لفظ الدواب وإن كان يطلق على الناس، إلا أنه عند إطلاقه عليهم يلقى ظلا خاصا يجعل العقول تتجه إلى أن هؤلاء الذين أطلق عليهم اللفظ هم إلى الدواب التي لا تعقل أقرب منهم إلى الآدميين العقلاء، وفي وصفه- سبحانه- لهم بأنهم شر الدواب زيادة توبيخ لهم، لأنهم ليسوا دواب فحسب بل هم شرها وأخسها.
وقوله: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ تذييل جيء به على وجه الاعتراض بالبيان أى: أنهم- بسبب إصرارهم على الكفر- صار الإيمان بعيدا عنهم، وأنهم سواء أنذروا أو لم ينذروا مستمرون في الضلال والعناد.
أخبر تعالى أن شر ما دب على وجه الأرض هم الذين كفروا فهم لا يؤمنون.
القول في تأويل قوله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن شر ما دبّ على الأرض عند الله، (5) الذين كفروا بربهم، فجحدوا وحدانيته, وعبدوا غيره =(فهم لا يؤمنون)، يقول: فهم لا يصدِّقون رسلَ الله، ولا يقرُّون بوحيه وتنـزيله.
--------------------
الهوامش :
(5) انظر تفسير " الداية " فيما سلف 3 : 274 ، 275 11 : 344 13 : 459 .
المعاني :
لم يذكر المصنف هنا شيء
التدبر :
الإعراب :
المتشابهات :
الأنفال: 22 | ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّـهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ |
---|
الأنفال: 55 | ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّـهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ |
---|
أسباب النزول :
لم يذكر المصنف هنا شيء
الترابط والتناسب :
القراءات :
جاري إعداد الملف الصوتي
لم يذكر المصنف هنا شيء
التفسير :
تفسير الآيات من 55 الى 57:هؤلاء الذين جمعوا هذه الخصال الثلاث: الكفر، وعدم الإيمان، والخيانة، بحيث لا يثبتون على عهد عاهدوه ولا قول قالوه، هم شر الدواب عند الله فهم شر من الحمير والكلاب وغيرها، لأن الخير معدوم منهم، والشر متوقع فيهم ، فإذهاب هؤلاء ومحقهم هو المتعين، لئلا يسري داؤهم لغيرهم، ولهذا قال: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ} أي: تجدنهم في حال المحاربة، بحيث لا يكون لهم عهد وميثاق. {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} أي: نكل بهم غيرهم، وأوقع بهم من العقوبة ما يصيرون [به] عبرة لمن بعدهم {لَعَلَّهُمْ} أي من خلفهم {يَذْكُرُونَ} صنيعهم، لئلا يصيبهم ما أصابهم،وهذه من فوائد العقوبات والحدود المرتبة على المعاصي، أنها سبب لازدجار من لم يعمل المعاصي، بل وزجرا لمن عملها أن لا يعاودها. ودل تقييد هذه العقوبة في الحرب أن الكافر ـ ولو كان كثير الخيانة سريع الغدر ـ أنه إذا أُعْطِيَ عهدا لا يجوز خيانته وعقوبته
وقوله: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.. بدل من الموصول الأول وهو قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا.. أو عطف بيان له.
أى: إن شر الدواب عند الله الذين أصروا على الكفر ورسخوا فيه، الذين عاهَدْتَ مِنْهُمْ أى: أخذت منهم عهدهم، ثم ينقضون عهدهم في كل مرة دون أن يفوا بعهودهم ولو مرة واحدة من المرات المتعددة.
فقوله: عاهَدْتَ مضمن معنى الأخذ، ولذا عدى بمن.
قال الآلوسى: قوله: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ.. بدل من الموصول الأول، أو عطف بيان، أو نعت، أو خبر مبتدأ محذوف، أو نصب على الذم، وعائد الموصول قيل: ضمير الجمع المجرور، والمراد: عاهدتهم، ومن للإيذان بأن المعاهدة- التي هي عبارة عن إعطاء العهد وأخذه من الجانبين- معتبرة هنا من حيث أخذه صلى الله عليه وسلم، إذ هو المناط لما نعى عليهم من النقض، لا إعطاؤه- عليه الصلاة والسلام إياهم عهده كأنه قيل: الذين أخذت منهم عهدهم، وقال أبو حيان: تبعيضية، لأن المباشر بعضهم لا كلهم..» .
وقوله: ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ معطوف على الصلة.
وكان العطف «بثم» المفيدة للتراخي، للإيذان بالتفاوت الشديد بين ما أخذ عليهم من عهود، وبين ما تردوا فيه من نقض لها، واستهانة بها.
وجيء بصيغة المضارع يَنْقُضُونَ المفيدة للحال والاستقبال، للدلالة على تعدد النقض وتجدده، وأنهم على نيته في كل مرة يعاهدون فيها غيرهم.
وقوله: وَهُمْ لا يَتَّقُونَ في موضع الحال من فاعل يَنْقُضُونَ.
أى: أن هؤلاء القوم دأبهم نقض العهود والمواثيق في كل وقت، ومع ذلك فحالهم وشأنهم أنهم لا يشعرون خلال نقضهم للعهود بأى تحرج أو خجل، بل يرتكبون ما يرتكبون من المنكرات دون أن يتقوا عارها، أو يخشوا سوء عاقبتها.
الذين كلما عاهدوا عهدا نقضوه وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه "وهم لا يتقون" أي لا يخافون من الله في شيء ارتكبوه من الآثام.
القول في تأويل قوله : الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ، (الذين عاهدت منهم)، يا محمد, يقول: أخذت عهودهم ومواثيقهم أن لا يحاربوك، (6) ولا يظاهروا عليك محاربًا لك، كقريظة ونظرائهم ممن كان بينك وبينهم عهد وعقد =(ثم ينقضون)، عهودهم ومواثيقهم كلما عاهدوك وواثقوك، (7) حاربوك وظاهروا عليك, (8) وهم لا يتقون الله، ولا يخافون في فعلهم ذلك أن يوقع بهم وقعة تجتاحهم وتهلكهم، كالذي:-
16210- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم)، قال: قريظة مالأوا على محمد يوم الخندق أعداءه.
16211- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, نحوه.
-----------------
الهوامش :
(6) انظر تفسير " العهد " فيما سلف 13 : 72 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(7) في المطبوعة : " كلما عاهدوا دافعوك وحاربوك " ، وفي المخطوطة : " كلما عاهدوا دافعوك وحاربوك " ، وكأن الصواب ما أثبت .
(8) انظر تفسير " النقض " فيما سلف 9 : 363 10 : 125 .
المعاني :
لم يذكر المصنف هنا شيء
التدبر :
الإعراب :
المتشابهات :
لم يذكر المصنف هنا شيء
أسباب النزول :
لم يذكر المصنف هنا شيء
الترابط والتناسب :
القراءات :
جاري إعداد الملف الصوتي
لم يذكر المصنف هنا شيء
التفسير :
تفسير الآيات من 55 الى 57:هؤلاء الذين جمعوا هذه الخصال الثلاث: الكفر، وعدم الإيمان، والخيانة، بحيث لا يثبتون على عهد عاهدوه ولا قول قالوه، هم شر الدواب عند الله فهم شر من الحمير والكلاب وغيرها، لأن الخير معدوم منهم، والشر متوقع فيهم ، فإذهاب هؤلاء ومحقهم هو المتعين، لئلا يسري داؤهم لغيرهم، ولهذا قال: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ} أي: تجدنهم في حال المحاربة، بحيث لا يكون لهم عهد وميثاق. {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} أي: نكل بهم غيرهم، وأوقع بهم من العقوبة ما يصيرون [به] عبرة لمن بعدهم {لَعَلَّهُمْ} أي من خلفهم {يَذْكُرُونَ} صنيعهم، لئلا يصيبهم ما أصابهم،وهذه من فوائد العقوبات والحدود المرتبة على المعاصي، أنها سبب لازدجار من لم يعمل المعاصي، بل وزجرا لمن عملها أن لا يعاودها. ودل تقييد هذه العقوبة في الحرب أن الكافر ـ ولو كان كثير الخيانة سريع الغدر ـ أنه إذا أُعْطِيَ عهدا لا يجوز خيانته وعقوبته
ثم بين- سبحانه- ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء الناقضين لعهودهم في كل مرة بدون حياء أو تدبر للعواقب فقال: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فالفاء في قوله فَإِمَّا لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
وقوله: تَثْقَفَنَّهُمْ من الثقف بمعنى الحذق في إدراك الشيء وفعله.
قال الراغب: يقال ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر، ثم يتجوز فيه فيستعمل في الإدراك وإن لم تكن معه ثقافته.
قال- تعالى- فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ.
وقوله: فَشَرِّدْ بِهِمْ التشريد وهو عبارة عن التفريق مع الاضطراب، يقال شردت بنى فلان، أى: قلعتهم عن مواطنهم وطردتهم عنها حتى فارقوها قال الشاعر:
أطوف في الأباطح كل يوم ... مخافة أن يشرد بي حكيم
أى: مخافة أن يسمع بي ويطردنى حكيم، وحكيم رجل من بنى سليم كانت قريش قد ولته الأخذ على أيدى السفهاء.
والمعنى: إنك يا محمد إذا ما أدركت في الحرب هؤلاء الكافرين الناقضين لعهودهم وظفرت بهم- وهم بنو قريظة ومن لف لفهم-.. فافعل بهم فعلا من القتل والتنكيل يتفرق معه جمع كل ناقض للعهد، ويفزع منه كل من كان على شاكلتهم في الكفر ونقض العهود، ويعتبر به كل من سمعه من أهل مكة وغيرهم.
فالباء في قوله فَشَرِّدْ بِهِمْ للسببية، وقوله مَنْ خَلْفَهُمْ مفعول شرد.
والمراد بمن خلفهم: كفار مكة وغيرهم من الضالين، أى: افعل ببني قريظة ما يشرد غيرهم خوفا وفزعا.
وقوله لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أى: لعل أولئك المشردين يتعظون بهذا القتل والتنكيل الذي نزل بهؤلاء الناقضين لعهودهم في كل مرة، فيمنعهم ذلك عن نقض العهد.
هذا، وإن تلك الآية الكريمة لمن أحكم الآيات التي ترشد المؤمنين إلى وجوب أخذ المستمرين على كفرهم وعنادهم ونقضهم العهود أخذا شديدا رادعا.. حتى يبقى للمجتمع الإسلامى أمانه واستقراره وهيبته أمام أعدائه.
إن الآية الكريمة ترسم صورة بديعة للأخذ المفزع، والهول المرعب، الذي يكفى السماع به للهرب والشرود، فما بال من يحل به هذا الأخذ الشديد؟
إنها الضربة المروعة، يأمر الله- تعالى- رسوله أن ينزلها على رأس كل مستحق لها بسبب كفره وتلاعبه بالعهود.. وبذلك تبقى لدين الله هيبته وسطوته.
