172164165166167168169170

الإحصائيات

سورة الأعراف
ترتيب المصحف7ترتيب النزول39
التصنيفمكيّةعدد الصفحات26.00
عدد الآيات206عدد الأجزاء1.25
عدد الأحزاب2.50عدد الأرباع10.00
ترتيب الطول4تبدأ في الجزء8
تنتهي في الجزء9عدد السجدات1
فاتحتهافاتحتها
حروف التهجي: 3/29آلمص: 1/1

الروابط الموضوعية

المقطع الأول

من الآية رقم (164) الى الآية رقم (166) عدد الآيات (3)

= بأن نصبُوا شبَاكَهم وحفرُوا حفرَهم، فكانتْ الأسماكُ تقعُ فيها يومَ السبتِ، فإذا كانَ يومُ الأحدِ أخذُوها وأكلُوها، فمسخَهم اللهُ قرَدَةً، وأنجى الذينَ نَهوا عن المنكرِ.

فيديو المقطع


المقطع الثاني

من الآية رقم (167) الى الآية رقم (170) عدد الآيات (4)

بعدَ ذكرِ بعضِ قبائحِ اليهودِ، ناسَبَ ذلك ذكرُ عقابِه لهم بأنَّه سيُسَلِّطُ عليهم مَن يُذيقُهم أشَدَّ العذابِ إلى يومِ القِيامةِ، وتفريقِهم جماعاتٍ مشرَّدِينَ، واستثناءِ الصالحينَ.

فيديو المقطع


مدارسة السورة

سورة الأعراف

الصراع بين الحق والباطل/ احسم موقفك ولا تكن سلبيًّا

أولاً : التمهيد للسورة :
  • • بدأت السورة :: بالصراع بين آدم وإبليس، وأتبعته بالحوار بين أهل الجنة وأهل النار. وكأنها تنادينا: هذه هي بداية الصراع، أو أول صراع: (آدم وإبليس)، وهذه هي النتيجة: (فريق في الجنة وفريق في النار).
  • • ثم عرضت السورة :: الصراع في تاريخ البشرية بين كل نبي وقومه، ويظهر أن نهاية الصراع دائمًا هي هلاك الظالمين بسبب فسادهم، ونجاة المؤمنين بسبب إيمانهم.
ثانيا : أسماء السورة :
  • • الاسم التوقيفي :: «الأعراف».
  • • معنى الاسم :: الأعراف: جمع عُرْفٍ، وعُرْف الجبل ونحوه: أعلاه، ويطلق على السور ونحوه، وقيل لعرف الديك: عُرف، لارتفاعه على ما سواه من جسده، والأعراف: هو ‏السور ‏الذي ‏بين ‏الجنة ‏والنار يحول بين أهليهما. وأهل الأعراف: من تساوت حسناتهم وسيئاتهم يوم القيامة، إذ يوقفون على أعالي سور بين الجنة والنار، ثم يدخلهم الله الجنة بفضله ورحمته.
  • • سبب التسمية :: لورود لفظ "‏الأعراف" ‏فيها، ولم يذكر في غيرها من السور.
  • • أسماء أخرى اجتهادية :: ‏‏«سورة الميقات»، و«سورة الميثاق»، «أَطْوَلُ الطُّولَيَيْنِ» (الطُّولَيَيْن: الأنعام والأعراف، فهما أطول السور المكية).
ثالثا : علمتني السورة :
  • • علمتني السورة :: أن الصراع دائم ومستمر بين الحق والباطل، من بداية خلق آدم إلى نهاية الخلق، مرورًا بنوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام، وفي قصص هؤلاء الأنبياء ظهر لنا كيف أن الله ينجي أولياءه ويهلك أعداءه.
  • • علمتني السورة :: وجوب اتباع الوحي، وحرمة اتباع ما يدعو إليه أصحاب الأهواء والمبتدعة: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾
  • • علمتني السورة :: أن الوزن يوم القيامة لأعمال العباد يكون بالعدل والقسط: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾
  • • علمتني السورة :: أن من أشبه آدم بالاعتراف وسؤال المغفرة والندم والإقلاع إذا صدرت منه الذنوب اجتباه ربه وهداه‏، ومن أشبه إبليس إذا صدر منه الذنب، فإنه لن يزداد من اللّه إلا بعدًا‏.

مدارسة الآية : [164] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ ..

التفسير :

[164] واذكر -أيها الرسول- إذ قالت جماعة منهم لجماعة أخرى كانت تعظ المعتدين في يوم السبت، وتنهاهم عن معصية الله فيه:لِمَ تعظون قوماً الله مهلكهم في الدنيا بمعصيتهم إياه أو معذبهم عذاباً شديداً في الآخرة؟ قال الذين كانوا ينهَوْنهم عن معصية الله:نَعِظهم ون

معظمهم اعتدوا وتجرؤوا، وأعلنوا بذلك. وفرقة أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم. وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم:لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا كأنهم يقولون:لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم اللّه، ولم يصغ للنصيح، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم اللّه، إما بهلاك أو عذاب شديد. فقال الواعظون:نعظهم وننهاهم مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي:لنعذر فيهم. وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي:يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما نجع فيهم الوعظ، وأثر فيهم اللوم. وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل اللّه أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر، والنهي.

ثم بين- سبحانه- طوائف هذه القرية وحال كل طائفة فقال تعالى وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً، قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.

والذي يفهم من الآية الكريمة، - وعليه جمهور المفسرين- أن أهل القرية كانوا ثلاث فرق.

1- فرقة المعتدين في السبت، المتجاوزين حدود الله عن تعمد وإصرار.

2- فرقة الناصحين لهم بالانتهاء عن تعديهم وفسوقهم.

3- فرقة اللائمين للناصحين ليأسهم من صلاح العادين في السبت.

وهذه الفرقة الثالثة هي التي عبر القرآن الكريم عنها بقوله: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً أى: قالت فرقة من أهل القرية، لإخوانهم الذين لم يألوا جهدا في نصيحة العادين في السبت، لم تعظون قوما لا فائدة من وعظهم ولا جدوى من تحذيرهم، لأن الله تعالى قد قضى باستئصالهم وتطهير الأرض منهم، أو بتعذيبهم عذابا شديدا، جزاء تماديهم في الشر، وصممهم عن سماع الموعظة فكان رد الناصحين عليهم مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.

فهم قد عللوا نصيحتهم للعادين بعلتين:

الأولى: الاعتذار إلى الله- تعالى- من مغبة التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

والثانية: الأمل في صلاحهم وانتفاعهم بالموعظة حتى ينجو من العقوبة، ويسيروا في طريق المهتدين.

وقيل: إن أهل القرية كانوا فرقتين، فرقه أقدمت على الذنب فاعتدت في السبت، وفرقة أحجمت عن الأقدام، ونصحت المعتدين بعدم التجاوز لحدود الله- تعالى- فلما داومت الفرقة الواعظة على نصيحتها للفرقة العادية، قالت لها الفرقة العادية على سبيل التهكم والاستهزاء: لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا في زعمكم؟ فاجابتهم الناصحة بقولها. معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون.

والذي نرجحه أن أهل القرية كانوا ثلاث فرق كما قال جمهور المفسرين- لأن هذا هو الظاهر من الضمائر في الآية الكريمة، إذ لو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية (ولعلكم تتقون) بكاف الخطاب، بدل قولهم (ولعلهم يتقون) الذي يدل على أن المحاورة قد دارت بين الفرقة اللائمة، والفرقة الناصحة.

قال الإمام القرطبي عند تفسيره الآية الكريمة: إن بنى إسرائيل افترقت ثلاث فرق «فرقة عصت وصدت، وكانوا، نحوا من سبعين ألفا، فرقة نهت واعتزلت، وكانوا نحوا من اثنى عشر ألفا، وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص، وأن هذه الطائفة هي التي قالت للناهية، لم تعظون قوما- عصاة- الله مهلكهم، أو معذبهم على غلبة الظن. وما عهد حينئذ من فعل الله تعالى بالأمم العاصية؟) .

وقوله مَعْذِرَةً بالنصب على أنها مفعول لأجله أى: وعظناهم لأجل المعذرة، أو منصوبة على أنها مصدر لفعل مقدر من لفظها أى: نعتذر معذرة وقرئت «معذرة» بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أى: موعظتنا معذرة وقد اختار سيبويه هذا الوجه وقال في تعليله: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا ولكنهم قيل لهم لم تعظون؟ فقالوا موعظتنا معذرة.

خبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق : فرقة ارتكبت المحذور ، واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت ، كما تقدم بيانه في سورة البقرة . وفرقة نهت عن ذلك ، [ وأنكرت ] واعتزلتهم . وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ، ولكنها قالت للمنكرة : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) ؟ أي : لم تنهون هؤلاء ، وقد علمتم أنهم هلكوا واستحقوا العقوبة من الله ؟ فلا فائدة في نهيكم إياهم . قالت لهم المنكرة : ( معذرة إلى ربكم ) قرأ بعضهم بالرفع ، كأنه على تقديره : هذا معذرة وقرأ آخرون بالنصب ، أي : نفعل ذلك ( معذرة إلى ربكم ) أي : فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ولعلهم يتقون ) يقولون : ولعل بهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه ، ويرجعون إلى الله تائبين ، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم .

القول في تأويل قوله : وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) (1)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيضًا، يا محمد= " إذ قالت أمة منهم ", جماعة منهم لجماعة كانت تعظ المعتدين في السبت، وتنهاهم عن معصية الله فيه = (2) " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، في الدنيا بمعصيتهم إياه, وخلافهم أمره, واستحلالهم ما حرم عليهم= " أو معذبهم عذابًا شديدًا "، في الآخرة، قال الذين كانوا ينهونهم عن معصية الله مجيبيهم عن قولهم: عظتنا إياهم معذرةٌ إلى ربكم، نؤدِّي فرضه علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر= " ولعلهم يتقون "، يقول: ولعلهم أن يتقوا الله فيخافوه, فينيبوا إلى طاعته، ويتوبوا من معصيتهم إياه، وتعدِّيهم على ما حرّم عليهم من اعتدائهم في السبت، كما: -

15264- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن داود بن الحصين, عن عكرمة, عن ابن عباس: " قالوا معذرة إلى ربكم "، لسخطنا أعمالهم. (3)

* * *

= " ولعلهم يتقون "، : أي ينـزعون عما هم عليه. (4)

* * *

15265- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: " ولعلهم يتقون " قال: يتركون هذا العمل الذي هم عليه.

* * *

واختلفت القرأة في قراءة قوله: " قالوا معذرة " . (5) فقرأ دلك عامة قرأة الحجاز والكوفة والبصرة: (مَعْذِرَةٌ) بالرفع، على ما وصفتُ من معناها.

* * *

وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة: (مَعْذِرَةً) نصبًا, بمعنى: إعذارًا وعظناهم وفعلنا ذلك.

* * *

واختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت: " لم تعظون قوما الله مهلكهم "، هل كانت من الناجية, أم من الهالكة!

فقال بعضهم: كانت من الناجية, لأنها كانت هي الناهيةَ الفرقةَ الهالكةَ عن الاعتداء في السبت. (6)

* ذكر من قال ذلك:

15266- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، هي قرية على شاطئ البحر بين مكة والمدينة، يقال لها: " أيلة ", فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم, فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا في ساحل البحر. فإذا مضى يوم السبت، لم يقدروا عليها. فمكثوا بذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم, فنهتهم طائفة، وقالوا: تأخذونها، وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم ! فلم يزدادوا إلا غيًّا وعتوًّا, وجعلت طائفة أخرى تنهاهم. فلما طال ذلك عليهم، قالت طائفة من النهاة: تعلَّموا أنّ هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب، (7) لم تعظون قومًا الله مهلكهم، وكانوا أشد غضَبًا لله من الطائفة الأخرى, فقالوا: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون "، وكلّ قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله, نجت الطائفتان اللتان قالوا: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، والذين قالوا: " معذرة إلى ربكم "، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان, فجعلهم قردة وخنازير.

15267- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي ، قال حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، إلى قوله: وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ، وذلك أن أهل قرية كانت حاضرة البحر، كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم. يقول: إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرعًا= يعني: من كل مكان= ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، وأنهم قالوا: لو أنا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام! فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم. وقالت طائفة من المؤمنين: إن هؤلاء قوم قد هموا بأمر ليسوا بمنتهين دونه, والله مخزيهم ومعذبهم عذابًا شديدًا. قال المؤمنون بعضهم لبعض: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون "، إن كان هلاك، فلعلنا ننجو، وإما أن ينتهوا فيكون لنا أجرًا. وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يومًا يعبدونه ويتفرغون له فيه, وهو يوم الاثنين. فتعدى الخبثاء من الاثنين إلى السبت, وقالوا: هو يوم السبت! فنهاهم موسى, فاختلفوا فيه, فجعل عليهم السبت, ونهاهم أن يعملوا فيه وأن يعتدوا فيه، وأنّ رجلا منهم ذهب ليحتطب, فأخذه موسى عليه السلام فسأله: هل أمرك بهذا أحد؟ فلم يجد أحدًا أمره, فرجمه أصحابه.

15268- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال بعض الذين نهوهم لبعض: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، يقول: لم تعظونهم، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ".

15269- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا معاذ بن هانئ قال، حدثنا حماد, عن داود, عن عكرمة, عن ابن عباس: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: " لم تعظون قوما الله مهلكهم " أم لا! قال: فلم أزل به حتى عرَّفته أنهم قد نجوا, فكساني حلة. (8)

15270- حدثني المثني قال، حدثنا حماد, عن داود, عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية, فذكر نحوه= إلا أنه قال في حديثه: فما زلت أبصِّره حتى عرَف أنهم قد نجوا.

15271- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال، حدثنا ابن جريج, عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس والمصحف في حجره، وهو يبكي, فقلت: ما يبكيك، جعلني الله فداءك؟ قال: فقرأ: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، إلى قوله: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ قال ابن عباس: لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت، نخاف أن نكون مثلهم! فقلت: أما تسمع الله يقول: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ ؟ فسُرِّي عنه، وكساني حُلّة . (9)

15272- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، حدثني رجل, عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يومًا وهو يبكي, وإذا المصحف في حجره, فأعظمت أن أدنو, ثم لم أزل على ذلك حتى تقدَّمت فجلستُ, فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس، جعلني الله فداءك؟ فقال: هؤلاء الورقات! قال: وإذا هو في " سورة الأعراف "، قال: تعرف أيلة! قلت: نعم! قال: فإنه كان حيّ من يهود، سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغُوصوا، بعد كدٍّ ومؤنة شديدة, كانت تأتيهم يوم السبت شرعًا بيضًا سمانًا كأنها الماخض, (10) تنبطحُ ظهورُها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم. (11) فكانوا كذلك برهة من الدهر, ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت, فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام ! فقالت ذلك طائفة منهم, وقالت طائفة منهم: بل نُهيتم عن أكلها وأخذِها وصيدها في يوم السبت. وكانوا كذلك، حتى جاءت الجمعة المقبلة, فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها, واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحَّت, واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت. وقال الأيمنون: ويلكم! اللهَ، اللهَ، ننهاكم أن تتعرّضوا لعقوبة الله! (12) وقال الأيسرون: " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "؟ قال الأيمنون: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون "! أي: ينتهون, فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا, وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة, فقال الأيمنون: قد فعلتم، يا أعداء الله! والله لا نُبَايتكم الليلة في مدينتكم, (13) والله ما نراكم تصبحون حتى يصيبكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بالعذاب ! (14) فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا, فلم يجابوا, فوضعوا سلّمًا، وأعلوا سور المدينة رجلا فالتفت إليهم فقال: أي عبادَ الله، قردةٌ والله تعاوَى لها أذناب! قال: ففتحوا فدخلوا عليهم, فعرفت القردةُ أنسابها من الإنس, ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة, فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس فتشمّ ثيابه وتبكي, فتقولُ لهم: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: نعم! ثم قرأ ابن عباس: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . قال: فأرى اليهود الذين نَهَوْا قد نجوا, ولا أرى الآخرين ذُكروا, ونحن نرى أشياء ننكرها فلا نقول فيها! قال قلت: إنَّ، جعلني الله فداك, (15) ألا ترى أنهم قد كَرِهوا ما هم عليه، وخالفوهم وقالوا: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم "؟ قال: فأمرَ بي فكسيِت بُرْدَين غليظين.

15273- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة، وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، ذُكر لنا أنه إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان، حتى تتبطَّح على سواحلهم وأفنيتهم، (16) لما بلغها من أمر الله في الماء, فإذا كان في غير يوم السبت، بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم. فأتاهم الشيطان فقال: إنما حرم عليكم أكلها يوم السبت, فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما بعد! ..... (17) قوله: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون "، صار القوم ثلاثة أصناف، (18) أما صنف فأمسكوا عن حرمة الله ونهوا عن معصية الله، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله هيبةً لله، وأما صنف فانتهك الحرمة ووقع في الخطيئة.

15274- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس في قول الله: حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، قال: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت, وكانت تأتيهم يوم السبت شُرّعًا, بلاء ابتلوا به, ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها, بلاء أيضًا، بما كانوا يفسقون. فأخذوها يوم السبت استحلالا ومعصية, فقال الله لهم: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم, فقال بعضهم لبعض: " لم تعظون قومًا ".

15275- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم " حتى بلغ " ولعلهم يتقون "، لعلّهم يتركون ما هم عليه. قال: كانوا قد بُلوا بكفّ الحيتان عنهم, وكانوا يسبتون في يوم السبت ولا يعملون فيه شيئًا, فإذا كان يوم السبت أتتهم الحيتانُ شُرّعًا, وإذا كان غير يوم السبت لم يأت حوتٌ واحد. قال: وكانوا قومًا قد قَرِموا بحب الحيتان ولقوا منه بلاءً, (19) فأخذ رجل منهم حوتًا فربط في ذنبه خيطًا, ثم ربطه إلى خَشَفَةٍ، (20) ثم تركه في الماء, حتى إذا غربت الشمس من يوم الأحد، اجتره بالخيط ثم شواه. فوجد جارٌ له ريح حوت, فقال: يا فلان، إني أجد في بيتك ريح نًونٍ! (21) فقال: لا! قال: فتطلع في تنُّوره فإذا هو فيه، فأخبره حينئذ الخبرَ, فقال: إني أرى الله سيعذِّبك. قال: فلما لم يره عجَّل عذابًا, فلما أتى السبت الآخر أخذ اثنين فربَطَهما, ثم اطلع جارٌ له عليه، فلما رآه لم يعجِّل عذابًا، جعلوا يصيدونه, (22) فاطلع أهل القرية عليهم, فنهاهم الذين ينهون عن المنكر, فكانوا فرقتين: فرقة تنهاهم وتكفّ, وفرقة تنهاهم ولا تكف. فقال الذين نهوا وكفوا، للذين ينهون ولا يكفون: " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "؟ فقال الآخرون: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ". فقال الله: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ . إلى قوله: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ قَالَ اللَّهُ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ . وقال لهم أهل تلك القرية: عملتم بعمل سَوْء, من كان يريد يعتزل ويتطهَّر فليعتزل هؤلاء ! قال: فاعتزل هؤلاء وهؤلاء في مدينتهم, وضربوا بينهم سورًا, فجعلوا في ذلك السور أبوابًا يخرج بعضُهم إلى بعض. قال: فلما كان الليل طرقهم الله بعذابٍ, (23) فأصبح أولئك المؤمنون لا يرون منهم أحدًا, فدخلوا عليهم فإذا هم قردة, الرجل وأزواجه وأولاده، فجعلوا يدخلون على الرجل يعرفونه فيقولون: يا فلان، ألم نحذرك سطوات الله؟ ألم نحذرك نقمات الله؟ ونحذرك ونحذرك؟ قال: فليس إلا بكاء! (24) قال: وإنما عذب الله الذين ظلموا، الذين أقاموا على ذلك. قال: وأما الذين نَهَوْا، فكلهم قد نهى, ولكن بعضهم أفضل من بعض. فقرأ: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ .

15276- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن داود, عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية: " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، قال: لا أدري أنجا القوم أو هلكوا؟ فما زلت أبصِّره حتى عرف أنهم نجوا, وكساني حُلَّة.

15277- حدثني يونس قال، أخبرني أشهب بن عبد العزيز, عن مالك قال: زعم ابن رُومان أن قوله: تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ، قال: كانت تأتيهم يوم السبت, فإذا كان المساء ذهبتْ، فلا يرى منها شيء إلى السبت. فاتخذ لذلك رجل منهم خيطًا ووتدًا, فربط حوتًا منها في الماء يوم السبت, حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه, فوجد الناس ريحه, فأتوه فسألوه عن ذلك, فجحدهم, فلم يزالوا به حتى قال لهم: فإنه جلد حوتٍ وجدناه! فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك= ولا أدري لعله قال: ربط حوتين= فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه, فوجدوا ريحه, فجاءوا فسألوه, فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع! فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم, ففعلوا مثل ما فعل, حتى كثر ذلك. وكانت لهم مدينة لها رَبض, (25) فغلَّقوها, فأصابهم من المسْخ ما أصابهم. فغدا إليهم جيرانهم ممن كان يكون حولهم, يطلبون منهم ما يطلب الناس, فوجدوا المدينة مغلقة عليهم, فنادوا فلم يجيبوهم, فتسوَّروا عليهم, فإذا هم قردة, فجعل القرد يدنو يتمسَّح بمن كان يعرف قبل ذلك، ويدنو منه ويتمسَّح به.

* * *

وقال آخرون: بل الفرقة التي قالت: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، كانت من الفرقة الهالكة.

* ذكر من قال ذلك:

15278- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس, عن محمد بن إسحاق, عن داود بن حصين, عن عكرمة, عن ابن عباس: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إلى قوله: شُرَّعًا ، قال: قال ابن عباس: ابتدعوا السبت فابتلُوا فيه, فحرِّمت عليهم فيه الحيتان, فكانوا إذا كان يوم السبت شَرَعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر. فإذا انقضى السبتُ، ذهبتْ فلم تُرَ حتى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرَّعًا. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك, ثم إنّ رجلا منهم أخذ حوتًا فخزمه بأنفه, (26) ثم ضرب له وَتِدًا في الساحل، وربطه وتركه في الماء. فلما كان الغد، أخذه فشواه فأكله. ففعل ذلك وهم ينظرُون ولا ينكرون, ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نَهوه, حتى ظهر ذلك في الأسواق وفُعِل علانيةً. قال: فقالت طائفة للذين يَنهون: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم "، في سخطنا أعمالهم، وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ، إلى قوله: قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، قال ابن عباس: كانوا أثلاثًا: ثلث نَهوا, وثلث قالوا: " لم تعظون قوما الله مهلكهم "، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا, وهلك سائرهم. فأصبح الذين نهوا عن السوء ذات يوم في مجالسهم يتفقَّدون الناس لا يرونهم, فَعَلوْا على دورهم, (27) فجعلوا يقولون: إنّ للناس لشأنًا, فانظروا ما شأنهم ! فاطلعوا في دورهم, فإذا القوم قد مسخوا في ديارهم قردة, يعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد, ويعرفون المرأة بعينها وإنها لقردة، قال الله: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة: 66].

15279- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي بكر الهذلي, عن عكرمة, عن ابن عباس: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ الآية، قال ابن عباس: نجا الناهون, وهلك الفاعلون, ولا أدري ما صنع بالساكتين!

15280- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, عن ابن عباس: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، قال: هم ثلاث فرق: الفرقة التي وَعَظت, والموعوظة التي وُعِظت, والله أعلم ما فعلت الفرقة الثالثة, وهم الذين قالوا: " لم تعظون قوما الله مهلكهم ".

=وقال الكلبي: هما فرقتان: الفرقة التي وَعَظت, والتي قالت: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم " قال: هي الموعوظة.

15281- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: لأن أكون علمتُ من هؤلاء الذين قالوا: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، أحبُّ إليّ مما عُدِل به!

15282- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عطاء قال، قال ابن عباس: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، قال: أسمع، الله يقول: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ، فليت شعري ما فُعِل بهؤلاء الذين قالوا: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "؟

15283- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن ماهان الحنفي أبي صالح في قوله: تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ، قال: كانوا في المدينة التي على ساحل البحر, وكانت الأيام ستةً, الأحد إلى الجمعة. فوضعت اليهود يوم السبْت, وسبّتوه على أنفسهم, فسبَّته الله عليهم, ولم يكن السبت قبل ذلك, فوكّده الله عليهم, وابتلاهم فيه بالحيتَانِ, فجعلت تشرع يوم السبت, فيتقون أن يصيبُوا منها, حتى قال رجل منهم: والله ما السَّبت بيوم وَكّده الله علينا, ونحن وكّدناه على أنفسنا, فلو تناولت من هذا السمك ! فتناول حوتًا من الحيتان, فسمع بذلك جارُه, فخاف العقوبة، فهرب من منـزله. فلما مكث ما شاء الله ولم تصبه عقوبة، تناول غيرُه أيضًا في يوم السبت. فلما لم تصبهم العقوبة، كثر مَنْ تناول في يوم السبت, واتخذوا يوم السبت، وليلةَ السبت عيدًا يشربون فيه الخمورَ، ويلعبون فيه بالمعازف. فقال لهم خيارهم وصلحاؤهم: ويحكم, انتهوا عما تفعلون, إن الله مهلككم أو معذِّبكم عذابًا شديدًا، أفلا تعقلون؟ ولا تعدوا في السبت! فأبوا, فقال خِيارهم: نضرب بيننا وبينهم حائطًا. ففعلوا، وكان إذا كان ليلة السبت تأذَّوا بما يسمعون من أصواتهم وأصوات المعازف، حتى إذا كانت الليلة التي مُسِخوا فيها, سكنت أصواتهم أوّل الليل, فقال خيارهم: ما شأن قومكم قد سكنت أصواتهم الليلة؟ فقال بعضهم: لعل الخمر غلبَتهم فناموا! فلما أصبحوا، لم يسمعوا لهم حسًّا، فقال بعضهم لبعض: ما لنا لا نسمع من قومكم حسًّا؟ فقالوا لرجل: اصعد الحائط وانظر ما شأنهم. فصعد الحائط، فرآهم يموجُ بعضهم في بعض, قد مُسخوا قردةً, فقال لقومه: تعالوا فانظروا إلى قومكم ما لَقُوا! فصعدوا, فجعلوا ينظرون إلى الرجل فيتوسَّمُون فيه, فيقولون: أي فلان، أنت فلان؟ فيومئ بيده إلى صدره أن نعم، (28) بما كسبت يداي. (29)

15284- حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية, عن أيوب قال، تلا الحسن ذات يوم: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ، فقال: حوتٌ حرمه الله عليهم في يوم، (30) وأحله لهم فيما سوى ذلك, فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه الله عليهم كأنه المخاض، (31) لا يمتنع من أحد. وقلَّما رأيت أحدًا يكثر الاهتمامَ بالذنب إلا واقعه، (32) فجعلوا يَهتمُّون ويمْسِكون، حتى أخذوه, فأكلوا أوْخَم أكلة أكلها قوم قطُّ, (33) أبقاه خزيًا في الدنيا، وأشدُّه عقوبة في الآخرة! (34) وايم الله، [ما حوتُ أخذه قوم فأكلوه، أعظم عند الله من قتل رجل مؤمن] ! (35) وللمؤمن أعظم حرمة عند الله من حوت, ولكن الله جعل موعدَ قومٍ الساعة وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ، [سورة القمر: 46].

15285- حدثني يونس قال، أخبرنا سفيان, عن أبي موسى, عن الحسن قال: جاءتهم الحيتان تشرع في حياضهم كأنها المخاض, (36) فأكلوا والله أوخم أكلة أكلها قوم قط, (37) أسوأه عقوبة في الدنيا، وأشدُّه عذابًا في الآخرة!

وقال الحسن: وقتل المؤمن والله أعظم من أكل الحيتان!

15286- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عطاء قال: كنت جالسًا في المسجد، فإذا شيخ قد جاء وجلس الناسُ إليه, فقالوا: هذا من أصحاب عبد الله بن مسعود! قال: قال ابن مسعود: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ الآية، قال: لما حرم عليهم السبت، كانت الحيتان تأتي يوم السبت, وتأمن فتجيء، (38) فلا يستطيعون أن يمسوها. وكان إذا ذهب السبت ذهبت, فكانوا يتصيّدون كما يتصيد الناس. فلما أرادوا أن يعدوا في السبت, اصطادوا, فنهاهم قوم من صالحيهم, فأبوا, وكَثَرَهم الفجَّار, (39) فأراد الفجار قتالهم, فكان فيهم من لا يشتهون قتاله, أبو أحدهم وأخوه أو قريبه. فلما نهوهم وأبوا، قال الصالحون: إذًا نُتَّهم! وإنا نجعل بيننا وبينهم حائطًا! (40) ففعلوا, فلما فقدوا أصواتهم قالوا: لو نظرتم إلى إخوانكم ما فعلوا ! فنظروا، فإذا هم قد مُسخوا قردةً, يعرفون الكبير بكبره، والصغير بصغره, فجعلوا يبكون إليهم. وكان هذا بعد موسى صلى الله عليه وسلم.

--------------------

الهوامش :

(1) (2) ضبطت الآية (( معذرة )) بالنصب على قراءتنا في مصحفنا ، وتفسير أبي جعفر واختياره في القراءة ، رفع (( معذرة )) ، فتنبه إليه .

(2) (3) انظر تفسير (( أمة )) فيما سلف ص 176 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(3) الأثر: 15264 مضى مطولا برقم: 1139 (2: 170) .

(4) (2) انظر تفسير (( اتقى ) فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) .

(5) (3) انظر ذكر هذه الآية وإعرابها فيما سلف 2 : 107 ، 108 .

(6) (1) في المطبوعة والمخطوطة : (( لأنها كانت من الناهية )) ، ولا معنى لقوله : (( من )) ، هنا ، والصواب ما أثبت .

(7) (2) في المطبوعة والمخطوطة : (( تعلمون ) ، والصواب ما أثبت : (( تعلموا )) فعل أمر ، بتشديد اللام ، بمعنى : اعلموا .

(8) الأثر : 15269 - (( معاذ بن هانئ القيسى )) ، ثقة ، روى عن همام بن يحيى ، ومحمد بن مسلم الطائفي ، وحماد بن سلمة ، وغيرهم 0 0مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/367 ، وابن أبي حاتم 4/1/250 .

(9) (1 ) الأثر: 15271 - مضى صدر هذا الخبر ، وجزء آخر منه فيما سلف برقم : 15254 .

(10) (2) (( الماخض )) ، التي قد دنا ولادها من الشاء وغيرها . وفي حديث الزكاة : (( فاعمد إلى شاة قد امتلأت مخاضاً ، وشحماً )) ، أي نتاجاً ، يعنى بذلك سمنها وبضاضتها .

(11) (3) في المطبوعة وابن كثير 3 : 577 : (( تنتطح )) ولامعنى لها هنا ، وفي المخطوطة (( تلتطح )) ، كانها من قولهم (( لطح الرجل به الأرض )) ، و (( لطحه بالأرض )) ، إاذا ضربه بالأرض . وقاس منه (( التطح )) أي تتقلب ضاربة بظهورها وبطونها الأرض . وصوابها ما أثبت (( تنبطح )) أو ((تتبطح )) ( بتشديد الطاء ) ، أي تتمرغ في البطحاء . وانظر ما سيأتي في ص : 190 ، تعليق : 02 وقد حذف هذه الكلمة السيوطي في روايته للخبر في الدر المنثور 3 : 137 ، كعادته إذا أشكل عليه الكلام .

(12) (1) هذه الجملة : (( وقال الأيمنون ....)) ساقطة من المخطوطة ، ثابتة في المطبوعة . وفي المطبوعة : (( الله ينهاكم عن أن تعترضوا لعقوبة الله )) ، ولا أدرى من أين جاء بها . وأثبت نص ابن كثير في تفسيره 3 : 557 ، وفي الدر المنثور 3 : 137 : (( ويلكم ، لا تتعرضوا لعقوبة الله )) .

(13) (2) في المطبوعة : (( والله لا نبايتنكم )) وفي ابن كثير : 3: 577 : (( لنأتينكم )) ، وفي الدر المنثور 3 : 137 : (( لنسبايتنكم )) ، ومثله في المخطوطة ، وأرجح أن الصواب ما أثبت ، يعنون أنهم لن يبيتوا معهم في مدينتهم . فهذا ظاهر السياق .

(14) (3) في المخطوطة والمطبوعة ، والدر المنثور : (( ما أراكم )) ، والصواب من ابن كثير .

(15) (1) في المطبوعة ، والدر المنثور : (( أي جعلني الله فداك )) ، ولا معنى لها ، وحذفها ابن كثير في روايته الخبر . وأثبت ما في المخطوطة ، وقوله : (( إن )) ( مكسورة الألف مشددة النون ) بمعنى : نعم ، يعنى : إنه قد كان ، وإنهم قد نجوا . قال أبو عبيد في مثله : (( وهذا اختصار من كلام العرب ، يكتفي منه بالضمير ، لأنه قد علم معناه )) . وقد قال مسعود بن عبد الله الأسدي : قَالُوا :غَـــدَرْتَ! فَقُلْــتُ: إنّ! وَرُبّمَــا

نَـالَ العُـلَى وشَـفَى الغَلِيـلَ الغـادِرُ

(16) في المطبوعة : (( تنتطح )) ، وهي في المخطوطة واضحة كما أثبتها ، وانظر التعليق السالف ص : 188 ، رقم : 3 .

(17) وضعت هذه النقط ، لدلالة على خرم في الخبر لاشك فيه ، فإنه غير متصل . ولكن كهذا هو في المخطوطة . وفي المخطوطة لم يسق الآية هكذا بل كتب : ( قوله : (( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً )) ، فقرأ حتى بلغ (( ولعلهم يتقون )) ) ، فكان هذا دليلاً أيضاً على الخرم الذي وقع في نسخة التفسير . ولكن انظر بعض هذا الخبر بهذا الإسناد فيما سلف : 1140.

(18) في المطبوعة : (( فصار )) ، وأثبت ما في المخطوطة بغير فاء ، لأنى لا أعلم ما قبله من السقط الذي حدث ، ما هو .

(19) (( قرم إلى اللحم )) ( بكسر الراء ) ((قرماً)) بفتحتين: اشتدت شهوته إليه. وقوله : (( لقوامنه )) ، الضمير في ((منة))عائد إلى مصدر ((قرموا)) ، أي: القرم.

(20) (2) في المطبوعة : (( خسفة )) ، ولا معنى لها ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، والصواب ما أثبت . و (( الخشفة )) بالخاء المعجمة و (( الحشفة )) بالحاء المهلة ( وبفتح الخاء والشين ) : هي حجارة تنبت في الأرض نباتاً ، أو صخرة رخوة في سهل من الأرض .

(21) (3) (( النون )) : الحوت والسمك .

(22) (4) قوله : (( جعلوا يصيدونه )) ، فخالف السياق المفرد السابق ، فأخشى أن يكون سقط من الكلام ما معناه أن بعض جيرانه اتبعوه وفشا فيهم ، فجعلوا يصيدونه ...

(23) (1) في المطبوعة : (( بعذابه )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(24) (2) في المخطوطة : (( فليس إلا تكاكا )) ، ولا أدرى ما وجهها ، وقد سلف في الخبر رقم 15272 ، في آخره : (( فتشم ثيابه فتبكي)) ، فتركت ما في المطبوعة على حاله ، حتى يتبين لما في المخطوطة وجه مرضى من الصواب .

(25) (1) (( الربض )) ( بفتحتين ) : هو الفضاء حول المدينة .

(26) (1) في المطبوعة : (( فخرم أنفه )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهذا صواب قراءته ونقطه . (( خزم الدابة )) ثقب في أنفها ثقباً ، وجعل فيه خزامة من شعر أو غيره ، و(( الخزامة )) ( بكسر الخاء ) الحلقة المعقودة .

(27) (2) في المطبوعة : (( فعلقوا عليهم دورهم )) ، أراد أن يجتهد فأخطأ أشنع الخطأ ، والصواب البين ما في المخطوطة ، كما أثبته .

(28) (1) في المخطوطة والمطبوعة : (( أي نعم )) ، والصواب الجيد ما أثبت .

(29) (2) الأثر : 15283 - ( ما هان أبو صالح الحنفي )) ، قال البخاري (( ما هان ، أبو سالم الحنفي ، ...وقال بعضهم : ما هان ، أبو صالح ، ولا يصح )) وقد مضى ذلك برقم 3226 ، 13291 ، وهو مترجم في التهذيب و الكبير 4 / 2 / 67 ، ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 434 .

(30) (3) في المطبوعة : (( كان حوتاً حرمه الله )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(31) (4) في المخطوطة : (( كأنه المحاصر )) غير منقوطة ، وكأن ما في المطبوعة هو الصواب ، وقد سلف في ص : 188 ، وتعليق : 2 ، : (( كانت تأتيهم ... بيضاً سماناً كأنها بالمخاض )) ، وفسرته هناك بأنه أراد بالمخاض ، الشاة أو الناقة التي دنا ولادها ، وأنه عنى بذلك سمنها وترارتها . و(( الماخض )) : الإبل الحوامل ، يريد التي امتلأت حملا وسمناً .

(32) (1) (( الاهتمام )) ، يريد : الهم به ، لا من (( الاهتمام )) بمعنى الاغتمام والحزن . وهو صريح القياس : (( اهتم بالأمر )) ، بمعنى (( هم به )) ، ولم تذكرها معاجم اللغة .

(33) (2) استعمال (( قط )) مع غير النفي ، أعنى في المثبت ، مما أنكروه ، وقد جاء في الكلام كثيراً ، ونبه إليه ابن مالك في مشكلات الجامع الصحيح : 193 ، قال : (( وفي قوله : ونحن أكثر ما كنا قط ، استعمال قط غير مسبوقة بنفي ، وهو مما خفي على كثير من النحويين . لأن المعهود استعمالها لاستغراق الزمان الماضي بعد نفي ، نحو : ما فعلت ذلك قط وقد جاءت في هذا الحديث دون نفي . وله نظائر )) . وانظر الخبر الآتي رقم 15285 .

(34) (3) قوله : (( أبقاه خزياً )) ، أعاد الضمير مع (( أفعل )) التفضيل بالإفراد والتذكير ، وهي عائدة إلى (( أكلة )) ، وهي مؤنثة ، وذلك صريح العربية ، وقد مضت الإشارة إلى ذلك فيما سلف 5 : 488 ، تعليق : 1 : 5 : 557 ، تعليق 1 / 6 : 395 ، 396 ، تعليق : 2 / 7 : 87 ، تعليق : 4 والأثر رقم : 14813 . وكان في المطبوعة : (( أثقله خزياً )) ، والصواب من الدر المنثور 3 : 138 ، وفي المخطوطة : (( أبقى خزياً في الدنيا ، وأشد عقوبة في الآخرة )) .

(35) (4) هذه الجملة التي بين القوسين في المطبوعة ، ولم ترد في المخطوطة ، ولا في الدر المنثور 3 : 138 ، ونصها في المخطوطة : (( وايم الله ، للمؤمن أعظم حرمة )) ، فلا أدرى ، أهي زيادة من ناسخ لنسخة أخرى ، أم سقطت من ناسخ نسختنا .

(36) (5) في المخطوطة : (( كأنها المحاصر )) ، كما سلف في الخبر السالف ، انظر ص 196 ، تعليق : 4

(37) (6) انظر التعليق السالف رقم : 3 .

(38) (1) في المطبوعة : (( وتجئ )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(39) (2) (( كثرهم الفجار )) ، أي : غلبوهم بكثرتهم .

(40) (3) في المخطوطة : (( أدانهم ، و أنا نجعل بيننا وبينكم حائطاً )) ، هكذا ، فرأيت قراءتها كما أثبتها . أما في المطبوعة ، فقد غير الجملة وغير ضمائرها فكتب : (( إذًا نباينهم ، وأنا نجعل بيننا وبينهم حائطاً )) . وقوله (( إذا نتهم )) ، يعنى : إذا نتهم بما فعلتم من العدوان في السبت ، ويأخذنا الله بالعقاب ، ونحن براء مما فعلتم .

المعاني :

أُمَّةٌ :       جَمَاعَةٌ السراج
مَعْذِرَةً :       أَيْ: نَعِظُهُمْ؛ لِنُعْذِرَ إِلَى اللهِ فيهِمْ السراج
معذرة إلى ربّكم :       نعِظهم اعتذارا إليه تعالى معاني القرآن

التدبر :

وقفة
[164] افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة عصت يوم السبت بالصيد، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت القوم، وفرقة سكتت واعتزلت؛ فلم تنه ولم تعص، وأن هذه الفرقة لما رأت مهاجرة الناهية وطغيانَ العاصية قالوا للفرقة الناهية: لم تعظون قومًا يريد الله أن يهلكهم أو يعذبهم؟ فقالت الناهية: نَنهاهم معذرة إلى الله، ولعلهم يتقون، فهلكت الفرقة العاصية، ونجت الناهية، واختلف في الثالثة هل هلكت لسكوتها، أو نجت لاعتزالها وتركها العصيان؟
وقفة
[164] ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّـهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ ليتهم إذ قعدوا عن فعل الخير لم يلوموا غيرهم على فعله.
وقفة
[164] ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّـهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ (اللوامون) فئة همهم لوم غيرهم حتى في فعل الخيرات (فلا يبادرون، ولا للوم يتركون).
وقفة
[164] ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ المثبِّطونَ موجُودونَ، فاحذَرْهم.
تفاعل
[164] ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ استعذ بالله الآن من عذاب الدنيا والآخرة.
وقفة
[164] ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر: ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه؛ فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي.
وقفة
[164] ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ النصيحة تبرئة للذمة، ورغبة في هداية الناس.
وقفة
[164] ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ واضِحٌ أنَّ اللهَ سيسْألنَا لماذا لم نُنكِرْ.
وقفة
[164] ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ مع أن الله سیسألنا: لماذا لم ننكر؟ لماذا لم نغير؟ فلا عذر لساكت بعد اليوم!
وقفة
[164] ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ مهما انتشرت المنكرات من﴾ حولنا، فلا ينبغي ترك الإنكار وإلا نزل العذاب بالجميع، ولم ينج أحد.
وقفة
[164] مراعاة المحتسب لعِلَّةِ ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ ، دون عِلَّةِ ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ تجعله يراعي جانبَ المضمون دون الوسيلة، اجعلهما نصب عينيك، وافرح بهداية الناس.
وقفة
[164] مهما فشا المنكر واشتد جبروت أهله فلا يَسوغ ترك إنكاره بحكمة وعلى بصيرة، حماية للمعروف وطلبًا للنجاة و﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.

الإعراب :

  • ﴿ وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ:
  • وإذ قالت: معطوفة بالواو على «إِذْ يَعْدُونَ» وحكمها حكمها في الإعراب. قالت: فعل ماض مبني على الفتح والتاء تاء التأنيث الساكنة لا محل لها. أمة: فاعل مرفوع بالضمة. منهم: جار ومجرور متعلق بصفة محذوفة من «أُمَّةٌ» و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل جر بمن. ويجوز أن تكون «إِذْ» اسما مبنيا على السكون في محل نصب مفعولا به بفعل محذوف تقديره: اذكر. وجملة «قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ» في محل جر مضاف إليه.
  • ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً:
  • الجملة: في محل نصب مفعول به- مقول القول- لم:اللام: حرف جر. والميم اسم استفهام في محل جر باللام وأصلها: لما.وحذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها والجار والمجرور متعلق بتعظون. تعظون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. قوما: مفعول به منصوب بالفتحة المنونة لأنه اسم نكرة.
  • ﴿ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ:
  • الجملة: في محل نصب صفة لقوما. الله لفظ الجلالة: مبتدأ مرفوع للتعظيم بالضمة الظاهرة. مهلك: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة و «هم» ضمير متصل في محل جر بالاضافة. أو معذبهم: معطوفة بأو على «مهلكهم» وتعرب مثلها.
  • ﴿ عَذاباً شَدِيداً:
  • عذابا: مفعول مطلق منصوب بالفتحة لاسم الفاعل «معذّب». شديدا: صفة لعذابا منصوبة مثله.
  • ﴿ قالُوا:
  • فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. الواو ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف فارقة. وجملة «قالُوا» استئنافية لا محل لها من الاعراب.
  • ﴿ مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ:
  • الجملة: في محل نصب مفعول به- مقول القول-.معذرة: مفعول مطلق منصوب بجملة تقديرها «اعتذرنا» وعلامة نصبه الفتحة أو بجملة وعظناهم. إلى رب: جار ومجرور متعلق بمعذرة أو بفعلها والكاف ضمير متصل في محل جر بالاضافة والميم علامة جمع الذكور.
  • ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ:
  • الواو: استئنافية. لعلّ: حرف مشبه بالفعل و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل نصب اسم «لعل». يتقون: تعرب اعراب «تَعِظُونَ» والجملة الفعلية «يَتَّقُونَ» في محل رفع خبر «لعل». '

المتشابهات :

آل عمران: 56﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا شَدِيدًا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ
الأعراف: 164﴿وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ
الإسراء: 58﴿وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا
النمل: 21﴿لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابًا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ
فصلت: 27﴿فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
المجادلة: 15﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
الطلاق: 10﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابًا شَدِيدًا فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [164] لما قبلها :     ولَمَّا كان أهل القرية ثلاث فرق: الأولى: المعتدين في السبت، الثانية: الناصحين لهم، الثالثة: اللائمين للناصحين ليأسهم من صلاح العادين في السبت، وهذه الفرقة الثالثة هي التي قال الله عنها:
﴿ وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

معذرة:
قرئ:
1- بالرفع، وهى قراءة الجمهور.
2- بالنصب، وهى قراءة زيد بن على، وعيسى بن عمر، وطلحة بن مصرف، وعاصم، فى بعض ما روى عنه.