هذا هو حكم المصرين على كفرهم الناقضين لعهودهم.. أما الذين تخشى منهم الخيانة فقد بين- سبحانه- حكمهم بقوله:
( فإما تثقفنهم في الحرب ) أي : تغلبهم وتظفر بهم في حرب ، ( فشرد بهم من خلفهم ) أي : نكل بهم ، قاله : ابن عباس ، والحسن البصري ، والضحاك ، والسدي ، وعطاء الخراساني ، وابن عيينة ، ومعناه : غلظ عقوبتهم وأثخنهم قتلا ليخاف من سواهم من الأعداء - من العرب وغيرهم - ويصيروا لهم عبرة ( لعلهم يذكرون )
وقال السدي : يقول : لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك .
القول في تأويل قوله : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإما تلقيَنَّ في الحرب هؤلاء الذين عاهدتهم فنقضوا عهدك مرة بعد مرة من قريظة، فتأسرهم, (9) =(فشرد بهم من خلفهم)، يقول: فافعل بهم فعلا يكون مشرِّدًا مَن خلفهم من نظرائهم، ممن بينك وبينه عهد وعقد.
* * *
و " التشريد "، التطريد والتبديد والتفريق.
* * *
وإنما أمِرَ بذلك نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بالناقض العهد بينه وبينهم إذا قدر عليهم فعلا يكون إخافةً لمن وراءهم، ممن كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه عهد, حتى لا يجترئوا على مثل الذي اجترأ عليه هؤلاء الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية من نقض العهد.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16212- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح, عن علي, عن ابن عباس قوله: (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم)، يعني: نكّل بهم من بعدهم.
16213- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (فشرد بهم من خلفهم)، يقول: نكل بهم من وراءهم.
16214- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم)، يقول: عظْ بهم من سواهم من الناس.
16215- حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم)، يقول: نكل بهم من خلفهم، مَنْ بعدهم من العدوّ, لعلهم يحذرون أن ينكُثوا فتصنع بهم مثل ذلك.
16216- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن أيوب, عن سعيد بن جبير: (فشرد بهم من خلفهم)، قال: أنذر بهم من خلفهم.
16217- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس قال: نكل بهم من خلفهم، مَنْ بعدهم =قال ابن جريج, قال عبد الله بن كثير: نكل بهم مَنْ وراءهم.
16218- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون)، أي: نكل بهم من وراءهم لعلهم يعقلون. (10)
16219- حُدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: (فشرد بهم من خلفهم)، يقول: نكل بهم من بعدهم.
16220- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم)، قال: أخفهم بما تصنع بهؤلاء. وقرأ: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ (11) [الأنفال: 60]
* * *
وأما قوله: (لعلهم يذكرون)، فإن معناه: كي يتعظوا بما فعلت بهؤلاء الذين وصفت صفتهم, (12) فيحذروا نقضَ العهد الذي بينك وبينهم خوفَ أن ينـزل بهم منك ما نـزل بهؤلاء إذا هم نقضوه.
-------------------
الهوامش :
(9) انظر تفسير " ثقف " فيما سلف 3 : 564 7 : 110 .
(10) الأثر : 16218 - سيرة ابن هشام 2 : 329 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16173 ، ثم هو في الحقيقة تابع الأثر السالف رقم : 16186 ، سيرة ابن هشام 2 : 318 ، 319 .
(11) الأثر : 16220 - انظر الأثر التالي رقم : 16242 ، والتعليق عليه .
(12) انظر تفسير " التذكر " فيما سلف من فهارس اللغة ( ذكر ) .
المعاني :
التدبر :
الإعراب :
لم يذكر المصنف هنا شيء
المتشابهات :
لم يذكر المصنف هنا شيء
أسباب النزول :
لم يذكر المصنف هنا شيء
الترابط والتناسب :
القراءات :
جاري إعداد الملف الصوتي
فشرد:
وقرئ:
فشرذ، بالذال، أي: ففرق، وهى قراءة الأعمش، وكذا فى مصحف عبد الله.
من خلفهم:
وقرئ:
من خلفهم، جارا ومجرورا، ومفعول «فشرد» محذوف، أي: ناسا من خلفهم، وهى قراءة أبى حيوة، والأعمش.
التفسير :
أي: وإذا كان بينك وبين قوم عهد وميثاق على ترك القتال فخفت منهم خيانة،بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة. {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ} عهدهم، أي: ارمه عليهم، وأخبرهم أنه لا عهد بينك وبينهم. {عَلَى سَوَاءٍ} أي: حتى يستوي علمك وعلمهم بذلك، ولا يحل لك أن تغدرهم، أو تسعى في شيء مما منعه موجب العهد، حتى تخبرهم بذلك. {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} بل يبغضهم أشد البغض، فلا بد من أمر بيِّنٍ يبرئكم من الخيانة. ودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة المحققة منهم لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدهم، لأنه لم يخف منهم، بل علم ذلك، ولعدم الفائدة ولقوله: {عَلَى سَوَاءٍ} وهنا قد كان معلوما عند الجميع غدرهم. ودل مفهومها أيضًا أنه إذا لم يُخَفْ منهم خيانة، بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته.
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ.
وقوله: تَخافَنَّ من الخوف والمراد به هنا العلم.
وقوله: فَانْبِذْ من النبذ بمعنى الطرح، وهو مجاز عن إعلامهم بأنهم لا عهد لهم بعد اليوم، فشبه- سبحانه- العهد بالشيء الذي يرمى لعدم الرغبة فيه، وثبت النبذ له على سبيل التخييل، ومفعول «فانبذ» محذوف أى: فانبذ إليهم عهودهم.
قال الجمل: وقوله: عَلى سَواءٍ حال من الفاعل والمفعول معا، أى: فاعل الفعل وهو ضمير النبي صلى الله عليه وسلم ومفعوله وهو المجرور بإلى.
أى: حال كونكم مستوين في العلم بطرح العهد. فعلمك أنت به لأنه فعل نفسك، وعلمهم به بإعلامك إياهم، فكأنه قيل في الآية: فانبذ عهدهم وأعلمهم بنبذه، ولا تقاتلهم بغتة لئلا يتهموك بالغدر وليس هذا من شأنك ولا من صفاتك».
والمعنى: وإما تعلمن- يا محمد- من قوم بينك وبينهم عهد أنهم على وشك نقضه منهم، بأمارات تلوح لك تدل على غدرهم، فاطرح إليهم عهدهم على طريق مستو ظاهر: بأن تعلمهم بنبذك عهدهم قبل أن تحاربهم، حتى تكون أنت وهم في العلم بنبذ العهد سواء، لأن الله- تعالى- لا يحب الخائنين وإن من مظاهر الخيانة التي يبغضها الله- تعالى- أن يحارب أحد المتعاهد معه دون أن بعلمه بإنهاء عهده.
قال ابن كثير: قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن أبى الفيض عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب منها، حتى إذا انقضى العهد غزاهم فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر الله أكبر، وفاء لا غدرا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة، ولا يشدها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» .
قال: فبلغ ذلك معاوية فرجع، فإذا بالشيخ عمرو بن عيسة.
ثم قال ابن كثير، وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه من طرق عن شعبة به، وقال الترمذي حسن صحيح.
وروى الإمام أحمد عن سلمان الفارسي أنه انتهى إلى حصن أو مدينة فقال لأصحابه:
دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم، فقال: إنما كنت رجلا منكم فهداني الله إلى الإسلام فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أنتم أبيتم، فأدوا الجزية وأنتم صاغرون فإن أبيتم نابذناكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين، يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بعون الله» .
وقال الفخر الرازي: قال أهل العلم: آثار نقض العهد إذا ظهرت، فإما أن تظهر ظهورا محتملا، أو ظهورا مقطوعا به.
فإن كان الأول: وجب الإعلام على ما هو مذكور في هذه الآية، وذلك لأن بنى قريظة عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله، فحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خوف الغدر منهم به وأصحابه، فهنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب.
أما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به، فهنا لا حاجة إلى نبذ العهد، وذلك كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل مكة، فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم في ذمة النبي صلى الله عليه وسلم وصل إليهم جيش رسول الله بمر الظهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة .
أى: أنهم لم يعلموا بجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء لمحاربتهم إلا بعد وصوله إلى هذا المكان.
وبذلك ترى أن تعاليم الإسلام ترتفع بالبشرية إلى أسمى آفاق الوفاء والشرف والأمان..
وتحقر من شأن الخيانة والخائنين، وتتوعدهم بالطرد من رحمة الله، وبالبعد عن رضوانه ومحبته.
( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين )
يقول تعالى لنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه ( وإما تخافن من قوم ) قد عاهدتهم ( خيانة ) أي : نقضا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود ، ( فانبذ إليهم ) أي : عهدهم ( على سواء ) أي : أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم ، وهم حرب لك ، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء ، أي : تستوي أنت وهم في ذلك ، قال الراجز :
فاضرب وجوه الغدر [ الأعداء ]
حتى يجيبوك إلى السواء
وعن الوليد بن مسلم أنه قال في قوله : ( فانبذ إليهم على سواء ) أي : على مهل ، ( إن الله لا يحب الخائنين ) أي : حتى ولو في حق الكافرين ، لا يحبها أيضا .
قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن أبي الفيض ، عن سليم بن عامر ، قال : كان معاوية يسير في أرض الروم ، وكان بينه وبينهم أمد ، فأراد أن يدنو منهم ، فإذا انقضى الأمد غزاهم ، فإذا شيخ على دابة يقول : الله أكبر [ الله أكبر ] وفاء لا غدرا ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى ينقضي أمدها ، أو ينبذ إليهم على سواء قال : فبلغ ذلك معاوية ، فرجع ، وإذا الشيخ عمرو بن عبسة ، رضي الله عنه .
وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة وأخرجه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن حبان في صحيحه من طرق عن شعبة ، به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري ، حدثنا إسرائيل ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي البختري عن سلمان - يعني الفارسي - رضي الله عنه - : أنه انتهى إلى حصن - أو : مدينة - فقال لأصحابه : دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم ، فقال : إنما كنت رجلا منهم فهداني الله - عز وجل - للإسلام ، فإذا أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا ، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون ، فإن أبيتم نابذناكم على سواء ، ( إن الله لا يحب الخائنين ) يفعل بهم ذلك ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بعون الله .
القول في تأويل قوله : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (وإما تخافن)، يا محمد، من عدو لك بينك وبينه عهد وعقد، أن ينكث عهد. وينقض عقده، ويغدر بك =وذلك هو " الخيانة " والغدر (13) =(فانبذ إليهم على سواء)، يقول: فناجزهم بالحرب, وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم، بما كان منهم من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم، (14) حتى تصير أنتَ وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب, فيأخذوا للحرب آلتها, وتبرأ من الغدر =(إن الله لا يحب الخائنين)، الغادرين بمن كان منه في أمان وعهد بينه وبينه أن يغدر به فيحاربه، قبل إعلامه إياه أنه له حرب، وأنه قد فاسخه العقد.