مدارسة الآية : [165] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ..

التفسير :

[165] فلما تركت الطائفة التي اعتدت في يوم السبت ما ذُكِّرت به، واستمرت على غيِّها واعتدائها فيه، ولم تستجب لما وَعَظَتْها به الطائفة الواعظة، أنجى الله الذين ينهَوْن عن معصيته، وأخذ الذين اعتدَوْا في يوم السبت بعذاب أليم شديد؛ بسبب مخالفتهم أمر الله وخروج

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أي:تركوا ما ذكروا به، واستمروا على غيهم واعتدائهم. أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وهكذا سنة اللّه في عباده، أن العقوبة إذا نـزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم الذين اعتدوا في السبت بِعَذَابٍ بَئِيسٍ أي:شديد بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين:لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ فاختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم، والظاهر أنهم كانوا من الناجين، لأن اللّه خص الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون. فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت، ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم:لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فأبدوا من غضبهم عليهم، ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعلهم، وأن اللّه سيعاقبهم أشد العقوبة.

ثم بين- سبحانه- عاقبة كل من الفرقة الناهية والعاصية فقال تعالى فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أى: فلما لج الظالمون في طغيانهم، وعموا وصموا عن النصيحة أنجينا الناصحين، وأخذنا العادين بعذاب شديد لا رحمة فيه بسبب خروجهم على أوامر الله.

والآية الكريمة صريحة في بيان أن الذين أخذوا بالعذاب البئيس هم الظالمون المعتدون وأن الذين نجوا هم الناهون عن السوء، أما الفرقة الثالثة التي لامت الناهين عن السوء على وعظهم للمعتدين، فقد سكتت عنها.

ويرى بعض المفسرين: أنها لم تنج، لأنها لم تنه عن المنكر. فضلا عن أنها لامت الناصحين لغيرهم.

ويرى جمهور المفسرين: أنها نجت، لأنها كانت كارهة لما فعله العادون في السبت ولم ترتكب شيئا مما ارتكبوه، وإذا كانت قد سكتت عن النصيحة، فلأنها كانت يائسة من صلاح المعتدين، ومقتنعة بأن القوم قد أصبحوا محل سخط الله وعذابه، فلا جدوى وراء وعظهم، وإلى هذا الرأى ذهب صاحب الكشاف وغيره.

قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: الأمة الذين قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا- من أى الفريقين هم؟ أمن فريق الناجين أم من فريق المعذبين. قلت من فريق الناجين، لأنهم من فريق الناهين، غرضا صحيحا لعلمهم بحال القوم. وإذا علم الناهي حال المنهي، وأن النهى لا يؤثر فيه، سقط عنه النهى، وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث، ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر والجلادين المرتبين للتعذيب، لتعظهم وتكفهم عما هم فيه، كان ذلك عبثا منك، ولم يكن إلا سببا للتلهى بك، أما الآخرون فإنهم لم يعرضوا عنهم، إما لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين، ولم يخبروهم كما خبروهم. أو لفرط حرصهم وجدهم في أمرهم، كما وصف الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام في قوله فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً .

وقال الإمام ابن كثير: (ويروى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أنه قال عند ما سئل عن مصير الفرقة اللائمة، ما أدرى ما فعل بهم، ثم صار إلى نجاتهم لما قال له غلامه عكرمة:

ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقال لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قال عكرمة: فلم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا فكساني حلة) .

والذي نرجحه أن مصير هذه الفرقة مفوض إلى الله، لأنه لم يرد نص صحيح في شأنها، فإن الآية الكريمة قد ذكرت صراحة عاقبة كل من الناصحين والعادين ولم تذكر مصير الفرقة اللائمة للناصحين ولعل ذلك مرجعه إلى أنها وقفت من العادين في السبت موقفا سلبيا استحقت معه الإهمال، إن لم تكن بسببه أهلا للمؤاخذة.

قال تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به ) أي : فلما أبى الفاعلون المنكر قبول النصيحة ، ( أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ) أي : ارتكبوا المعصية ( بعذاب بئيس ) فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين ، وسكت عن الساكتين ; لأن الجزاء من جنس العمل ، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا ، ولا ارتكبوا عظيما فيذموا ، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم : هل كانوا من الهالكين أو من الناجين ؟ على قولين :

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) [ قال : ] هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة ، يقال لها : " أيلة " ، فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم ، وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعا في ساحل البحر ، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها . فمضى على ذلك ما شاء الله ، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم ، فنهتهم طائفة وقالوا : تأخذونها وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم ؟ فلم يزدادوا إلا غيا وعتوا ، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم ، فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة : تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب ، ( لم تعظون قوما الله مهلكهم [ أو معذبهم عذابا شديدا ] ) وكانوا أشد غضبا لله من الطائفة الأخرى ؟ فقالوا : ( معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) وكل قد كانوا ينهون ، فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) والذين قالوا : ( معذرة إلى ربكم ) وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان ، فجعلهم قردة .

وروى العوفي ، عن ابن عباس قريبا من هذا .

وقال حماد بن زيد ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) قال : ما أدري أنجى الذين قالوا : " أتعظون قوما الله مهلكهم " ، أم لا ؟ قال : فلم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا ، فكساني حلة .

قال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج ، حدثني رجل ، عن عكرمة قال : جئت ابن عباس يوما وهو يبكي ، وإذا المصحف في حجره ، فأعظمت أن أدنو ، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست ، فقلت : ما يبكيك يا أبا عباس ، جعلني الله فداك ؟ قال : فقال : هؤلاء الورقات . قال : وإذا هو في " سورة الأعراف " ، قال : تعرف أيلة قلت : نعم . قال : فإنه كان بها حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة ، كانت تأتيهم يوم السبت شرعا بيضا سمانا كأنها الماخض ، تتبطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم . فكانوا كذلك برهة من الدهر ، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال : إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت ، فخذوها فيه ، وكلوها في غيره من الأيام . فقالت ذلك طائفة منهم ، وقالت طائفة : بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت . فكانوا كذلك ، حتى جاءت الجمعة المقبلة ، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها ، واعتزلت طائفة ذات اليمين ، وتنحت واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت . وقال الأيمنون : ويلكم ، الله الله ننهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله . وقال الأيسرون : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) ؟ قال الأيمنون : ( معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) إن ينتهوا فهو أحب إلينا ألا يصابوا ولا يهلكوا ، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم . فمضوا على الخطيئة ، وقال الأيمنون : فقد فعلتم ، يا أعداء الله . والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم ، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب . فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا ، فلم يجابوا ، فوضعوا سلما ، وأعلوا سور المدينة رجلا فالتفت إليهم فقال : أي عباد الله ، قردة والله تعاوي لها أذناب . قال : ففتحوا فدخلوا عليهم ، فعرفت القرود أنسابها من الإنس ، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة ، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ، فتقول : ألم ننهكم عن كذا ؟ فتقول برأسها ، أي نعم . ثم قرأ ابن عباس : ( فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ) قال : فأرى الذين نهوا قد نجوا ، ولا أرى الآخرين ذكروا ، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها ؟ . قال : قلت : جعلني الله فداك ، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه ، وخالفوهم وقالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) ؟ قال : فأمر لي فكسيت ثوبين غليظين

وكذا روى مجاهد ، عنه .

وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، أخبرنا أشهب بن عبد العزيز ، عن مالك ، قال : زعم ابن رومان أن قوله تعالى : ( تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ) قال : كانت تأتيهم يوم السبت ، فإذا كان المساء ذهبت ، فلا يرى منها شيء إلى يوم السبت الآخر ، فاتخذ - لذلك - رجل خيطا ووتدا ، فربط حوتا منها في الماء يوم السبت ، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد ، أخذه فاشتواه ، فوجد الناس ريحه ، فأتوه فسألوه عن ذلك ، فجحدهم ، فلم يزالوا به حتى قال لهم : " فإنه جلد حوت وجدناه " . فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك - ولا أدري لعله قال : ربط حوتين - فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه ، فوجدوا رائحة ، فجاءوا فسألوه فقال لهم : لو شئتم صنعتم كما أصنع . فقالوا له : وما صنعت ؟ فأخبرهم ، ففعلوا مثل ما فعل ، حتى كثر ذلك . وكانت لهم مدينة لها ربض يغلقونها عليهم ، فأصابهم من المسخ ما أصابهم . فغدوا عليهم جيرانهم مما كانوا حولهم ، يطلبون منهم ما يطلب الناس ، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم ، فنادوا فلم يجيبوهم ، فتسوروا عليهم ، فإذا هم قردة ، فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك ، ويدنو منه ويتمسح به

وقد قدمنا في سورة " البقرة " من الآثار في خبر هذه القرية ما فيه مقنع وكفاية ، ولله الحمد والمنة .

القول الثاني : أن الساكتين كانوا من الهالكين .

قال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ; أنه قال : ابتدعوا السبت فابتلوا فيه ، فحرمت عليهم فيه الحيتان ، فكانوا إذا كان يوم السبت ، شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر . فإذا انقضى السبت ، ذهبت فلم تر حتى السبت المقبل ، فإذا جاء السبت جاءت شرعا ، فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك ، ثم إن رجلا منهم أخذ حوتا فخزم أنفه ثم ، ضرب له وتدا في الساحل ، وربطه وتركه في الماء . فلما كان الغد ، أخذه فشواه فأكله ، ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون ، ولا ينهاه منهم أحد ، إلا عصبة منهم نهوه ، حتى ظهر ذلك في الأسواق ، ففعل علانية . قال : فقالت طائفة للذين ينهونهم : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ) فقالوا : سخط أعمالهم ( ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به ) إلى قوله : ( قردة خاسئين ) قال ابن عباس : كانوا أثلاثا : ثلث نهوا ، وثلث قالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) وثلث أصحاب الخطيئة ، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم .

وهذا إسناد جيد عن ابن عباس ، ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين ، أولى من القول بهذا ; لأنه تبين حالهم بعد ذلك ، والله أعلم .

وقوله تعالى : ( وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ) فيه دلالة بالمفهوم على أن الذين بقوا نجوا .

و ) بئيس ) فيه قراءات كثيرة ، ومعناه في قول مجاهد : " الشديد " ، وفي رواية : " أليم " . وقال قتادة : موجع . والكل متقارب ، والله أعلم .

وقوله : ( خاسئين ) أي : ذليلين حقيرين مهانين .

القول في تأويل قوله : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما تركت الطائفة التي اعتدت في السبت ما أمرها الله به من ترك الاعتداء فيه، وضيَّعت ما وَعظتْها الطائفة الواعظة وذكَّرتها به، (41) من تحذيرها عقوبةَ الله على معصيتها، فتقدّمت على استحلال ما حرم الله عليها (42) أنجى الله الذين ينهون منهم عن " السوء "= يعني عن معصية الله, واسْتحلال حِرْمه (43) = " وأخذنا الذين ظلموا "، يقول: وأخذ الله الذين اعتدوا في السبت، فاستحلوا فيه ما حرَّم الله من صيد السمك وأكله, فأحلَّ بهم بأسَه، وأهلكهم بعذاب شديدٍ بئيس بما كانوا يخالفون أمر الله, (44) فيخرجون من طاعته إلى معصيته, وذلك هو " الفسق ". (45)

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

15287- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج في قوله: " فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء "، قال: فلما نسُوا موعظة المؤمنين إياهم, الذين قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا .

15288- حدثني محمد بن المثني قال، حدثنا حرمي قال، حدثني شعبة قال، أخبرني عمارة, عن عكرمة, عن ابن عباس: " أنجينا الذين ينهون عن السوء " قال: يا ليت شعري، ما السُّوء الذي نهوا عنه؟

* * *

وأما قوله: " بعذاب بَئيس "، فإنّ القرأة اختلفت في قراءته.

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة: (بِعَذَابٍ بِيسٍ) بكسر الباء وتخفيف الياء، بغير همز, على مثال " فِعْل ".

* * *

وقرأ ذلك بعضُ قرأة الكوفة والبصرة: (بِعَذَابٍ بَئِيسٍ) على مثل " فعيل "، من " البؤس ", بنصب الباء وكسر الهمزة ومدِّها.

* * *

وقرأ ذلك كذلك بعض المكيين, غير أنه كسر باء: (بِئِيسٍ) على مثال " فِعِيل ".

* * *

وقرأه بعض الكوفيين: (بَيْئِسٍ) بفتح الباء وتسكين الياء, وهمزة بعدها مكسورة، على مثال " فَيْعِل ".

* * *

= وذلك شاذ عند أهل العربية, لأن " فَيْعِل " إذا لم يكن من ذوات الياء والواو, فالفتح في عينه الفصيحُ في كلام العرب, وذلك مثل قولهم في نظيره من السالم: " صَيْقَل, ونَيْرَب ", وإنما تُكْسر العين من ذلك في ذوات الياء والواو كقولهم: " سَيِّد " و " ميِّت "، وقد أنشد بعضهم قول امرئ القيس بن عابسٍ الكنديّ:

كِلاهُمَــا كَــانَ رَئيسًــا بَيْئِسَــا

يَضْـرِبُ فِـي يَـوْمِ الهِيَـاجِ القَوْنَسَـا (46)

بكسر العين من " فيعِل ", وهي الهمزة من " بيئس "، فلعلَّ الذي قرأ ذلك كذلك قرأه على هذه.

* * *

وذكر عن آخر من الكوفيين أيضًا أنه قرأه: (بَيْئَسٍ)، نحو القراءة التي ذكرناها قبل هذه, وذلك بفتح الباء وتسكين الياء وفتح الهمزة بعد الياء، على مثال " فَيْعَل " مثل " صَيْقَل ".

* * *

وروي عن بعض البصريين أنه قرأه: (بَئِسٍ) بفتح الباء وكسر الهمزة، على مثال " فَعِل ", كما قال ابن قيس الرقيَّات:

لَيْتَنِـــي أَلْقَـــي رُقَيَّــةَ فِــي

خَــلْوَةٍ مِــنْ غَــيْرِ مَــا بَئِـسِ (47)

* * *

وروي عن آخر منهم أنه قرأ: (بِئْسَ) بكسر الباء وفتح السين، على معنى: بِئْسَ العذاب.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى هذه القراءات عندي بالصواب، قراءةُ من قرأه: (بَئِيسٍ) بفتح الباء، وكسر الهمزة ومدّها، على مثال " فَعِيل ", كما قال ذو الإصبع العَدْوانيّ:

حَنَقًـــا عَـــلَيَّ, وَمَــا تَــرَى

لِـــي فِيهِـــمُ أَثَـــرًا بَئيسَــا (48)

= لأن أهل التأويل أجمعوا على أن معناه: شديد, فدلّ ذلك على صحة ما اخترنا. (49)

* ذكر من قال ذلك:

15289- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني رجل عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: " وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس "، : أليم وجيع.

15290- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " بعذاب بئيس "، قال: شديد.

15291- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " بعذاب بئيس "، أليم شديد.

15292- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " بعذاب بئيس " قال: موجع.

15293- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " بعذاب بئيس "، قال: بعذاب شديد.

-------------------

الهوامش :

(41) (1) في المطبوعة : (( وذكرتها ما ذكرتها به )) زاد في الكلام ما لا حاجة إليه به ، وخالف المخطوطة .

(42) (2) انظر تفسير (( النسيان )) فيما سلف من فهارس اللغة ( نسى ) .

(43) (3) (( الحرم )) ( بكسر فسكون ) ، (( هو الحرام )) .

(44) (4) في المطبوعة : (( بما كانوا يفسقون يخالفون )) ، وقوله (( يفسقون )) كانت في المخطوطة ، ولكنه ضرب عليها ، فكان حقاً على الناشر أن يحذفها كما فعلت .

(45) (5) انظر تفسير (( الفسق )) فيما سلف من فهارس اللغة ( فسق ) .

(46) (1) تفسير أبي حيان 4 : 413 .

(47) (1) ديوانه : 386 ، والخزانة 3 : 587 ، والعينى ( بهامش الخزانة ) 4 : 379 ، ورواية صاحب الخزانة (( من غير ما أنس )) ، وشرحها فقال : (( الأنس ، بفتحتين ، بمعنى الإنس ، بكسر الهمزة وسكون النون ، وما زائدة ، وفيه مضاف محذوف ، تقديره : في غير حضور إنس )) ، وهذا في ظني ، اجتهاد من صاحب الخزانة ، وأن البيت مصحف صوابه ما في الطبري . وأما العينى ، فكتب (( من غير ما يبس )) ( بالياء ثم الباء ) ، وهو تصحيف لا شك فيه ، ومثله في الديوان منقولاً عنه . والصواب ما شرحه أبو جعفر .

(48) (2) الأغاني 3 : 102 ، 103 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 231 من شعر جيد في ابن عم له كان يعاديه ، فكان يتدسس إلى مكارهه ، ويؤلب عليه ، ويسعى بينه وبين عمه ، ويبغيه شراً ، فقال فيه :وَلـــيَ ابْـــنُ عَــمٍّ لا يَـــزَا

لُ إِلَــــىَّ مُنْكَـــرُه دَسِيسَـــا

دَبَّـــتْ لَـــهُ، فـــأحَسَّ بَــعْ

دَ الــبُرْءِ مِــنْ سَــقَمٍ رَسِيسَــا

إِمَّــــا عَلانِيَــــةً، وَإِمَّــــا

مُخْــــمِرًا أَكْــــلا وَهِيسًـــا

إِنِّـــي رَأَيـــتُ بَنــي أَبِــيـ

ـــكَ يحمِّجُــون إِلــيَّ شُوسَــا

حَنَقًــــا عَــــليَّ،.............

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقوله : (( دبت له )) ، يعني العداوة . و(( الرسيس )) : أول الحمى ، وقوله : (( مخمرا )) أي يستر ما يريد ، (( أخمر الشيء )) : ستره . (( الأكل الوهيس )) : الشديد ، يعنى ما يغتابه به ويأكل به لحمه . و (( التحميج )) ، إدامة النظر ، والقلب كاره أو محنق . و (( الشوس )) جمع (( أشوس )) ، وهو الذي ينظر بمؤخر عينه مغيظاً يتحرق . وكان في المطبوعة : (( ولن ترى )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وإنما جاء بها من الأغاني .

(49) انظر تفسير "البائس" فيما سلف 12 : 304 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

المعاني :

بَئِيسٍ :       شَدِيدٍ السراج
بعذاب بئيسٍ :       شديدٍ وَجيعٍ معاني القرآن

التدبر :

عمل
[165] لا تنْسَ ولا تتهاونْ في الأخذِ بنصيحةِ من يعظُكَ ويذكِّرُكَ بالله ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.
وقفة
[165] ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الناجون من أصلحوا لا من صلحوا، ومن تكلموا لا من صمتوا، ومن غيروا لا من فقط تغيروا.
وقفة
[165] لن ينجو من بطش الله وعذابه وعقابه إلا الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾.
وقفة
[165] المصلحون نجاة للأمة؛ ولكن إذا طغى الفساد أنجى ﷲ المصلحين وأهلك الظالمين ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
وقفة
[165] عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يومًا وهو يبكي وإذا المصحف في حجره، فقلت: ما يبكيك يا أبا عباس؟ فقال: هؤلاء الورقات، قال: وإذا هو في سورة الأعراف، (وذكر قصة أصحاب السبت)، ثم قرأ ابن عباس: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165]. قال ابن عباس: «فأرى الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها شيئًا» .
وقفة
[165] ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ السوء هو الاحتيال لنيل الحرام، عن أبي هُرَيرَة t قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «لا تَرْتكِبوا ما ارتكبَتِ اليهودُ، فتستحلُّوا محارِمَ اللهِ بأدْنَى الحِيَلِ». [رواه ابن بطة في إبطال الحيل (ص 46)، وقد حسَّن إسناده ابن تيمية في بيان الدَّليل (86)، والسخاوي في الأجوبة المُرضِيَّة (1/214)، وجوَّده ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/513)، وابن كثير في تفسير القرآن (1/154)، وصحح الحديث ابن باز في مجموع فتاوى ابن باز (19/230)، وجوَّد إسناده الألباني في آداب الزفاف (120)، ثم ضعفه في إرواء الغليل 1535].
وقفة
[165] ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ هكذا سنة الله في عباده أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
وقفة
[165] ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض، ولذا فإن تاركه شريك لفاعل المعصية.
وقفة
[165] ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ إذا نزل عذاب الله تعالى بسبب ذنوبهم؛ ينجو من كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيهم.
عمل
[165] ﴿أنجينا الذين ينهون عن السوء﴾ كن من الذين ينهون عن السوء.
وقفة
[165] عندما تعلن المنكرات فواجب المصلحين الصدع بالحق، بحكمة وبصيرة، مع بيان عاقبة المجاهرة بالمعاصي؛ لينجوا من العذاب: ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾.
وقفة
[165] ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ ما مصير الفرقة اللائمة؟! هل هلكوا أم نجوا؟ اختلفوا في ذلك، ولعل سبب هذا أن هذه الفرقة وقفت من المعتدين موقفًا سلبيًا، استحقت معه الإهمال، حتى لو لم تكن أهلًا للإهلاك.
وقفة
[165] لا يبتئس الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
تفاعل
[165] ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ استعذ بالله الآن من عذاب الدنيا والآخرة.

الإعراب :

  • ﴿ فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ:
  • الفاء: استئنافية. لما: اسم شرط غير جازم بمعنى «حين» مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلقة بالجواب. نسوا: فعل ماض مبني على الضم الظاهرة على الياء المحذوفة لاتصاله بواو الجماعة. الواو ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف فارقة. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. وجملة «نَسُوا» في محل جر بالاضافة لوقوعها بعد «لما». ذكروا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة مبني للمجهول. الواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل والألف فارقة. به: جار ومجرور متعلق بذكروا. وجملة «ذُكِّرُوا بِهِ» صلة الموصول لا محل لها من الاعراب.
  • ﴿ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ:
  • فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا «و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. الذين: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. والجملة: جواب شرط غير جازم لا محل لها.
  • ﴿ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ:
  • فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. عن السوء: جار ومجرور متعلق بينهون.
  • ﴿ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا:
  • معطوفة بالواو على «أَنْجَيْنَا الَّذِينَ» وتعرب إعرابها. ظلموا: تعرب إعراب «نَسُوا» فعل ماض مبني على الضم.وجملتا «يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ» و «ظَلَمُوا» صلتا الموصولين لا محل لهما من الاعراب.
  • ﴿ بِعَذابٍ بَئِيسٍ:
  • جار ومجرور متعلق بأخذنا. بئيس: صفة لعذاب مجرورة مثلها. ويجوز أن تكون الباء حرف جر زائدا و «عذاب» اسما مجرورا لفظا منصوبا محلا لأنه مفعول به بمعنى: سلطنا على الظالمين عذابا شديدا.
  • ﴿ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ:
  • أعربت في الآية الكريمة الثالثة. والستين بعد المائة و «بِما» متعلق بأخذنا. '

المتشابهات :

الأنعام: 44﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ
الأعراف: 165﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [165] لما قبلها :     وبعد انقسام أهل القرية إلى ثلاث فرق؛ جاء هنا جزاء كل فرقة: هلاك الأولى (المعتدين)، ونجاة الثانية (الناصحين)، والسكوت عن الثالثة، قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

بئيسى:
وقرئ:
1- بيس، على وزن جيد، وهى قراءة نافع، وأبى جعفر، وشيبة.
2- بئس، كبئر، بالهمز، وهى قراءة ابن عامر.
3- بئس، كشهد، حكاها يعقوب القارئ، وعزاها أبو الفضل الرازي إلى عيسى بن عمر، وزيد بن على.
4- بأس، على وزن «ضرب» فعلا ماضيا، وهى قراءة نصر بن عاصم.
5- بأس، بفتح الباء وسكون الألف.
6- بيس، على وزن «كيل» ، وهى قراءة خارجة، عن نافع.
7- بئس، على وزن «كبد» ، وهى قراءة أبى عبد الرحمن بن مصرف.
8- بيأس، على وزن «ضيغم» ، وهى قراءة ابن عباس، وأبى بكر بن عاصم.
9- بئيس، على وزن «رئيس» ، وهى قراءة باقى السبعة.

مدارسة الآية : [166] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ ..

التفسير :

[166] فلما تمردت تلك الطائفة، وتجاوزت ما نهاها الله عنه من عدم الصيد في يوم السبت، قال لهم الله:كونوا قردة خاسئين مبعدين من كل خير، فكانوا كذلك.

فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ أي:قسوا فلم يلينوا، ولا اتعظوا، قُلْنَا لَهُمْ قولا قدريا:كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فانقلبوا بإذن اللّه قردة، وأبعدهم اللّه من رحمته، ثم ذكر ضرب الذلة والصغار على من بقي منهم

ثم فصل- سبحانه- ما عوقبوا به من العذاب البئيس الذي أصابهم فقال تعالى: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أى فلما تكبروا عن ترك ما نهاهم عنه الواعظون، قلنا لهم كونوا قردة صاغرين فكانوا كذلك.

قال الآلوسى: (والأمر في قوله تعالى قُلْنا تكويني لا تكليفى، لأنه ليس في وسعهم حتى يكلفوا به، وهذا كقوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ في أنه يحتمل أن يكون هناك قول وأن يكون الغرض مجرد التمثيل) .

وقيل في تفسير الآية: إن الله تعالى- عاقب القوم أو لا بالعذاب البئيس الذي يتناول البؤس والشقاء والفقر في المعيشة، فلما لم يرتدعوا ويثوبوا إلى رشدهم، مسخهم مسخا خلقيا وجسميا، فكانوا قردة على الحقيقة، وهو الظاهر من الآية، وعليه الجمهور:

وقيل: مسخهم مسخا خلقيا ونفسيا، فصاروا كالقردة في شرورها وإفسادها لما تصل إليه أيديها، وهذا مروى عن مجاهد.

وتلك العقوبة كانت جزاء إمعانهم في المعاصي، وتأبيهم عن قبول النصيحة، وضعف إرادتهم أمام مقاومة أطماعهم، وانتكاسهم إلى عالم الحيوان لتخليهم عن خصائص الإنسان، فكانوا حيث أرادوا لأنفسهم من الصغار والهوان.

هذا وقد استدل العلماء بهذه الآيات الكريمة على تحريم الحيل القبيحة التي يتخذها بعض الناس ذريعة للتوصل إلى مقاصدهم الذميمة. وغاياتهم الدنيئة ومطامعهم الخسيسة.

وقد أفاض الإمام ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان) في إيراد الأدلة الدالة على هذا التحريم، فقال ما ملخصه: (ومن مكايد الشيطان التي كاد بها الإسلام وأهله، الحيل والمكر والخداع الذي يتضمن تحليل ما حرم الله وإسقاط ما فرضه، ومضادته في أمره ونهيه، وهي من الباطل الذي اتفق السلف على ذمه، فإن الرأى رأيان: رأى يوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار، وهو الذي اعتبره السلف وعملوا به. ورأى يخالف النصوص وتشهد له بالإبطال والإهدار، وهو الذي ذموه وأهدروه.

وكذلك الحيل نوعان: نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله- تعالى- به وترك ما نهى عنه، والتخلص من الحرام وتخليص المحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغي، فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه. ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم ظالما، والظالم مظلوما، والحق باطلا، والباطل حقا. فهذا الذي اتفق السلف على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ... ثم قال:

إن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة، لما تحايلوا على إباحة ما حرمه الله- تعالى- عليهم من الصيد، بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة، فلما وقع فيها الصيد، أخذوه يوم الأحد.

قال بعض الأئمة: ففي هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهي الشرعية، ممن يتلبس بعلم الفقه وهو غير فقيه، إذ الفقيه من يخشى الله- تعالى- بحفظ حدوده، وتعظيم حرماته، والوقوف عندها، وليس المتحيل على إباحة محارمه، وإسقاط فرائضه، ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذيبا لموسى- عليه السلام- وكفرا بالتوراة، وإنما هو استحلال تأويل واحتيال، ظاهره ظاهر الإيفاء، وباطنه باطن الاعتداء، ولهذا مسخوا قردة، لأن صورة القردة فيها شبه من صورة الإنسان، فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله تعالى بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض مظاهره دون حقيقته، مسخهم سبحانه قردة يشبهونهم في بعض ظواهرهم دون الحقيقة جزاء وفاقا، وفي الحديث الشريف (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) .

وفي الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:

(قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها) .

وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: «بلغ عمر- رضى الله عنه- أن سمرة باع خمرا فقال: قاتل الله سمرة. ألم يعلم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها- أى أذابوها- فباعوها) .

وبهذا تكون الآيات الكريمة قد دمغت العادين في السبت من اليهود، برذيلة الجهالة وضعف الإرادة، وتحايلهم القبيح على استحلال محارم الله، مما جعلهم أهلا للعذاب الشديد والمسخ الشنيع، جزاء إمعانهم في المعصية وصممهم عن سماع الموعظة، وما ربك بظلام للعبيد.

ثم بين- سبحانه- ما توعد به أولئك اليهود من عقوبات بسبب كفرهم وفسوقهم وإفسادهم في الأرض فقال- تعالى-:

قال تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به ) أي : فلما أبى الفاعلون المنكر قبول النصيحة ، ( أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ) أي : ارتكبوا المعصية ( بعذاب بئيس ) فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين ، وسكت عن الساكتين ; لأن الجزاء من جنس العمل ، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا ، ولا ارتكبوا عظيما فيذموا ، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم : هل كانوا من الهالكين أو من الناجين ؟ على قولين :

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) [ قال : ] هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة ، يقال لها : " أيلة " ، فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم ، وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعا في ساحل البحر ، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها . فمضى على ذلك ما شاء الله ، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم ، فنهتهم طائفة وقالوا : تأخذونها وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم ؟ فلم يزدادوا إلا غيا وعتوا ، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم ، فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة : تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب ، ( لم تعظون قوما الله مهلكهم [ أو معذبهم عذابا شديدا ] ) وكانوا أشد غضبا لله من الطائفة الأخرى ؟ فقالوا : ( معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) وكل قد كانوا ينهون ، فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) والذين قالوا : ( معذرة إلى ربكم ) وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان ، فجعلهم قردة .

وروى العوفي ، عن ابن عباس قريبا من هذا .

وقال حماد بن زيد ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) قال : ما أدري أنجى الذين قالوا : " أتعظون قوما الله مهلكهم " ، أم لا ؟ قال : فلم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا ، فكساني حلة .

قال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج ، حدثني رجل ، عن عكرمة قال : جئت ابن عباس يوما وهو يبكي ، وإذا المصحف في حجره ، فأعظمت أن أدنو ، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست ، فقلت : ما يبكيك يا أبا عباس ، جعلني الله فداك ؟ قال : فقال : هؤلاء الورقات . قال : وإذا هو في " سورة الأعراف " ، قال : تعرف أيلة قلت : نعم . قال : فإنه كان بها حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة ، كانت تأتيهم يوم السبت شرعا بيضا سمانا كأنها الماخض ، تتبطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم . فكانوا كذلك برهة من الدهر ، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال : إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت ، فخذوها فيه ، وكلوها في غيره من الأيام . فقالت ذلك طائفة منهم ، وقالت طائفة : بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت . فكانوا كذلك ، حتى جاءت الجمعة المقبلة ، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها ، واعتزلت طائفة ذات اليمين ، وتنحت واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت . وقال الأيمنون : ويلكم ، الله الله ننهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله . وقال الأيسرون : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) ؟ قال الأيمنون : ( معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) إن ينتهوا فهو أحب إلينا ألا يصابوا ولا يهلكوا ، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم . فمضوا على الخطيئة ، وقال الأيمنون : فقد فعلتم ، يا أعداء الله . والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم ، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب . فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا ، فلم يجابوا ، فوضعوا سلما ، وأعلوا سور المدينة رجلا فالتفت إليهم فقال : أي عباد الله ، قردة والله تعاوي لها أذناب . قال : ففتحوا فدخلوا عليهم ، فعرفت القرود أنسابها من الإنس ، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة ، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ، فتقول : ألم ننهكم عن كذا ؟ فتقول برأسها ، أي نعم . ثم قرأ ابن عباس : ( فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ) قال : فأرى الذين نهوا قد نجوا ، ولا أرى الآخرين ذكروا ، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها ؟ . قال : قلت : جعلني الله فداك ، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه ، وخالفوهم وقالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) ؟ قال : فأمر لي فكسيت ثوبين غليظين

وكذا روى مجاهد ، عنه .

وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، أخبرنا أشهب بن عبد العزيز ، عن مالك ، قال : زعم ابن رومان أن قوله تعالى : ( تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ) قال : كانت تأتيهم يوم السبت ، فإذا كان المساء ذهبت ، فلا يرى منها شيء إلى يوم السبت الآخر ، فاتخذ - لذلك - رجل خيطا ووتدا ، فربط حوتا منها في الماء يوم السبت ، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد ، أخذه فاشتواه ، فوجد الناس ريحه ، فأتوه فسألوه عن ذلك ، فجحدهم ، فلم يزالوا به حتى قال لهم : " فإنه جلد حوت وجدناه " . فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك - ولا أدري لعله قال : ربط حوتين - فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه ، فوجدوا رائحة ، فجاءوا فسألوه فقال لهم : لو شئتم صنعتم كما أصنع . فقالوا له : وما صنعت ؟ فأخبرهم ، ففعلوا مثل ما فعل ، حتى كثر ذلك . وكانت لهم مدينة لها ربض يغلقونها عليهم ، فأصابهم من المسخ ما أصابهم . فغدوا عليهم جيرانهم مما كانوا حولهم ، يطلبون منهم ما يطلب الناس ، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم ، فنادوا فلم يجيبوهم ، فتسوروا عليهم ، فإذا هم قردة ، فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك ، ويدنو منه ويتمسح به

وقد قدمنا في سورة " البقرة " من الآثار في خبر هذه القرية ما فيه مقنع وكفاية ، ولله الحمد والمنة .

القول الثاني : أن الساكتين كانوا من الهالكين .

قال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ; أنه قال : ابتدعوا السبت فابتلوا فيه ، فحرمت عليهم فيه الحيتان ، فكانوا إذا كان يوم السبت ، شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر . فإذا انقضى السبت ، ذهبت فلم تر حتى السبت المقبل ، فإذا جاء السبت جاءت شرعا ، فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك ، ثم إن رجلا منهم أخذ حوتا فخزم أنفه ثم ، ضرب له وتدا في الساحل ، وربطه وتركه في الماء . فلما كان الغد ، أخذه فشواه فأكله ، ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون ، ولا ينهاه منهم أحد ، إلا عصبة منهم نهوه ، حتى ظهر ذلك في الأسواق ، ففعل علانية . قال : فقالت طائفة للذين ينهونهم : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ) فقالوا : سخط أعمالهم ( ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به ) إلى قوله : ( قردة خاسئين ) قال ابن عباس : كانوا أثلاثا : ثلث نهوا ، وثلث قالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) وثلث أصحاب الخطيئة ، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم .

وهذا إسناد جيد عن ابن عباس ، ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين ، أولى من القول بهذا ; لأنه تبين حالهم بعد ذلك ، والله أعلم .

وقوله تعالى : ( وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ) فيه دلالة بالمفهوم على أن الذين بقوا نجوا .

و ) بئيس ) فيه قراءات كثيرة ، ومعناه في قول مجاهد : " الشديد " ، وفي رواية : " أليم " . وقال قتادة : موجع . والكل متقارب ، والله أعلم .

وقوله : ( خاسئين ) أي : ذليلين حقيرين مهانين .

القول في تأويل قوله : فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما تمرَّدوا، فيما نهوا عنه من اعتدائهم في السبت, واستحلالهم ما حرَّم الله عليهم من صيد السمك وأكله، وتمادوا فيه (50) " قلنا لهم كونوا قردة خاسئين "، أي: بُعَداء من الخير. (51)

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

15294- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " فلما عتوا عما نهوا عنه "، يقول: لما مَرَد القوم على المعصية= " قلنا لهم كونوا قردة خاسئين "، فصارُوا قردةً لها أذناب، تعاوى، بعدما كانوا رجالا ونساءً.

15295- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: " فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين "، فجعل الله منهم القردة والخنازير. فزعم أن شباب القوم صارُوا قردةً, وأن المشيخة صاروا خنازيرَ.

15296- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن السدي, عن أبي مالك أو سعيد بن جبير قال: رأى موسى عليه السلام رجلا يحمل قصَبًا يوم السبت, فضرب عنقه.

-----------------------

الهوامش :

(50) (1) انظر تفسير (( عتا )) فيما سلف 12 : 543 .

(51) (2) انظر تفسير (( خسأ )) فيما سلف 2 : 174 ، 175 .

المعاني :

عَتَوْا :       اسْتَكْبَرُوا، وَعَصَوْا السراج
عتوْا :       استكبروا و استعصوا معاني القرآن
خَاسِئِينَ :       أَذِلَّاءَ، مُبْعَدِينَ السراج
قردةً خاسئين :       أذلاّء مُبعدين كالكلاب معاني القرآن

التدبر :

وقفة
[166] أخبر الله تعالى عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة لما احتالوا على إباحة ما حرم الله عليهم من الصيد، بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة، فلما وقع فيها الصيد، أخذوه يوم الأحد، وفي هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهي الشرعية، ممن يتلبس بعلم الفقه وهو غير فقيه؛ إذ إن الفقيه الحق من يخشى الله بحفظ حدوده وتعظيم حرماته، لا المحتال بكل طريق على إباحة محارمه وإسقاط فرائضه.
وقفة
[166] ﴿قُلْنَا لَهُمْ ...﴾ يجب الحذر من عذاب الله؛ فإنه قد يكون رهيبًا في الدنيا، كما فعل سبحانه بطائفة من بني إسرائيل حين مَسَخَهم قردة بسبب تمردهم.
تفاعل
[166] ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ استعذ بالله الآن من عقابه.

الإعراب :

  • ﴿ فَلَمَّا عَتَوْا:
  • الفاء: استئنافية. لما: اسم شرط غير جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية. عتوا: فعل ماض مبني على الفتح المقدر للتعذر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين ولاتصاله بواو الجماعة. الواو ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف: فارقة وجملة «عَتَوْا» في محل جر بالاضافة لوقوعها بعد «لما».
  • ﴿ عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ:
  • جار ومجرور متعلق بعتوا. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بعن. نهوا: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح المقدر على الياء المحذوفة لاتصاله بواو الجماعة. الواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل وجملة «نُهُوا عَنْهُ» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.عنه: جار ومجرور متعلق بنهوا.
  • ﴿ قُلْنا لَهُمْ:
  • فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. لهم: جار ومجرور متعلق بقلنا و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل جر باللام وجملة «قُلْنا لَهُمْ» جواب شرط غير جازم لا محل لها.
  • ﴿ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ:
  • الجملة: في محل نصب مفعول به- مقول القول- كونوا. فعل ماض ناقص مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. الواو ضمير متصل في محل رفع اسم «كان» والألف فارقة. قردة. خبر «كان» منصوب بالفتحة. خاسئين: صفة لقردة منصوبة بالياء لأنها جمع مذكر سالم والنون عوض عن تنوين المفرد أي مطرودين بمعنى: مسخناهم قردة. '

المتشابهات :

البقرة: 65﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَـ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ
الأعراف: 166﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [166] لما قبلها :     ولَمَّا عاقب اللهُ عز وجل القومَ أولًا بالعذاب البئيس الذي يتناول البؤس والشقاء والفقر في المعيشة؛ فلما لم يرتدعوا مسخهم الله، فكانوا قردة، قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [167] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ ..

التفسير :

[167] واذكر -أيها الرسول- إذ أعلم ربك إعلاماً صريحاً ليبعثن على اليهود مَن يذيقهم سوء العذاب والإذلال إلى يوم القيامة. إن ربك -أيها الرسول- لسريع العقاب لِمَن استحقه بسبب كفره ومعصيته، وإنه لغفور عن ذنوب التائبين، رحيم بهم.

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ أي:أعلم إعلاما صريحا:لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ أي:يهينهم، ويذلهم. إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ لمن عصاه، حتى إنه يعجل له العقوبة في الدنيا. وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب إليه وأناب، يغفر له الذنوب، ويستر عليه العيوب، ويرحمه بأن يتقبل منه الطاعات، ويثيبه عليها بأنواع المثوبات، وقد فعل اللّه بهم ما أوعدهم به، فلا يزالون في ذل وإهانة، تحت حكم غيرهم، لا تقوم لهم راية، ولا ينصر لهم عَلَمٌ.

قوله وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ منصوب على المفعولية بمقدر معطوف على وَسْئَلْهُمْ أى: واذكر يا محمد لليهود وقت أن تأذن ربك.

وتأذن بمعنى آذن، أى: أعلم. يقال: آذن الأمر وبالأمر أى: أعلمه. وأذن تأذينا: أكثر الإعلام.

وأجرى مجرى فعل القسم كعلم الله وشهد الله، ولذلك جيء بلام القسم ونون التوكيد في جوابه وهو قوله- تعالى- «ليبعثن عليهم ... إلخ» .

وقوله إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ متعلق بقوله لَيَبْعَثَنَّ.

والمعنى: واذكر يا محمد وقت أن أعلم الله- تعالى- هؤلاء اليهود وأسلافهم بأنهم إن غيروا وبدلوا ولم يؤمنوا بأنبيائهم، ليسلطن عليهم إلى يوم القيامة من يذيقهم سوء العذاب كالإذلال وضرب الجزية وغير ذلك من صنوف العذاب إن ربك لسريع العقاب لمن أقام على الكفر، وجانب طريق الحق، وإنه لغفور رحيم لمن تاب وآمن وعمل صالحا. وهذا من باب قرن الترغيب بالترهيب حتى لا ييأس العاصي من رحمة الله بسبب ذنوبه السابقة إذا هو أقبل على الله بالتوبة والعمل الصالح كما قال- تعالى- وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى.

ولقد يبدو للبعض أن هذا الوعيد لليهود قد توقف بسبب ما نرى لهم الآن من دولة وصولة ولكن الذي نعتقده أن هذا الوعيد ما توقف مع ما لهم من دولة، فإنهم ما زالوا محل احتقار الناس وبغضهم، وحتى الدول التي تناصرهم إنما تناصرهم لأن السياسة تقتضي ذلك بينما شعوب هذه الدول تكره أولئك اليهود وتزدريهم وتنفر منهم.

وما قامت لليهود تلك الدولة إلا لأن المسلمين قد فرطوا في حق خالقهم، وفي حق أنفسهم، ولم يأخذوا بالأسباب التي شرعها الله لهم لحرب أعدائهم فكانت النتيجة أن أقام اليهود دولة لهم في قلب البلاد الإسلامية وعند ما يعود المسلمون إلى الأخذ التام الكامل بتعاليم دينهم وإلى مباشرة الأسباب التي شرعها الله مباشرة سليمة، عند ما يفعلون ذلك تعود إليهم عزتهم المسلوبة وكرامتهم المغصوبة.