* * *
فإن قال قائل: وكيف يجوز نقضُ العهد بخوف الخيانة، و " الخوف " ظنٌّ = لا يقين؟ (15)
قيل: إن الأمر بخلاف ما إليه ذهبت, وإنما معناه: إذا ظهرت أمارُ الخيانة من عدوك، (16) وخفت وقوعهم بك, فألق إليهم مقاليد السَّلم وآذنهم بالحرب. (17) وذلك كالذي كان من بني قريظة إذ أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاربتهم معهم، (18) بعد العهد الذي كانوا عاهدوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على المسالمة, ولن يقاتلوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم . (19) فكانت إجابتهم إياه إلى ذلك، موجبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خوف الغدر به وبأصحابه منهم. فكذلك حكم كل قوم أهل موادعةٍ للمؤمنين، ظهر لإمام المسلمين منهم من دلائل الغدر مثل الذي ظهرَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريظة منها, فحقٌّ على إمام المسلمين أن ينبذ إليهم على سواء، ويؤذنهم بالحرب.
* * *
ومعنى قوله: (على سواء)، أي: حتى يستوي علمك وعلمهم بأن كل فريق منكم حرب لصاحبه لا سِلْم. (20)
* * *
وقيل: نـزلت الآية في قريظة.
* ذكر من قال ذلك:
16221- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فانبذ إليهم على سواء)، قال: قريظة.
* * *
وقد كان بعضهم يقول: " السواء "، في هذا الموضع، المَهَل. (21)
* ذكر من قال ذلك:
16222- حدثني علي بن سهل قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: إنه مما تبين لنا أن قوله: (فانبذ إليهم على سواء)، أنه: على مهل =كما حدثنا بكير، عن مقاتل بن حيان في قول الله: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، [التوبة: 1-2]
* * *
وأما أهل العلم بكلام العرب, فإنهم في معناه مختلفون.
فكان بعضهم يقول: معناه: فانبذ إليهم على عدل =يعني: حتى يعتدل علمك وعلمهم بما عليه بعضكما لبعض من المحاربة، واستشهدوا لقولهم ذلك بقول الراجز: (22)
وَاضْــرِبْ وُجُـوهَ الغُـدُرِ الأعْـدَاءِ
حَــتَّى يُجِــيبُوكَ إلَــى السَّــوَاءِ (23)
يعني: إلى العدل.
* * *
وكان آخرون يقولون: معناه: الوسَط، من قول حسان:
يَـا وَيْـحَ أَنْصَـارِ الرَّسُـولِ ورَهْطِهِ
بَعْــدَ الُمغيَّـبِ فِـي سَـوَاءِ المُلْحَـدِ (24)
بمعنى: في وسط اللَّحْد.
* * *
وكذلك هذه المعاني متقاربة, لأن " العدل "، وسط لا يعلو فوق الحق ولا يقصّر عنه, وكذلك " الوسط" عدل, واستواء علم الفريقين فيما عليه بعضهم لبعض بعد المهادنة، (25) عدل من الفعل ووسط. وأما الذي قاله الوليد بن مسلم من أن معناه: " المهل ", فما لا أعلم له وجهًا في كلام العرب.
--------------------
الهوامش :
(13) انظر تفسير " الخيانة " فيما سلف 13 : 480 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(14) انظر تفسير " النبذ " فيما سلف 2 : 401 ، 402 7 : 459 . وفي المطبوعة : " آثار الغدر " ، وأثبت ما في المخطوطة ، و " الأمار " و " الأمارة " ، العلامة ، ويقال : " أمار " جمع " أمارة " .
(15) انظر تفسير " الخوف " فيما سلف 11 : 373 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(16) في المطبوعة : " آثار الخيانة " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وانظر التعليق السالف رقم : 2 .
(17) في المخطوطة : " وأد " ، وبعدها بياض ، صوابه ما في المطبوعة .
(18) في المطبوعة : " ومحاربتهم معه " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(19) في المخطوطة : " ولم يقاتلوا " ، وما في المطبوعة شبيه بالصواب .
(20) انظر تفسير " السواء " فيما سلف 10 : 488 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(21) في المطبوعة : " وقد قال بعضهم " ، غير الجملة كلها بلا شيء .
(22) لم أعرف قائله .
(23) كان في المطبوعة : " الغدر للأعداء " . وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة و " الغدر " ( بضمتين ) ، جمع " غدور " ، مثل " صبور " ، وهو الغادر المستمرئ للغدر .
(24) سلف البيت وتخريجه وشرحه فيما مضى 2 : 496 ، تعليق 2 .
(25) في المطبوعة : " واستواء الفريقين " ، وفي المخطوطة " واستواء على الفريقين " . وصواب قراءتها ما أثبت ، وهو حق المعنى .
المعاني :
التدبر :
الإعراب :
لم يذكر المصنف هنا شيء
المتشابهات :
لم يذكر المصنف هنا شيء
أسباب النزول :
لم يذكر المصنف هنا شيء
الترابط والتناسب :
القراءات :
جاري إعداد الملف الصوتي
سواء:
وقرئ:
سواء، بكسر السين، وهى قراءة زيد بن على.
التفسير :
أي: لا يحسب الكافرون بربهم المكذبون بآياته، أنهم سبقوا اللّه وفاتوه، فإنهم لا يعجزونه، واللّه لهم بالمرصاد. وله تعالى الحكمة البالغة في إمهالهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، التي من جملتها ابتلاء عباده المؤمنين وامتحانهم، وتزودهم من طاعته ومراضيه، ما يصلون به المنازل العالية، واتصافهم بأخلاق وصفات لم يكونوا بغيره بالغيها،
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أن الكافرين لن ينجوا من عقابه، وبشر المؤمنين بالنصر فقال: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ.
وقوله يَحْسَبَنَّ من الحسبان بمعنى الظن، وقد قرأ ابن عامر وحفص وحمزة «يحسبن» بالياء، وقرأ الباقون بالتاء.
وقوله: يُعْجِزُونَ من العجز، وأصله- كما يقول الراغب-: التأخر عن الشيء.. ثم صار في التعارف اسما للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة ... والعجوز سميت بذلك لعجزها في كثير من الأمور..».
والمعنى- على القراءة بالياء-: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم أنهم قد سبقوا الله فنجوا من عقابه، وخلصوا من عذابه.. كلا إن حسبانهم هذا باطل- لأنهم لا يعجزون الله، بل هو- سبحانه- قادر على إهلاكهم وتعذيبهم في كل وقت ...
وأن نجاتهم من القتل أو الأسر في الدنيا لن تنفعهم شيئا من العذاب المهين في الآخرة.
وعلى هذه القراءة يكون فاعل يَحْسَبَنَّ قوله الَّذِينَ كَفَرُوا ويكون المفعول الأول ليحسبن محذوف أى: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم، والمفعول الثاني جملة سَبَقُوا.
وأما على القراءة الثانية ولا تحسبن فيكون قوله الَّذِينَ كَفَرُوا هو المفعول الأول. وجملة سَبَقُوا هي المفعول الثاني.
أى: ولا تحسبن- أيها الرسول الكريم- أن هؤلاء الكافرين قد سبقونا بخيانتهم لك، أو أفلتوا من عقابنا وصاروا في مأمن منا ... كلا، إنهم لا يعجزوننا عن إدراكهم وإنزال العقوبة بهم في أى وقت نريده فنحن لا يعجزنا شيء..
وعلى كلتا القراءتين فالمقصود من الآية الكريمة قطع أطماع الكافرين في النجاة، وإقناطهم من الخلاص، فكأنه- سبحانه- يقول لهم: إن من لم يصبه عذاب الدنيا، فسوف يصيبه عذاب الآخرة، ولا مفر له من ذلك مادام قد استحب الكفر على الإيمان، أما المؤمنون فلهم من الله- تعالى- التأييد والنصر وحسن العاقبة.
ثم أمر- سبحانه- المؤمنين باعداد وسائل القوة التي بها يصلون إلى النصر، وإلى بعث الرعب في قلوب أعدائهم.. فقال- عز وجل-:
يقول تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : ( ولا تحسبن ) يا محمد ( الذين كفروا سبقوا ) أي : فاتونا فلا نقدر عليهم ، بل هم تحت قهر قدرتنا وفي قبضة مشيئتنا فلا يعجزوننا ، كما قال تعالى : ( أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ) [ العنكبوت : 4 ] أي : يظنون ، وقال تعالى : ( لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير ) [ النور : 57 ] ، وقال تعالى ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ) [ آل عمران : 196 ، 197 ] .
ثم أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة
القول في تأويل قوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59)
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: " وَلا تحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ " بكسر الألف من " إنهم "، وبالتاء في " تحسبن " =بمعنى: ولا تحسبن، يا محمد، الذين كفروا سبقونا ففاتونا بأنفسهم. ثم ابتدئ الخبر عن قدرة الله عليهم فقيل: إن هؤلاء الكفرة لا يعجزون ربهم، إذا طلبهم وأراد تعذيبهم وإهلاكهم، بأنفسهم فيفوتوه بها.
* * *
وقرأ ذلك بعض قرأة المدينة والكوفة: ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا )، بالياء في " يحسبن ", وكسر الألف من (إِنَّهُمْ) .
* * *
وهي قراءة غير حميدة، لمعنيين، (26) أحدهما خروجها من قراءة القرأة وشذوذها عنها =والآخر: بعدها من فصيح كلام العرب. وذلك أن " يحسب " يطلب في كلام العرب منصوبًا وخبره, كقوله: " عبد الله يحسب أخاك قائمًا " و " يقوم " و " قام ". فقارئ هذه القراءة أصحب " يحسب " خبرًا لغير مخبر عنه مذكور. وإنما كان مراده، ظنّي: (27) ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزوننا =فلم يفكر في صواب مخرج الكلام وسُقمه, واستعمل في قراءته ذلك كذلك، ما ظهر له من مفهوم الكلام. وأحسب أن الذي دعاه إلى ذلك، الاعتبارُ بقراءة عبد الله. وذلك أنه فيما ذكر في مصحف عبد الله: " وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ "، وهذا فصيح صحيح، إذا أدخلت " أنهم " في الكلام, لأن " يحسبن " عاملة في " أنهم ", وإذا لم يكن في الكلام " أنهم " كانت خالية من اسم تعمل فيه.
وللذي قرأ من ذلك من القرأة وجهان في كلام العرب، وإن كانا بعيدين من فصيح كلامهم:
أحدهما: أن يكون أريد به: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا, أو: أنهم سبقوا =ثم حذف " أن " و " أنهم ", كما قال جل ثناؤه: وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ، [الروم: 24]. بمعنى: أن يريكم، وقد ينشد في نحو ذلك بيت لذي الرمة:
أَظُـنّ ابْـنُ طُرْثُـوثٍ عُتَيْبَـةُ ذَاهِبًـا
بِعَـــادِيَّتِي تَكْذَابُـــهُ وَجَعَائِلُــهْ (28)
بمعنى: أظن ابن طرثوث أن يذهب بعاديتي تكذابه وجعائله؟ وكذلك قراءة من قرأ ذلك بالياء, يوجه " سبقوا " إلى " سابقين " على هذا المعنى. (29)
والوجه الثاني على أنه أراد إضمار منصوب بـ " يحسب ", كأنه قال: ولا يحسب الذين كفروا أنهم سبقوا =ثم حذف " أنهم " وأضمر. (30)
وقد وجه بعضهم معنى قوله: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ، [سورة آل عمران: 175]: إنما ذلكم الشيطان يخوف المؤمن من أوليائه, وأن ذكر المؤمن مضمر في قوله: " يخوف ", إذ كان الشيطان عنده لا يخوف أولياءه. (31)
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل الشأم: " وَلا تحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا " بالتاء من " تحسبن " =( سَبَقُوا أَنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ)، بفتح الألف من " أنهم ", بمعنى: ولا تحسبن الذين كفروا أنهم لا يعجزون.
* * *
قال أبو جعفر: ولا وجه لهذه القراءة يُعقل، إلا أن يكون أراد القارئ بـ " لا " التي في " يعجزون "، " لا " التي تدخل في الكلام حشوًا وصلة، (32) فيكون معنى الكلام حينئذ: ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم يعجزون =ولا وجه لتوجيه حرف في كتاب الله إلى التطويل، (33) بغير حجة يجب التسليم لها، وله في الصحة مخرج.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ: (لا تَحْسَبَنَّ)، بالتاء ( الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ )، بكسر الألف من " إنهم "، ( لا يُعْجِزُونَ)، بمعنى: ولا تحسبن أنت، يا محمد، الذين جحدوا حجج الله وكذبوا بها، سبقونا بأنفسهم ففاتونا, إنهم لا يعجزوننا =أي: يفوتوننا بأنفسهم, ولا يقدرون على الهرب منا، (34) كما:-
16223- حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون)، يقول: لا يفوتون.
-----------------
الهوامش :
(26) هذه القراءة التي ردها أبو جعفر ، هي قراءتنا اليوم .
(27) في المطبوعة : " وإنما كان مراد بطي ولا يحسبن " ، فأتى بعجب لا معنى له . وقول الطبري : " ظني " ، يقول كما نقول اليوم : " فيما أظن " .
(28) ديوانه 473 ، من قصيدة ذكر فيها " المهاجر بن عبد الله الكلابي " والي اليمامة ، وكان للمهاجر عريف من السعاة بالبادية يقال له : " رومي " ، فاختلف ذو الرمة ، وعتيبة بن طرثوث في بئر عادية ، فخاصم ذو الرمة إلى رومي ، فقضى رومي لابن طرثوث قبل فصل الخصومة ، وكتب له بذلك سجلا ، فقال ذو الرمة من قصيدته تلك ، برواية ديوانه :
أقُـولُ لِنَفْسِـي , لا أُعَـاتِبُ غَيْرَهَـا
وَذُو اللُّـبِّ مَهْمَـا كَـانَ , لِلنَّفْسِ قائِلُهْ
لَعَـلَّ ابْـنَ طُرْثُـوثٍ عَتَيْبَـةُ ذَاهِـبٌ
بِعَـــادِيَّتِي تَكْذَابُـــهُ وَجَعَائِلُــهْ
بِقَــاعٍ , مَنَعْنَــاهُ ثَمَــانينَ حِجَّـةً
وَبِضْعًــا , لَنَـا أَحْرَاجُـه وَمَسَـايِلُهْ
ثم ذكر المهاجر بالذكر الجميل ، ثم قال :
يَعِـزُّ , ابْـنَ عَبْدِ اللهِ , مَنْ أَنْتَ نَاصِرٌ
وَلا يَنْصُـرُ الرَّحْـمَنُ مَـنْ أنْتَ خَاذِلُهْ
إذَا خَـافَ قَلْبِـي جَـوْرَ سَـاعٍ وَظُلْمَهُ
ذَكَــرْتُكَ أُخْـرَى فَاطْمَـأَنَّتْ بَلابِلُـهْ
تَـرَى اللـهَ لا تَخْـفَى عَلَيْهِ سَـرِيرَةٌ
لِعَبْــدٍ , ولا أَسْـبَابُ أَمْـرٍ يُحَاوِلـهْ
لَقَــدْ خَــطَّ رُومِـيٌّ, وَلا زَعَمَاتِـهِ,
لِعُتْبَــةَ خَطًّـا لَـمْ تُطَبَّـقْ مَفَاصِلُـهْ
بِغَـيْرِ كتـابٍ وَاضِـحٍ مِـنْ مُهَـاجِرٍ
وَلا مُقْعَــدٍ مِنِّــي بخَـصْمٍ أُجَادِلـهْ
هذه قصة حية . وكان في المطبوعة : " عيينة " ، والصواب من الديوان ، ومما يدل عليه الشعر السالف إذ سماه " عتبة " ، ثم صغره . و " العادية " ، البئر القديمة ، كأنها من زمن " عاد " . و " التكذاب " ، مصدر مثل " الكذب " . و " الجعائل " ، الرشي ، تجعل للعامل المرتشي .
(29) انظر هذا في معاني القرآن للفراء 1 : 414 - 416 .
(30) كان في المطبوعة : " ثم حذف الهمز وأضمر " ، وهو كلام لا تفلته الخساسة . وصواب قراءة المخطوطة : " أنهم " كما أثبتها ، وهو واضح جدًا .
(31) انظر ما سلف 7 : 417 ، تفسير هذه الآية .
(32) " الصلة " ، الزيادة ، كما سلف مرارًا ، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف .
(33) " التطويل " ، الزيادة أيضًا . انظر ما سلف 1 : 118 ، 224 ، 405 ، 406 ، 440 ، 441 ، وهو هناك " التطول " .
(34) انظر تفسير " أعجز " فيما سلف 12 : 128 .
المعاني :
التدبر :
الإعراب :
المتشابهات :
آل عمران: 178 | ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ﴾ |
---|
آل عمران: 180 | ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم﴾ |
---|
الأنفال: 59 | ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ |
---|
أسباب النزول :
لم يذكر المصنف هنا شيء
الترابط والتناسب :
القراءات :
جاري إعداد الملف الصوتي
ولا يحسبن:
1- بالياء، وهى قراءة ابن عامر، وحمزة، وحفص.
وقرئ:
2- بالتاء، وهى قراءة باقى السبعة.
3- ولا يحسب، بفتح السين والياء وحذف النون، وهى قراءة الأعمش.
لا يعجزون:
وقرئ:
1- لا يعجزونى، بكسر النون وياء بعدها، وهى قراءة ابن محيصن.
4- لا يعجزون، بكسر النون من غير تشديد ولا ياء، وهى قراءة طلحة.
التفسير :
أي {وَأَعِدُّوا} لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم. {مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأْي: والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتَعَلُّم الرَّمْيِ، والشجاعة والتدبير. ولهذا قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (ألا إن القوة الرَّمْيُ) ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال،ولهذا قال تعالى: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته. فإذا كان شيء موجود أكثر إرهابا منها، كالسيارات البرية والهوائية، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، كانت مأمورا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها،حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلُّم الصناعة، وجب ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب وقوله: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْْ} ممن تعلمون أنهم أعداؤكم. ْ{وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ} ممن سيقاتلونكم بعد هذا الوقت الذي يخاطبهم الله به ْ{اللَّهُ يَعْلَمُهُم}ْ فلذلك أمرهم بالاستعداد لهم،ومن أعظم ما يعين على قتالهم بذلك النفقات المالية في جهاد الكفار. ولهذا قال تعالى مرغبًا في ذلك: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّه}ِ قليلا كان أو كثيرًا {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} أجره يوم القيامة مضاعفًا أضعافًا كثيرة، حتى إن النفقة في سبيل اللّه، تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.{وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} أي: لا تنقصون من أجرها وثوابها شيئًا.
وقوله: وَأَعِدُّوا.. معطوف على ما قبله، وهو من الإعداد بمعنى تهيئة الشيء للمستقبل، والخطاب لكافة المؤمنين.
والرباط في الأصل مصدر ربط، أى شد، ويطلق، بمعنى المربوط مطلقا، وكثر استعماله في الخيل التي تربط في سبيل الله. فالإضافة إما باعتبار عموم المفهوم الأصلى، أو بملاحظة كون الرباط مشتركا بين معان أخر كملازمة الثغور، والمواظبة على الأمر، فإضافته لأحد معانيه للبيان.
قال صاحب الكشاف: والرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال- يقال نعم الربيط هذا، لما يرتبط من الخيل.
والمعنى: عليكم- أيها المؤمنون- أن تعدوا لقتال أعدائكم ما تستطيعون إعداده من وسائل القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها.
وجاء- سبحانه- بلفظ قُوَّةٍ منكرا، ليشمل كل ما يتقوى به في الحرب كائنا ما كان.
قال الجمل: وقوله مِنْ قُوَّةٍ في محل نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما أنه الموصول. والثاني: أنه العائد عليه، إذ التقدير ما استطعتموه حال كونه بعض القوة، ويجوز أن تكون مِنْ لبيان الجنس.
وقوله: وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ معطوف على ما قبله من عطف الخاص على العام.
أى: أعدوا لقتال أعدائكم، ما أمكنكم من كل ما يتقوى به عليهم في الحرب، من نحو:
حصون وقلاع وسلاح. ومن رباط الخيل للغزو والجهاد في سبيل الله.
وخص رباط الخيل بالذكر من بين ما يتقوى به، لمزيد فضلها وغنائها في الحرب، ولأن الخيل كانت الأداة الرئيسية في القتال في العهد النبوي، وقوله: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ بيان للمقصود من الأمر بإعداد ما يمكنهم إعداده من قوة.
وقوله: تُرْهِبُونَ من الرهبة وهي مخافة مع تحرز واضطراب.
والضمير المجرور- وهو قوله بِهِ- يعود إلى الإعداد المأخوذ من قوله وَأَعِدُّوا.
أى: أعدوا ما استطعتم من قوة، حالة كونكم مرهبين بهذا الإعداد عدو الله وعدوكم، من كل كافر ومشرك ومنحرف عن طريق الحق، وعلى رأس هؤلاء جميعا. كفار مكة الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق، ويهود المدينة الذين لم يتركوا وسيلة للإضرار بكم إلا فعلوها.
وقوله وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ معطوف على ما قبله.
أى: ترهبون بهذا الإعداد أعداء معروفين لكم- كمشركي مكة ويهود المدينة، وترهبون به أيضا أعداء آخرين غيرهم أنتم لا تعرفونهم لأنهم يخفون عداوتهم لكم، ولكن الله- تعالى- الذي لا يخفى عليه شيء يعلمهم، وسيحبط أعمالهم.
وقد اختلف المفسرون في المراد بهؤلاء الأعداء الذين عبر الله عنهم بقوله لا تعلمونهم الله يعلمهم، فمنهم من قال: المراد بهم بنو قريظة ومنهم من قال: المراد بهم أهل فارس والروم.
ورجح ابن جرير أن المراد بهم: كفار الجن.. لأن المؤمنين كانوا عالمين بمداراة بنى قريظة وفارس والروم لهم ... والمعنى ترهبون بذلك الإعداد عدو الله وعدوكم من بنى آدم الذين علمتم عداوتهم، وترهبون به جنسا آخر من غير بنى آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم، الله يعلمهم دونكم، لأن بنى آدم لا يرونهم».