وصدق الله إذ يقول: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ.

( تأذن ) تفعل من الإذن أي : أعلم ، قاله مجاهد . وقال غيره : أمر .

وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة ، ولهذا تلقيت باللام في قوله : ( ليبعثن عليهم ) أي : على اليهود ( إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ) أي : بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه واحتيالهم على المحارم .

ويقال : إن موسى ، عليه السلام ، ضرب عليهم الخراج سبع سنين - وقيل : ثلاث عشرة سنة ، وكان أول من ضرب الخراج . ثم كانوا في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين ، ثم صاروا في قهر النصارى وإذلالهم وإياهم ، أخذهم منهم الجزية والخراج ، ثم جاء الإسلام ، ومحمد ، عليه أفضل الصلاة والسلام ، فكانوا تحت صفاره وذمته يؤدون الخراج والجزى

قال العوفي ، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال : هي المسكنة ، وأخذ الجزية منهم .

وقال علي بن أبي طلحة ، عنه : هي الجزية ، والذين يسومهم سوء العذاب : محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته ، إلى يوم القيامة .

وكذا قال سعيد بن جبير ، وابن جريج ، والسدي ، وقتادة .

وقال عبد الرزاق : عن معمر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن سعيد بن المسيب قال : يستحب أن تبعث الأنباط في الجزية .

قلت : ثم آخر أمرهم أنهم يخرجون أنصار الدجال ، فيقتلهم المسلمون مع عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، وذلك آخر الزمان .

وقوله : ( إن ربك لسريع العقاب ) أي : لمن عصاه وخالف [ أمره و ] شرعه ، ( وإنه لغفور رحيم ) أي : لمن تاب إليه وأناب .

وهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة ، لئلا يحصل اليأس ، فيقرن [ الله ] تعالى بين الترغيب والترهيب كثيرا ; لتبقى النفوس بين الرجاء والخوف .

القول في تأويل قوله : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وإذ تأذن "، واذكر، يا محمد، إذ آذن ربك، وأعلم. (52)

* * *

=وهو " تفعل " من " الإيذان ", كما قال الأعشى، ميمون بن قيس:

أَذِنَ اليَـــوْمَ جِــيرَتِي بِخُــفُوفِ

صَرَمُــوا حَــبْلَ آلِــفٍ مَـأْلُوفِ (53)

يعني بقوله: " أذِن "، أعلم. وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع. (54)

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

15297- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " وإذ تأذن ربك "، قال: أمرَ ربك.

15298- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد, عن مجاهد: " وإذ تأذن ربك "، قال: أمر ربك.

* * *

وقوله: " ليبعثن عليهم "، يعني: أعلم ربك ليبعثن على اليهود من يسومهم سوء العذاب. (55) قيل: إن ذلك، العربُ، بعثهم الله على اليهود، يقاتلون من لم يسلم منهم ولم يعط الجزية, ومن أعطى منهم الجزية كان ذلك له صغارًا وذلة.

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

15299- حدثني المثني بن إبراهيم وعلي بن داود قالا حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: هي الجزية, والذين يسومونهم: محمد صلى الله عليه وسلم وأمّته، إلى يوم القيامة.

15300- حدثني محمد بن سعد قال, حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب " ، فهي المسكنة, وأخذ الجزية منهم.

15301- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: يهود, وما ضُرب عليهم من الذلة والمسكنة.

15302- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: فبعث الله عليهم هذا الحيَّ من العرب, فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة.

15303- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم "، قال: بعث عليهم هذا الحي من العرب, فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة. = وقال عبد الكريم الجزريّ: يُستحبُّ أن تُبعث الأنباط في الجزية. (56)

15304- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم "، قال: العرب= " سوء العذاب "، قال: الخراج. وأوّلُ من وضع الخراج موسى عليه السلام, فجبى الخراجَ سبعَ سنين.

15305- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم "، قال: العرب= " سوء العذاب "؟ قال: الخراج. قال: وأول من وضع الخراج موسى, فجبى الخراج سبعَ سنين.

15306- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: هم أهل الكتاب, بعث الله عليهم العرب يجبُونهم الخراجَ إلى يوم القيامة, فهو سوء العذاب. ولم يجب نبيٌّ الخراجَ قطُّ إلا مُوسى صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنةً، ثم أمسك, وإلا النبي صلى الله عليه وسلم.

15307- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: يبعث عليهم هذا الحي من العرب, فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة.

15308- ..... قال أخبرنا معمر قال، أخبرني عبد الكريم, عن ابن المسيب قال: يستحبُّ أن تبعث الأنباط في الجزية. (57)

15309- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، يقول: إن ربك يبعث على بني إسرائيل العرب, فيسومونهم سوء العذاب، يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم.

15310- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة "، ليبعثن على يَهُود.

* * *

القول في تأويل قوله : إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد، لسريعٌ عقابه إلى من استوجَب منه العقوبة على كفره به ومعصيته= " وإنه لغفور رحيم "، يقول: وإنه لذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه، فأناب وراجع طاعته, يستر عليها بعفوه عنها= " رحيم "، له، أن يعاقبه على جرمه بعد توبته منها, لأنه يقبل التوبة ويُقِيل العَثْرة. (58)

-----------------

الهوامش :

(52) (1) كان في المطبوعة : (( إذ أذن ربك فأعلم )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(53) (2) ديوانه : 211 ، مطلع قصيدة له طويلة . وفي الديوان المطبوع (( بحفوفي )) ، وهو خطأ صرف ، صوابه في مصورة ديوانه . و (( الخفوف )) مصدر قولهم : ((خف القوم عن منزلهم خفوفاً )) ، ارتحلوا ، أو أسرعوا في الارتحال ، وفي خطبته صلى الله عليه وسلم في مرضه : (( أيها الناس ، إنه قد دنا منى خفوف من بين أظهركم )) ، أي قرب ارتحال ، منذراً صلى الله عليه وسلم بموته .

(54) (3) انظر تفسير (( الإذن )) فيما سلف 11 : 215 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(55) (1) انظر تفسير (( البعث )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بعث ) ، وأخشى أن يكون الصواب : (( يعنى : أعلم ربك ليرسلن على اليهود )) .

(56) (1) القائل : (( قال عبد الكريم الجزرى ... )) ، إلى آخر الكلام ، هو (( معمر )) ، وسيأتي بيان ذلك و مصداقه في ا"لأثر رقم : 15308 ، رواية معمر ، عن عبد الكريم ، عن ابن المسيب .

(57) (1) الأثر : 15308 - انظر ختام الأثر السالف رقم : 15303 .

(58) (2) انظر تفسير (( سريع العقاب )) ، و(( غفور )) ،و (( رحيم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سرع ) و ( غفر ) و ( رحم ) .

المعاني :

تَأَذَّنَ :       أَعْلَمَ إِعْلَامًا صَرِيحًا السراج
تأذّن ربّك :       أعلم ، أو عزم و قضى معاني القرآن
يَسُومُهُمْ :       يُذِيقُهُمْ السراج
يسومهم :       يُذيقهم و يكلّـفهم معاني القرآن

التدبر :

وقفة
[167] ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ ...﴾ كتب الله على بني إسرائيل الذلة والمسكنة، وتأذَّن بأن يبعث عليهم كل مدة من يذيقهم العذاب بسبب ظلمهم وانحرافهم.
وقفة
[167] ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ هل تَعطَّل هذا الوعيد الإلهي مع ما نرى من على اليهود اليوم؟! والجواب: ما علا اليهود ولا صارت لهم دولة إلا بعد أن فرط المسلمون في حق الله، وفرطوا في الأسباب التي شرعها الله لهم للنصر على عدوهم: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: 53].
تفاعل
[167] ﴿يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ استعذ بالله من عذابه الآن.
وقفة
[167] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة؛ لئلا يحصل اليأس؛ فَيُقْرِن تعالى بين الترغيب والترهيب كثيرًا؛ لتبقى النفوس بين الرجاء والخوف.
تفاعل
[167] قل: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

الإعراب :

  • ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ:
  • الواو: استئنافية. إذ: اسم مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل مضمر تقديره: اذكر وهو مضاف. تأذن: فعل ماض مبني على الفتح بمعنى عزم أو صرح» وأجري مجرى فعل القسم كعلم الله. وشهد الله. رب: فاعل مرفوع للتعظيم بالضمة والكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل جر بالاضافة. وجملة «تَأَذَّنَ رَبُّكَ» في محل جر بالاضافة لوقوعها بعد «إِذْ»
  • ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ:
  • اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. يبعثن: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو. عليهم: جار ومجرور متعلق بيبعث و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل جر بعلى.
  • ﴿ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ:
  • جار ومجرور متعلق بيبعث. القيامة: مضاف إليه مجرور بالكسرة. من: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.
  • ﴿ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ:
  • الجملة: صلة الموصول لا محل لها. يسوم:فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره: هو.و«هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول.سوء: مفعول به ثان منصوب بالفتحة. العذاب: مضاف إليه مجرور بالكسرةوجملة «لَيَبْعَثَنَّ» جواب قسم مقدر لا محل لها.
  • ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ:
  • إنّ: حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل.ربّ: اسم «إِنَّ» منصوب للتعظيم بالفتحة والكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل جر بالاضافة. اللام لام التوكيد- المزحلقة- سريع: خبر «إِنَّ» مرفوع بالضمة. العقاب: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
  • ﴿ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ:
  • الواو عاطفة. إنّ: حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب اسمها. لغفور: تعرب إعراب «لَسَرِيعُ». رحيم: صفة- نعت- لغفور ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لإنّ. '

المتشابهات :

الأنعام: 165﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
الأعراف: 167﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [167] لما قبلها :     وبعدَ ذكرِ بعضِ قبائحِ بني إسرائيل؛ ناسَبَ أن يُذكر هنا عقابُ اللهِ لهم بأنَّه سيُسَلِّطُ عليهم مَن يُذيقُهم أشَدَّ العذابِ إلى يومِ القِيامةِ، قال تعالى:
﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [168] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ ..

التفسير :

[168] وفرَّقنا بني إسرائيل في الأرض جماعات، منهم القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، ومنهم المقصِّرون الظالمون لأنفسهم، واختبرنا هؤلاء بالرخاء في العيش والسَّعَة في الرزق، واختبرناهم أيضاً بالشدة في العيش والمصائب والرزايا؛ رجاء أن يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوب

وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَمًا أي:فرقناهم ومزقناهم في الأرض بعد ما كانوا مجتمعين، مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ القائمون بحقوق اللّه، وحقوق عباده، وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ أي:دون الصلاح، إما مقتصدون، وإما ظالمون لأنفسهم، وَبَلَوْنَاهُمْ على عادتنا وسنتنا، بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ أي:بالعسر واليسر. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عما هم عليه مقيمون من الردى، يراجعون ما خلقوا له من الهدى

هذا وقوله- تعالى- وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً إخبار عن عقوبة أخرى من عقوباتهم المتنوعة بسبب كفرهم وجحودهم، وتتمثل هذه العقوبة في تفريقهم في الأرض، وتمزيقهم شر ممزق حتى لا تكون لهم شوكة.

وأُمَماً حال من مفعول قَطَّعْناهُمْ أو مفعول ثان لقطعناهم على أنه بمعنى صيرناهم.

أى: أن هؤلاء اليهود قد مزقناهم في الأرض شر ممزق بسبب عصيانهم وفسوقهم، وصيرناهم فرقا متقطعة الأوصال، مشتتة الأهواء. وقوله مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ بيان لحالهم.

أى: من هؤلاء اليهود قلة آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فصلح حالها، وحسنت عاقبتها، ومنهم كثرة منحطة عن رتبة أولئك المؤمنين الصالحين، بسبب فسوقهم عن أمر الله، وانتهاكهم لحرماته.

والجملة من المبتدأ والخبر، في موضع نصب على أنها صفة ل أُمَماً.

وقوله وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ الجار والمجرور خبر مقدم ودُونَ ذلِكَ نعت لمنعوت محذوف هو المبتدأ والتقدير: ومنهم ناس أو جماعة دون ذلك.

وهذه الجملة الكريمة تدل على أن القرآن الكريم يستعمل الإنصاف والعدالة وتقرير الحقائق مع أعدائه وأتباعه على السواء، فهو يمدح من يستحق المديح، ويذم من هو أهل الذم، وما أحوج الناس في كل زمان ومكان إلى التخلق بهذه الأخلاق.

وقوله- تعالى- وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أى عاملناهم معاملة المبتلى الممتحن تارة بالنعم الكثيرة كالصحة والخصب وسعة الأرزاق، وتارة بالنقم المتنوعة كالجدب والأمراض والشدائد، لعلهم يرجعون إلى طاعة ربهم، ويتركون ما نهوا عنه من المعاصي والسيئات.

يقال: بلاه يبلوه بلوا، وابتلاه ابتلاء، إذا جربه واختبره، ولقد كانت نتيجة هذا الابتلاء والاختبار أن تكشفت الحقائق عن أن الكثرة من بنى إسرائيل سلكت طريق الضلالة والغواية، والقلة هي التي آمنت وأصلحت ولذا عاقب الله تلك الكثرة بالعقوبة التي تناسبها جزاء وفاقا.

هذا، وما أخبر به القرآن من أن الله- تعالى- قد توعد بنى إسرائيل وأخبرهم بأنه سيسلط عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب بسبب كفرهم وفسوقهم قد شهد بصدقه التاريخ، وأيدته الحوادث، وهذه نماذج قليلة من تلك العقوبات التي نزلت بهم في الأزمنة المختلفة .

أولا: بعد وفاة سليمان- عليه السلام- حوالى سنة 975 ق م انقسمت مملكته إلى قسمين: مملكة الشمال، واسمها (إسرائيل) ومقرها (السامرة) وتتكون من الأسباط العشرة.

ومملكة الجنوب واسمها (يهوذا) ومقرها (أورشليم) وتتكون من سبطي يهوذا وبنيامين.

وقد استمرت المنازعات بين المملكتين مدة طويلة، انتهت بانقضاض (سرجون) ملك آشور على مملكة الشمال (إسرائيل) سنة 721 ق. م. فقتل الآلاف من رجالها، وأسر البقية منهم فرحلهم إلى ما وراء نهر الفرات، وقضى على هذه المملكة قضاء لم تقم لها بعده قائمة.

وأما مملكة الجنوب (أورشليم) فقد حاولت أن تتشبث بالبقاء، ولكن معاول الهدم غزتها من الشرق ومن الجنوب وكانت نهايتها على يد بختنصر البابلي سنة 586 ق م.

ويصور أحد الكتاب الغربيين قصة النكبات التي أدت إلى زوال مملكة (يهوذا وإسرائيل) فيقول: (هي قصة نكبات وقصة تحررات لا تعود عليهم إلا بإرجاء النكبة القاضية، هي قصة ملوك همج يحكمون شعبا من الهمج، حتى إذا وافت سنة 721 ق م «محت يد الأسر الآشورى مملكة إسرائيل من الوجود، وزال شعبها من التاريخ زوالا تاما، وظلت مملكة يهوذا تكافح حتى أسقطها البابليون سنة 586 ق م.

ثانيا: استرد اليهود بعض أنفاسهم بعد وقوعهم تحت حكم الفرس من حوالى سنة 536 إلى سنة 332 ق م فقد عادوا في هذه الفترة إلى فلسطين، ووقعوا تحت سيطرة الإسكندر المقدونى سنة 330 ق م.

وفي سنة 320 ق م. سار إليهم (بطليموس) خليفة الإسكندر، فهدم القدس، ودك أسوارها، وأرسل منهم مائة ألف أسير إلى مصر، لأنهم ثاروا عليه.

ثالثا: في سنة 20 ق م تقريبا، وقع اليهود تحت سيطرة السلوقيين السوريين بعد انتصارهم على البطالسة، ورأى بعض الحكام السلوقيين من اليهود تمردا وعصيانا، فأنزلوا بهم أشد العقوبات في عدة مواقع، وكان من أبرز المنكلين باليهود (انطوخيوس) ما بين سنة 170.

وسنة 168 ق م فقد هاجم (أورشليم) وهدم أسوارها وهيكلها. ونهب ما فيها من أموال وقتل من أهلها أربعين ألفا في ثلاثة أيام وباع مثل ذلك العدد عبيدا منهم ولم يفلت من يده إلا اليهود الذين هربوا إلى الجبال، وقد أقام (انطوخيوس) قمة على أحد الجبال ليشاهد منها كل من يقترب من اليهود إلى أورشليم ليقتله، وقد وصل به الحال أنه أكره عددا كبيرا منهم على ترك الديانة اليهودية وجعل هيكلهم في أورشليم معبدا لإلهه.

رابعا: وفي سنة 63 ق م أغار الرومان بقيادة (بامبيوس) على أورشليم فاحتلوها، واستمر احتلالهم حتى سنة 614 م. وخلال احتلال الرومان لفلسطين قام اليهود بعدة ثورات باءت كلها بالفشل، ولقوا بسبب تمردهم وعصيانهم من الرومان ألوانا من القتل والسبي والتشريد.

كان من أشهرها ما أنزله بهم «تيطس الرومانى» سنة 70 م فقد اقتحم في هذه السنة أورشليم فدمرها تدميرا، وقتل الآلاف من اليهود وأحرق هيكلهم.

خامسا: بعد هذه النماذج التي سقناها لما أنزله الرومان من عقوبات على اليهود، نتابع سيرنا في سرد بعض العقوبات التي أنزلها المسلمون باليهود بسبب بغيهم وخياناتهم فنقول:

بعد هجرة النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، عامل اليهود القاطنين والمجاورين لها معاملة طيبة، وعقد معهم معاهدة ضمنت لهم حقوقهم ولكنهم نقضوا عهودهم، ولم يتركوا وسيلة من وسائل الكيد للإسلام والمسلمين إلا فعلوها، وحاول الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن يثنيهم عن جحودهم وبغيهم ولكنهم لم يستجيبوا له. فعاقب صلّى الله عليه وسلّم كل طائفة منهم بالعقوبة التي تناسب جرمهم وخيانتهم وتكفل للمسلمين أن يعيشوا في مأمن من شرورهم، ومن بين العقوبات التي أنزلها النبي صلّى الله عليه وسلّم بهم إجلاؤه لبنى قينقاع ولبنى النضير عن المدينة، وقتله لبنى قريظة وإهداره لدم بعض كبرائهم ككعب بن الأشرف وسلام بن أبى الحقيق، ومحاربته ليهود خيبر ومصالحته لهم بعد مقتل عدد كبير منهم، ورفعهم راية الأمان، والاستسلام، وقبولهم الشروط التي اشترطها عليهم النبي صلّى الله عليه وسلّم.

ولقد كان من آخر الكلمات التي نطق بها الرسول صلّى الله عليه وسلّم قبل وفاته قوله موصيا أصحابه (أخرجوا اليهود من جزيرة العرب لا يبقى في جزيرة العرب دينان) .

وفي عهد عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- تم إخراج جميع اليهود من جزيرة العرب، استجابة لوصية الرسول صلّى الله عليه وسلّم.

سادسا: وفي ختام عرضنا لبعض العقوبات التي نزلت باليهود في الأزمنة المختلفة جزاء إجرامهم وإثارتهم للفتن نسوق بعض الأمثلة لما حل بهم على أيدى بعض الدول الأوربية.

(أ) ففي بريطانيا: لقى اليهود في بعض العهود ألوانا من التعذيب، وصنوفا من القتل والتشريد.

1- من ذلك أن الملك الإنجليزى (يوحنا) أصدر أمرا بحبسهم في جميع أنحاء مملكته.

وفي سنة 1328 م جأر الشعب البريطانى بالشكوى من اليهود، فأصدر الملك ادوارد الأول أمرا بطرد اليهود من جميع البلاد البريطانية في غضون ثلاثة أشهر، إلا أن الشعب البريطانى لم يصبر على اليهود حتى تنقضي تلك المدة، بل أخذ يقتل منهم العشرات والمئات وفي قلعة (بورك) التي احتمى بها عدد كبير من اليهود أحرق الإنجليز أكثر من خمسمائة يهودي وقد اضطر الملك إلى ترحيلهم قبل انقضاء المدة لئلا يفتك الشعب بهم جميعا في كل مكان، وظلت بريطانيا خالية من اليهود طوال ثلاثة قرون تقريبا. ولكن عادوا إليها سنة 1656 م في عهد الطاغية (كرومويل) الذي اغتصب الملك (شارل الأول) بعد أن قدم له اليهود الأموال الطائلة في سبيل بلوغ أغراضه.

(ب) وفي فرنسا: تعرض اليهود في أزمنة مختلفة لنقمة الشعب الفرنسى وغضبه، لأنهم دمروا اقتصاده الوطنى، وخنقوه بالربا الفاحش، والمعاملات السيئة.

1- ففي عهد (لويس التاسع) تدهورت الحالة الاقتصادية في فرنسا فأصدر أمرا بإلغاء ثلث ما لليهود على الفرنسيين من ديون، ثم أصدر أمرا بإحراق جميع كتبهم المقدسة، وخاصة التلمود. وقد قال أحد المؤرخين إنهم أحرقوا في باريس وحدها محمول أربع وعشرين مركبة من نسخ التلمود وغيرها) .

2- وخلال تولى (فيليب الجميل) حكم فرنسا. أنزل الفرنسيون باليهود صنوفا من القتل والنهب والتشريد، ثم طردوا من فرنسا نهائيا، ولكنهم عادوا إليها بعد أن دفعوا (لفيليب) ثلثى الديون التي لهم في فرنسا.

3- وفي سنة 1321 م هاجمهم الشعب الفرنسى وذبح عددا كبيرا منهم، ونكل بهم تنكيلا شديدا، ثم طردوا من فرنسا بعد أن نهبت أموالهم ولم يستطيعوا العودة إليها إلا في أواسط القرن السادس عشر.

4- وفي أوائل القرن التاسع عشر حاول (نابليون) أن يستغلهم لبلوغ مطامعه، ولكنهم خانوه، فاحتقرهم، وبطش بعدد منهم، وقال عنهم إنهم حثالات البشر وجراثيمه.

ولم ينج اليهود من بطش الشعب الفرنسى إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين.