ورجح الفخر الرازي أن المراد بهم المنافقون، قال: لأن المنافق من عادته أن يتربص ظهور الآفات، ويحتال في إلقاء الإفساد والتفريق بين المسلمين- بطرق قد لا تعرف، فإذا شاهد كون المسلمين في غاية القوة خافهم وترك الأفعال المذمومة».
ولعل ما رجحه الفخر الرازي هو الأقرب إلى الصواب، لأن عداوة المنافقين للمؤمنين كثيرا ما تكون خافية، ويشهد لهذا قوله- تعالى- في آية أخرى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بالدعوة إلى الإنفاق في سبيله، وبشر المنفقين بحسن الجزاء فقال: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ.
أى: وَما تُنْفِقُوا- أيها المؤمنون- مِنْ شَيْءٍ قل أو كثر هذا المنفق فِي سَبِيلِ اللَّهِ أى في وجوه الخيرات التي من أجلّها الجهاد لإعلاء كلمة الدين يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أى:
يصل إليكم عوضه في الدنيا وأجره في الآخرة وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أى: لا تنقصون شيئا من العوض أو الأجر.
قالوا: والتعبير بالظلم- مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلما- لبيان كمال نزاهته- سبحانه- عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه- تعالى- من القبائح، وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة عليه- تعالى-» .
هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى:
1- وجوب إعداد القوة الحربية للدفاع عن الدين وعن الوطن وعن كل ما يجب الدفاع عنه، لأن أعداء الإسلام إذا ما علموا أن أتباعه أقوياء هابوهم، وخافوا بأسهم، ولم يجرؤوا على مهاجمتهم.
قال القرطبي: وقوله- تعالى- وَأَعِدُّوا لَهُمْ. أمر الله المؤمنين بإعداد القوة للأعداء، بعد أن أكد تقدمة التقوى. فإن الله- تعالى- لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم، وبحفنة من تراب، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أراد أن يبتلى بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ ... ».
وقال بعض العلماء: دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية، اتقاء بأس العدو وهجومه، ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية أيام حضارة الإسلام، كان الإسلام عزيزا، عظيما، أبى الضيم، قوى القنا، جليل الجاه، وفير السنا، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض، فقبض على ناصية الأقطار والأمصار.
أما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة، ومالوا إلى النعيم والترف، فأهملوا فرضا من فروض الكفاية، فأصبحت جميع الأمة آثمة بترك هذا الفرض، ولذا تعانى اليوم من غصته ما تعانى.
وكيف لا يطمع العدو في بلاد الإسلام، وهو لا يرى فيها معامل للأسلحة، وذخائر الحرب، بل كلها مما يشترى من بلاد العدو؟
أما آن لها أن تتنبه من غفلتها، فتعد العدة التي أمر الله بها لأعدائها، وتتلافى ما فرطت قبل أن يداهم العدو ما بقي منها بخيله ورجله..؟
إن القوة التي طلب الله من المؤمنين إعدادها لإرهاب الأعداء، تتناول كل ما من شأنه أن يجعل المؤمنين أقوياء. كإعداد الجيوش المدربة، والأسلحة المتنوعة التي تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة.
وما روى من تفسير القوة- التي وردت في الآية- بالرمي، فإنما هو على سبيل المثال، ولأن الرمي كان في ذلك الوقت أقوى ما يتقوى به.
قال الفخر الرازي عند تفسيره للآية، والمراد بالقوة هنا ما يكون سببا لحصول القوة، وذكروا فيه وجوها:
الأول: المراد من القوة أنواع الأسلحة.
الثاني: روى أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر وقال: «ألا إن القوة الرمي» قالها ثلاثا.
الثالث: قال بعضهم: القوة هي الحصون.
الرابع: قال أصحاب المعاني: الأولى أن يقال: هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة، وقوله صلى الله عليه وسلم: «القوة هي الرمي» لا ينفى كون غير الرمي معتبرا. كما أن قوله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة» «والندم توبة» لا ينفى اعتبار غيره. بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا هنا.
وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل، والسلاح، وتعليم الفروسية، والرمي فريضة إلا أنه من فروض الكفايات .
إن رباط الخيل للجهاد في سبيل الله فضله عظيم، وثوابه كبير، فقد كانت الخيل هي خير ما عرف العرب من وسائل الانتقال في الحرب وأسرعها، وما زالت الخيل لها قيمتها في بعض أنواع الحروب.
قال القرطبي، فإن قيل: إن قوله وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ كان يكفى، فلماذا خص الخيل بالذكر؟.
قيل له: إن الخيل لما كانت أصل الحرب وأوزارها التي عقد الخير في نواصيها، وهي أقوى القوة، وأشد العدة، وحصون الفرسان، وبها يجال في الميدان، لما كانت كذلك خصها بالذكر تشريفا، وأقسم بغبارها تكريما، فقال: «والعاديات ضبحا».
وقال الإمام ابن العربي: وأما رباط الخيل فهو فضل عظيم ومنزلة شريفة.
روى الأئمة عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل ثلاثة، لرجل ستر، ولرجل أجر، وعلى رجل وزر. فأما الذي هي عليه وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء لأهل الإسلام- أى: مناوأة ومعاداة- فهي عليه وزر.
وأما الذي هي عليه ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في ظهورها فهي عليه ستر.
وأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج أو روضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب الله له عدد ما أكلت حسنات..» .
وروى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوى ناصية فرس بإصبعيه وهو يقول: «الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة».
4- أن المقصود من إعداد العدة في الإسلام إنما هو إرهاب الأعداء حتى لا يفكروا في الاعتداء على المسلمين، وحتى يعيش أتباع هذا الدين آمنين مطمئنين في ديارهم، وحتى يستطيعوا أن يبلغوا رسالة الله إلى خلقه من الناس دون أن يخشوا أحدا سواه- عز وجل..
وليس المقصود بإعداد العدة إرهاب المسالمين، أو العدوان على الآمنين، أو القهر والإذلال للناس واستغلالهم فيما يغضب الله- تعالى-..
ولذلك وجدنا الآية صريحة في بيان المقصود من هذا الإعداد، وهو- كما عبرت عنه تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ....
وهناك آيات أخرى صريحة في بيان سبب مشروعية القتال في الإسلام ومن ذلك قوله- تعالى-: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ .
وقوله- تعالى-: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ والخلاصة: أن من تتبع آيات القرآن الواردة في القتال يجدها جميعها تقرر أن سبب القتال في الإسلام ينحصر في رد العدوان، وحماية الدعوة الإسلامية من التطاول عليها وتثبيت حرية العقيدة، وتطهير الأرض من الظلم والطغيان.
5- وجوب الإنفاق في سبيل الله، ومن أشرف وجوه الإنفاق في سبيل الله أن يبذل المسلم ما يستطيع بذله في الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، والذي ما تركه قوم إلا ذلوا ... وألقوا بأنفسهم في التهلكة.
ولقد بشرت الآية الكريمة المنفقين في سبيل الله، بأنه- سبحانه- سيجازيهم على إنفاقهم جزاء وافيا لا نقص معه ولا ظلم.
قال- تعالى- وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ وفي الحديث الشريف الذي رواه الترمذي عن أبى يحيى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف».
ثم أمر- تعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم بقبول السلم والمصالحة، إذا ما رغب أعداؤه في ذلك، وكانت ظواهرهم وأفعالهم تدل على صدق نواياهم فقال- تعالى-:
فقال : ( وأعدوا لهم ما استطعتم ) أي : مهما أمكنكم ، ( من قوة ومن رباط الخيل )
قال الإمام أحمد : حدثنا هارون بن معروف ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن أبي علي ثمامة بن شفي ، أنه سمع عقبة بن عامر يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو على المنبر : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي
رواه مسلم ، عن هارون بن معروف ، وأبو داود عن سعيد بن منصور ، وابن ماجه عن يونس بن عبد الأعلى ، ثلاثتهم عن عبد الله بن وهب ، به .
ولهذا الحديث طرق أخر ، عن عقبة بن عامر ، منها ما رواه الترمذي ، من حديث صالح بن كيسان ، عن رجل ، عنه .
وروى الإمام أحمد وأهل السنن ، عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ارموا واركبوا ، وأن ترموا خير من أن تركبوا
وقال الإمام مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الخيل لثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ؛ فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله ، فأطال لها في مرج - أو : روضة - فما أصابت في طيلها ذلك من المرج - أو : الروضة - كانت له حسنات ، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ، ولم يرد أن يسقي به ، كان ذلك حسنات له ؛ فهي لذلك الرجل أجر . ورجل ربطها تغنيا وتعففا ، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها ، فهي له ستر ، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء فهي على ذلك وزر . وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحمر فقال : ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [ الزلزلة : 7 ، 8 ] .
رواه البخاري - وهذا لفظه - ومسلم ، كلاهما من حديث مالك .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، أخبرنا شريك ، عن الركين بن الربيع عن القاسم بن حسان ؛ عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الخيل ثلاثة : ففرس للرحمن ، وفرس للشيطان ، وفرس للإنسان ، فأما فرس الرحمن فالذي يربط في سبيل الله ، فعلفه وروثه وبوله ، وذكر ما شاء الله . وأما فرس الشيطان فالذي يقامر أو يراهن عليه ، وأما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها ، فهي ستر من فقر .
وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل ، وذهب الإمام مالك إلى أن الركوب أفضل من الرمي ، وقول الجمهور أقوى للحديث ، والله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج وهشام قالا حدثنا ليث ، حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن ابن شماسة : أن معاوية بن حديج مر على أبي ذر ، وهو قائم عند فرس له ، فسأله ما تعالج من فرسك هذا ؟ فقال : إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته ! قال : وما دعاء بهيمة من البهائم ؟ قال : والذي نفسي بيده ما من فرس إلا وهو يدعو كل سحر فيقول : اللهم أنت خولتني عبدا من عبادك ، وجعلت رزقي بيده ، فاجعلني أحب إليه من أهله وماله وولده
قال : وحدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبد الحميد بن جعفر ؛ حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن سويد بن قيس ؛ عن معاوية بن حديج ؛ عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنه ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر ، يدعو بدعوتين ، يقول : اللهم إنك خولتني من خولتني من بني آدم ، فاجعلني من أحب أهله وماله إليه - أو - أحب أهله وماله إليه .
رواه النسائي ، عن عمرو بن علي الفلاس ، عن يحيى القطان ، به .
وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا يحيى بن حمزة ، حدثنا المطعم بن المقدام الصنعاني ، عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال لابن الحنظلية - يعني : سهلا - : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، وأهلها معانون عليها ، ومن ربط فرسا في سبيل الله كانت النفقة عليه ، كالماد يده بالصدقة لا يقبضها .
والأحاديث الواردة في فضل ارتباط الخيل كثيرة ، وفي صحيح البخاري ، عن عروة بن أبي الجعد البارقي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة : الأجر والمغنم .
وقوله : ترهبون أي : تخوفون ( به عدو الله وعدوكم ) أي من الكفار ( وآخرين من دونهم ) قال مجاهد : يعني قريظة ، وقال السدي : فارس ، وقال سفيان الثوري : قال ابن يمان : هم الشياطين التي في الدور . وقد ورد حديث بمثل ذلك ، قال ابن أبي حاتم :
حدثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحمصي ، حدثنا أبو حيوة - يعني شريح بن يزيد المقرئ - حدثنا سعيد بن سنان ، عن ابن عريب - يعني يزيد بن عبد الله بن عريب - عن أبيه ، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في قوله : ( وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ) قال : هم الجن .
ورواه الطبراني ، عن إبراهيم بن دحيم ؛ عن أبيه ، عن محمد بن شعيب ؛ عن سعيد بن سنان عن يزيد بن عبد الله بن عريب ، به ، وزاد : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يخبل بيت فيه عتيق من الخيل .
وهذا الحديث منكر ، لا يصح إسناده ولا متنه .
وقال مقاتل بن حيان ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هم المنافقون .
وهذا أشبه الأقوال ، ويشهد له قوله : ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ) [ التوبة : 101 ] .
وقوله : ( وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) أي : مهما أنفقتم في الجهاد ، فإنه يوفى إليكم على التمام والكمال ، ولهذا جاء في حديث رواه أبو داود : أن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف كما تقدم في قوله تعالى : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) [ البقرة : 261 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، حدثنا الأشعث بن إسحاق ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأمر ألا يتصدق إلا على أهل الإسلام ، حتى نزلت : ( وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ) فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين . وهذا أيضا غريب .
القول في تأويل قوله : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (وأعدوا)، لهؤلاء الذين كفروا بربهم، الذين بينكم وبينهم عهد, إذا خفتم خيانتهم وغدرهم، أيها المؤمنون بالله ورسوله =(ما استطعتم من قوة)، يقول: ما أطقتم أن تعدّوه لهم من الآلات التي تكون قوة لكم عليهم، (35) من السلاح والخيل=(ترهبون به عدو الله وعدوكم)، يقول: تخيفون بإعدادكم ذلك عدوَّ الله وعدوكم من المشركين.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16224- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن إدريس قال: سمعت أسامة بن زيد, عن صالح بن كيسان, عن رجل من جهينة، يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، ألا إنَّ الرمي هو القوة, ألا إنّ الرمي هو القوة. (36)
16225- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا سعيد بن شرحبيل قال: حدثنا ابن لهيعة, عن يزيد بن أبي حبيب, وعبد الكريم بن الحارث, عن أبي علي الهمداني: أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: قال الله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)، ألا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: قال الله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ثلاثا. (37)
16226- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا محبوب، وجعفر بن عون، ووكيع، وأبو أسامة، وأبو نعيم=, عن أسامة بن زيد, عن صالح بن كيسان, عن رجل, عن عقبة بن عامر الجهني قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)، فقال: " ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة، الرمي" ثلاث مرات. (38)
16227- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن أسامة بن زيد, عن صالح بن كيسان, عن رجل, عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر, فذكر نحوه. (39)
16228- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا أسامة بن زيد, عن صالح بن كيسان, عن عقبة بن عامر, عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه. (40)
16229- حدثنا أحمد بن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح قال: حدثنا موسى بن عبيدة, عن أخيه، محمد بن عبيدة, عن أخيه عبد الله بن عبيدة, عن عقبة بن عامر, عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، " ألا إن القوة الرمي". (41)
16230- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن شعبة بن دينار, عن عكرمة في قوله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، قال: الحصون =(ومن رباط الخيل)، قال: الإناث. (42)
16231- حدثنا علي بن سهل قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة, عن رجاء بن أبي سلمة قال: لقي رجل مجاهدًا بمكة, ومع مجاهد جُوَالَق،, (43) قال: فقال مجاهد: هذا من القوة! =ومجاهد يتجهز للغزو.
16232- حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، من سلاح.
* * *
وأما قوله: (ترهبون به عدو الله وعدوكم)=
= فقال ابن وكيع:
16233- حدثنا أبي، عن إسرائيل, عن عثمان بن المغيرة الثقفي, عن مجاهد, عن ابن عباس: (ترهبون به عدو الله وعدوكم)، قال: تخزون به عدو الله وعدوكم.
16234- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل, عن عثمان, عن مجاهد، عن ابن عباس, مثله.
16235- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن خصيف, عن عكرمة وسعيد بن جبير, عن ابن عباس: (ترهبون به عدو الله وعدوكم)، قال: تخزون به عدو الله وعدوكم. وكذا كان يقرؤها: (تُخْزُونَ). (44)
16237- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن عثمان بن المغيرة، وخصيف, عن مجاهد, عن ابن عباس: (ترهبون به)، تخزون به. (45)
16238- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل, عن خصيف, عن عكرمة, عن ابن عباس, مثله.
* * *
يقال منه: " أرهبت العدو، ورهَّبته, فأنا أرهبه وأرهِّبه، إرهابًا وترهيبًا, وهو الرَّهَب والرُّهْب ", ومنه قول طفيل الغنوي:
وَيْـلُ أُمِّ حَـيٍّ دَفَعْتُـمْ فِـي نُحُـورِهِمُ
بَنِـي كِـلابٍ غَـدَاة الـرُّعْبِ والرَّهَبِ (46)
* * *
القول في تأويل قوله : وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في هؤلاء " الآخرين "، من هم، وما هم؟
فقال بعضهم: هم بنو قريظة.
*ذكر من قال ذلك:
16239- حدثت عن عمار بن الحسن قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرين من دونهم)، يعني: من بني قريظة.
16240- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرين من دونهم)، قال: قريظة.
* * *
وقال آخرون: من فارس.
* ذكر من قال ذلك:
16241- حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم)، هؤلاء أهل فارس.
* * *
وقال آخرون: هم كل عدو للمسلمين، غير الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرِّد بهم من خلفهم. قالوا: وهم المنافقون.
* ذكر من قال ذلك:
16242- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ ، قال: أخفهم بهم، لما تصنع بهؤلاء. وقرأ: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم). (47)
16243- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم)، قال: هؤلاء المنافقون، لا تعلمونهم لأنهم معكم، يقولون: لا إله إلا الله، ويغزون معكم.
* * *
وقال آخرون: هم قوم من الجنّ.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر المؤمنين بإعداد الجهاد وآلة الحرب وما يتقوّون به على جهاد عدوه وعدوهم من المشركين، من السلاح والرمي وغير ذلك، ورباط الخيل =ولا وجه لأن يقال: عني بـ " القوة "، معنى دون معنى من معاني " القوة ", وقد عمَّ الله الأمر بها.
فإن قال قائل: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بيَّن أن ذلك مرادٌ به الخصوص بقوله: " ألا إن القوة الرمي"؟ (48)
قيل له: إن الخبر، وإن كان قد جاء بذلك، فليس في الخبر ما يدلّ على أنه مرادٌ بها الرمي خاصة، دون سائر معاني القوة عليهم, فإن الرمي أحد معاني القوة, لأنه إنما قيل في الخبر: " ألا إن القوة الرمي"، ولم يقل: " دون غيرها "، ومن " القوة " أيضًا السيف والرمح والحربة, وكل ما كان معونة على قتال المشركين, كمعونة الرمي أو أبلغ من الرمي فيهم وفي النكاية منهم. هذا مع وهاء سند الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . (49)
* * *
وأما قوله: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم)، فإن قول من قال: عنى به الجن, أقربُ وأشبهُ بالصواب، لأنه جل ثناؤه قد أدخل بقوله: وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ، الأمرَ بارتباط الخيل لإرهاب كل عدوٍّ لله وللمؤمنين يعلمونهم, ولا شك أن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس لهم, لعلمهم بأنهم مشركون، وأنهم لهم حرب. ولا معنى لأن يقال: وهم يعلمونهم لهم أعداءً: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم)، ولكن معنى ذلك إن شاء الله: ترهبون بارتباطكم، أيها المؤمنون، الخيلَ عدوَّ الله وأعداءكم من بني آدم الذين قد علمتم عداوتهم لكم، لكفرهم بالله ورسوله, وترهبون بذلك جنسًا آخر من غير بني آدم، لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم، الله يعلمهم دونكم, لأن بني آدم لا يرونهم. وقيل: إن صهيل الخيل يرهب الجن, وأن الجن لا تقرب دارًا فيها فرس. (50)
* * *
فإن قال قائل: فإن المؤمنين كانوا لا يعلمون ما عليه المنافقون, فما تنكر أن يكون عُنِي بذلك المنافقون؟
قيل: فإن المنافقين لم يكن تروعهم خيل المسلمين ولا سلاحهم, وإنما كان يَرُوعهم أن يظهر المسلمون على سرائرهم التي كانوا يستسرُّون من الكفر, وإنما أمر المؤمنون بإعداد القوة لإرهاب العدو, فأما من لم يرهبه ذلك، فغير داخل في معنى من أمر بإعداد ذلك له المؤمنون. وقيل: " لا تعلمونهم ", فاكتفي لـ " العلم "، بمنصوب واحد في هذا الموضع, لأنه أريد: لا تعرفونهم, كما قال الشاعر: (51)
فَـــإِنَّ اللــهَ يَعْلَمُنِــي وَوَهْبًــا
وَأَنَّـــا سَــوْفَ يَلْقَــاهُ كِلانــا (52)
* * *
القول في تأويل قوله : وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما أنفقتم، أيها المؤمنون، من نفقة في شراء آلة حرب من سلاح أو حراب أو كُرَاع أو غير ذلك من النفقات، (53) في جهاد أعداء الله من المشركين يخلفه الله عليكم في الدنيا, ويدَّخر لكم أجوركم على ذلك عنده, حتى يوفِّيكموها يوم القيامة (54) (وأنتم لا تظلمون)، يقول: يفعل ذلك بكم ربكم، فلا يضيع أجوركم عليه.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16244- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق، (وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون)، أي لا يضيع لكم عند الله أجرُه في الآخرة، وعاجل خَلَفه في الدنيا. (55)
-----------------
الهوامش :
(35) انظر تفسير " الاستطاعة " ، فيما سلف 4 : 315 9 : 284 .
(36) الأثر : 16224 - " ابن إدريس " ، وهو " عبد الله بن إدريس الأودي " الإمام ، مضى مرارًا . وكان في المطبوعة والمخطوطة : " أبو إدريس " وهو خطأ صرف .
و " أسامة بن زيد الليثي " ، ثقة ، مضى برقم : 2867 ، 3354 .
و " صالح بن كيسان المدني " ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 1020 ، 5321 .
وسيأتي هذا الخبر من طرق أخرى رقم : 16226 - 16228 ، وسأذكرها عند كل واحد منها ، وانظر تخريج الخبر التالي .
(37) الأثر : 16225 - " سعيد بن شرحبيل الكندي " ، روى عنه البخاري ، وروى له النسائي وابن ماجه بالواسطة . ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 1 442 ، وابن أبي حاتم 2 1 33 .
و " ابن لهيعة " ، مضى مرارًا ، ومضى الكلام في أمر توثيقه .