(ج) وفي إيطاليا، حاربهم البابوات حربا شعواء وأطلقوا عليهم اسم (الشعب المكروه) وأغروا الشعب الإيطالى بهم فأعمل فيهم القتل والتشريد وقد أصدر البابوات مراسيم عديدة لتكفير اليهود وتسفيه ديانتهم القائمة على التلمود.

وفي سنة 1242 م أعلن البابا (جريجورى) التاسع اتهامات صريحة ضد التلمود الذي يطعن في المسيح والمسيحية، وأصدر أوامره بإحراقه فأحرقت جميع نسخه.

وفي سنة 1540 ثار الشعب الإيطالى على اليهود ثورة عارمة قتل فيها الآلاف منهم وطردوا من بقي حيا خارج إيطاليا.

(د) وفي أسبانيا: ذاق اليهود من الشعب الأسبانى وملوكه صنوف الذل وألوان الهوان، ولم يظفروا بالراحة إلا في أيام الحكم الإسلامى لأسبانيا. ولنكتف بذكر عقوبة واحدة من العقوبات المتعددة التي نزلت بهم في تلك البلاد.

في عهد الملك (فرديناند) وزوجته (إيزابلا) وصلت موجة السخط على اليهود أقصاها لتغلغلهم في الحياة الأسبانية، واستيلائهم على اقتصادها وإشعالهم نار الخلافات الدينية بين الطوائف ... فرأى الملك وزوجته أن خير وسيلة لوقاية البلاد من شرورهم هي طردهم من أسبانيا طردا نهائيا.

وفي 31 من مارس سنة 1952 صدر المرسوم التالي عن الملك (فرديناند) : (يعيش في مملكتنا عدد غير قليل من اليهود، ولقد أنشأنا محاكم التفتيش منذ اثنتي عشرة سنة. وهي تعمل دائما على توقيع العقوبة على المذنبين، وبناء على التقارير التي رفعتها لنا محاكم التفتيش، ثبت بأن الصدام الذي يقع بين المسيحيين واليهود يؤدى إلى ضرر عظيم، ويؤدى بالتالى إلى القضاء على المذهب الكاثوليكى، ولذا قررنا نفى اليهود ذكورا وإناثا خارج حدود مملكتنا وإلى الأبد وعلى اليهود جميعا الذين يعيشون في بلادنا وممتلكاتنا ومن غير تميز في الجنس أو الأعمار أن يغادروا البلاد في غضون فترة أقصاها نهاية يوليو من نفس العام، وعليهم ألا يحاولوا العودة تحت أى ظرف أو سبب .

وبمقتضى هذا القرار طرد اليهود شر طردة من أسبانيا بعد أن أرغموا على ترك ذهبهم ونقودهم، وبعد أن نفثوا سمومهم في أسبانيا زهاء سبعة قرون وكان عددهم عند ما خرجوا منها مطرودين يبلغ نصف مليون نسمه ويعتبر بعض اليهود هذا القرار وما تلاه من طرد وتشريد أسوأ من خراب أورشليم.

(هـ) وفي روسيا: كان يعيش نصف يهود العالم تقريبا خلال القرن التاسع عشر وقد استعملوا طول مدة إقامتهم في روسيا كل وسائلهم الخبيثة للتدمير والتخريب، ففتحوا الحانات وتاجروا في الخمور، وأقرضوا بالربا الفاحش، واستولوا على الكثير من أموال الدولة بالطرق المحرمة، وقتلوا الكثير من أبناء الشعب الروسى عند ما مكنتهم الظروف من ذلك وكونوا الجمعيات السرية التي عملت على هدم نظام الحكم القيصري واستمرت في نشاطها حتى أزالته بواسطة الثورة الشيوعية في سنة 1917 م هذه الثورة التي كان معظم قوادها من اليهود. ولم ينس الروس لليهود ما قاموا به نحوهم من عدوان واستغلال، فانقضوا عليهم عدة مرات للتخلص منهم وأعملوا فيهم الذبح والقتل بلا رحمة، وكان من أبرز المذابح التي أوقعها الروس باليهود مذبحة سنة 1881 م ومذبحة سنة 1882 م فقد حاول الفلاحون الروس أن يدمروا اليهود تدميرا في هاتين السنتين.

وعند ما نشر الكاتب الروسى (نيلوس) نسخا قليلة من (بروتوكولات حكماء صهيون) سنة 1902 م التي تفضح نيات اليهود الإجرامية تجاه العالم أجمع، جن جنونهم خوفا وفزعا. وعمت المذابح ضدهم في روسيا حتى لقد قتل منهم في إحداها نحو عشرة آلاف يهودي.

(و) وفي ألمانيا: انتشر اليهود في كثير من مدنها منذ القرن الثامن الميلادى، وسكنوا على ضفاف نهر الراين. واستغلوا الشعب الألمانى أسوأ استغلال حتى كادوا يستولون على أمواله عن طريق الربا الفاحش واستخدام الوسائل المختلفة لجمع المال الحرام. ولقد هاج الشعب الألمانى ضدهم في أوقات مختلفة، واستعمل معهم كل وسائل القتل والسلب والطرد.

يقول صاحب كتاب (تاريخ الإسرائيليين) وظل القتل والذبح منتشرا في اليهود إلى أن صدرت الأوامر بطردهم من أنحاء- ألمانيا- في أزمنة متتابعة، وذلك ما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر، حتى لم يكد يبقى منهم واحدا فيها) .

وكان آخر ما لاقوه من عذاب وتقتيل وتشريد على يد «هتلر» ابتداء من توليه الحكم في ألمانيا سنة 1933 إلى أن سقط حكمه سنة 1945.

وفي كل البلاد التي نزل بها اليهود، تعرضوا لنقمة السكان وغضبهم وازدرائهم، يستوي في ذلك تاريخهم القديم والوسيط والحديث، لقد أنزل العالم بهم ضربات قاصمة، وعقوبات صارمة، شملت التنكيل والطرد والسجن والقتل ومصادرة الأموال.

ويقرر أحد الكتاب الغربيين أن كل الأمم المسيحية اشتركت في اضطهاد اليهود وإنزال مختلف العقوبات بهم، وكانت القسوة مع اليهود تعد مآثرة يمتدح المسيحيون بعضهم بعضا عليها .

هذا، والشيء الذي نؤكده بعد سرد هذه النماذج من العقوبات التي نزلت باليهود في مختلف العصور والأمم، هو أن اليهود هم المسئولون عن كل اضطهاد وقع بهم، وأنهم مستحقون لهذه العقوبات لأسباب من أهمها:

أولا: أنانيتهم وأطماعهم التي لا حدود لها «فقد سوغت لهم أنانيتهم أن العالم ملك لهم بكل من فيه وما فيه، وأن عليهم متى حلوا في أى دولة أن ينهبوا خيراتها بكل وسيلة وإن يجمعوا أموالها بأى طريقة، فإن المال هو معبود اليهود من قديم.

وأنانية اليهود وجشعهم وأكلهم أموال الناس بالباطل، جعلهم محل نقمة العالم وغضبه،

ولقد فطن بعض الزعماء العقلاء إلى خطر تغلغل اليهود في بلاده، فأخذ يطردهم منها، ويحذر أبناء أمته من شرورهم، ومن هؤلاء الزعماء العقلاء (بنيامين فرانكلين) أحد رؤساء الولايات المتحدة، فإنه ألقى خطابا سنة 1789 قال فيه: (هناك خطر عظيم يهدد الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك الخطر هو (اليهود) . أيها السادة: حيثما استقر اليهود، تجدونهم يوهنون من عزيمة الشعب، ويزعزعون الخلق التجارى الشريف. إنهم لا يندمجون بالشعب. لقد كانوا.

حكومة داخل الحكومة. وحينما يجدون معارضة من أحد فإنهم يعملون على خنق الأمة ماليا كما حدث للبرتغال وأسبانيا ... إذا لم يمنع اليهود من الهجرة بموجب الدستور. ففي أقل من مائتي سنة سوف يتدفقون على هذه البلاد بأعداد ضخمة تجعلهم يحكموننا ويدمروننا ويغيرون شكل الحكومة التي ضحينا وبذلنا لإقامتها دماءنا وحياتنا وأموالنا وحريتنا. إذا لم يستثن اليهود من الهجرة فإنه لن يمضى أكثر من مائتي سنة ليصبح أبناؤنا عمالا في الحقول لتأمين الغذاء لليهود..، إنى أحذركم أيها السادة. إذا لم تستثنوا اليهود من الهجرة إلى الأبد فسوف يلعنكم أبناؤكم وأحفادكم في قبوركم، إن عقليتهم تختلف عنا حتى لو عاشوا بيننا عشرة أجيال. والنمر لا يستطيع تغيير لونه. اليهود خطر على هذه البلاد. وإذا دخلوها فسوف يخربونها ويفسدونها) .

وللتعليق على هذا الخطاب نقول: ما أصدق ما توقعه (فرانكلين) لولا أنه قد أخطأ التقدير في المدة اللازمة لتحويل أمريكا إلى بقرة حلوب لليهود، فقد قدر (فرانكلين) هذه المدة بمائتي سنة أى في سنة 1989، بينما استطاع اليهود أن يسخروا سياسة أمريكا وأسلحتها، وأموالها وعلمها ونفوذها وخيراتها، لمنفعتهم الخاصة في مدة تقل عما توقعه بأكثر من خمسين سنة.

ثانيا: غرورهم وتعاليهم: فاليهود يعتبرون أنفسهم أبناء الله وأحباؤه، وشعبه المختار. ومن قديم الزمن وهم يقسمون العالم إلى قسمين متقابلين: قسم إسرائيل وهم صفوة الخلق وأصحاب الحظوة عند الله، وقسم آخر يسمونه الأمم (الجوييم) أى غير اليهود ومعنى (جوييم) عندهم، وثنيون وكفرة وبهائم وأنجاس. وقد أدى هذا الغرور والتعالي باليهود إلى إهدار كل حق لغيرهم عليهم، وأن من حق اليهود أن يسرقوا من ليس يهوديا وأن يغشوه ويكذبوا عليه ويقتلوه إذا أمنوا اكتشاف جرائمهم، وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الرذيلة التي تمكنت من اليهود بقوله. وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .

وكتب اليهود- لا سيما التلمود- طافحة بالوصايا التي تبيح لهم أن يعاملوا غيرهم بمعاملة تخالف معاملتهم مع بعضهم، من ذلك ما جاء في التلمود: إذا خدع يهود أحدا من الأمم وجاء يهودي آخر واختلس من الأمم بعض ما عنده بنقص الكيل أو زيادة الثمن، فعلى اليهوديين أن يقتسما الغنيمة التي أرسلها إليهما (يهواه) ويهواه هو إله اليهود.

ونتيجة لهذا الغرور والتعالي الذي تميز به اليهود، وأهدروا بسببه كل حق أو كرامة لسواهم من الناس، قام غيرهم من الأمم ليدافع عن حقه الذي سلبوه منهم، وليوقع بهم أقسى العقوبات جزاء غرورهم الكاذب، وتعاليهم الباطل.

ثالثا: عزلتهم وعصبيتهم وخيانتهم للبلاد التي آوتهم فهم متعصبون متحزبون، لا يجمعهم حب بعضهم لبعض ولكن تجمعهم كراهية من ليس على ملتهم، كما يجمعهم الحقد على العالم بأسره. وقد أصبحت العزلة والعصبية والعنصرية طابع اليهود الذي لا محيد لهم عنه.

ويصف الدكتور (ويزمان) أول رئيس لإسرائيل طابع العزلة في اليهود بقوله: (وكان اليهود في موتول (مسقط رأسه) بروسيا، يعيشون كما يعيش اليهود في مئات المدن الصغيرة والكبيرة منعزلين منكمشين، وفي عالم غير عالم الناس الذين يعيشون معهم) .

ولعل أدق صورة للتحريض على العزلة والتمسك بها، ما ذكره (سلامون شحتر) في خطابه بمدرسة اللاهوت اليهودية العليا حيث قال: (إن معنى الاندماج في الأمم هو فقدان الذاتية.

وهذا النوع من الاندماج مع ما يترتب عليه من النتائج، هو ما أخشاه أكثر مما أخشى المذابح والاضطهادات) .

وقد تسبب عن عزلتهم وعصيبتهم أمور خطيرة، فقد نظروا إلى من سواهم من الأمم نظرة كلها عداء وريبة وحذر، وصار طابعهم في كل زمان ومكان عدم الإخلاص لاية هيئة دينية أو دنيوية. وعدم الولاء للأوطان التي يعيشون فيها ويأكلون من خيراتها، وإنما يجعلون ولاءهم لجماعتهم ومصالحهم الخاصة دون غيرها، لأن اليهودي يهودي قبل كل شيء، مهما تكن جنسيته، ومهما يعتنق من عقائد ومبادئ في الظاهر، وإذا تعارضت جنسيته مع يهوديته ناصر يهوديته، وحاول أن يشيع الخراب والدمار في الأمة التي هو فرد من أفرادها خصوصا إذا أمن العقاب والصهيونية العالمية تأمر اليهود في كل مكان أن يجعلوا ولاءهم لإسرائيل وليس للدولة التي يعيشون فيها.

تقول جولدامايير وزيرة خارجية إسرائيل سابقا: (إن اليهود المقيمين خارج إسرائيل طوائف مشتتة تعيش في المنفي، وأنهم مواطنون إسرائيليون قبل كل شيء، ويتحتم عليهم الولاء المطلق لهذه الدولة الجديدة مهما تكن جنسيتهم الرسمية التي يسبغونها على أنفسهم، وإن اليهودي الإنجليزى الذي ينشد بحكم إنجليزيته نشيد (حفظ الله الملكة) لا يمكن أن يكون في نفس الوقت صهيونيا) .

وما أكثر الحوادث التي قام فيها اليهود بدور العيون والجواسيس على الأوطان التي يعيشون فيها لحساب أعدائها، واظهر مثل على ذلك ما قام به اليهود المقيمون في ألمانيا من خيانات لها خلال الحرب العالمية الأولى، وكان ثمرة هذه الخيانات هزيمة ألمانيا، ومنح اليهود جزاء غدرهم الوطنى وعد (بلفور) من الحكومة البريطانية سنة 1917 م.

وقد عدد (هتلر) خيانات اليهود لألمانيا فذكر منها استنزاف أموال الشعب بالربا الفادح وإفساد التعليم والسيطرة لصالحهم على المصارف والبورصة والشركات التجارية، والسيطرة على دور النشر، والتدخل في سياسة الدولة لغير مصلحة ألمانيا وفي القمة من خياناتهم التجسس ضد ألمانيا الذي احترفه عدد كبير منهم.

ويختم هتلر حديثه الطويل عن اليهود بقوله (وإذا قيض لليهودي أن يتغلب على شعوب هذا العالم، فسيكون تاجه إكليل جنازة البشرية، وعند ما يستأنف كوكبنا السيار طوافه في الأثير كما فعل منذ ملايين السنين لن يكون هناك بشر على سطحه.. لهذا أعتقد أنى تصرفت معهم حسبما شاء خالقنا، لأنى بدفاعى عن نفسي ضد اليهودي، أنما أناضل في سبيل الدفاع، عن عمل الخالق) .

وإذن فعزلة اليهود، وعصبيتهم، وخيانتهم للأوطان التي آوتهم، كان جزاؤها العادل ما حل بهم من دمار وتشريد خلال العصور المختلفة.

رابعا: اضطهادهم لغيرهم متى ملكوا القدرة الظاهرة أو الخفية لذلك وتاريخ اليهود ملطخ بجراثم القتل والذبح والنهب والسلب والغدر والبطش بغيرهم وملئ بالمجاز التي قاموا بها ضد الشعوب التي كان لهم النصر عليها، وقد ساعدهم على ذلك ما أمرتهم به كتبهم من قتل وإذلال لغيرهم متى واتتهم الفرصة عليه، ففي سفر الخروج ما نصه.

(حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن إجابتك فكل الشعب الموجود فيها يكون للتسخير، ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إياها فلا تستبق منها نسمة ما) .

ولقد طبق اليهود هذه التعاليم أسوأ تطبيق في كل أدوار تاريخهم فلقد قتلوا في روما وحدها مائة ألف مسيحى سنة 214 م بإيعاز من الإمبراطور (مارك أوريل) .

وما لنا نذهب بعيدا في الاستشهاد على إجرامهم، ومعارك فلسطين ما زالت ماثلة في أذهاننا، يقول أحد الكتاب المعاصرين: (إن مذبحة دير ياسين كانت من أبشع المذابح التي ارتكبها اليهود. فقد قتلوا مائتين وخمسين إنسانا في قرية صغيرة ومثلوا بأجسامهم، وذبحوا الأطفال في أحضان أمهاتهم وأمام أعينهن) . وحدث ما يشبه هذه المذابح في كثير من مدن فلسطين كحيفا ويافا وقبية وكفر قاسم.

والحق، أن مفاهيم اليهود الباطلة، وأنانيتهم الطاغية، وطباعهم اللئيمة وأخلاقهم الفاسدة، وعصبيتهم الذميمة، وقلوبهم القاسية، واستباحتهم لقتل غيرهم، وإهدار كرامته، كل ذلك جعلهم محل نقمة العالم وغضبه، وبسبب هذه الأخلاق المرذولة سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، ومن يمزقهم شر ممزق.

ويعجبني في هذا المقام قول المؤرخ اليهودي «يوسيفوس» «لا توجد أمة في الأرض في كل أجيال التاريخ منذ بدء الخليقة إلى الآن تحملت ما تحمل بنو إسرائيل من الكوارث والآلام، على أن هذه الكوارث والآلام لم تكن إلا من صنع بنى إسرائيل أنفسهم» .

والآن، بعد سرد هذه العقوبات التي حلت ببني إسرائيل في مختلف العصور تأييدا لقوله- تعالى- لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ بسبب أعمالهم السيئة نعود إلى السورة الكريمة فنراها تحدثنا عن لون من ألوان الدعاوى الباطلة التي حكاها القرآن عنهم، وهو زعمهم أن ذنوبهم مغفورة لهم، وأنهم مهما فعلوا من ذنوب، وارتكبوا من موبقات، واستحلوا من أموال حرام، فلن يحاسبهم الله على ذلك إلا حسابا يسيرا لأنهم أبناؤه وأحباؤه، واستمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى ذلك عنهم فتقول:

يذكر تعالى أنه فرقهم في الأرض أمما ، أي : طوائف وفرقا ، كما قال [ تعالى ] ( وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ) [ الإسراء : 104 ]

( منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ) أي : فيهم الصالح وغير ذلك ، كما قالت الجن : ( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا ) [ الجن : 11 ] ، ( وبلوناهم ) أي : اختبرناهم ( بالحسنات والسيئات ) أي : بالرخاء والشدة ، والرغبة والرهبة ، والعافية والبلاء ، ( لعلهم يرجعون )

القول في تأويل قوله : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وفرّقنا بني إسرائيل في الأرض (59) = " أممًا " يعني: جماعات شتى متفرِّقين، (60) كما: -

15311- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " وقطعناهم في الأرض أممًا "، قال: في كل أرض يدخلها قومٌ من اليهود. (61)

15312- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وقطعناهم في الأرض أممًا "، قال: يهود.

* * *

وقوله: " منهم الصالحون "، يقول: من هؤلاء القوم الذين وصفهم الله من بني إسرائيل= " الصالحون ", يعني: من يؤمن بالله ورسله= " ومنهم دون ذلك "، يعني: دون الصالح. وإنما وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم كانوا كذلك قبل ارتدادِهم عن دينهم، وقبل كفرهم بربهم, وذلك قبل أن يبعث فيهم عيسى ابن مريم صلوات الله عليه.

* * *

وقوله: " وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون "، يقول: واختبرناهم بالرخاء في العيش, (62) والخفض في الدنيا والدعة، والسعة في الرزق, وهي " الحسنات " التي ذكرها جل ثناؤه (63) ويعني ب " السيئات "، الشدة في العيش, والشظف فيه, والمصائب والرزايا في الأموال (64) = " لعلهم يرجعون "، يقول: ليرجعوا إلى طاعة ربهم وينيبوا إليها, ويتوبوا من معاصيه.

-------------------

الهوامش :

(59) (1) انظر تفسير (( قطع )) فيما سلف ص : 164 .

(60) (2) انظر تفسير (( أمة )) فيما سلف ص : 184 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(61) (3) الأثر : 15311 - (( إسحق بن إسماعيل )) ، هو (( أبو يزيد )) (( حبويه )) ، انظر ما سلف رقم : 15221 ، والتعليق عليه هناك .

(62) (4) انظر تفسير (( الابتلاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بلا ) .

(63) (1) انظر تفسير (( الحسنات )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .

(64) (2) انظر تفسير (( السيئات )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سوأ ) .

المعاني :

وَقَطَّعْنَاهُمْ :       فَرَّقْنَاهُمْ السراج
أُمَمًا :       جَمَاعَاتٍ السراج
بلوناهم :       امتحنّاهم و اختبرناهم معاني القرآن
بِالْحَسَنَاتِ :       بِالرَّخَاءِ فِي الْعَيْشِ السراج
وَالسَّيِّئَاتِ :       الشِّدَّةِ فِي الْعَيْشِ السراج

التدبر :

وقفة
[168] ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ﴾: بالخصب والعافية، ﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾: الجدب والشدة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا.
وقفة
[168] ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يبتليك الله بالحسنات والنعم ليبعثك على الشكر، كما يبتليك بالسيئات والنقم ليبعثك على الصبر.
عمل
[168] تحسن أحوالك أو سوؤها ابتلاءٌ من الله سبحانه وتعالى، فارتبط بالله أكثر عند تغيرها ﴿وَبَلَوْنَٰهُم بِٱلْحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقفة
[168] قد يبتليك الله بالحسنات والنعم؛ ليبعثك على الشكر، كما يبتليك بالسيئات والمصائب؛ ليبعثك على الصبر ﴿وَبَلَوْنَٰهُم بِٱلْحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

الإعراب :

  • ﴿ وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً:
  • الواو: استئنافية. قطّعنا: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل نصب مفعول به. في الأرض: جار ومجرور متعلق بقطعناهم. أمما: حال منصوب بالفتحة. أي ووزعناهم أو قسّمناهم.
  • ﴿ مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ:
  • من: حرف جر «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل جر بمن وحرك الميم بالضم للاشباع والجار والمجرور متعلق بخبر مقدم. الصالحون: مبتدأ مؤخر مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم والنون عوض عن تنوين المفرد.
  • ﴿ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ:
  • الواو: عاطفة. منهم: أعربت. دون: ظرف مكان منصوب على الظرفية المكانية وعلامة نصبه: الفتحة. ذا: اسم اشارة مبني على السكون في محل جر بالاضافة. واللام للبعد والكاف للخطاب وشبه الجملة «دُونَ ذلِكَ» في محل رفع صفة لموصوف محذوف معناه: ومنهم ناس منحطون عن الصلاح أي دون الصالحين. وجملة «منهم ناس» جملة اسمية معطوفة على الجملة الاسمية منهم الصالحون.
  • ﴿ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ:
  • معطوفة بالواو على «قَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ» وتعرب اعرابها. والسيئات معطوفة بالواو على الحسنات وتعرب اعرابها.
  • ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:
  • لعل: حرف مشبه بالفعل و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل نصب اسم «لعل». يرجعون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة ولتجرده عن الناصب والجازم. والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. والجملة «يَرْجِعُونَ» في محل رفع خبر «لعل». '

المتشابهات :

الأعراف: 168﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ
الجن: 11﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [168] لما قبلها :     وبعد أن بَيَّنَ اللهُ عز وجل أنَّه سيُسَلِّطُ على بني إسرائيل مَن يُذيقُهم أشَدَّ العذابِ إلى يومِ القِيامةِ؛ ذكرَ هنا أنه سيفرقهم في الأقطار جماعاتٍ مشرَّدِينَ، قال تعالى:
﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

لم يذكر المصنف هنا شيء

مدارسة الآية : [169] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ..