و " يزيد بن أبي حبيب الأزدي المصري " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها : 11871 .
و " عبد الكريم بن الحارث بن يزيد الحضرمي المصري " ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 1 60 .
و " أبو علي الهمداني " ، هو " ثمامة بن شفي الهمداني " المصري ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 2 177 ، وابن أبي حاتم 1 1 466 .
وهذا إسناد فيه ضعف لمن ضعف ابن لهيعة ، والطبري نفسه سيقول في ص : 37 ، تعليق : 2 ، أنه سند فيه وهاء " .
بيد أن هذا الخبر روي من طرق صحيحة جدا :
رواه مسلم في صحيحه 13 : 64 ، من طريق هارون بن معروف ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن أبي علي ثمامة بن شفي ، بمثله .
ورواه أبو داود في سننه 3 : 20 ، رقم : 2514 ، من طريق سعيد بن منصور ، عن ابن وهب ، بمثله .
ورواه ابن ماجه في سننه : 940 رقم : 2813 ، من طريق يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب بمثله .
ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 328 ، من طريق سعيد بن ابي أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة ، وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين . ولك يخرجه البخاري ، لأن صالح بن كيسان أوقفه " ووافقه الذهبي .
(38) الأثر : 16226 - " محبوب " ، هو " محبوب بن محرز القواريري " ، وثقه ابن حبان ، وضعفه الدارقطني . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4 1 388 .
و " جعفر بن عون المخزومي " ، ثقة ، أخرج له الجماعة ، مضى برقم : 9506 .
وهذا الخبر رواه الترمذي من طريق وكيع عن أسامة بن زيد ، ثم قال : " وقد روى بعضهم هذا الحديث عن أسامة بن زيد ، عن صالح بن كيسان ، عن عقبة بن عامر ، وحديث وكيع أصح ، وصالح بن كيسان لم يدرك عقبة بن عامر ، وأدرك ابن عمر " . وانظر الخبر رقم : 16228 .
(39) الأثر: 16227 - هو مكرر الأثر السالف ، وانظر تخريجه ، رواه من هذه الطريق ، الترمذي في سننه ، كما سلف.
(40) الأثر : 16228 - هذا هو الحديث الذي أشار إليه الترمذي ، وقال فيه : " صالح بن كيسان ، لم يدرك عقبة بن عامر " . انظر ما سلف : 16226 .
(41) الأثر : 16229 - " موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي " ، ضعيف بمرة ، لا تحل الرواية عنه . سلف مرارًا ، آخرها رقم : 11811 ، 14045 ، روى عن أخويه " عبد الله " و " محمد " وأخوه " محمد بن عبيدة بن نشيط الربذي " ، لم أجد له ترجمة ، وهو مذكور في ترجمة أخيه " موسى " ، وترجمة أخيه " عبد الله " ، وأنه روى عنه . وكان أكبر من أخيه موسى بثمانين سنة . وأخوه " عبد الله بن عبيدة بن نشيط الربذي " ، روى عن جماعة من الصحابة ، وثقه بعضهم ، وضعفه آخرون ، وقال أحمد : " موسى بن عبيدة وأخوه ، لا يشتغل بهما " . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 2 101 .
(42) الأثر : 16230 - " شعبة بن دينار الكوفي " ، روى عن مكرمة ، وأبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 2 245 ، وابن أبي حاتم 2 1 368 .
(43) " الجوالق " ( بضم الجيم ، وفتح اللام أو كسرها ) ، وعاء من الأوعية ، هو الذي نسميه اليوم في مصر محرفا " الشوال " .
(44) في المطبوعة والمخطوطة : " وكذا كان يقرؤها : ترهبون " ، والصواب الذي لا شك فيه هنا ، هو " تخزون " ، كما أثبتها ، وقد ذكر قراءة ابن عباس هذه ، ابن خالويه في القراءات الشاذة : 50 ( وفي المطبوعة خطأ ، كتب : يجرون به عدو الله ، والصواب ما أثبت ) ، وقال أبو حيان في تفسيره 4 : 512 : " وقرأ ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد : " تخزون به " ، مكان : ترهبون به = وذكرها الطبري على وجه التفسير لا على وجه القراءة ، وهو الذي ينبغي ، لأنه مخالف لسواد المصحف " .
قلت : وقد رأيت بعد أن الطبري ذكرها أيضًا على جهة القراءة ، ولا يستقيم نصه إلا بما أثبت .
(45) سقط من الترقيم : 16236 ، سهوًا .
(46) ديوانه : 56 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 249 يمدح بها بني جعفر بن كلاب ، من أبيات ثلاثة ، مفردة .
(47) الأثر : 16242 - هذا مكرر الأثر السالف رقم 16220 ، ولا أدري فيم جاء به هنا مفردًا ، وأما الأثر الذي عناه ، فهو الذي يليه ، والظاهر أنه خطأ من الطبري نفسه في النقل . ولفظ هذا الخبر ، يخالف لفظ الخبر السالف قليلا .
(48) انظر الآثار السالفة رقم : 16224 - 16229 .
(49) هذه مرة أخرى تختلف فيها كتابة المخطوطة ، فههنا : " وهاء " ، كما أثبتها ، وكان في المطبوعة : " وهي " ، وانظر ما كتبته ما سلف 9 : 531 ، تعليق : 2 .
ثم انظر ما قلته في تخريج الخبر السالف رقم : 16225 ، وما ذكرته من الطريق الصحيحة في رواية هذا الخبر .
(50) ذكر ابن كثير في تفسيره خبرين ، أحدهما رواه ابن أبي حاتم ، عن زيد بن عبد الله بن عريب ، عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هم الجن، في هذه الآية ثم قال رواه الطبراني ، وزاد : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يخبل بيت فيه عتيق الخيل " ، ( انظر الإصابة : ترجمة عريب ) ، ثم قال ابن كثير : " هذا الحديث منكر ، لا يصح إسناده ولا متنه " . وانظر القرطبي 8 : 38 .
وهذا الذي قاله الطبري ، رده العلماء من قوله ، وحق لهم . وقد رجح ابن كثير وأبو حبان ( 4 : 513 ) ، أن المعنى بذلك هم المنافقون ، وهو القول الذي رده أبو جعفر فيما يلي ، ورد أبي جعفر رد محكم .
فإن كان لنا أن نختار ، فإني أختار أن يكون عني بذلك ، من خفي على المؤمنين أمره من أهل الشرك ، كنصارى الشأم وغيرهم ، ممن لم ينظر المؤمنون عدواتهم بعد ، وهي آتية سوف يرونها عيانًا بعد قليل . وفي الكلام فضل بحث ليس هذا مكانه ، والآية عامة لا أدري كيف يخصصها أبو جعفر ، بخبر لا حجة فيه .
(51) هو النمر بن تولب العكلي .
(52) الاقتضاب : 303 ، المفصل الزمخشري : 88 . وكان النمر بن تولب ، نازع رجلا يقال له " وهب " ، من قومه ، في بئر تدعى " الدحول " ( بالحاء المهملة ) ، في أرض عكل ، نميرة الماء ، يقول فيها من هذه الأبيات :
ولكـــنَّ الدَّحُـــولَ إذَا أتَاهَـــا
عِجَــافُ المَــالِ تتْرُكُــهُ سِـمَانَا
وكان النمر سقاه منها ، فلم يشكر له ، وخان الأمانة ونازعه فيها فقال :
يُريــدُ خِيَــانَتِي وَهْـبٌ , وأَرْجُـو
مِــنَ اللــهِ الــبراءَةَ وَالأمَانَــا
فَـــإِنَّ اللــهَ يَعْلَمُنِـي وَوَهْبًــا
وَيَعْلَـــمُ أَنْ سَـــيَلقَاهُ كِلانَـــا
وَإنَّ بَنِــي رَبِيعَــةَ بَعْــدَ وَهْـبٍ
كَــرَاعِي البَيْــتِ يَحْفَظُـهُ فخانَـا
وكان البيت في المطبوعة والمخطوطة :
فــــإن اللــــهَ يعلمنــــي
وأَنـــا ســوف يلقــاهُ كلانــا
(53) انظر تفسير " النفقة " فيما سلف من فهارس اللغة ( نفق ) .
(54) انظر تفسير " وفي " فيما سلف 12 : 224 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(55) الأثر : 16244 - سيرة ابن هشام 2 : 329 ، 330 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16218 .
المعاني :
التدبر :
الإعراب :
المتشابهات :
البقرة: 272 | ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّـهِ ۚ﴾ |
---|
البقرة: 273 | ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ |
---|
آل عمران: 92 | ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ |
---|
الأنفال: 60 | ﴿لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ |
---|
أسباب النزول :
لم يذكر المصنف هنا شيء
الترابط والتناسب :
القراءات :
جاري إعداد الملف الصوتي
رباط:
وقرئ:
1- ربط، بضم الراء والباء، وهى قراءة الحسن، وأبى حيوة، وعمرو بن دينار.
2- ربط، بضم الراء وسكون الباء، ورويت أيضا عن الحسن، وأبى حيوة.
ترهبون:
وقرئ:
ترهبون، مشددا، وهى قراءة الحسن، ويعقوب، وابن عقيل.
التفسير :
{وَإِنْ جَنَحُوا} أي: الكفار المحاربون، أي: مالوا {لِلسَّلْمِ} أي: الصلح وترك القتال. {فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلًا على ربك، فإن في ذلك فوائد كثيرة. منها: أن طلب العافية مطلوب كل وقت، فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك، كان أولى لإجابتهم. ومنها: أن في ذلك إجمامًا لقواكم، واستعدادا منكم لقتالهم في وقت آخر، إن احتيج لذلك. ومنها: أنكم إذا أصلحتم وأمن بعضكم بعضًا، وتمكن كل من معرفة ما عليه الآخر، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه،.فكل من له عقل وبصيرة إذا كان معه إنصاف فلا بد أن يؤثره على غيره من الأديان، لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم، وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجه، فحينئذ يكثر الراغبون فيه والمتبعون له. فصار هذا السلم عونا للمسلمين على الكافرين. ولا يخاف من السلم إلا خصلة واحدة، وهي أن يكون الكفار قصدهم بذلك خدع المسلمين، وانتهاز الفرصة فيهم،.
وقوله جَنَحُوا من الجنوح بمعنى الميل، يقال: جنح فلان للشيء وإليه- يجنح- مثلث النون- جنوحا. أى: مال إليه.
قال القرطبي: والجنوح: الميل. وجنح الرجل إلى الآخر: مال إليه. ومنه قيل للأضلاع جوانح، لأنها مالت على الحشوة- بضم الحاء وكسرها- أى: الأمعاء.
وجنحت الإبل: إذا مالت أعناقها في السير قال ذو الرمة:
إذا مات فوق الرحل أحييت روحه ... بذكراك والعيس المراسيل جنح
وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيص «للسلم» - بكسر السين- وقرأ الباقون بالفتح.
وإنما قال لَها لأن السلم مؤنثة- تأنيث نقيضها وهي الحرب.. ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة.
والمعنى: عليك- أيها الرسول الكريم- أن تنكل في الحرب بأولئك الكافرين الناقضين لعهودهم في كل مرة، وأن تهيئ ما استطعت من قوة لإرهابهم فإن مالوا بعد ذلك إلى السلم أى: المسالمة والمصالحة فوافقهم ومل إليها ما دامت المصلحة في هذه المسألة.
وقوله وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ معطوف على فَاجْنَحْ لَها لقصد التثبيت وبعث الطمأنينة في قلبه.
أى: اقبل المسالمة ما دام فيها مصلحتك، وفوض أمرك إلى الله- تعالى- ولا تخش مكرهم وكيدهم وغدرهم، إنه- سبحانه- هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْعَلِيمُ بأحوالهم، فيجازيهم بما يستحقون، ويرد كيدهم في نحورهم.
وعبر- سبحانه- عن جنوحهم إلى السلم بحرف إِنْ الذي يعبر به عن الشيء المشكوك في وقوعه، للإشارة إلى أنهم ليسوا أهلا لاختيار المسالمة أو المصالحة لذاتها، وإنما هم جنحوا إليها لحاجة في نفوسهم، فعلى المؤمنين أن يكونوا دائما على حذر منهم، وألا يأمنوا مكرهم.
هذا وقد اختلف العلماء فيمن عنى بهذه الآية. فمنهم من يرى أن المعنى بها أهل الكتاب، ومنهم من يرى أن الآية عامة، أى تشمل أهل الكتاب والمشركين. ثم اختلفوا بعد ذلك في كونها منسوخة أولا؟
وقد حكى ابن جرير معظم هذه الخلافات ورجح أن المقصود بهذه الآية جماعة من أهل الكتاب، وأن الآية ليست منسوخة فقال ما ملخصه:
عن قتادة أن قوله وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها.. منسوخة بقوله في سورة براءة فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. وبقوله وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً.
فقد كانت هذه- أى الآية التي معنا وهي قوله- تعالى- وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ... - قبل براءة. كان النبي صلى الله عليه وسلم يوادع القوم إلى أجل، فإما أن يسلموا، وإما أن يقاتلهم، ثم نسخ ذلك بعد في براءة فقال: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.
وعن عكرمة والحسن البصري قالا: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ... نسختها الآية التي في براءة وهي قوله- تعالى- قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... الآية.
ثم قال ابن جرير: فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل.
لأن قوله وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها.. إنما عنى به بنو قريظة- كما قال مجاهد- وكانوا يهودا أهل كتاب وقد أذن الله- جل ثناؤه- للمؤمنين بصلح أهل الكتاب، ومتاركتهم الحرب، على أخذ الجزية منهم، وأما قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.. فإنما عنى به مشركو العرب من عبدة الأوثان، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفى حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه...
هذا ما يراه ابن جرير. أما ابن كثير فقد وافقه على أن الآية ليست منسوخة، وخالفه في أن المقصود بها بنو قريظة، فهو يرى أن الآية عامة فقد قال- رحمه الله-:
قوله: وَإِنْ جَنَحُوا أى: مالوا لِلسَّلْمِ أى المسالمة والمصالحة والمهادنة فَاجْنَحْ لَها أى: فمل إليها واقبل منهم ذلك. ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر ...
وقال مجاهد: نزلت في بنى قريظة، وهذا فيه نظر، لأن السياق كله في موقعة بدر، وذكرها مكتنف لها كله.
وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة: إن الآية منسوخة بآية السيف في براءة، وهي قوله- تعالى- قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ.
وفيه نظر أيضا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة وَإِنْ جَنَحُوا ... وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية. فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص..».
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن كثير أرجح، لأن الآية الكريمة تقرر مبدأ عاما في معاملة الأعداء، وهو أنه من الجائز مهادنتهم ومسالمتهم ما دام ذلك في مصلحة المسلمين.
ولعل هذا هو ما قصده صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية-: «والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم. وليس يحتم أن يقاتلوا أبدا. أو يجابوا إلى الهدنة أبدا».
يقول تعالى : إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء ، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم ، ( وإن جنحوا ) أي : مالوا ( للسلم ) أي المسالمة والمصالحة والمهادنة ، ( فاجنح لها ) أي : فمل إليها ، واقبل منهم ذلك ؛ ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين ؛ أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر .
وقال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا فضيل بن سليمان - يعني النميري - حدثنا محمد بن أبي يحيى ، عن إياس بن عمرو الأسلمي ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنه سيكون بعدي اختلاف - أو : أمر - فإن استطعت أن يكون السلم ، فافعل .
وقال مجاهد : نزلت في بني قريظة .
وهذا فيه نظر ؛ لأن السياق كله في وقعة بدر ، وذكرها مكتنف لهذا كله .
وقول ابن عباس ، ومجاهد ، وزيد بن أسلم ، وعطاء الخراساني ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة : إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في " براءة " : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) الآية [ التوبة : 29 ] فيه نظر أيضا ؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك ، فأما إذا كان العدو كثيفا ، فإنه تجوز مهادنتهم ، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة ، وكما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإما تخافنّ من قوم خيانة وغدرًا, فانبذ إليهم على سواء وآذنهم بالحرب =(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحربَ, إما بالدخول في الإسلام, وإما بإعطاء الجزية, وإما بموادعة, ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح (56) =(فاجنح لها)، يقول: فمل إليها, وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه.
* * *
يقال منه: " جنح الرجل إلى كذا يجنح إليه جنوحًا ", وهي لتميم وقيس، فيما ذكر عنها, تقول: " يجنُح "، بضم النون، وآخرون: يقولون: " يَجْنِح " بكسر النون, وذلك إذا مال, ومنه قول نابغة بني ذبيان:
جَــوَانِحَ قَــدْ أَيْقَــنَّ أَنَّ قَبِيلَــهُ
إذَا مَـا التَقَـى الجمْعـانِ أَوَّلُ غَـالِبِ (57)
جوانح: موائل.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16245- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وإن جنحوا للسلم) قال: للصلح، ونسخها قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [سورة التوبة: 5]
16246- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وإن جنحوا للسلم)، إلى الصلح=(فاجنح لها)، قال: وكانت هذه قبل " براءة ", وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يوادع القوم إلى أجل, فإما أن يسلموا، وإما أن يقاتلهم, ثم نسخ ذلك بعد في " براءة " فقال: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، وقال: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ، [سورة التوبة: 36]، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده, وأمره بقتالهم حتى يقولوا " لا إله إلا الله " ويسلموا, وأن لا يقبلَ منهم إلا ذلك. وكلُّ عهد كان في هذه السورة وفي غيرها, وكل صلح يصالح به المسلمون المشركين يتوادعون به، فإن " براءة " جاءت بنسخ ذلك, فأمر بقتالهم على كل حال حتى يقولوا: " لا إله إلا الله ".
16247- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح, عن الحسين, عن يزيد, عن عكرمة والحسن البصري قالا ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، نسختها الآية التي في " براءة " قوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ، إلى قوله: وَهُمْ صَاغِرُونَ [سورة التوبة: 29]
16248- حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، يقول: وإن أرادوا الصلح فأرده.
16249- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق,(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، أي: إن دعوك إلى السلم =إلى الإسلام= فصالحهم عليه. (58)
16250- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، قال: فصالحهم. قال: وهذا قد نسخه الجهاد.
* * *
قال أبو جعفر: فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله، من أن هذه الآية منسوخة, فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل.
وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه. فأما ما كان بخلاف ذلك، فغير كائنٍ ناسخا. (59)
وقول الله في براءة: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، غير نافٍ حكمُه حكمَ قوله.(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، لأن قوله: (وإن جنحوا للسلم)، إنما عني به بنو قريظة, وكانوا يهودًا أهلَ كتاب, وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحربَ على أخذ الجزية منهم.
وأما قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فإنما عُني به مشركو العرب من عبدة الأوثان، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم. فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى, بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنـزلت فيه.
16251- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وإن جنحوا للسلم)، قال: قريظة.
* * *
وأما قوله: (وتوكل على الله)، يقول: فوِّض إلى الله، يا محمد، أمرك, واستكفِه، واثقًا به أنه يكفيك (60) كالذي:-
16252- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (وتوكل على الله)، إن الله كافيك. (61)
* * *
وقوله: (إنه هو السميع العليم)، يعني بذلك: إن الله الذي تتوكل عليه، " سميع "، لما تقول أنت ومن تسالمه وتتاركه الحربَ من أعداء الله وأعدائك عند عقد السلم بينك وبينه, وما يشترط كل فريق منكم على صاحبه من الشروط (62) =" العليم "، بما يضمره كل فريق منكم للفريق الآخر من الوفاء بما عاقده عليه, ومن المضمر ذلك منكم في قلبه، والمنطوي على خلافه لصاحبه. (63)
------------------------
الهوامش:
(56) انظر تفسير " السلم " فيما سلف 4 : 251 - 255 .
(57) ديوانه : 43 ، من شعره المشهور في عمرو بن الحارث الأعرج ، حين هرب إلى الشأم ، من النعمان بن المنذر في خبر المتجردة ، وقبله ، ذكر فيها غارة جيشه ، والنسور التي تتبع الجيش :
إذَا مَـا غَـزَوْا بِـالجَيْشِ , حَلَّقَ فَوْقَهُمْ
عَصَــائِبُ طَـيْرٍ تَهْتَـدِي بِعَصَـائِبِ
يُصَــاحبْنَهُمْ حَـتَّى يُغِـرْنَ مُغَـارَهم
مِـنَ الضَّارِيَـاتِ بالدِّمَـاءِ الـدَّوَارِبِ
تَـرَاهُنَّ خَـلْفَ القـومِ خُـزْرًا عُيُونهَا
جُـلُوسَ الشُّـيُوخِ فِـي ثِيَابِ المَرَانِبِ
جَــوانِحَ قَــدْ أيْقَـنَّ . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا من جيد الشعر وخالصه .
(58) الأثر : 16249 - سيرة ابن هشام 2 : 330 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16244 ، وفي السيرة : " إلى السلم على الإسلام " .
(59) انظر مقالته في " النسخ " فيما سلف 11 : 209 ، وما بعده وما قبله في فهارس الكتاب ، وفي فهارس العربية والنحو وغيرها .
(60) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص : 15 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(61) الأثر : 16252 - سيرة ابن هشام 2 : 330 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16249 .
(62) في المطبوعة : " ويشرط كل فريق . . . " ، وفي المخطوطة : " ويشترط . . . " ، والصواب بينهما ما أثبت .
(63) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .
المعاني :
التدبر :
الإعراب :
المتشابهات :
آل عمران: 159 | ﴿وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ﴾ |
---|
النمل: 79 | ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِينِ﴾ |
---|
النساء: 81 | ﴿وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ |
---|
الأنفال: 61 | ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ |
---|
الأحزاب: 3 | ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ |
---|
الأحزاب: 48 | ﴿وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَدَعۡ أَذَىٰهُمۡ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ |
---|
أسباب النزول :
لم يذكر المصنف هنا شيء
الترابط والتناسب :
القراءات :
جاري إعداد الملف الصوتي
لم يذكر المصنف هنا شيء