التفسير :

[169] فجاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم بَدَلُ سوء أخذوا الكتاب من أسلافهم، فقرؤوه وعلموه، وخالفوا حكمه، يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا من دنيء المكاسب كالرِّشوة وغيرها؛ وذلك لشدة حرصهم ونَهَمهم، ويقولون مع ذلك:إن الله سيغفر لنا ذنوبنا تمنياً على الله ا

فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصد، حتى خلف من بعدهم خلف. زاد شرهم وَرِثُوا بعدهم الْكِتَابُ وصار المرجع فيه إليهم، وصاروا يتصرفون فيه بأهوائهم، وتبذل لهم الأموال، ليفتوا ويحكموا، بغير الحق، وفشت فيهم الرشوة. يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ مقرين بأنه ذنب وأنهم ظلمة:سَيُغْفَرُ لَنَا وهذا قول خال من الحقيقة، فإنه ليس استغفارا وطلبا للمغفرة على الحقيقة. فلو كان ذلك لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا، ولكنهم - إذا أتاهم عرض آخر، ورشوة أخرى - يأخذوه. فاشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، قال اللّه [تعالى] في الإنكار عليهم، وبيان جراءتهم:أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ فما بالهم يقولون عليه غير الحق اتباعا لأهوائهم، وميلا مع مطامعهم. و الحال أنهم قد دَرَسُوا مَا فِيهِ فليس عليهم فيه إشكال، بل قد أَتَوْا أمرهم متعمدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظم للذنب، وأشد للوم، وأشنع للعقوبة، وهذا من نقص عقولهم، وسفاهة رأيهم، بإيثار الحياة الدنيا على الآخرة، ولهذا قال:وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ما حرم اللّه عليهم، من المآكل التي تصاب، وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنـزل اللّه، وغير ذلك من أنواع المحرمات. أَفَلا تَعْقِلُونَ أي:أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقديم له على غيره. فخاصية العقل النظر للعواقب.

قال الإمام القرطبي: الخلف- بسكون اللام- الأولاد، الواحد والجمع فيه سواء، الخلف- بفتح اللام- البدل، ولدا كان أو غريبا. وقال ابن الأعرابى: الخلف- بفتح اللام- الصالح، وبسكونها الطالح، ومنه قيل للردى من الكلام خلف- بسكون اللام- ومنه المثل السائر «سكت ألفا ونطق خلفا» قال لبيد.

ذهب الذين يعاش في أكنافهم- وبقيت في خلف كجلد الأجرب.

فخلف في الذم بالإسكان، وخلف بالفتح في المدح، هذا هو المستعمل المشهور، وفي الحديث الشريف (يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له) وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر .

والعرض- بفتح الراء- متاع الدنيا وحطامها من المال وغيره.

قال صاحب الكشاف: قوله تعالى: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى أى حطام هذا الشيء الأدنى، يريد الدنيا وما يتمتع به منها، وفي قوله هذا تخسيس وتحقير، والأدنى إما من الدنو بمعنى القرب، لأنه عاجل قريب، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل على العامة) .

والضمير في قوله مِنْ بَعْدِهِمْ يعود إلى اليهود الذين وصفهم الله في الآية السابقة بقوله وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

والمعنى: فخلف من بعد أولئك القوم الذين قطعناهم في الأرض أمما خلف سوء، ورثوا كتاب الله وهو التوراة فقرأوه وتعلموه، ووقفوا على ما فيه من تحليل وتحريم وأمر ونهى ولكنهم لم يتأثروا به بل خالفوا أحكامه، واستحلوا محارمه مع علمهم بها، فهم يتهافتون على حطام الدنيا ومتاعها ويتقبلون المال الحرام بشراهة نفس. ويأكلون السحت أكلا لما ويقولون وهم والغون في المعاصي ومصرون على الذنوب: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا ولا يؤاخذنا بما أكلنا من أموال، لأننا من نسل أنبيائه، فنحن شعبه الذي اصطفاه من سائر البشر، إلى غير ذلك من الأقاويل التي يفترونها على الله وهم يعلمون.

وجملة يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى مستأنفة لبيان ما يصنعون بالكتاب بعد وراثتهم إياه.

وقيل: هي حال من الضمير في ورثوا.

ثم أخبر- سبحانه- عنهم بأنهم أهل إصرار على ذنوبهم، وليسوا بأهل إنابة ولا توبة فقال تعالى: (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه) أى: أنهم يأخذون عرض الحياة الدنيا ويعرضون عن شريعة الله التي أنزلها عليهم في التوراة ويزعمون أن الله لا يؤاخذهم بما فعلوا. ثم هم بعد ذلك لا يتوبون إلى الله ولا يستغفرونه، وإنما حالهم أنهم إن لاح لهم عرض حرام آخر مثل الذي أخذوه أولا بالباطل، تهافتوا عليه من جديد واستحلوه وأكلوه في بطونهم، وبدون توبة أو ندم.

قال مجاهد قوله تعالى وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ لا يشرف لهم شيء من متاع الدنيا إلا أخذوه حلالا كان أو حراما، ويتمنون المغفرة (ويقولون سيغفر لنا) وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه .

وقال السدى: (كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم وإن خيارهم اجتمعوا، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى، فيقال له ما شأنك ترتشى في الحكم؟ فيقول سيغفر لي، فيطعن عليه البقية الآخرون من بنى إسرائيل صنعه فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه قبل الرشوة، ويقول: (وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه) .

ثم أنكر- سبحانه- عليهم ما زعموه بقولهم: (سيغفر لنا) وهم مصرون على معصيتهم فقال تعالى: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه) .

والمعنى: لقد أخذ الله العهد في التوراة على هؤلاء المرتشين في أحكامهم: والقائلين سيغفر الله فعلنا هذا ألا يقولوا على الله إلا القول الحق، ولا يخبروا عنه إلا بالصدق ولا يخالفوا أمره.

ولا ينقضوا عهده، ولا يتجاوزوا حدوده، وقد درس هؤلاء الكتاب، أى: قرءوه وفهموه، ولكنهم لم يعملوا بما أخذ عليهم من عهود ولم يتبعوا أوامر كتابهم ونواهيه، لأنهم درسوه ولم يتأثروا به، ولم تخالط تعاليمه شغاف قلوبهم، فضيعوه واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون.

وقوله أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ بدل من ميثاق الكتاب أو عطف بيان له. وقيل إنه مفعول لأجله أى: لئلا يقولوا.

وجملة وَدَرَسُوا ما فِيهِ معطوفة في المعنى على قوله تعالى أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أى أن الله تعالى قد أخذ عليهم الميثاق في التوراة ودرسوه.

قال ابن دريد: (كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له .

ثم بين الله لهم أن ما أعده في الآخرة للمتقين الذين يتعففون عن السحت وعن أكل أموال الناس بالباطل خير من متاع الدنيا وزهرتها الذي آثره هؤلاء الذين يفترون على الله الكذب فقال تعالى: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ أى: والدار الآخرة وما أعده فيها من نعيم لأولئك الذين يتقونه حق تقاته في السر والعلن، خير من عرض هذا الأدنى الذي استحله هؤلاء اليهود بدون حق وآثروه على ما عند الله من نعيم مقيم وثواب جزيل أَفَلا تَعْقِلُونَ- يا من أكلتم أموال الناس بالباطل وقلتم سيغفر الله لنا ذنوبنا- هذا الحكم الواضح، الذي لا يخفى على ذي عقل سليم، لم تطمسه الشهوات، ولم يستحوذ عليه الشيطان.

وفي هذا إشارة إلى أن الطمع في متاع الحياة الدنيا هو الذي جعل بنى إسرائيل يقولون على الله غير الحق. ويتشبعون من المال الحرام بدون تعفف ويبيعون دينهم بدنياهم.

قال الإمام الآلوسى: (والمراد من الآية توبيخ أولئك الورثة على بتهم القول بالمغفرة مع إصرارهم على الذنوب وجاء البت من السين فإنها للتأكيد كما نص عليه المحققون، وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- إنهم وبخوا على إيجابهم على الله- تعالى- غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ثم لا يتوبون منها.

وقد أطبق أهل السنة على ذم المتمنى على الله، ورووا عن شداد بن أوس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى) ومن هنا قيل: إن القوم ذموا بأكلهم أموال الناس بالباطل وباتباعهم أنفسهم هواها وتمنيهم على الله- سبحانه- الأمانى، ووبخوا على افترائهم على الله في الأحكام التي غيروها، وأخذوا عرض هذا الأدنى على تغييرها، وقالوا على الله ما ليس بحق من القول) .

ثم قال تعالى : ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) يقول تعالى : فخلف من بعد ذلك الجيل الذين فيهم الصالح والطالح ، خلف آخر لا خير فيهم ، وقد ورثوا دراسة [ هذا ] الكتاب وهو التوراة - وقال مجاهد : هم النصارى - وقد يكون أعم من ذلك ، ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) أي : يعتاضون عن بذل الحق ونشره بعرض الحياة الدنيا ، ويسوفون أنفسهم ويعدونها بالتوبة ، وكلما لاح لهم مثل الأول وقعوا فيه ; ولهذا قال : ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) كما قال سعيد بن جبير : يعملون الذنب ، ثم يستغفرون الله منه ، فإن عرض ذلك الذنب أخذوه .

وقول مجاهد في قوله : ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) قال : لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه ، حلالا كان أو حراما ، ويتمنون المغفرة ، ويقولون : ( سيغفر لنا ) وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه .

وقال قتادة في : ( فخلف من بعدهم خلف ) أي : والله لخلف سوء ، ورثوا الكتاب بعد أنبيائهم ورسلهم ، ورثهم الله وعهد إليهم ، وقال الله في آية أخرى : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ) [ مريم : 59 ] ، قال ( يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ) تمنوا على الله أماني ، وغرة يغترون بها ، ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) لا يشغلهم شيء عن شيء ، ولا ينهاهم شيء عن ذلك ، كلما هف لهم شيء من [ أمر ] الدنيا أكلوه ، ولا يبالون حلالا كان أو حراما .

وقال السدي [ في ] قوله : ( فخلف من بعدهم خلف ) إلى قوله : ( ودرسوا ما فيه ) قال : كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم ، وإن خيارهم اجتمعوا ، فأخذ بعضهم على بعض العهود ألا يفعلوا ولا يرتشي ، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى ، فيقال له : ما شأنك ترتشي في الحكم ، فيقول : " سيغفر لي " ، فتطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع ، فإذا مات ، أو نزع ، وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه ، فيرتشي . يقول : وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه .

قال الله تعالى : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه ) يقول تعالى منكرا عليهم في صنيعهم هذا ، مع ما أخذ عليهم من الميثاق ليبينن الحق للناس ، ولا يكتمونه كقوله : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ) [ آل عمران : 187 ]

وقال ابن جريج : قال ابن عباس : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ) قال : فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها ، ولا يتوبون منها .

وقوله تعالى : ( والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) يرغبهم تعالى في جزيل ثوابه ، ويحذرهم من وبيل عقابه ، أي : وثوابي وما عندي خير لمن اتقى المحارم ، وترك هوى نفسه ، وأقبل على طاعة ربه .

( أفلا تعقلون ) يقول : أفليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بعرض الدنيا عما عندي عقل يردعهم عما هم فيه من السفه والتبذير ؟ ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، كما هو مكتوب فيه

القول في تأويل قوله : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فخلف من بعد هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم (65) = " خلف " يعني: خَلف سوء. يقول: حدث بعدهم وخلافَهم, وتبدل منهم، بَدَلُ سَوْءٍ.

* * *

يقال منه: " هو خَلَف صِدْقٍ", " وخَلْفُ سَوْءٍ", وأكثر ما جاء في المدح بفتح " اللام "، وفي الذم بتسكينها, وقد تحرَّك في الذم، وتسكّن في المدح, ومن ذلك في تسكينها في المدح قول حسان:

لَنَــا القَـدَمُ الأُولَـى إلَيْـكَ, وَخَلْفُنَـا

لأَوَّلِنَــا فِــي طَاعَــةِ اللـهِ تَـابِعُ (66)

وأحسب أنّه إذا وُجّه إلى الفساد، مأخوذ من قولهم: " خَلَف اللبن "، إذا حمض من طُول تَركه في السقاء حتى يفسد, فكأنَّ الرجل الفاسد مشبَّهٌ به. وقد يجوز أن يكون منه قولهم (67) " خَلَف فم الصائم "، إذا تغيرت ريحه. وأما في تسكين " اللام " في الذمّ, فقول لبيد:

ذَهَـبَ الَّـذِينَ يُعَـاشُ فِـي أَكْنَـافِهِمْ

وَبَقِيـتُ فِـي خَـلْفٍ كَجِـلْدِ الأَجْرَبِ (68)

* * *

وقيل: إن الخلف الذي ذكر الله في هذه الآية أنهم خَلَفوا من قبلهم، هم النصارى.

* ذكر من قال ذلك:

15313- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " فخلف من بعدهم خلف "، قال: النصارى.

* * *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره، إنما وصف أنه خَلَف القومَ الذين قصّ قصصهم في الآيات التي مضت، خَلْف سوءِ رديء, ولم يذكر لنا أنهم نصارى في كتابه, وقصتهم بقصص اليهود أشبه منها بقصص النصارى. وبعدُ, فإن ما قبل ذلك خبرٌ عن بني إسرائيل، وما بعده كذلك, فما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم أشبه, إذ لم يكن في الآية دليل على صرف الخبر عنهم إلى غيرهم, ولا جاء بذلك دليل يوجب صحة القول به.

* * *

فتأويل الكلام إذًا: فتبدَّل من بعدهم بَدَل سوء, ورثوا كتاب الله فَعُلِّموه, (69) وضيعوا العمل به، فخالفوا حكمه, يُرْشَون في حكم الله, فيأخذون الرشوة فيه من عَرَض هذا العاجل " الأدنى ", (70) يعني ب " الأدنى ": الأقرب من الآجل الأبعد. (71) ويقولون إذا فعلوا ذلك: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا، تمنِّيًا على الله الأباطيل, كما قال جل ثناؤه فيهم: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ، [سورة البقرة: 79]= " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، يقول: وإن شرع لهم ذنبٌ حرامٌ مثله من الرشوة بعد ذلك، (72) أخذوه واستحلوه ولم يرتدعوا عنه. يخبر جل ثناؤه عنهم أنهم أهل إصرار على ذنُوبهم, وليسوا بأهل إنابة ولا تَوْبة.

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن اختلفت عنه عباراتهم.

* ذكر من قال ذلك:

15314- حدثنا أحمد بن المقدام قال، حدثنا فضيل بن عياض, عن منصور, عن سعيد بن جبير في قوله: " يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عَرَض مثله يأخذوه "، قال: يعملون الذنب، ثم يستغفرون الله, فإن عرض ذلك الذنب أخذوه.

15315- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن سعيد بن جبير: " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، قال: من الذنوب.

153116- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن سعيد بن جبير: " يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا "، قال: يعملون بالذنوب = " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، : قال: ذنبٌ آخر، يعملون به.

15317- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن سعيد بن جبير: " يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: الذنوب= " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، قال: الذنوب.

15318- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (يأخذون عرض هذا الأدنى) قال: ما أشرف لهم من شيء في اليوم من الدنيا حلالٌ أو حرام يشتهونه أخذوه, ويبتغون المغفرة, فإن يجدوا الغد مثلَه يأخذوه.

15319- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, بنحوه= إلا أنه قال: يتمنَّون المغفرة.

15320- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد, عن مجاهد: " يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، حلالا كان أو حرامًا, ويتمنون المغفرة, ويقولون: " سيغفر لنا "، وإن يجدوا عرضًا مثله يأخذوه.

15321- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " فخلف من بعدهم خلف "، إي والله، لَخَلْفُ سَوْء ورِثوا الكتابَ بعد أنبيائهم ورسلهم, ورَّثهم الله وَعهِد إليهم, وقال الله في آية أخرى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ، [سورة مريم: 59]، قال: " يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا "، تمنوا على الله أمانيّ، وغِرّةٌ يغتَرُّون بها. = " وإن يأتهم عرض مثله "، لا يشغلهم شيء عن شيء ولا ينهاهم عن ذلك, (73) كلما أشرف لهم شيء من الدنيا أكلوه، لا يبالون حلالا كان أو حرامًا.

15322- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: يأخذونه إن كان حلالا وإن كان حرامًا= " وإن يأتهم عرض مثله "، قال: إن جاءهم حلال أو حرامٌ أخذوه.

15323- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " فخلف من بعدهم خلف " إلى قوله: وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ، قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيًا إلا ارتشى في الحكم، وإن خيارهم اجتمعُوا، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا, (74) فجعل الرجل منهم إذا استُقْضِي ارتشى, فيقال له: ما شأنك ترتشي في الحكم؟ فيقول: سيغفر لي ! فيطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع. فإذا مات، أو نـزع, وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه، فيرتشي. يقول: وإن يأت الآخرين عرضُ الدنيا يأخذوه. وأما " عرض الأدنى ", فعرض الدنيا من المال.

15324- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا "، يقول: يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاءوا من حلال أو حرام, ويقولون: " سيغفر لنا ".

15325- وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: الكتاب الذي كتبوه= " ويقولون سيغفر لنا "، لا نشرك بالله شيئًا= " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، يأتهم المحقّ برشوة فيخرجوا له كتاب الله، ثم يحكموا له بالرشوة. وكان الظالم إذا جاءهم برشوة أخرجوا له " المثنّاة ", وهو الكتاب الذي كتبوه, فحكموا له بما في " المثنّاة "، بالرشوة, فهو فيها محق, وهو في التوراة ظالم, فقال الله: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ .

15326- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن سعيد بن جبير قوله: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: يعملون بالذنوب= " ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، قال: الذنوب.

* * *

القول في تأويل قوله : أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (169)

وقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " ألم يؤخذ "، على هؤلاء المرتشين في أحكامهم, القائلين: " سيغفر الله لنا فعلنا هذا ", إذا عوتبوا على ذلك= " ميثاقُ الكتاب ", وهو أخذ الله العهود على بني إسرائيل، بإقامة التوراة، والعمل بما فيها. فقال جل ثناؤه لهؤلاء الذين قص قصتهم في هذه الآية، موبخًا على خلافهم أمرَه، ونقضهم عهده وميثاقه: ألم يأخذ الله عليهم ميثاق كتابه، (75) ألا يقولوا على الله إلا الحق، ولا يُضيفوا إليه إلا ما أنـزله على رسوله موسى صلى الله عليه وسلم في التوراة, وأن لا يكذبوا عليه؟ كما: -

15327- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق "، قال: فيما يوجبون على الله من غُفران ذنوبهم التي لا يَزَالون يعودون فيها ولا يَتُوبون منها.

* * *

وأما قوله: " ودرسوا ما فيه "، فإنه معطوف على قوله: وَرِثُوا الْكِتَابَ ، ومعناه: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ , " ودرسوا ما فيه "= ويعني بقوله: " ودرسوا ما فيه "، قرأوا ما فيه، (76) يقول: ورثوا الكتاب فعلموا ما فيه ودرسوه, فضيعوه وتركوا العمل به, وخالفوا عهد الله إليهم في ذلك، كما: -

15328- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ودرسوا ما فيه "، قال: علّموه، علّموا ما في الكتاب الذي ذكر الله، وقرأ: بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ، [سورة آل عمران: 79].

* * *

قال أبو جعفر: " والدار الآخرة خير للذين يتقون "، يقول جل ثناؤه: وما في الدار الآخرة, وهو ما في المعادِ عند الله، (77) مما أعدّ لأوليائه، والعاملين بما أنـزل في كتابه، المحافظين على حدوده= " خير للذين يتقون الله "، (78) ويخافون عقابه, فيراقبونه في أمره ونهيه, ويطيعونه في ذلك كله في دنياهم= " أفلا يعقلون "، (79) يقول: أفلا يعقل هؤلاء الذين يأخذون عرض هذا الأدنى على أحكامهم, ويقولون: سَيُغْفَرُ لَنَا , أنَّ ما عند الله في الدار الآخرة للمتقين العادِلين بين الناس في أحكامهم, خير من هذا العرض القليل الذي يستعجلونه في الدنيا على خلافِ أمر الله، والقضاء بين الناس بالجور؟

-----------------

الهوامش :

(65) (3) انظر تفسير (( خلف )) فيما سلف ص : 122 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(66) (4) ديوانه : 254 ، وسيرة ابن هشام 3 : 283 واللسان( خلف ) ، وسيأتي في التفسير 11: 59 بولاق ، من قصيدة بكى فيها سعد بن معاذ ، في يوم بنى قريظة ورجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشهداء . وقوله : (( القدم الأولى )) ، يعنى سابقة الأنصار في الإسلام .وروى السيرة : (( في ملة الله تابع )) .

(67) ( 1) في المطبوعة والمخطوطة : (( منه قولهم )) ، وهو خطأ .

(68) (2) ديوانه ، القصيدة : 8 ، واللسان ( خلف ) ، وغيرها كثير . يرثي بها أربد ، صاحبه وابن عمه ، قال :قَــضِّ اللُّبَانَــةَ لا أَبَـالَكَ وَاذْهـبِ

وَالْحَــقْ بأُسْــرَتِكَ الكِـرام الغُيَّـبِ

ذَهَـــبَ الَّــذِين.................

ذَهَـــبَ الَّــذِين..................

يَتَـــأَكَّلُونَ مَغَالَـــةً وَخِيَانَـــةً

وَيُعَــابُ قَــائلُهُمْ وَإِنْ لَـمْ يَشْـغَبِ

يَــا أرْبَـدَ الخَـيْرِ الكـريمُ جُـدُودُهُ

خَــلَّيْتَني أَمْشِــي بِقَـرْنٍ أعْضَـبِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

إنَّ الرَّزِيَّـــةَ، لا رَزِيَّــةَ مِثْلُهَــا

فِقْــدَانُ كُـلَّ أَخٍ كَضَـوْءِ الكَـوْكَبِ

(( المغالة )) الفحش في العداوة والوشاية عن تعاديه ، و(( القرن الأعْضب )) ، المكسور ، يعنى أنه قد فتر حده بموت أربد .

(69) (1) في المطبوعة : (( تعلموه )) وصواب قراءة ما في المخطوطة ، هو ما أثبت

(70) (2) انظر تفسير (( عرض الدنيا )) فيما سلف 9 : 71 .

(71) (3) انظر تفسير (( الأدنى )) فيما سلف 2 : 131 .

(72) (4) في المخطوطة : (( وإن شرع لهم ذنباً )) ، سيئة الكتابة ، والذي في المطبوعة ليس يبعد عن الصواب ، وإن كنت غير راض عنه .

(73) (1) في المخطوطة : (( لا يسلعهم شيء ... )) سيئة الكتابة ، وكأن ما في المطبوعة صواب .

(74) (2) في المخطوطة : (( ولا يرتشى )) ، والصواب ما في المطبوعة .

(75) (1) انظر تفسير (( الميثاق )) فيما سلف 10 : 110 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(76) (2 ) انظر تفسير (( درس )) فيما سلف 6 : 546 / 12 : 25 - 31 / 12 : 241 .

(77) (3) انظر تفسير (( الدار الآخرة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أخر ) .

(78) (4) انظر تفسير (( التقوى)) فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) .

(79) (1) قراءة أبي جعفر كما هو بين {أَفَلا يَعْقِلُونَ} بإلياء ، وتفسيره جرى عليها ، فلذلك تركتها هنا كما فسرها ، وإن كنت قد وضعت الآية فيما سلف برسم مصحفنا وقراءتنا . ولم يشر أبو جعفر إلى هذه القراءة .

المعاني :

فَخَلَفَ :       فَجَاءَ السراج
خَلْفٌ :       بَدَلُ سُوءٍ السراج
وَرِثُوا الْكِتَابَ :       أَخَذُوهُ مِنْ أَسْلَافِهِمْ السراج
عَرَضَ هَذَا الأدْنَى :       مَا يُعْرَضُ لَهُمْ مِنْ دَنِيءِ الْمَكَاسِبِ؛ كَالرِّشْوَةِ السراج
عرض هذا الأدنى :       ما يعرض لهم من حُطام الدّنيا معاني القرآن
مِّيثَاقُ الْكِتَابِ :       الْعُهُودُ فِي التَّوْرَاةِ؛ بِإِقَامَتِهَا، وَالْعَمَلِ بِهَا السراج
وَدَرَسُوا مَا فِيهِ :       عَلِمُوا مَا فِي الْكِتَابِ، فَضَيَّعُوهُ السراج
درسوا ما فيه :       قرءوا و علموا ما في التوراة معاني القرآن

التدبر :

وقفة
[169] الحل لإنقاذ نفسك ليس عند أهل الإقتصاد، ولا عند أهل السياسة، ولا عند أهل القوة العسكرية، الحل لإنقاذ نفسك هو اتباع الصراط المستقيم.
وقفة
[169] ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ يتجرأون على المعصية احتجاجًا بأن الله غفور رحيم، ما أكثرهم اليوم!
وقفة
[169] تأمل أخي وصف من حذرنا الله من التشبه بهم في قوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا الْأَدْنَىٰ﴾؛ أي: عرض الحياة الدنيا: ﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، ثم تأمل ختم الآية بقوله: ﴿ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، فهل نعقل ما حذرنا الله منه وما أوصانا به؟
وقفة
[169] ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ بدل أن يشكروا مغفرته، تجرأوا على معصيته، ثق تمامًا أن المحروم دائمًا يفكر بهذه الطريقة المخذولة.
وقفة
[169] ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ بدلًا من أن يشكروا الله على نعمة المغفرة، كفروا بهذه النعمة واستمرؤوا العصيان.
وقفة
[169] ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ قال سعيد بن جبير: «كَانُوْا يَعْمَلُونَ بِالذُّنُوبِ ويَقُولُونَ سيُغْفَر لَنَا».
وقفة
[169] ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ هذه التوبة سابقة التجهيز! يأكلون الحرام، ويقولون: سنستغفر الله وسيغفر!
وقفة
[169] ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ سعة رحمة الله لا تجعل المذنب يأمن من مكر الله، فقد ذمّ الله المسرفين بالحرام وقلوبهم مطمئنة بالعفو.
وقفة
[169] ﴿عَرَضَ هَـٰذَا الْأَدْنَىٰ﴾ والعرض: الأمر الذي يزول ولا يدوم، ویراد به هنا المال، والأدنى: من الدنو بمعنى الأقرب؛ لأن متاع الدنيا عاجل قريب، أو من دنو الحال وسقوطها، وفي استخدام اسم الإشارة (هذا) إيماءة إلى تحقير هذا الذي رغبوا فيه.
وقفة
[169] ﴿عَرَضَ هَـٰذَا الْأَدْنَىٰ﴾ هذه الآية نزلت في المرتشين، فقد كان قضاة بني إسرائيل يأخذون الرشوة في الأحكام للتسهيل على العوام.
وقفة
[169] ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ يا ويح هؤلاء! ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها، إن السفينة لا تجري علي اليبس.
وقفة
[169] ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ ماذا دفعت من ثمن كي تشتري المغفرة؟! أم تظنها رخيصة أو بالمجان؟!
وقفة
[169] ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ قال معروف الكرخي: «طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور».
وقفة
[169] ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ قال الحسن البصري: «إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بلا حسنة، باعتقاد حسن الظن، وهو كاذب فيه، فلو كان صادقًا لأحسن العمل، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت 23]».
وقفة
[169] ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ عجیب شأن بعض المذنبين! يمشون على الأرض مطمئنين، وكأنهم أخذوا صكًّا من السماء بمغفرة رب العالمين!
وقفة
[169] ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ عكفوا على معصيته، ورددوا كلمتهم، يالَلُؤم بعض العباد!
وقفة
[169] ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾: فليس عليهم فيه إشكال، بل قد أَتَوا أمرهم متعمدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظم للذنب، وأشد للوم، وأشنع للعقوبة.
وقفة
[169] ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ نعيم الدنيا مهما بدا أنه عظيم؛ فإنه قليل تافه بجانب نعيم الآخرة الدائم.

الإعراب :

  • ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ:
  • الفاء: استئنافية. خلف: فعل ماض مبني على الفتح. من بعد: جار ومجرور في محل نصب حال من «خلف» لأنه صفة مقدمة و «هم» ضمير الغائبين في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ:
  • فاعل مرفوع بالضمة والجملة «بعده: في محل رفع صفة- نعت- له. ورثوا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. الواو ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف فارقة. الكتاب: مفعول به منصوب بالفتحة.
  • ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى:
  • الجملة: في محل رفع صفة ثانية لخلف.يأخذون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. عرض: مفعول به منصوب بالفتحة. هذا: اسم اشارة مبني على السكون في محل جر مضاف إليه. الأدنى: بدل من اسم الاشارة مجرور مثله وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف للتعذر.
  • ﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا:
  • ويقولون: معطوفة بالواو على «يَأْخُذُونَ» وتعرب إعرابها. سيغفر: السين: حرف تسويف- استقبال للقريب- يغفر: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع للتجرد بالضمة. لنا: جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل للفعل «يغفر» ويجوز أن يكون نائب الفاعل الأخذ الذي هو مصدر «يَأْخُذُونَ» وجملة «سَيُغْفَرُ لَنا» في محل نصب مفعول به للفعل «يقول».
  • ﴿ وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ:
  • الواو: حالية والجملة بعدها: في محل نصب حال بمعنى: يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم غير تائبين. إن: حرف شرط جازم. يأت: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بإن وعلامة جزمه: حذف آخره- حرف العلة- وبقيت الكسرة الدالة عليه و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم.عرض: فاعل مرفوع بالضمة. مثل: صفة- نعت- لعرض مرفوع مثله بالضمة والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل جر بالاضافة.
  • ﴿ يَأْخُذُوهُ:
  • فعل مضارع جواب الشرط وجزاؤه مجزوم بإن وعلامة جزمه حذف النون والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به.
  • ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ:
  • الهمزة همزة تقرير في لفظ استفهام. لم: حرف نفي وجزم وقلب. يؤخذ: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم وعلامة جزمه: سكون آخره. عليهم: جار ومجرور متعلق بيؤخذ. و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محل جر بعلى.
  • ﴿ مِيثاقُ الْكِتابِ:
  • ميثاق: نائب فاعل مرفوع بالضمة. الكتاب: مضاف إليه مجرور بالكسرة والمعنى: ميثاق في الكتاب.
  • ﴿ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ:
  • الجملة: في محل رفع عطف بيان لميثاق الكتاب.أي الميثاق المذكور في الكتاب ويجوز أن تكون مفعولا له معناه: لئلا يقولوا.ويحتمل أن تكون «إِنْ» مفسرة. لا: نافية لا عمل لها. يقولوا: فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه: حذف النون. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف: فارقة. على الله: جار ومجرور للتعظيم متعلق بيقولوا.
  • ﴿ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا:
  • إلا: أداة حصر لا عمل لها. الحق: مفعول به ليقولوا منصوب بالفتحة. ودرسوا: معطوفة بالواو على «أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ» لأنه تقرير فكأنه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه تعرب إعراب «وَرِثُوا».
  • ﴿ ما فِيهِ:
  • ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. فيه:جار ومجرور متعلق بصلة موصول محذوفة بتقدير: ما استقر فيه أو ما هو مستقر فيه. وصلة الموصول المحذوفة لا محل لها من الإعراب.
  • ﴿ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ:
  • الواو: استئنافية. الدار: مبتدأ مرفوع بالضمة الآخرة: صفة للدار مرفوعة مثلها بالضمة. خير: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة. أي خير من ذلك العرض الزائل.
  • ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ:
  • جار ومجرور متعلق بخير. الذين: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر باللام. يتقون: تعرب إعراب «يَأْخُذُونَ» وجملة» يَتَّقُونَ صلة الموصول.
  • ﴿ أَفَلا تَعْقِلُونَ:
  • الهمزة: همزة توبيخ بلفظ استفهام. الفاء زائدة- تزيينية- لا: نافية لا عمل لها. تعقلون: تعرب إعراب «يَأْخُذُونَ». '

المتشابهات :

الأعراف: 169﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ
مريم: 59﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [169] لما قبلها :     وبعد أن ذكرَ اللهُ عز وجل تفرق بني إسرائيل في البلاد؛ أخبر الله هنا أنه جاء من بعد هؤلاء أهل سَوْءٍ يخلفونهم، أخذوا التوراة من أسلافهم، يقرؤونها ولا يعملون بما فيها، ويزعمون أنه سيُغْفرُ لهم، قال تعالى:
﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

ورثوا:
وقرئ:
بضم الواو وتشديد الراء، وهى قراءة الحسن.
أن لا يقولوا:
وقرئ:
أن لا تقولوا، بالتاء، وهى قراءة الجحدري.
ودرسوا:
وقرئ:
وادارسوا، وهى قراءة على، والسلمى.
تعقلون:
1- بالتاء على الخطاب، وهى قراءة الجمهور.
وقرئ:
1- بالياء، جريا على الغيبة فى الضمائر السابقة، وهى قراءة أبى عمرو، وأهل مكة.

مدارسة الآية : [170] :الأعراف     المصدر: موسوعة الحفظ الميسر

﴿ وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ ..

التفسير :

[170] والذين يتمسَّكون بالكتاب، ويعملون بما فيه من العقائد والأحكام، ويحافظون على الصلاة بحدودها، ولا يضيعون أوقاتها، فإن الله يثيبهم على أعمالهم الصالحة، ولا يضيعها.

وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، يفوت نعيما عظيما باقيا فأنى له العقل والرأي؟ وإنما العقلاء حقيقة من وصفهم اللّه بقوله وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ أي:يتمسكون به علما وعملا فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار، التي علمها أشرف العلوم. ويعلمون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور القلوب، وأفراح الأرواح، وصلاح الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما يجب التمسك به من المأمورات، إقامة الصلاة، ظاهرا وباطنا، ولهذا خصها الله بالذكر لفضلها، وشرفها، وكونها ميزان الإيمان، وإقامتها داعية لإقامة غيرها من العبادات. ولما كان عملهم كله إصلاحا، قال تعالى:إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ في أقوالهم وأعمالهم ونياتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم. وهذه الآية وما أشبهها دلت على أن اللّه بعث رسله عليهم الصلاة والسلام بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنهم بعثوا بصلاح الدارين، فكل من كان أصلح، كان أقرب إلى اتباعهم.

ثم أثنى الله- تعالى- على من تمسك بكتابه، فأحل حلاله وحرم حرامه، ولم يتقول على الله الكذب فقال تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ.

والمراد بالكتاب التوراة أو القرآن أو جنس الكتب السماوية عموما.

والمعنى: والذين يستمسكون بأوامر الكتاب الذي أنزله الله ويعتصمون بحبله في جميع شئونهم إنا لا نضيع أجرهم لأنهم قد أصلحوا دينهم ودنياهم والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

وخص الصلاة بالذكر مع دخولها فيما قبلها إظهارا لمزيتها لكونها عماد الدين وناهية عن الفحشاء والمنكر.

وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد وبختا اليهود لافترائهم على الله الكذب وردتا عليهم في دعواهم أن ذنوبهم مغفورة لهم مع تعمدهم أكل أموال الناس بالباطل، وبينتا لهم طريق الفلاح لكي يسيروا عليها، إن كانوا ممن ينتفع بالذكر، ويعتبر بالمثلات.

ثم ختمت السورة الكريمة حديثها الطويل عن بنى إسرائيل بتذكيرهم بالعهد الذي أخذه الله عليهم، وبأمرهم بالإيمان والعمل الصالح فقالت:

فقال تعالى ( والذين يمسكون بالكتاب ) أي : اعتصموا به واقتدوا بأوامره ، وتركوا زواجره ( وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين )

القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)

قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأ بعضهم: (يُمْسِكُونَ) بتخفيف الميم وتسكينها, من " أمْسك يمسك ".

* * *

وقرأه آخرون: (يُمَسِّكُونَ)، بفتح الميم وتشديد السين, من " مَسَّك يُمَسِّك ".

* * *

قال أبو جعفر: ويعني بذلك: والذين يعملون بما في كتاب الله= " وأقاموا الصلاة "، بحدودها, ولم يضيعوا أوقاتها (80) = " إنا لا نضيع أجر المصلحين ". يقول تعالى ذكره: فمن فعل ذلك من خلقي, فإني لا أضيع أجر عمله الصالح، كما: -

15329- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " والذين يمسكون بالكتاب "، قال: كتاب الله الذي جاء به موسى عليه السلام.

15330- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال مجاهد قوله: " والذين يمسكون بالكتاب "، من يهود أو نصارى= " إنا لا نضيع أجر المصلحين ".

------------------------

الهوامش:

(80) (2) انظر تفسير (( إقامة الصلاة )) في فهارس اللغة ( قوم )) .

المعاني :

يُمَسِّكُونَ :       يَتَمَسَّكُونَ السراج

التدبر :

وقفة
[170] من أبرز صفات المصلحين وعلامات صدقهم: الاستمساك بالكتاب مع إقامة الصلاة.
عمل
[170] مصحفك قبل صفحتك، الأهم فالمهم، زاد الروح هو المهم، هلم إلى القرآن ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾.
وقفة
[170] ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ فإن قلتَ: التمسُّكُ بالكتاب يشتمل على كلِّ عبادة ومنها إقامة الصلاة، فكيفَ أفردت؟ قلتُ: إظهار لمزية الصلاة؛ لكونها عمادَ الدين، وفارقةً بين الكفر والإيمان.
لمسة
[170] ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ خصَّ الصلاة بالذكر، مع دخولها فيما قبلهَا، إظهارًا لمرتبتها، لكونها عمادَ الدين، وناهيةً عن الفحشاء والمنكر.
وقفة
[170] ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ القرآن والصلاة زاد المصلحين.
وقفة
[170] من أعظم ما يعين الداعية، أو المصلح، أو المحتسب، في أداء رسالته: تكميل نفسه بالقرآن والصلاة: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.
وقفة
[170] ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ إصلاح نفسك وإصلاح الآخرين عمل لن يضيع عند رب العالمين.
وقفة
[170] ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ أفضل أعمال العبد بعد الإيمان إقامة الصلاة؛ لأنها عمود الأمر.
وقفة
[170] ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ هذا كلام الله تعالى لا إصلاح بغير هاتين الصفتين: التمسك بالكتاب وإقامة الصلاة؛ أين أنت منهما؟! بقدر أخذك بهذه الصفات يكن إصلاحك لنفسك أولًا ثم إصلاحك للآخرين من حولك.
وقفة
[170] المصلحون بنص القرآن: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
وقفة
[170] صفتان تجعلك من المصلحين: الاستمساك بالكتاب، وإقامة الصلاة، تأمل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
وقفة
[170] التمسك بكتاب الله في جد وقوة، مع إقامة شعائر العبادة، هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة، تأمل: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾، وخُصَّت الصلاة بالذكر هنا دون سائر العبادات لفضلها وكونها ميزان الإيمان، وإقامتها داعية لإقامة غيرها من العبادات كما قاله المفسرون.
عمل
[170] اقرأ سورة من قصار المفصل، وطبق ما فيها من أعمال ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
عمل
[170] حافظ على الصلوات المفروضة مع الجماعة ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
وقفة
[170] أعظم ما ينبغي أن يتحلى به المصلحون -وهو سر تأثيرهم وعظم أجرهم-: إصلاحهم لأنفسهم أولًا ولغيرهم ثانيًا بالقرآن والصلاة، تدبر: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾، ﴿ يُمَسِّكُونَ﴾ قرئت بالتخفيف؛ أي: هم أنفسهم يمسكون، وبالتشديد أي: يمسكون غيرهم.
وقفة
[170] المصلحون حقًا هم المستمسكون بالكتاب ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
وقفة
[170] ﴿يُمَسِّكُونَ﴾: فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك بكتاب الله تعالى وبدينه، فبذلك يُمدَحون؛ فالتمسك بكتاب الله والدين يحتاج إلى الملازمة والتكرير.
وقفة
[170] ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ المصلحين لغيرهم؛ لن يندموا على ما قدموه، من نصح، وتوجيه، وأمر بمعروف ونهي عن منكر؛ فإن مما يَطمئنُّ به قلب المصلح أن الله لا يضيع أجره.
وقفة
[170] ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ رُبَّ تسبيحة من إنسان أفضل من ملء الأرض من عمل غيره.
وقفة
[170] ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ لم يقل (الصالحين)؛ تربية قرآنية على الفاعلية والإيجابية.
لمسة
[170] ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ جاءت للعموم وهي أشمل ولم يقل تعالى: (لا نضيع أجرهم) للأفراد، ولكون المذكورين دخلوا في المصلحين لا يكون الجواب منحصرًا بهؤلاء.
عمل
[170] ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ لا تكتفِ بصلاح نفسك فقط، بل اسعَ لصلاح مَن حولك، فإذا فعلت ذلك كان لك الأجر مرتين.

الإعراب :

  • ﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ:
  • الواو: استئنافية. الذين: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. يمسكون: أي يتمسكون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. بالكتاب: جار ومجرور متعلق بيمسكون وجملة «يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
  • ﴿ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا:
  • الواو: عاطفة. أقاموا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. الواو ضمير متصل في محل رفع فاعل والألف فارقة والجملة: معطوفة على «يُمَسِّكُونَ» وعلى تقدير «مسكوا» الصلاة مفعول به منصوب بالفتحة. إنّ: حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب اسمها.
  • ﴿ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ:
  • الجملة: في محل رفع خبر «إن» لا: نافية لا عمل لها. نضيع: فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن. أجر: مفعول به منصوب بالفتحة. المصلحين.مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم والنون عوض عن تنوين المفرد وحركته. والجملة من «إن مع اسمها وخبرها» في محل رفع خبر المبتدأ «الَّذِينَ» وثمة وجه ثان لإعراب «الَّذِينَ» وهو عطفه بالواو على «الذين يتقون» في الآية الكريمة السابقة فيكون في هذه الحالة في محل جر لأنه معطوف على مجرور وجملة «إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ» اعتراضية لا محل لها. '

المتشابهات :

الأعراف: 170﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ
الكهف: 30﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا

أسباب النزول :

لم يذكر المصنف هنا شيء

الترابط والتناسب :

مُناسبة الآية [170] لما قبلها :     وبعد أن ذمَّ اللهُ عز وجل الخَلْفَ الذين يقيمون على المعصية ويزعمون أنه سيُغْفرُ لهم؛ مدحَ هنا المصلحين الذين يتمسكون بالكتاب ويهتدون بهديه، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ

القراءات :

جاري إعداد الملف الصوتي

يمسكون:
قرئ:
1- يمسكون، من أمسك، وهى قراءة عمر، وأبى العالية، وأبى بكر عن عاصم.
2- يمسكون، بالتشديد، من مسك، وهى قراءة الجمهور.
3- استمسكوا، وهى قراءة عبد الله، والأعمش.
4- تمسكوا، فى حرف أبى.

البحث بالسورة

البحث في المصحف